عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


السبت، ٩ حزيران ٢٠١٢

في ذكرى تنحي عبد الناصر عن الحكم!!

متابعات

في ذكرى تنحي عبد الناصر عن الحكم!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    بعد أن حقق التحالف الإسرائيلي الغربي أهدافه من حرب حزيران، وبعد أن تمكن هذا التحالف من توجيه تلك الضربة المؤلمة لقيادة جمال عبد الناصر، وبعد تلك الصدمة المرعبة التي أصابت الدنيا كلها نتيجة تلك الهزيمة، لم يكن أمام جمال عبد الناصر إلا أن يبكي، وهو يعلن تنحيه عن الحكم، ويعلن في مرارة أنه المسئول عما جرى، وأنه يتحمل كامل المسئولية عن نتائج حرب حزيران.. جماهير الشعب العربي في مصر، وفي فلسطين، وفي كل أرض العرب خرجت في يومي الجمعة والسبت التاسع والعاشر من حزيران عام سبعة وستين وتسعمائة وألف باكية منتحبة في ليل الهزيمة تطالب الرئيس جمال عبد الناصر بالعدول عن التنحي، والعودة في الحال لممارسة مهام الحكم... لا زلت أذكر جيّدًا خروج الناس هنا في نابلس في ليل الجمعة، بينما كان الظلام الدامس يلف كل شيء لانقطاع التيار الكهربائي.. وهم يبكون ويصرخون، ويناشدون عبد الناصر أن يعدل عن استقالته، وأن يعود لقيادة الأمة العربية من جديد نحو النصر، ونحو تحقيق أهداف الأمة العربية.. لقد كانت ساعات رهيبة تلك التي زحفت فيها كل جماهير الأمة العربية من محيطها إلى خليجها تجدد البيعة لعبد الناصر، وتناشده أن يعود إلى قيادتها من جديد.

    في يوم الأحد/الحادي عشر من حزيران/ استجاب عبد الناصر لنداءات الأمة متخذًا كثيرًا من الإجراءات لإعادة بناء القوات المصرية المسلحة، ورفع روح الجند المعنوية، ومواساة الأمة في مصابها، ومعاهدتها على إزالة آثار العدوان، والتمسك بكافة حقوق الشعب العربي الفلسطيني في بلاده فلسطين، والعمل بكل عزم وإصرار على إحقاق هذه الحقوق، وعلى تحقيق أهداف أمة العرب من محيطها إلى خليجها... وكانت حرب الاستنزاف.. وكانت تضحيات جيش مصر من جديد.. وكانت وفاة عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول من العام سبعين وتسعمائة وألف.. وكانت بعد ذلك بسنوات ثلاث حرب العاشر من رمضان التي تمكن فيها جيش مصر في السادس من تشرين الأول من العام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف من عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف الحصين، والتقدم في سيناء شمالاً نحو جنوب فلسطين.

    ما أشبه الليلة بالبارحة!! وما أشبه هذه الأيام بتلك!! فلئن خرج الفلسطينيون والعرب وكثير من الناس في هذا العالم في مثل هذه الأيام يبكون وينتحبون؛ فإنهم في هذه الأيام أيضًا يبكون وينتحبون.. ولئن كانوا في مثل هذه الأيام من عام "النكسة" ذاك يائسين بائسين محبطين لا يصدقون ما يجري ويدور في بلادهم من أحداث وحوادث ونكبات جديدة ، فإنهم لكذلك في هذه الأيام أيضًا لا يصدّقون ما يدور في اليمن، وفي ليبيا، وفي البحرين، وفي القطر العربي السوري، وفي مصر وتونس أيضًا، وفي أرض فلسطين كل فلسطين، وفي العراق العربي، وفي أفغانستان وباكستان، وفي كل أرض العرب، وكل أراضي المسلمين!!.. ولئن كانوا في مثل هذه الأيام من عام المذلة ذاك، ومن عام النكبة الذي سبقه ببضعة عشر عامًا يلطمون الخدود، ويشقون الجيوب؛ فإنهم اليوم أيضًا يلطمونها ويشقونها، بل إن كثيرًا من شبابهم وفتيانهم وشيوخهم يعيشون الضَّياع والتمزق والألم المُمِضّ.. ولئن بكى كثيرٌ من الفلسطينيين، وكثير من العرب، وكثير من المسلمين في هذه الأيام، ولئن هزتهم الفواجع والكوارث، وصور الضحايا، وأخبار هذه الصراعات التي تُدمي هذا الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه في هذه الأيام  التي تشبه تلك؛ فإنهم لا يفعلون ذلك مطالبين عبد الناصر بالعودة إلى الحكم.. وإنما لهذا الصراع الدامي الذي يغشى كل الساحات، ويعصف بكل الأوطان، ولهذه النكبات والصدمات التي حلت بكل العرب، وبكل المسلمين بشكلٍ غير مسبوق، ولهذه الفتن التي تهدد هذا الوطن العربي بمزيدٍ من الكوارث والنكبات، وبمزيدٍ من  التمزق والتفرق والتشتت والانهيار، وبمزيدٍ من الفوضى التي لا يستفيد منها إلا أعداء العروبة والإسلام.

    ما أشبه الليلة بالبارحة! وما أشبه هذه الأيام بتلك التي تقابلها من عام الرمادة والمهانة ذاك! فالضعف هو الضعف.. والعجز هو العجز.. والدسيسة، والتناحر، والتنابذ، والتدابر، والقطيعة، والخصام، والاقتتال والاحتراب سيد الموقف.. وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!! ولئن أدى ذاك التحالف الذي استهدف مصر واستهدف جمال عبد الناصر في حرب حزيران، فيما أدى إليه إلى هزيمة مصر، وهزيمة عبد الناصر.. ولئن تمكن أولئك المتحالفون من اغتيال جمال عبد الناصر فيما بعد، لأنه رفض الهزيمة، ولأنه أصر على استرداد الأرض المحتلة، ولأنه القائل إن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ولأنه الذي أعلنها مدوية على رؤوس الأشهاد: سنحررها شبرًا شبرًا.. ولئن فقد العرب برحيل عبد الناصر قائدًا عربيًّا عروبيَّا مخلصًا بنى مصر العربية، ونشر الوعي، والحماسة الوطنية، ومناهضة الاستعمار في كل الأرض العربية، وبشر بالمشروع العربي فوق كل أرض العرب.. ولئن كثر في تلك الأيام السوداء من تاريخنا الحديث أعداء عبد الناصر، فإن الوفاء لذكرى هذا الرجل يستدعي الثناء عليه، والترحم على ذكراه، وضرورة السير على خطاه: أرض العرب للعرب.. لا عاش بيننا جبانٌ، ولا عاش بيننا متآمر!! يستدعي الوفاء لعبد الناصر، وذكرى عبد الناصر أن يبكيه الفلسطينيون، وأن يبكيه السوريون، وأن يبكيه كل العرب الشرفاء الذين رفضوا، ويرفضون، وسيرفضون كل مشاريع الغرب على أرض العرب.

   في ذكرى التاسع والعاشر من حزيران، وفي ذكرى استجابة عبد الناصر لنداءات العرب، وعودته إلى الحكم في الحادي عشر منه نقول: إن كل ما يجري على الأرض العربية اليوم من حوادث وأحداث ليدل دلالة قاطعة على أن المعركة بين أمة العرب والغرب لم تتوقف، وأنها مستمرة: فالغرب يريدها أمة ضعيفة ممزقةً تابعة له، سائرة في فلكه، والعرب يريدونها أمة قوية عزيزة مرهوبة الجانب مستقلة لا تعرف الخضوع لغير الله.. إن كل هذا الذي يجري يؤكد من جديد حاجة هذه الأمة العربية لرجلٍ حديديٍّ صُلب يبني أمجاد العروبة، ويقارع الطغيان والاستعمار وأعوان الاستعمار، والاستبداد والاستعباد، وكل محاولات الغرب لفرض سيطرته وهيمنته على أرض العرب، وكل محاولات الغرب لتمزيق هذا الوطن العربي، وتفتيته، والقضاء المُبرم على كل آمال العرب وطموحاتهم، وأهدافهم في الوحدة والحرية والتحرر والاستقلال.

   وفي ذكرى التاسع والعاشر والحادي عشر من حزيران نجدد العهد والوفاء لكل القادة العرب  الشرفاء في كافة أقطارهم وأمصارهم.. ونجدد العهد والوفاء لقائد العروبة الفذّ جمال عبد الناصر، ولفكره القومي العربي الوحدوي التقدمي الذي لا يهادن، ولا يساوم، ولا يحني هامته إلا لله.

9\6\2012

 

الاثنين، ٤ حزيران ٢٠١٢

في الذكرى الخامسة والأربعين لحرب حزيران!!

ِمتابعات

في الذكرى الخامسة والأربعين لحرب حزيران!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

   إذا كان صحيحًا أن الشدائد والمصائب والمصاعب والنكبات والانتكاسات والنكسات والهزائم هي التي تصنع الأمم والشعوب، وأن المخاطر والأخطار والأهوال هي التي توحد الصفوف، وتجمع الناس على مقاومتها، ومقارعتها، والتصدي لها، واستخلاص النتائج والعبر والدروس المستفادة منها.. وإذا كان صحيحًا أن هذه الشدائد والنكبات أيضًا هي دوائر في حلقاتٍ يؤدي سابقها إلى لاحقها حتى يفيق الغافلون من غفلتهم، ويتصدَّوا للاّحق وصولاً إلى السابق.. وإذا كان صحيحًا أن النكبة الكبرى التي تجرعنا مرارتها في العام الثامن والأربعين من القرن الماضي قد أدت فيما أدت إليه إلى هزيمة العرب في العام السابع والستين من ذلك القرن، وأن كل جهود العرب التي بُذِلَت لاستعادة الحقوق خلال المسافة الفاصلة بين تلك النكبة، وتلك الهزيمة التي أعقَبتها قد باءت بالفشل والخسران على كل الأصعدة السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية والفكرية والتعبوية لأسباب كثيرة منها هذا الإنسان العربي المهزوم المأزوم المهزوز المقموع الكاذب المنافق الذي داست كرامته الأنظمة الاستبدادية التي أذلت الإنسان، وأضاعت الأوطان، وأثبتت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الأمة المهزومة المقهورة الممزقة المنقسمة على نفسها لا يمكن أن تردَّ عدوانًا، ولا يمكن أن تحمي أوطانًا، ولا يمكن أن تُعلي بنيانًا، كما أثبتت بما لا يدع أدنى مجال للشك أن الانتصارات المؤزرة لا تحرزها إلا الأمم القوية التي جمعت شملها عقيدة واضحة السمات والقسَمات والمعالم، ووحد كلمتها مبدأ أنار سواء السبيل للناس، وقادها نحو النصر على النفس أولاً وعلى الخصم الطامع المتربص ثانيًا نظام أحق حقًّا، وأقام عدلاً، وأرسى دعائم إنصاف وعدالة ومساواة بين الناس، وأنار دربًا سديدًا، ونهجًا رشيدًا يسير عليه الحاكم والمحكوم بخطًى مبصرة واثقة يعرف كلٌّ من خلالها جيّدًا حدوده، ويعرف كلٌّ في كل خطوة يخطوها ما له وما عليه.. ووضع لها العلامات الواضحة والإشارات والتوجيهات والتعليمات على كل مساراتها ومداراتها ومساربها وطرقاتها وتوجهاتها وفضاءاتها، وفي كل شأن من شؤون حياتها دستورٌ لم يجامل، ولم يمالئ، ولم يحابِ أحدًا، ولم يرفع أحدًا على حساب أحد.. دستور وضع النقاط على الحروف من أجل ضمان العدل والعدالة، ومن أجل صنع أمة واحدة موحدة قوية تعيد صنع الحياة على هذه الأرض، وتعيد بناء الإنسان المتوازن المتزن المبدع القوي الفاعل في التاريخ.. إذا كان كل هذا صحيحًا، وهو صحيح، فإنّ العرب مطالبون- يقينًا- باستخلاص الدروس والعبر من كل تجارب الماضي، ومن كل هزائم الماضي التي عشناها، وعاشها كل أهل هذه الديار جيلاً بعد جيل.

   ولئن أخفقَ العرب، ولم يتمكنوا من فعل شيء لفلسطين والفلسطينيين قبل النكبة، وفي أثناء صناعتها وتجسيدها على أرض فلسطين، وفي السنوات التي أعقبتها أيضًا، فلأنهم كانوا في غالبيتهم جهلَة منقسمين على أنفسهم متحالفين مع أعدى أعدائهم، تابعين للأجنبي، ينفذون خططًا ومخططات يرسمها الغرب لكل ديار العروبة والإسلام، ولأنهم لم يكونوا جادّين في فعل شيء، ولأن من كان منهم جادًّا سلط عليه الغرب أعوانه وأتباعه، ثم تدخل هو بنفسه للقضاء على طموحاته وأحلامه وآماله إن فشل الأعوان والأتباع... ولقد أسفرَ هذا كله، وكثير كثير غيره عن ضياع ذلك الجزء الأكبر من فلسطين في عام النكبة، وعن ضياع ما تبقى منها بعد ذلك في حرب حزيران.. شهر الآلام والإحباطات والانهيارات والأحزان.

   ولئن تمكن الفلسطينيون بعد تلك "النكسة" التي حلَّت بهم من فرض وجودهم على أرضهم المحتلة هذه بطريقة أو بأخرى، ولئن تمكنوا من رفع صوتهم بشكل أو بآخر في الشأن السياسي والاقتصادي والمعيشي والصحي والتعليمي، ولئن تمكنوا من حماية مدارسهم ومساجدهم وكنائسهم وعياداتهم ومشافيهم وأرضهم التي احتلها الآخرون أيضًا من كل أشكال التحكم والعدوان، ولئن تمكّن قادتهم وزعماؤهم المحليون من قول كلمتهم في كثير من شؤون حياتهم الثقافية والاقتصادية والسياسية والإدارية، ولئن استطاعوا (في كثير من الأحيان) أن يردّوا الصاع صاعين لهذا الاحتلال ولإدارته، ولأحلامه، وأطماعه، ومخططاته، التي تستهدف وضع اليد على هذه الديار وإنسان هذه الديار بمختلف الوسائل، وشتى الطرق والأساليب، وكافة أشكال الإغراء والإغواء والترغيب والترهيب، فإن هؤلاء المحتلين قد عمدوا إلى أسلوب مختلف للنيل من ثبات هؤلاء الناس على أرضهم، وللنيل من إصرارهم على تقرير مصيرهم بأنفسهم، وللنيل من جرأتهم على قول كلمتهم مهما كلف الأمر.. لقد عمدوا إلى محاولة فرض الحلول علينا في هذه الديار من خلال تسويات "كامب ديفيد"، ومن خلال حلول تضمن لهم البقاء في ذلك المحتل منذ عام ثمانية وأربعين، وتضمن لهم في الوقت نفسه وجودًا فاعلاً في المحتل منذ عام سبعة وستين وصولاً للسيطرة الكاملة عليه بمرور الوقت، وعلى مراحل كما هو معروف من خلال تجربة الفلسطينيين على الأرض منذ اتفاقات أوسلو التي عارضها كثير من الفلسطينيين هنا في المحتل من الأرض، وعارضها أيضًا معظم الفلسطينيين في دول المواجهة، وفي الشتات، وعارضها كذلك كثير من العرب في دول الطوق.

   ولقد كانت نتيجة ذلك كله أن ألقى الاحتلال بكل ثقله في اتجاهين: أما الأول فهو مضاعفة الجهود لتهويد القدس وتكثيف الاستيطان في معظم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأما الثاني فهو الدخول في مفاوضات هزلية لكسب الوقت من أجل تنفيذ المخططات والخطط التي تستهدف ابتلاع الأرض وزرعها بالمستوطنات، ومحاصرة المدن والقرى العربية حصارًا كاملاً أو شبه كامل مستفيدًا في هذا كله من تلك التقسيمات الأوسلوية لأرض الضفة الغربية، وتصنيفها بين (أ) و(ب) و(ج).. تلك التصنيفات التي نصت على أن مناطق (ج) البالغة مِساحتها 69% من أرض الضفة الغربية البالغة مساحتها (5879 كم2) هي مناطق إسرائيلية، وأن مناطق (ب) البالغة مساحتها 23% من مساحة هذه الضفة هي مناطق يخضع الأمن فيها للإسرائيليين، وأن 8% من هذه الضفة (470 كم2)، هي مناطق تحت حكم الفلسطينيين، ومع هذا فقد توالت الاجتياحات لكثيرٍ من المناطق المصنفة (أ) منذ انتفاضة الأقصى، وحتى أيامنا هذه، تلك الاجتياحات التي لم يكن آخرها ما حصل في نابلس ليلة القبض على حسام خضر ورفاقه ليل الأربعاء الخميس 2/6/2011، بل إن ما حصل في معظم تلك المناطق، ولا يزال يحصل ليدلُّ دلالةً قاطعةً على أن أوسلو لم تعطنا شيئًا أكثر من أن تكون مدن الضفة الغربية جيوبًا داخل أرض إسرائيل ليس إلا، ولا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن يجادل في هذا بعد مرور نحو عشرين عامًا على توقيع تلك الاتفاقات.

   ليس هذا ما جئت هنا لأقوله ونحن نحيي اليوم هذه الذكرى الخامسة والأربعين لحرب حزيران، ولأحزان حرب حزيران التي عشناها (نحن المتقدمين في السن) بكل ما فيها من رعب وخوف وحسرة وتمزق، ثم كانت إرادة الله أن تمتد بنا هذه الحياة لنرى هذين المؤشرين الكبيرين يلوحان في سماء هذه القضية الفلسطينية التي طال عليها الزمن.. هذان المؤشران لابد من التوقف عندهما قليلاً لنرى التحول في سير الحوادث والأحداث في هذه الديار منذ نشأة القضية الفلسطينية، مرورًا بحرب سبعة وستين، ولا أقول انتهاء بيومنا هذا من شهرنا هذا في بلدنا هذا، وإنما أقوله وصولاً إلى هذا الخامس من حزيران، بعد خمسةٍ وأربعين عامًا بالكمال والتمام على ذلك الخامس الأسود الذي أحال حياتنا جحيمًا، ولا نزال نعيش كابوسه المرعب، وإن كنا قد وضعنا أرجلنا على بداية طريق قد يجعل من هذه الذكرى البشعة بوابة نصر على الأحزان، وبوابة نصر على اليأس، وبوابة نصر على الأوهام، وبوابة نصر للإنسان وللأوطان وللحرية ولإرادة هذه الشعوب العربية التي تصارع من أجل حريتها وكرامتها، ومنها وعلى رأسها ربما شعبنا العربي الفلسطيني بشقيه المقيم هنا على أرض الوطن، والمشرد في الآفاق هناك فوق كل أرض وتحت كل سماء.

   جئت هنا لأقول إن هذا الخامس قد أتى بشيء جديد كان قد أتى به سابقه الخامس عشر من أيار هو هذا المد الهادر، والموج الصاخب المتلاطم، والزحف الثائر الممتلئ قوة وعنفوانًا وإصرارًا على العودة إلى فلسطين!! صحيح أن الفلسطينيين والعرب الذين شاركوا في ذلك الزحف إنما أرادوا توجيه رسالة صارخة صاخبة هائجة مائجة إلى المجتمع الدَّوْلي كي يكف عن خوفه، أو تواطئه، أوتجاهله لحق الفلسطينيين في العودة، والعيش بكرامة فوق أرض وطنهم، والعيش بكرامة في مدنهم وقراهم ومزارعهم وديارهم التي أُبعِدوا عنها، وهُجِّروا منها عام ثمانية وأربعين، وعام سبعة وستين.. وإذا كانت هذه الرسالة قد وصلت، وإذا كان المجتمع الدولي قد فهم ما يريده الفلسطينيون والعرب المضيفون في أقطارهم المجاورة لفلسطين، فإن تكرار مثل هذا الزحف ضروري في كل مناسبة كهذه لإرسال مثل هذه الرسائل إلى أن تتحقق أهداف هذا الشعب العربي الفلسطيني في العودة إلى أرضه وممتلكاته ودياره في فلسطين كل فلسطين، لأنّ هذا من حقه، ولأنّ هذا ما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية، ولأنّ هذا هو الحل، ولأنه بدون هذا قد لا يكون هنالك حل، وقد لا يكون هنالك سلم، وقد لا يكون هنالك أمن وأمان.. وإذا كنا حريصين على هذا كله توّاقين للسلام العادل، فإن هذا ما ينبغي على المجتمع الدولي أن يعمل من أجل وضعه موضع التنفيذ.. وجئتُ هنا لأذكّر باقتراح الجنرالات الصينيين، وبنصيحة ماوتسي تونغ لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك (أحمد الشقيري) إن أراد الفلسطينيون تحرير فلسطين، وبقي أن أشير إلى أن هذا الزحف قد يكون البداية لذاك الزحف الذي اقترحوه.. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن تحقيق هدف الفلسطينيين في العودة بسلام سيحول حتمًا دون حدوث ذلك الزحف الكبير، وسيحول بالتالي دون وقوع كل هذه الضحايا التي تحدثت عنها وسائل الإعلام قبل تسعةٍ وأربعين عامًا من هذه الأيام.

   وجئت هنا لأقول إن ما أنجزه كل هؤلاء وأولئك، وإن ما حققه الغرب في مصر بعد وفاة عبد الناصر وحتى ثورة الخامس والعشرين من يناير قد تبدد، وقد عاد هذا الغرب بالتالي إلى المربع الأول، وإن كل ما بناه الغرب، وما سيبنيه أيضًا، وما يحاول بناءه هنا وهناك في مصر وفي تونس، وما يحاول أن يفعله في بعض أقطار العروبة لن يمكّنه من أعناق هذه الأمة، ولن يتمكن معه من إخضاعها، ومن السيطرة عليها ومن تقسيم أوطانها.. فها هي مصر تعود إلى العرب من جديد، وها هي تونس أيضًا تعود إلى الحظيرة العربية من جديد، على الرغم من كل جهود الغرب للعودة إليهما، وعلى الرغم من كل محاولات قِوى الثورة المضادة للانقضاض عليهما.. كما جئت هنا لاقول في هذا السياق إن كل ما يجري على أرض سوريا لن يعيد الغرب إليها، وإن النظام السوري الذي يتمسك به كثير من اللبنانيين، وكثير من الفلسطينيين، والغالبية الساحقة من السوريين، وكثير من العرب، وكثير من دول الشرق، وكثير من دول أمريكا اللاتينية، وكثير من شعوب العالم هو نظام للمقاومة العربية، والممانعة العربية، وهو نظام يحتفظ برصيد هائل وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا وفلسطينيًّا.. بقي أن أقول في هذا السياق أيضًا إن كثيرًا من السوريين مظلومون، وإن كثيرًا من السوريين هم ضحايا هذه الحرب العمياء التي كان وراء تفجيرها من كان، وما كان! وإن كثيرًا من السوريين المعارضين كانوا ولا زالوا ينطلقون من منطلقات وطنية، ولكنهم أخطأوا الوسيلة والأسلوب، فما كان لعربي أن يقتل عربيًّا، وما كان لشقيق أن يقتل شقيقه، وما كان لرفيق أن يقتل رفيقه، وما كان لسوري أن يقتل سوريًّا!! وبقي أن أقول في هذا السياق إن كثيرًا من المعارضين السوريين غاضبون بسبب عدم جدّيّة النظام في تحرير الجولان العربي السوري المحتل، وعدم جدية النظام في الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية، وإلى جانب شعب فلسطين العربي.. وإذا كان هؤلاء المعارضون السوريون جادّين في هذا، وإذا كانت منطلقاتهم عروبية وطنية إلى هذا الحد فإن ما يطمحون إليه هو تصحيح مسار النظام القائم، أو استحداث نظام سياسي جديد يتخذ من استراتيجية العمل العسكري السياسي وسيلة لتحرير الجولان، ووسيلة لتحرير فلسطين، وهذا معناه باختصار شديد أن الغرب سيجد في سوريا دائمًا قلعة للعروبة، وقلعة للمقاومة، وقلعة للممانعة، وقلعة للتحرير والتحرر، وقلعة لنصرة لبنان، وقلعة لنصرة فلسطين، وقلعة تقف لكل مشاريعه بالمرصاد لسبب بسيط هو أن سوريا دائمًا هي سوريا، وأن سوريا دائمًا ستظل عصية على الركوع والاستسلام، وستظل عصية على الطامعين المتربصين، وعلى الحالمين بالمشاريع الخيالية الخرافية على الأرض العربية، وعلى كل الحالمين بإزالة سوريا عن الخريطة!!.

   في الذكرى الخامسة والأربعين لحرب الخامس من حزيران نقول: يا حزيران.. يا بوابة النصر على الأحزان.. لقد علمتنا أن الشعوب هي التي تنتصر دائمًا.. لقد علمتنا أن الأمة العظيمة التي تصنع التاريخ هي الأمة القوية الحرة التي لا مكان فيها لجاهل أو متخاذل أو تابع أو مندس يُبطن خلاف ما يظهر.. وأن الأمة العظيمة هي الأمة التي تحدد أهدافها وغاياتها، وتسعى بثقة وقوة وحزم وعزم من أجل تحقيق هذه الأهداف والغايات، وهي الأمة التي تؤمن بالعدل والعدالة والإنسانية والسَّلم والأمن الدوليين وسيلةً لتحقيق سعادة الإنسان، وغايةً ينبغي أن يتعاون المجتمع الدولي من أجل وضعها موضع التنفيذ.

   وفي هذه الذكرى الخامسة والأربعين لتلك الحرب لا يسعنا إلا أن نجدد الدعوة إلى وحدة العرب فوق كل أرض العرب، ولا يسعنا إلا أن ندعو هذه الأمة إلى مزيدٍ من الوعي والعمل الجادّ من أجل صنع الإنسان العربي الجديد، والنظام السياسي العربي الجديد الذي يحترم هذا الإنسان، ويحترم حقه في العيش بأمنٍ وأمانٍ وحريةٍ واحترام، ويحترم حقه في القول والتفكير والتعبير، ويحترم رغبته في التحرر والانطلاق والانعتاق من الأغلال والسلاسل والقيود والتبعية للأجنبي المستهتر بهذه الأمة، المجترئ عليها، الطامع فيها، الحالم بالسيطرة على ثرواتها ومقدراتها، وحرمان شعوبها من أبسط حقوقها في العيش الآمن الحر الكريم.

5/6/2012

 

 

 

 

السبت، ٢ حزيران ٢٠١٢

زواج!!

إعادة

زواج!!

أ. عدنان السمان

    صديقُ طفولتي "جلال" يحتفظُ بكثيرٍ من الحيويةِ والنضارةِ والشبابِ رغمَ تَقدُّمِه في السنّ.. ماتتْ زَوْجُهُ منذُ مدة.. لا يرغبُ في العيشِ مَعَ أحدٍ من أبنائِه.. قادر على توفيرِ ما يلزمُ البيت.. صحتُهُ جَيّدة.. عرضَ عليهِ "أولادُ الحلالِ" أن يقترنَ بأرملةِ الحيَّ الجميلةِ التي لَزِمَتْ بيتَها، وَعَزَفَتْ عن التّفكيرِ بمتاعِ الحياةِ بعدَ وفاةِ المرحوم.

    أقنَعها أولادُ الحلالِ بأنَّ صديقي "جلال" هو الزوجُ المناسبُ الذي قد يُؤنس وحْدَتَها، ويبدّدُ وحشَتَها، ويخرجُها من عُزلتِها بما يتمتعُ بهِ من الحكمةِ والتجربةِ، وطيبةِ القلبِ، والمكانةِ الاجتماعيةِ، والقدرةِ على الإنفاق.

    كما قامَ هؤلاءِ أيضًا بالدَّورِ نفسِهِ في إقناعِ "جلال" بأنَّ أرملةَ الحيَّ الجميلةَ بحاجةٍ إلى رجلٍ يتبنّاها، وزوجٍ يحميها، ويُعيدُ إليها الثقةَ بالنفسِ، ويبعثُ فيها حبَّ الحياةِ من جَديد.. وهذه هي طبيعةُ الحياةِ، وسُنَّةُ اللهِ في خَلْقِه.. ولنْ تجدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلا.

    قال جلال: ماذا يريدُ هؤلاءِ الرفاقُ مني بعد أن بلغَ الكبرُ مني مبلَغَهُ؟

    قلتُ: يريدونَ أن تعيشَ حياتَك أيُّها الصديق.

    قال: إنني أعيشُها كما أريد.. لا كما يريدون..

    قلت: الحياةُ بدون امرأةٍ ليستْ حياة.

    قال: عجيب أمرُك.. إن لَكَ في كل يومٍ رأياً فيهِنّ!!

    قلت: أبداً والله، إن رأيي فيهنَّ لم يتغيّرْ منذُ عرفتُهنّ.. وإنني أتّفق في ذلكَ معَ صديقنا الشاعرِ إذ يقولُ:

    بِسوى المرأة عَيْش لا يَسُوغْ

    فَهْيَ أَصْل في ذَكاءٍ وَنُبوغْ

    وأرى أَسْعَدَ شَيْءٍ في الدُّنا

    رَجُلاً واصَلَها مُنذُ الْبُلوغْ

    قال: لِلهِ دَرُّك! ولا فُضَّ فمْ شاعرنا.. قل لي: وماذا بشأنِ أرملةِ الحيِّ الجميلةِ التي تتحدثونَ عنها؟

    قلت: هي سيّدة جميلة حقًّا.. هاجرَ أهلُها إلى أقصى شمالِ القارةِ الأوروبيةِ منذ زمن.. وبقيتْ هنا معَ زوجها الذي رحل عنها، فأصبحت وحيدة ليس لها من معيل.. والآنَ يريدُ رفاقُكَ أن يَزُفّوها إليكَ أيها الرفيقُ المحترم.. ونصيحَتي إليكَ أن لا ترفضَ هذا العَرْضَ.. فأنتَ بحاجةٍ لزوجةٍ كهذه!

    قال: سأرى..

   وبقيتْ هذه النّخبةُ الطيبةُ من أهلِ الحيِّ تبذلُ مساعيها حتى تكَلّلتْ هذه المساعي بالنجاح.. واقترنَ العروسان.. ولكن!.. شهدَ الحيُّ في تلك الليلةِ اجتياحًا مُرعبًا.. وكانت المداهماتُ، والمصادماتُ، والاعتقالاتُ، والاغتيالاتُ، وإخلاءُ البيوتِ من سكانِها.. والقذفُ بهم في العَراءِ.. كانتْ ليلةً حالكةَ السّوادِ.. مخيفةً مرعبةً رهيبة.

    لم يمتْ "جلال" في تلك الليلةِ.. ولكنّه اعتزلَ الحياةَ والناسَ.. وانطوى على نفسه.. وساءتْ حالُهُ أكثر بعد أن عرفت نوْبات من البكاءِ المرِّ طريقَها إليه.. لقد زرتُه كثيرًا.. وتحدثتُ إليه مُستفسِرًا عمّا جرى.. ولماذا يحدثُ كلُّ ما يحدث، وأين هي "عروسُه" التي زُفَّتْ إليه في ليلةِ الاجتياح تلك.. ولكنّه لم يكنْ لينطقَ بكلمةٍ واحدةٍ.. بل يبكي كالأطفالِ بكاءً يمزِّقُ القلوب..

    وفي ليلة من الليالي.. وأمام إلحاحي عليهِ، وتوسّلاتي إليه بأنْ يُجيبني عن أسئلتي واستفساراتي.. نظر إليَّ وعيناهُ مغرورقتانِ بالدمعِ وَقال:

    "أما أنا فقد انتهى أمري.. أتعرفُ ما الذي تَعنيه هذه الكلمات؟ لقد كانت الصدمةُ أقوى من مَقْدرتي على الاحتمال.. أرأيتَ كيفَ دخلوا بيتي؟ لا أحدَ يعرفُ كيفَ اختفتْ حقيبتي الصغيرةُ التي أحتفظُ بها منذ أيامِ الشباب والتي أُودِعُها فلوسي, وأَوراقي الثبوتيةَ, وكثيرًا من المستنداتِ والوثائقِ الرسميّةِ.. صحّتي الجسديّةُ في أسوأ أحوالِها.. ولم يعدْ لديَّ الحدُّ الأدنى من الرغبةِ في هذه الحياة.. والصحةُ النفسيةُ في الحضيض.. لقد خرج الأمرُ من يدي.. وفقدتُ السيطرةَ على "جلال" المهزومِ المحطّمِ الذي ينتظرُ نهايتَهُ في كل لحظة".

    قلت: هذا مرعب.. و"فلانة"؟

    قال: في اليومِ التالي لذلك الاجتياح المرعبِ، وبعد أن أصبحتِ الحركةُ ممكنةً نسبيًّا سلكتْ "فلانة" ذلك الطريقَ الجبليَّ وحيدةً (بعد أن فقدتُ القدرةَ على المشي كما ترى) متوجهةً إلى بيتِ قريبٍ لي هناك في قريةٍ خلفَ الجبلِ يعملُ مُسْعِفاً، وصيدلانيًّا، وطبيبًا، وممرضًا مَعَ عَدَدٍ من أصدقائِهِ العاملينَ في مجالِ المهنِ الطبيّةِ يُقدّمونَ العونَ للناس.. وقد حمَّلتُها رسالةً إليه.. وقد وصلتْ "فلانة"، كما وصلتِ الرسالةُ .. هل فهمتَ؟

    ثم اعتدل "جلال" في جلستِهِ قليلاً.. وقالَ (كَالمخاطبِ نَفسَهُ) بصوتٍ خافتٍ: "مكانكُمْ أيها المعتَدونَ الباغونَ الطامعون.. مَكانَكُمْ أيها العتاةُ السفّاحونَ.. يا مَن أرعبتُمْ الأطفالَ، وَرَوَّعْتُمْ رَبّاتِ الحِجال، ونَسَفْتُمْ كل جَّسورِ الثقة، وقَتَلتُمْ كلَّ كلمةٍ طيبةٍ كان من الممكنِ أن تُقالَ لتحلَّ محلَّ كلَّ هذا الخرابِ والدَّمارِ الذي يَغشى البِلادَ والعباد.. مَكانَكُمْ أيُّها المخدوعونَ اللاهثون خلفَ السَّراب.. رُوَيْدَكُمْ رويدكم.. فقد أتى يومُ الحساب.. لقد روى لنا الأجداد قصة مثيرة كانوا يسمعونها من آبائهم عن أناس كانوا يعيشون هناك خلف مغرب الشمس بقليل، وكانوا دائمًا يرددون في ختام هذه العبارات الساخنة قولهم:

    لن تُفلتوا.. لن تُفلتوا من العقاب". أفهمتَ الآن؟ هل فهمت؟

    قلت: نعم.. يا جلال.. بقي أن تفهمَ أنتَ أن علاجَك ممكن.. وأنّك ستُغادرُ غدًا إلى المشفى الذي سَيتولّى أمْرَك.. وَثِقْ يا "جلالُ" أنَّنا في الحيِّ سَنَظَلُّ ننتظرُ عودتَكَ إلينا سالمًا.. على أحرّ من الجمر.

 

 

 

الأربعاء، ٣٠ أيار ٢٠١٢

وقى اللهُ مصرَ شرورَ الفتن!!

متابعات

وقى اللهُ مصرَ شرورَ الفتن!!

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

   لا بأسَ يا مصر.. فأنت قادرة على احتواء هذه الفتنة الكبرى التي تُراد بكِ، وأنت قادرة على تجاوزها، وعلى وأدها في مهدها.. شعب مصر يدرك جيدًا كل أبعاد ما يراد به، ويدرك جيدًا كيف يخرج من هذه المآزق التي يرميه فيها بكل المكر والدهاء أعداء مصر الذين لا يريدون لها خيرًا، بل يضمرون لها كل العداء، وكل سوء النية والطوية، لا لشيء إلا لأن مصر هي الجناح الأيسر للنسر العربي الذي يرصد ما وراء البحر المتوسط من على ذُرى الجليل، ولا لشيءٍ أيضًا إلا لأن سوريا هي الجناح الأيمن لهذا النسر.. جناحا النسر يجب أن يظلا هدفًا لنيران الفتن، ونيران الأزمات الداخلية، والحروب الخارجية التي تُفرض على أحدهما، أو عليهما كليهما بين الحين والآخر، وبين الفينة والفينة، إضافةً إلى الحروب الداخلية الأهلية التي تطل برأسها على سوريا لتحرق وجه هذا البلد العربي الجميل، وتطل بأنيابها على مصر في محاولةٍ لتمزيق هذا البلد العربي الذي كان نصيرًا لسوريا، ونصيرًا لفلسطين، ونصيرًا لكل أمة العرب في سائر أقطارها ذات يوم!!.

   لا بأس يا مصر إن اتفق هذا الفريق وذاك على العودة بك إلى الوراء، ولا بأس يا مصر إن اتفق هؤلاء وأولئك على النيل منكِ، والعودة بك إلى عهود التخلف والطبقية والتبعية والسلب والنهب والفساد.. فحولك أبناؤك الصِّيد لهم بالمرصاد، وحولك أبناء مصر الأباة الذين افتدَوا تراب مصر على مر الدهور، وتعاقب العصور بدمائهم الزكية، وحولك هذا الشعب العربي في مصر يحميك من الأذى والعدوان، ويصون تربك الغالي بأهداب الجفون، وبحبات العيون.. فلن تهون مصر، لن تهون، لن تهون.

   إن الشعب العربي في مصر، والشعب العربي في سوريا والعراق، واليمن، وشبه جزيرة العرب، وفي كل بلاد العروبة مدعوٌّ لإسقاط المؤامرة التي تستهدف كل بلاد العروبة، وكلَّ شعوب هذه الأمة العربية دون استثناء.. الشعب العربي في مصر قادرٌ على التصدي لهذا التحالف الذي بدأ رحلة الالتفاف على ثورته، وقادرٌ على إسقاط هذه المؤامرة بمزيدٍ من التكاتف والتلاحم والتضامن والتفاهم، وبمزيدٍ من الوحدة الوطنية التي تضم في صفوفها كل أطياف الشعب العربي في مصر، ولا تنبذ من بين هذه الصفوف إلا أعداء مصر الذين باعوها للأجنبي.. وإن الشعب العربي في مصر قادرٌ على إسقاط المؤامرة، وقادرٌ على المضي قُدُمًا بثورته بمزيدٍ من الوعي، ومزيدٍ من الحرص على مصر، وعلى شعب مصر، ومقدرات هذا الشعب العربي المصري عبر العصور.. ولئن كان أكثر من نصف أصحاب حق الاقتراع في مصر لم يُدلوا بأصواتهم في انتخابات الدورة الأولى فإن بإمكان هؤلاء أن يقلبوا الطاولة، وأن يحسموا نتائج انتخابات الإعادة، وإن بإمكانهم أن يُثبتوا للدنيا كلها أن مصر إذا قالت فعلت، وأن عقارب الساعة لن تعود اليوم إلى الوراء، وأن مصر لن يحكمها بعد اليوم إلا الشرفاء من أبنائها، وأن ثورة الخامس والعشرين ستكون امتدادًا طبيعيًّا لما سبقها من ثوراتٍ مصريةٍ مجيدةٍ رفعت رؤوس المصريين، ورؤوس العرب أجمعين، وكانت بالمرصاد لكل أعداء العرب والعروبة، ولكل أعداء مصر والمصريين.. ولئن كان مفوضو المرشحين في الدورة الأولى في اليوم الأول قد استجابوا للأمر الموجه إليهم بمغادرة هذه الصناديق من التاسعة مساءً وحتى الثامنة من صباح اليوم التالي، فإن بإمكانهم أن يرفضوا ذلك، وإن بإمكانهم المبيت إلى جانب الصناديق التي فُوضوا بالمحافظة عليها، كما ينص على ذلك قانون الانتخاب.. ولئن كانت لجنة الانتخابات قد رفضت تزويد مرشحي الرئاسة بقوائم من أسماء الناخبين، ورفضت النظر في الطعون السبعة التي قدمها بعض مرشحي الرئاسة، ولئن كان المستشار الذي أعلن نتائج الانتخابات في الثامن والعشرين من مايو أيار قد رفض الإجابة عن أسئلة الصحافيين بكل صلف وفوقية واستفزاز، ولئن أعلن هذا المستشار بعد عشر دقائق فقط من إعلان تلك النتائج رفع الجلسة، والانسحاب من مواجهة الصحافيين وأسئلتهم ودهشتهم التي كانت تلاحقه أينما نظر.. لئن حصل كل هذا وكثيرٌ غيره من المخالفات الصريحة لنص القانون وروحه، فإن من حق المرشحين (ولا سيّما مرشحي الرئاسة الثلاثة المعترضين علنًا أو ضمنًا على هذه النتائج) أن يتابعوا هذه القضايا قانونيًّا، وعن طريق الاحتجاج السلمي، وعبر وسائل الإعلام، لكشف هذا الاتفاق بين الفريقين اللذين حاولا الالتفاف على ثورة مصر، ولا يزالان يحاولان ذلك حتى تتم سرقة هذه الثورة رسميًّا، وحتى تتم العودة بمصر بعد انتخابات الإعادة، إلى ذلك العهد البائد الذي دفع المصريون من دمائهم وأعصابهم ثمن سقوطه، وانهيار أركانه، وتصدع بنيانه.. وإن من واجب القضاء المصري، ورجال القانون في مصر، وكافة من يعنيهم الأمر من ذوي الاختصاص، والمكانة، والشعور بالمسئولية أن يقولوا كلمتهم، وأن يحولوا دون انعقاد دورة الإعادة، لأن ذلك معناه – على الأرجح- أن يفوز مرشح الثورة المضادة، وأن يعود العهد البائد بكل رموزه، وبكل أوخامه وأوهامه لحكم مصر والمصريين من جديد، الأمر الذي قد يؤدي إلى ردة فعلٍ شرسةٍ في الشارع المصري، قد تنقلب إلى حربٍ أهليةٍ لا نريدها، ولا يريدها أحدٌ من أحرار العرب وشرفائهم.. لذا ينبغي أن يبادر المصريون جميعًا وطنيين وقوميين وإسلاميين وعلمانيين وأقباطًا ومسلمين عاديين إلى تجنيب مصر مخاطر عودة النظام السابق، وتجنيب مصر مخاطر حربٍ أهليةٍ مدمرةٍ سوف تنعكس آثارها السلبية على مصر، وعلى العرب، وعلى المسلمين.. كما ينبغي أن يُبادر السوريون جميعًا وطنيين وقوميين وإسلاميين وعلمانيين ومسيحيين ومسلمين عاديين إلى تجنيب سوريا مخاطر حربٍ أهليةٍ مدمرة، وتجنيب سوريا مخاطر اللبننة والعرقنة والأفغنة والبلقنة، وبالتالي مخاطر هدم آخر قلاع العروبة في دمشق.. وإذا كان المصريون قادرين على إسقاط المؤامرة، وإنقاذ مصر من شرور هذه الفتنة التي يريد أعداؤها أن يغرقوها فيها، وإذا كان المصريون أيضًا قادرين على حسم مصر لصالح المعسكر العربي العروبي، ولصالح المشروع العربي الوحدوي، ولصالح قوى التحرر والتحرير والثورة الاجتماعية الاقتصادية السياسية العربية، فإن السوريين أيضًا قادرون على ذلك، وقادرون على وضع حدٍّ لهذه الفتن، ولهذه المجازر، ولكل هذا الرعب والدمار والتخريب والقتل وسفك الدماء الذي لا يعود بالنفع إلا على أعداء هذه الأمة العربية في بلاد الشام، وفي كل أوطان العروبة.. وإن العراقيين أيضًا قادرون على ذلك.. وإن العرب في كل أقطارهم وأمصارهم يستطيعون تلقين المعتدين دروسًا قاسيةً لا يمكن أن ينسَوها.. إن ما ترجوه الأمة العربية الواحدة الموحدة في كل ديار العروبة أن يتمكن الشعبان العربيان في مصر وسوريا الآن الآن وليس غدًا من إنقاذ جناحي النسر العربي المرفرفة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، كي يظل جناحا هذا النسر في مأمن من الاحتراق بنيران هذه الفتن، وكي يظل قلب هذا النسر – كجناحيه- خافقًا خفاقًا فوق قلب العروبة، وكي تظل مخالبه الحديدية متشبثةً بذرى هذا الوطن الساحر الآسر الجميل.. وسلامٌ عليك يا أرض الرسالات والمرسلين.. سلامٌ على ذرى الجليل.. سلامٌ على ذرى عيبال.. سلام على ذرى القدس والخليل.

   وقى الله مصر شرور الفتن.. وجنب مصر الشقيقة وكافة ديار العرب والمسلمين كل سوء.. وحمى الله مصر والمصريين من كيد الكائدين، وأحقاد الحاقدين، ودسائس الدساسين المندسين المغرضين، وأطماع الطامعين، إنه سميعٌ قدير، وبالإجابة جدير.

30/5/2012

 

الأحد، ٢٧ أيار ٢٠١٢

لأننا أمةٌ عربيةٌ واحدة!!

متابعات

لأننا أمةٌ عربيةٌ واحدة!!

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لو كنت مصريًّا لما ترددت في التوجه إلى صندوق الانتخاب في منطقتي، للمشاركة في انتخاب رئيسٍ للبلاد، ولو لم أكن مصريًّا وكان لي حق الانتخاب في مصر لمارست هذا الحق دون ترددٍ أيضًا، ولو اضطررت للسفر من فلسطين، أو العراق، أو الحجاز لممارسة هذا الحق.. فلسنا مجرد سوريين، أو عراقيين، أو مصريين، ولسنا مجرد حجازيين، أو نجديين، أو يمنيين، بل نحن عربٌ سوريون، وعربٌ عراقيون، وعربٌ مصريون، وعربٌ حجازيون، وعربٌ يمنيون.. وما دام الأمر كذلك، فنحن جميعًا عرب، ونحن جميعًا أمةٌ عربيةٌ واحدة من المحيط إلى الخليج، ونحن جميعًا مسئولون عن رفعة هذه الأمة، ومسئولون عن عزتها وتقدمها ورقيها وتطورها ونهضتها، وكرامة إنسانها، وسلامة بنيانها.. ولأننا أمةٌ عربيةٌ واحدة فإن من حقنا جميعًا أن نقف أمام صندوق الانتخاب في أي بلدٍ عربي، وإن من حقنا جميعًا أن نشارك في انتخاب الرئيس، وانتخاب "البرلمان" في أي بلدٍ عربي، وإن من حقنا جميعًا أن نبدي رأينا، ونقول كلمتنا في كافة قضايا أمتنا العربية، وإن من حقنا جميعًا أن نقول كلمتنا في المناهج المدرسية العربية، وفي مصادر الثقافة العربية، ومصادر المعلومات العربية، وفي الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية العربية، وإن من حقنا أن نُلم إلمامًا كاملاً بالتاريخ العربي، وبالجغرافيا في كل أقطار العروبة، وأن ننظم الزيارات واللقاءات لكل العرب على كل أرض العرب، لصنع الإنسان العربي الجديد الذي يعرف وطنه، ويعرف أمته، ويعمّق انتماءه إلى هذه الأمة العربية الواحدة الموحدة في هذا الوطن العربي الكبير.

   ولأننا أمة عربية واحدة، فإن من حقنا أن نتواصل مع الأشقاء العرب في كل أقطارهم وأمصارهم، وأن نقيم مزيدًا من الاتحادات العربية على كافة المستويات، وأن نفعّل هذه الاتحادات القائمة، بحيث يشعر العربي أن الوطن العربي كله هو وطنه، وبحيث يشعر العربي أنه مواطن في كل أقطار العروبة، له ما لأهل هذه الأقطار، وعليه ما عليهم، ولا يكفي أن تنص الدساتير في الأقطار العربية على أن هذا البلد أو ذاك هو جزءٌ من العالم العربي، وأن الشعب فيه هو جزءٌ لا يتجزأ من الأمة العربية، بل يجب أن تُسن القوانين والتشريعات التي تذوب معها الحدود، وتتلاشى السدود والقيود أمام مد العروبة الهادر، وأمام زحف العروبة الثائر، وأمام إرادة العرب العروبييين الشرفاء الأحرار في تنقلاتهم وتحركاتهم بين أقطار هذا الوطن العربي الكبير، وفي محاولاتهم المستمرة من أجل إعادة بنائه على أسس العروبة، وعلى دعائم المحبة والمودة والإخاء والمساواة من جديد.

   ولأننا أمةٌ عربيةٌ واحدة، فإن من حقنا جميعًا أن نشارك في انتخاب الرئيس في مصر، وأن نشارك في انتخاب الرئيس في ليبيا، وفي تونس، وفي العراق، وفي سوريا، وفي كل بلاد العرب، وإن من حقنا أن نساهم في صنع الحياة السياسية، والنظام السياسي العربي الجديد الذي يبني ولا يهدم، ويوحد ولا يفرق، ويساوي بين المواطنين، ولا يميز بينهم.. ما أجمل هذا اليوم الذي نرى فيه مئات الملايين من المواطنين العرب وهم يتوجهون إلى هذه العاصمة العربية أو تلك لانتخاب الرئيس هناك، أو لانتخاب البرلمان.. وما أجمل هذا اليوم الذي تتوجه فيه مئات الملايين من المواطنين العرب برًّا وبحرّا وجوًّا إلى تلك العاصمة العربية لانتخاب الرئيس العربي، وكافة الهيئات والمجالس والأجسام والهياكل العربية التي تحكم هذه الأمة العربية، وتضع وحدتها موضع التنفيذ، وموضع التطبيق العملي.. وما أجمل هذا اليوم الذي نرى فيه هذه الأمة العربية وقد توحدت كلمتها، وتوحد صفها، وتوحدت مؤسساتها، وتوحدت أهدافها وغاياتها، وتوحدت أجهزتها، وتوحدت مجالس عمالها وفلاحيها وطلبتها، ومجالس نسائها، ومثقفيها، ومؤرخيها، وأدبائها، وثوارها، ومفكريها، وأحرارها من كل المستويات، للسير بهذه الأمة العربية الواحدة الموحدة من نصرٍ إلى نصر، ومن فوزٍ إلى فوز، في إطارٍ من الوحدة العربية الشاملة، وإطارٍ من الوحدة العربية الإسلامية التي لا تنفصم عُراها، وإطارٍ من الوحدة الإنسانية التي لا بدَّ منها، ولا غنًى عنها لاكتمال الصورة، واتضاح الرؤية، وتحقيق الأهداف والغايات الإنسانية الشاملة في ظل نظامٍ إنسانيٍّ عالميٍّ جديدٍ قائمٍ على الحق والعدل والعدالة والحرية والإنصاف والمساواة والأخلاق.. نظامٍ عالميٍّ إنسانيٍّ جديدٍ تعود معه الحقوق كاملةً إلى أصحابها، ولا يُظلم فيه أحد، ولا يَظلم فيه أحد، ويُصبح الناس فيه جميعًا بنعمة الله إخوانًا.

(27/5/2012)

 

الخميس، ٢٤ أيار ٢٠١٢

كلمات في الخلافات والانقسامات .. وانخفاض سقف التوقعات!!

متابعات

كلمات في الخلافات والانقسامات .. وانخفاض سقف التوقعات!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    قد أكون لغتي، وقد لا أكون في هذا العنوان المصنوع الموجوع المسجوع.. وقد أكتبُ أدبًا هنا وهناك، وقد لا أكتب لهذا السبب أو ذاك، وفي هذه المناسبة أو تلك.. وقد تسمح الظروف لهذا الذي أكتبه أن يرى النور، وقد لا تسمح، آملاً أن تسمح.. وقد يُتاح لهذه الأمنيات والتمنيات والإشارات والشعارات التي تحفِلُ بها هذه الكلمات والمقالات والكتابات وأحاديث الذكريات أن تتحقق، وقد لا يُتاح، راجيًا وسائلاً المولى أن يُتاح.. ولكنني مع هذا كله أشعر "بملء الثقة" أن من حقي أن أكتب، وأن من حقي أن أخاطب العقول، كل العقول، والعواطف والمشاعر والأحاسيس، وأن من حقي أن أتوجه إلى كل أصحاب الحسِّ الوطني المرهف الشفاف، والضمائر الحية اليقظة النظيفة، والنفوس الكبيرة الملتزمة من مثقفين ومثقفات، وكتّاب وكاتبات، وصحافيّين، وإعلاميين وإعلاميات، ومحررين، وسياسيين شرفاء وشريفات، يحملن في قلوبهنَّ الكبيرةِ حبًّا كبيرًا لهذا الوطن، وإنسان هذا الوطن، وقضايا هذا الوطن، مخاطبًا كل هؤلاء بكل الصدق أن يكونوا لهذا الوطن، ولكل قضاياه، ولإنسان هذا الوطن الممزق والمضيَّع والمكبَّل، وأن يعملوا جاهدين بكل العزم والحزم والإصرار من أجل وضع حدٍّ لكل هذه الخلافات، ولكل هذه الصراعاتِ والانقسامات والانشقاقات، ولكل ما من شأنه أن يؤدي بالتالي إلى انخفاض سقف التوقعات، وإلى مزيد من التفكك والتمزق والاختلال والاعتلال والاضمحلال والانهيارات... صحيح أن الخلاف في الرأي في معظم الأحوال علامة صحة.. وصحيح أن الناسَ كل الناسِ في هذه الدنيا يختلفون ويتفقون، وقد لا يتفقون.. وصحيح أن الانقسام بشقيه هو وسيلة التكاثر في الخلية الحيَّة، ووسيلة تجدد الحياة وتدفقها.. وصحيح أن الانشقاق في كثير من الأحيان قد يعني الخروجَ على استبداد مستبد، وتحكم متحكم، وطغيان طاغية، وقد يعني وضع أرجلِ السابلة على بداية الطريق نحو الحرية والنور والعدل والعدالة وتحقيق الأهداف... ولكن صحيح أيضًا أننا عانينا من كل ألوان الخلافات والانقسامات والانشقاقات مذ كنا، بل مذ كانت هذه الأمة في تلك الحقبة المتقدمة من التاريخ، ومذ كانت هذه القضية، وتلك النكبة التي لا زال الناس في هذه الديار يتجرعون مرارتها، ولا زالت تلقي بظلالها، وتنوء بكلكلها على صدور الناس هنا على أرض الوطن، وهناك في كل منافي هذا الشعب، وديار غربته واغترابه.. وصحيح أيضًا أننا لم نعد بحاجة لمزيد من هذه الخلافات التي كرهناها، ولفظناها بالتالي لفظَ النوى، حتى لو كانت علامة صحة، لأننا بحاجة إلى وحدة الكلمة، ووحدة الصف، ووحدة الهدف، ووحدة التوجه والمشاعر والأفكار والرؤى، ولأننا _يقينًا_ بحاجة لمزيد من الإصرار على تحقيق الأهداف والطموحات التي قد لا تعني في حدها الأدنى أقل من عودة كريمة ظافرة إلى البيت والدار والجار والوطن، وحياة حرة كريمة يعيش معها كل أهل هذه الديار، وغير أهل هذه الديار بأمن وأمان ومحبة وتسامحٍ ووئامٍ وسلام.

    ولئن كان من حقي أن أكتب، ولئن كان من حق غيري أن يكتب، ولئن كان من حق ما أكتبه أن يرى النور، وأن يطلَّ على الأحقاب والعصور، وعلى الأحباب وغير الأحباب من أقصر الطرق وأوسع الأبواب، بعيدًا عن المناكفات والمنغصات والمماحكات والتقنينات والتحزبات والتشيعات، وكافة أنواع الحجج والاعتبارات التي تخفي وراءها ما تخفيه، وما أربأ بنفسي عن التصريح به، والخوض فيه.. ولئن كان الوطن قصيدة فهذه قصيدتي، ولئن كان الوطن أغنية فهذه أغنيتي، ولئن كان شهادةً فهذه شهادتي مشفوعة بالقسَم، وهذا مصدر فخري وافتخاري وتألقي وتدفقي وتأججي وتوهجي.. وإذا كان هنالك من يرى أن الوطن حقيبة فإنني – يقينًا - لا أرى ذلك، بل إنني أرفض ذلك كل الرفض، إلا أن يكون هذا الوطن الغالي المنسوج على غير مثال حقيبةً مدرسية تصنعُ الأجيال، وتربيها على حبِّه، وترسم لها طريق استعادته وإسعاده والذودِ عن حِماهُ وحياضه، وترسمُ لها أيضًا طريقة بنائه قويًّا مستقرًّا سيّدًا حرًّا عزيزًا مستقلاًّ كريم الجانب، موفور الكرامة، مخوف الجناب، حرامَ الحِمى، (حتى لو لم يمنحوا المعلم حصانة السفير، وراتب الأمير والمستشار والوزير)، أيها الغالي، فهو في كل حالاته وأحواله، ورغم كل آهاته وأعبائه وأوجاعه يعطي ولا يبخل، فالبخل ليس من شيم الكرام، وهذا المعلم مذ كان كريمٌ شهمٌ معطاءٌ ملتزم بهذا الوطن، وإنسان هذا الوطن رغم النوائب والمصائب والمصاعب والمحن!!؟.

    عجبتُ لكل هؤلاء الذين لا يروْنَ في الوطن أكثر من حقيبة مسافر مغادر، أو حقيبة امرأة! ولمن لا يرون فيه أكثر من حقيبة لغسيل الأموال، وتهريب الموبايل وغير الموبايل، ولمن لا يرون فيه أيضًا أكثر من حقيبة وزير بلا وزارة، أو بوزارة، فالأمر سيّان إذا كانت كل هذه الحقائب شكليَّة، وإذا كانت مجرد رشاوى يقدمها هؤلاء لأولئك، وحوافز ومغريات لاستمرار هذا النهج، وهذا الحِوار الذي لم يسبق لنا أن سلكناه، ولم يسبق له أن حقق لأمة شيئًا من طموح، أو صان لشعب شيئًا من كرامة، أو أعاد له شيئًا من حق، ولم يسبق له أن كان طريقًا لإحقاق حق، أو إزهاق باطل، أو تحقيق حلم في عيش هانئ هادئ أو استقلال... ولئن كانت أوروبا قد عرفت هذا النهج وسيلة للخلاص مما أوقعتها فيه الحرب العالمية الثانية، ولئن تمكّنت أوروبا بفضله من الخروج من أزماتها، وإعادة ترتيب البيت الأوروبي من الداخل بعد أن عصفت به تلك الحرب على مدى ست سنوات، فإنه _يقينًا_ ليس الطريق إلى الحل في هذه الديار، لأن المشكلات هناك ليست هي المشكلات هنا، ولأن النازية هناك قد هُزِمت في نهاية تلك الحرب، وما كان على الأوروبيين بعد ذلك إلا أن يعملوا من أجل الخلاص من كل آثارها المدمرة، ومن كل جناياتها على أوروبا والأوروبيين، وعلى كثير من الناس في هذا العالم، وإن كان الأوروبيون قد وقعوا في شر أعمالهم، وإن كان الغرب بشقيه أيضًا قد وقع في هذه الأزمات المالية التي لا أعتقد أنه سيخرج منها بهذه السهولة التي يتصورها بعض البسطاء.

    وعجبتُ لكل هؤلاء الذين لا يرون في هذه القضية أكثر من وسيلة للثراء، وتحقيق المكاسب والمكتسبات الشخصية، وأكثر من وسيلة لممارسة السطوة وإرضاء الغرور، وممارسة الحكم والتحكم بالناس في الوقت الذي لا يملكون فيه لأنفسهم من أولئك "السادة" ضرًّا ولا نفعًا، وفي الوقت الذي لا يستطيعون فيه مخالفة أولئك السادة في أقل القليل، حتى لو كان ذلك من باب ذرِّ الرماد في العيون، وحتى لو كان ذلك من خلال الهامش الذي يقول فيه قائلهم للناس: "نحن نمون"!! عجبتُ لهم كيف يسلكون مع "السيد" هذا السلوك الذي لا يملكون معه إلا الموافقة على كل ما يقول، وعلى كل ما يفعل، وعلى كل ما يصدر عنه من خطط ومخططات، وإن حصل غير ذلك فإلى حين، ثم يعودون سيرتهم الأولى، وحتى في خلال حردِهم وعتبهم وجهرهم بالشكوى من قساوة هذا "السيد" وقسوة قلبه، فإنهم لا يخرجون على شيء من أوامره ونواهيه، ولا يجترئون على ارتكاب أدنى مخالفة لتعليماته ووصاياه، وأضوائه الحمراء والصفراء والبرتقالية أيضًا.

    عجبتُ لكل هؤلاء وهم يفرّغون الناس من محتواهم، ويجردونهم من مضامينهم، ويستبدلون أفكارهم ومقومات شخصيتهم وثقافتهم بأخرى لا تمتُّ إلى هذه الأمة وتاريخها وجغرافيتها وقيمها ومعتقداتها وأعرافها وحقوقها الثابتة في العيش الآمن الكريم الحر بأدنى صلة.. عجبتُ لهم وهم يتنمّرون للناس، ويفرضون عليهم وصايتهم، ويتحالفون فيما بينهم على إخضاعهم وحصارهم وكبتهم وتجريدهم من أبسط حقوقهم في القول والتفكير والتعبير، وعلى حق كثير منهم في الحياة والحرية.. عجبت لهم وهم يستأثرون بكل شيء، ويبيحون لأنفسهم فعل كل شيء، ويحرمون على غيرهم كل شيء.. قد يتقاسمون مع أحبتهم ومن يسير في فلَكِهم وعلى نهجهم كل شيء، وقد يكونون أعدل الناس مع من يثني عليهم، ويجاملهم، ويتواصل معهم، لهذا السبب أو ذاك، ويطالبون دائمًا بمزيد من هذا التواصل حتى لو انتهت الأسباب التي أدت إليه، ويفرضون لأنفسهم حق التدخل في كل أمر من أمور الناس لوضع كل خيوط حياتهم في أيديهم، ولفرض الوصاية عليهم حتى يضمنوا لأنفسهم قاعدة شعبية موالية تمكنهم من الاستمرار، وتضمن لهم بالتالي البقاءَ في مناصبهم، وتمكنهم مع مرور الوقت من كتابة التاريخ كما يريدون، ومن تخليد أبطالهم كما يشاءون، كي يثبتوا أنهم الأمناء المؤتمنون، وأنهم الأوفياء الأكفياء القادرون المقتدرون على حمل التبعات والمسئوليات، وصون الكرامات، وأداء الأمانات، وتحقيق الأهداف والغايات، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بطرق عصرية حضارية يفهمها العالم المتحضر، ويقرُّها ويساعد على تحقيقها ووضعها موضع التنفيذ.. على الرغم من أن هذا العالم الذي يؤمنون به، ويتحدثون عنه، ويلتجئون إليه، ويحكّمونه فيما شجَرَ بينهم لا يعنيه إلا مصالحه، ولا يصدر في أقواله وأفعالهِ وإنفاقه وكل ممارساته إلا عن هذا التنافس القائم بين الغرب بشقيه لحكم هذا البلد أو ذاك من بلدان هذا العالم.

     من الطبيعي أن يعترض الناس على كل هذا بدعوى أنه عبث لا طائل تحته، ومن الطبيعي أن ينبري المستفيدون الذين يرون فيه فرصتهم للدفاع عنه، ومن الطبيعي أن تتعدد المواقف، وتكثر التيارات والتفسيرات والاعتبارات والاجتهادات، ومن الطبيعي أيضًا أن تكثر الخلافات والصراعات، وأن تشتد وتحتد، وأن تكثر التحالفات، وبغض النظر عن كل التفصيلات والتأويلات والتوجهات، وبصرف النظر عن الأيديولوجيات والاستراتيجيات والتكتيكات والديالكتيكيات، وبصرف النظر أيضًا عن الدوافع والنوازع ومجموعة القيم والعقائد والمبادئ والأفكار التي يصدر عنها كل أولئك المختلفون المتخاصمون المتصارعون المقتتلون المحتربون المتحاربون.. بصرف النظر عن هذا كله، وبصرف النظر عن كثير غيره مما قد يقال، وقد لا يقال، فإن نتيجة هذا كله أن تضطرب الأحوال، وتعمَّ البِطالة، وينتشر الفقر، ويكثر المحتاجون، ويجف معين المدخرات، ويبحث الناس في غمرة هذا كله عن الغذاء والدواء والكِساء فلا يكادون يظفرون بشيء منه إلا بشقّ الأنفُس.. في غمرة هذا كله يتدخل المتدخلون لحسم الأوضاع، وتبذَلُ الأموال، ويعزف الرشاش، وتقصف المدافع، وتسيل الدماء، ويحترب الأهل والإخوة، ويقتل الأخُ أخاه، والجارُ جاره، والرفيق  رفيقه، ويمثِّل هذا بجثة ذاك، ويحرق أولئك قلوب هؤلاء، ويحترق الوطن والمواطن، وتحسَمُ الأمور لصالح المخططين الذين يحركون الدمى أو تكاد، ويكاد يفرح المخططون وأدواتهم وأعوانهم من الأشرار الفجّار الدعّار، ولا أقول بنصر الله، وتكاد رياح السموم تعصف بالأوطان، تدمر البنيان، تقتل الإنسان، تهلك الحرث والنسل والغزلان، وتأتي على الأخضر واليابس أو تكاد.. عند ذلك يخرج من رحم المأساة جيل أنضجته نيران الهزائم والجرائم والخطوب، فينتصر على كل أسباب الصراع والشقاق والنفاق والحروب، وينتصب شامخًا عملاقًا فوق النزف فوق الجرح فوق الملح والبارود.. يسعى إلى وطن النجوم.. يثأر للأرض وللعِرض، ويصنع من أزهار اللوز والياسمين والبرتقال وخشب الزيتون قلائد لوطن النجوم، وما أدراك ما وطن الأحلام والآلام والآمال والنجوم؟ هل عرفتم الآن ما الذي يعنيه القائلون بقولهم إن التطرف يصنع التطرف، وإن حياة الفوضى والتسيب والاضطراب والدماء من شأنها أن تأتي بغلاة المتشددين، ومن شأنها أن تكيل الصاع صاعين للمعتدين، ولو بعد حين؟!!.

    ليس من السهل أن يصف شاعرٌ في قصيدة ضبابيَّة شيئًا من هذا الذي يحدث على كل أرض العرب، أو شيئًا من هذا الذي يحدث فوق أرض فلسطين وطنِ الأقاح والندى والصباح والجراح.. وليس من السهل على صانع الشِّعر والعِطر والسحر والظلال أن يعيش في الظل، وليس من السهل على صانع المُحال أن يختفيَ خلف الرتوش والرموش والظلال.. لقد علمْتنا يا وطن الشمسِ والحب والحرية أن نحفظك في الجفون، وخلف حبات العيون، فلن تهون يا وطن النجوم لن تهون.. لن تهون.

   لقد علمتنا أن نفتديك بالمهج والأرواح وأن نبذل في سبيلك كل غالٍ ونفيس، وأن نحب من أحبك، ونعادي من عاداك.. لقد علمتنا يا وطن الأحرار أن تجتمع القلوب والألباب والمشاعر على حبك، وأن تُجمِعَ الفئاتُ كلُّ الفئاتِ، والشرائحُ كلُّ الشرائحِ، والنخبُ كلُّ النخبِ، والمستوياتُ كلُّ المستوياتِ على صونك والذَّب عن حماك وحياضك.. لقد علمتنا يا وطن الآباء والأجداد أن من مات على ثراك فهو شهيد، وأن من أحبكَ كل الحب ثم قضى وهو يغمض اليدَ أو العينَ على حبة من ترابك فهو شهيد، وأن من رعاك وحماك وسهر على أمنك وأمانك، ومن أعلى بنيانك وصان إنسانك وكبتَ أعداءك فهو شهيد.. يا وطن النجوم والشهادة والهداية والحب.. يا وطني.. ها قد جئتُ أحمي حِماك، وأُبعِدُ المقتتلين المحتربين المتخاصمين اللاهثين خلف السراب عن ساحتك، بل عن ساحاتك، حتى لا يبقى فيها إلا من أحبكَ، وإلا من هتف من أعماق أعماق روحه للعروبة والشمسِ والحريةِ والمحبة والتسامح والسلام.

(24/5/2012)

 

الاثنين، ٢١ أيار ٢٠١٢

في حل الدولة وحل الدولتين.. ومفهوم السلام العادل أيضًا!!

         (نسخة مزيدة)

متابعات

في حل الدولة وحل الدولتين.. ومفهوم السلام العادل أيضًا!!

 

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

     منذ قيامها في الخامس عشر من أيار من عام ثمانية وأربعين أصبحت "إسرائيل" دولة لمواطنيها اليهود.. أما من تبقّى فيها من مواطنيها العرب الفلسطينيين فلم يعودوا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع المواطنين اليهود، ولعلهم لم يكونوا كذلك أيضًا قبل قيام هذه الدولة، وعلى امتداد فترة الانتداب البريطاني على فلسطين والبالغة إحدى وثلاثين عامًا.. أما في عهد بني عثمان، وعلى امتداد أربعة قرون بالكمال والتمام فلم يكن الأمر كذلك، بل ربما كان بخلاف ذلك.. ولقد كان الأمر كذلك أيضًا على امتداد القرون العشرة التي سبقت عهد بني عثمان منذ الفتح الإسلامي، مرورًا بعهد الأمويين والعباسيين.. أما في العهود التي سبقت الفتح الإسلامي فكانت هذه البلاد عربية في معظم الأحوال منذ عهد يبوس وكنعان وحتى أيام الفتح قبل خمسة عشر قرنًا من الزمان.

    كان لا بد من هذه المقدمة السريعة، وكان لا بد من الربط السريع بين الماضي والحاضر للوقوف على حقيقة ما جرى في فلسطين عام ثمانية وأربعين، وللوقوف على ما حلّ بعرب فلسطين في ذلك العام، حيث هُجّرت الغالبية العظمى منهم، وبقيت نسبة معيّنة منهم على أرضها يقّدر عددها اليوم بمليون ونصف المليون من العرب الفلسطينيين تشكّل عشرين بالمائة من مجموع سكان "إسرائيل" في هذه الأيام.

    وعلى الرغم من أن هؤلاء العرب الفلسطينيين هم أصحاب البلاد، وهم سكانها الأصليون منذ آلاف السنين، وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من اليهود قد جاءت إلى فلسطين خلال النصف الأول من القرن الماضي من مختلف الأقطار، ولا يزال باب الهجرة مفتوحًا، وعلى الرغم من صدور التشريعات الدولية التي تنص على حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية، وحمايته في أوقات السلم والحرب على السواء... على الرغم من هذا كله، وكثير غيره إلا أن الوضع في "إسرائيل" شيء مختلف تمامًا حيث يعيش من تبقّى فيها من أهلها العرب الفلسطينيين حياة تختلف عن حياة اليهود بدعوى أن هذه " الدولة" لليهود فقط، وعليه فإن سكانها من غير اليهود لا يُعتبرون من مواطنيها، بل يعيشون في " تجمعاتهم" حياة من الدرجة الثانية، أو الثالثة بعيدًا عن المساواة في كل شأن من شؤون الحياة، حتى أن المدارس العربية هناك ليست مشمولة بنظام الحراسة، وحتى أن المجالس المحلية تواجه أعباءها ومسئولياتها دون موازنات، بل حتى أن المواطنين العرب لا يدخلون في كثير مما تقوم به مراكز البحوث والدراسات من أعمال مسحية وإحصائية حول أوضاع المواطنين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية.. وإن حصل ذلك أحيانًا فمن أجل بيان الفوارق الرهيبة بين هؤلاء العرب، وأولئك اليهود من سكان " الدولة" الواحدة.

    ولقد ظلت هذه الحال على ما هي عليه منذ قيام" إسرائيل" حيث الاهتمام الشديد باليهود، وحيث التركيز على يهودية الدولة لغةً وثقافةً.. على الرغم من كل هذه الفوارق السياسية والاجتماعية والثقافية القائمة بين اليهود الذين جاءوا إلى هذه الديار من بلاد العرب المختلفة، وأولئك الذين جاءوا من شرق أوروبا، ومن غربها، وأولئك الذين جاءوا من إفريقيا، ومن كثير من أقطار آسيا، ومن الولايات المتحدة الأمريكية.... ولأن "إسرائيل" دولة يهودية، فقد راحت هذه الدولة توحد بين هؤلاء القادمين إليها من مختلف الأقطار والبيئات، والثقافات، والمستويات الفكرية، والعلمية، والمسلكية، والأخلاقية، والاقتصادية.. وراحت تجمعهم على ثقافة جديدة، وفكر جديد.. وراحت تضع يدها على كل شيء في هذه البلاد، وراحت تغير أسماء المدن والقرى والجبال والأنهار والسهول والمواقع الأثرية والتاريخية.. كما راحت تغير جغرافية البلاد وملامحها وطابعها العام بحيث يبدو غربيًّا لا علاقة له بهذه المنطقة من العالم ..في الوقت الذي تبنّت فيه لنفسها كل شيء في هذه الديار بدءًا بالأزياء الشعبية، وأكلة الفلافل.. ولا أقول انتهاءً بذلك الحجر الأموي العربي الذي انتُزع من مكانه في محيط المسجد الأقصى من الجهة الجنوبية الغربية لتضعه المروحية التي حملته في ساحة " الكنيست" الإسرائيلي، وقد كتبوا عليه أنه من عهد الهيكل الثاني!!!

     إنه، وبعد إصرار القيادات المتعاقبة في "إسرائيل" على التمسك الشديد بيهودية هذه الدولة، وبعد إصرار هذه القيادات المتعاقبة على وضع يدها على الغالبية الساحقة من ملايين الدونمات من الأراضي الزراعية وغير الزراعية التي يمتلكها المواطنون العرب، وبعد إصرار هذه القيادات على إهمال الشأن الخاص والعام للمواطنين العرب في " إسرائيل"، وبعد إصرار هذه القيادات (منذ قيام هذه "الدولة") على تصوير الأقلية العربية في " إسرائيل" على أنها أقلية غريبة غير مرغوب فيها في هذه الدولة اليهودية، فإن هذه القيادات المتعاقبة تريد أن تقرر حقيقةً واضحة هي أن "إسرائيل" لا يمكن أن تكون دولة لشعبين، بل إنها دولة للشعب اليهودي وحده.. وهكذا حرصت هذه القيادات المتعاقبة في "إسرائيل" على رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وعلى رفض اقتراح الدولة العلمانية الديمقراطية، وعلى رفض كافة المقترحات التي تطالب أن تكون هذه الدولة ثنائية القومية، وهكذا أسقطت هذه القيادات حل الدولة، وعاشت في عزلةٍ من الفراغ السياسي، والاضطراب، والعزلة الدَّولية سنواتٍ طوالاً،إلى جانب الحصار الذي كانت تفرضه عليها أقطار الجوار، أو دول الطوق كما كان يحلو لبعضهم أن يسميها.. هذا الحصار الذي فرضته عليها الجامعة العربية بما انطوى عليه من إجراءات المقاطعة الصارمة التي فرضها مكتب المقاطعة، إلى أن لاح في الأفق ما أسموه حل الدولتين الذي وجدت فيه أطرافٌ كثيرة من أطراف الصراع فرصةً ذهبية للخروج من المآزق السياسية التي عصفت بهذه المنطقة من العالم منذ قيام"إسرائيل"، كما وجدت فيه هذه الأطراف فرصة من الصعب أن تتكرر لحل هذه القضية الفلسطينية حلاًّ "عمليًّا" يبدو مقنعًا، ويبدو معقولاً على الرغم من المشكلات والعقبات التي ينطوي عليها، والتي من الممكن أن تتم تسويتها بالنوايا الحسنة، والرغبة الصادقة في التوصل إلى حل لهذه القضية المزمنة... أما الطرف الإسرائيلي فقد وجد فيه فرصته لاعتراف سائر أطراف الصراع بكيانه الذي أقيم عام ثمانية وأربعين على نحو ثمانين بالمائة من مساحة فلسطين التاريخية، ووجد فيه فرصته للخلاص من الأقلية العربية الفلسطينية في هذا الكيان، ووجد فيه فرصته لاعتراف دولي أممي بهذا الكيان دولةً يهودية خالصة، والدخول من أوسع الأبواب في مفاوضات حول " الضفة الغربية" لا يمكن أن تسفر في نهاية المطاف إلا عن إلحاقها بهذا الكيان أرضًا بدون سكان.

    ولا بد قبل الخوض في هذا الحل، وملابسات نشوئه من الإشارة "فلسطينيًّا" إلى حل الدولة التي يصر اليهود في "إسرائيل" على فشله.. فالعرب الفلسطينيون في "إسرائيل" يصرون على تحقيق المساواة بغيرهم من سكان هذه الدولة، ويطالبون بالحصول على المواطنة الكاملة، ويؤكدون على أن هذه المواطنة الكاملة ليست مِنّةً أو معروفًا، وإنما هي حق ثابت لا يرقى إليه شك.. إنهم مواطنون قبل قيام هذه الدولة على أرضهم، وهم مواطنون قبل أن تأتي الغالبية العظمى من اليهود إلى هذه الديار، ولقد كانوا الأكثرية قبل قيام "إسرائيل" في حين كان اليهود الفلسطينيون أقلية تحظى بالمواطنة الكاملة في فلسطين.. كما يؤكد العرب الفلسطينيون في "إسرائيل" على حقهم في اللجوء إلى المحاكم لحماية حقوقهم الثابتة في بلادهم، وفي ديارهم، وعلى تراب وطنهم.. كما يؤكدون إصرارهم على التصدي لكل محاولات الانتقاص من هذه الحقوق، أو الاعتداء عليها، أو تجريدهم منها، وإصرارهم على البقاء في ديارهم دون أدنى التفات لما يقال بين الحين والآخر من محاولة نقلهم إلى دولة الفلسطينيين التي يقولون إنها سوف تقام إلى جانب"إسرائيل" دولة الشعب اليهودي تحقيقًا لرؤية (ذلك الذي ألحق الكوارث والنكبات بكثير من أقطار العروبة والإسلام، وبكثير من أقطار هذا الكون، إن لم يكن بالكون كله) حل الدولتين للشعبين!! إن أولئك العرب الفلسطينيين الذين يصرون كل الإصرار على البقاء في ديارهم ومدنهم وقراهم، وعلى أرضهم أرض الآباء والأجداد يرون ضرورة أن تُجرى انتخابات لجنة المتابعة العربية بطريقة مباشرة بصفتها "برلمانًا" للأقلية العربية، وإن كان كثير منهم يتخوفون من عواقب عمل كهذا، ويشككون في جدوى انتخاباتٍ كهذه تفرز جسمًا هزيلاً بدون صلاحيات.

   وكذلك، فان اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم عام ثمانية وأربعين يصرون على العودة إلى تلك الديار بموجب القرار 194.. كما يطالب هؤلاء الفلسطينيون بضرورة تطبيق سائر قرارات المجتمع الدولي بشأن القضية الفلسطينية.

    أما عرب القدس، فإنهم يصرون من جانبهم على ضرورة خروج الاحتلال من هذه المدينة حتى حدود الرابع من حزيران شأنهم في ذلك شأن أهالي الضفة الغربية المحتلة منذ عام سبعة وستين.. وهذا يعني أن الفلسطينيين يصرون على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من هذه الضفة، وضرورة وقف أعمال الاستيطان، وإجلاء المستوطنين عن هذه الديار.

    إن رفض اليهود لحل الدولة الواحدة هو الذي يقف حجر عثرة في سبيل تحقيق هذه الفكرة، وحل القضية الفلسطينية حلاًّ سلميًّا على هذا الأساس على الرغم مما قد ينطوي عليه هذا الحل من إجحاف بكثير من الحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين العرب من مواطني هذه الدولة.

    ونظرًا لأن هذه القضية الفلسطينية قد ظلت تلقي بظلالها على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية في هذا العالم، ونظرًا لأنها ظلت تفرض نفسها، وتلقي بثقلها على كافة الأنظمة العربية في سائر أقطار العروبة، ونظرًا لإصرار الفلسطينيين جميعًا على ضرورة حل قضيتهم حلاًّ عادلاً يعيد الحقوق إلى أصحابها، ونظرًا لأن "إسرائيل" قد تمكنت في حرب الخامس من حزيران من إلحاق هزيمة قاسية بالأنظمة العربية التي تؤازر الفلسطينيين، وتقف إلى جانبهم لاستعادة حقوقهم في وطنهم السليب بشتى الوسائل والسبل، ونظرًا لحالة اليأس والإحباط التي تسربت إلى نفوس كثير من القادة  الفلسطينيين الذين آمنوا بالكفاح المسلح وسيلةً لتحرير فلسطين... نظرًا لهذا كله،  وكثير غيره فقد بدأ حديث كثير من القادة الفلسطينيين، وكثير من القادة العرب في أعقاب هذه الهزيمة يتمحور حول إزالة آثار العدوان، وضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة... صحيحٌ أن لاءات الخرطوم قد نصّت صراحةً على أنه لا صلح مع إسرائيل، ولا اعتراف بها، ولا مفاوضات معها، وصحيح أن كثيرًا من الفلسطينيين والعرب قد ظلوا على سابق مواقفهم المعلنة من إسرائيل ... ولكنْ صحيحٌ أيضًا أن كثيرًا من القادة الفلسطينيين، وكثيرًا من القادة العرب، وكثيرًا من قادة الدول المتنفّذة في هذا العالم قد أخذوا يتحدثون صراحةً عن انسحاب إسرائيلي من أراض عربية محتلة.. وصحيح أيضًا أن شعار تحرير فلسطين لم يعد يُسمع، ولم يعد يتردد في وسائل الإعلام العربية، وعلى ألسنة كثير من القادة العرب والفلسطينيين.. وصحيح أيضًا ان اللقاءات والمفاوضات السرية بين كثير من القادة الإسرائيليين والفلسطينيين قد أخذت تُدار عن طريق الوسطاء تارةً، وبدون وسطاء تاراتٍ أخرى قبل زيارة السادات للقدس، وقبل توقيع اتفاقات كامب ديفيد بزمن طويل!!!

    معنى هذا كله أن التفكير بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة( بعد انسحاب الإسرائيليين) بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد أخذ بالتبلور في أعقاب هزيمة حزيران من عام سبعة وستين مرورًا بأعمال المقاومة الفلسطينية المسلحة التي أعقبت تلك الهزيمة، ومرورًا بالموقف العربي المؤيد للمنظمة ممثلاً شرعيًّا وحيدًا لشعب فلسطين في قمة الرباط في العام الرابع والسبعين من القرن الماضي، ولكن ما حصل بعد ذلك، وما تمخضت عنه اتفاقات اوسلو هو نشوء سلطة فلسطينية لم تتجاوز حدود الحكم الذاتي المحدود بعد قرابة عشرين عامًا من نشوئها دون انسحاب إسرائيلي من شبر واحد من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام سبعة وستين، ودون أن يلوح في الأفق أي دليل على نية أي من الإسرائيليين يسارهم ويمينهم ووسطهم للانسحاب من قرية واحدة أو شبر واحد من أرض الضفة الغربية، أو من يهودا والسامرة كما يسميها الإسرائيليون الذين يحتفظون فيها بقيادة عامة، وقواعد عسكرية( تشرف إشرافًا كاملاً على كل صغيرة وكبيرة مما يجري فيها من كافة أوجه الحياة اليومية، وتنفّذ كافة المخططات والأوامر والتعليمات والقرارات الصادرة عن القيادة العسكرية في "إسرائيل" بشأن قضم الأرض، ومصادرتها، وتغيير معالمها، والسيطرة عليها بشتى الوسائل والأساليب، والتضييق على العرب الفلسطينيين، والإمعان في عزلهم وحصارهم وهدم بيوتهم وإحباطهم ليسهل اجتثاثهم من هذه الأرض في الوقت المناسب)كما يحتفظون فيها بإدارة مدنية، وبمئات المستوطنات التي تضم أكثر من نصف مليون مستوطن حتى الآن.. لقد حصل كل هذا،  وتمت السيطرة على أرض الضفة الغربية بفئاتها الثلاث ("أ" و"ب" و"ج") قبل أن يطل علينا شبح نتانياهو وليبرمان وغلاة اليمين المتشدد، وقبل أن يصعدوا إلى سدة الحكم في "إسرائيل"، وقبل أن يدخلوا مع الفلسطينيين في هذه المفاوضات القائمة على المناورات والمراوغات، والتي تضاعفت فيها أعمال المداهمات والمصادرات والاستيطان أضعافًا مضاعفةً، وتضاعفت فيها أيضًا أعداد المستوطنين، وقبل أن يتبادل الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني منذ أيام هذه الرسائل التي لن تُغير من واقع الأمر شيئًا.

    إن الإدارة الأمريكية السابقة بما اشتملت عليه"رؤى" رئيسها الذي حاول جاهدًا تحقيق شيء من النجاح على صعيد فلسطين، والقضية الفلسطينية يغطي به على الفشل الذريع الذي لحق بسياسته في العراق وأفغانستان، ويصرف به الأنظار عما يوجهه لإيران وسورية وكثير من اللبنانيين والفلسطينيين من تهديدات وإنذارات واتهامات .. تلك الإدارة، ورئيسها ذاك تحديدًا هو الذي كان وراء ما سُمّي بحل الدولتين لهذه الأسباب التي مر ذكرها، ولأسباب أخرى تتلخص في تقديم "خدمة" لأصدقائه اليهود الذين لا يسعدهم وجود هذه الأقلية العربية الفلسطينية في "إسرائيل" ولا ينظرون بارتياح إلى وجود مليون ونصف المليون من الفلسطينيين العرب(ممن يسميهم كثير من اليهود بالقنابل الموقوتة) بينهم... وعليه، فقد وجد أولئك الحلفاء في حل الدولتين فرصة ذهبية للخلاص منهم إضافة إلى الخلاص من هذه القضية المزمنة التي أزعجت الدنيا بأسرها، وحلها حلاًّ في ظاهره الرحمة بإقامة دولة للفلسطينيين إلى جانب دولة اليهود "إسرائيل".. ولكن أحدًا لم يسأل تلك الإدارة، ورئيس تلك الإدارة أين ستقام تلك الدولة، والمستوطنون اليهود يسيطرون على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية يقيمون عليها مستوطناتهم، ويسيطرون على مساحات أخرى يقيمون عليها مزارعهم ومصانعهم ومحمياتهم الطبيعية، ويسيطرون على مساحات إضافية لشق شوارعهم الالتفافية التي يحاصرون بها مدنًا وقرًى وتجمعات للفلسطينيين من جهة، ويصنعون التواصل الجغرافي بين مستوطناتهم بحيث تظهر تلك المستوطنات وكأنها هي الأصل، وتبدو القرى والمدن العربية الفلسطينية وكأنها الاستثناء، ويسيطرون على مساحات إضافية ثانية لأعمال الجدار والأسوار والبوابات والمعابر التي يحاصرون بها مدن الفلسطينيين وقراهم، كما يسيطرون على مساحات إضافية ثالثة ورابعة وخامسة لتوسيع مستوطناتهم، وإقامة مستوطنات جديدة كي يصبحوا قادرين على استقبال مستوطنين جدد، وقادرين على مواجهة الزيادة الطبيعية  في أعداد هؤلاء المستوطنين، ولتوسيع حدود القدس الكبرى ومستوطنات جبل أبو غنيم، وأدوميم التي تزيد مساحتها كثيرًا عن مساحة تل أبيب، في الوقت الذي تُهدم فيه بيوت كثير من العرب الفلسطينيين في القدس والخليل وسائر مدن الضفة الغربية وقراها، بل وفي كثير من المدن والقرى العربية الفلسطينية في "إسرائيل" ولا سيما في منطقة النقب البالغة مساحتها أحد عشر ألفًا من الكيلومترات المربعة، أي أربعين بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، بدعوى أن هذه الأبنية غير مرخصة، فإذا قال قائل إن الناس في هذه المدن والقرى قد تقدموا بطلبات للحصول على تراخيص البناء دون أن يستجاب لطلباتهم لأسباب معروفة قالوا: هذه بلادنا نفعل فيها ما نشاء!!!

    نعم.. لم يسأل أحدٌ تلك الإدارة ورئيسها الذي كان: أين ستقام تلك الدولة في الوقت الذي يضع فيه المستوطنون اليهود أيديهم على كل شيء، ويبيحون لأنفسهم فعل كل شيء، وفي الوقت الذي يحاصرون فيه الفلسطينيين، ويضيّقون عليهم، ويضعون أيديهم على مصادر رزقهم وعملهم.

    وكذلك فإن أحدًا لم يسأل: كيف ستقام تلك الدولة في الوقت الذي يعلن فيه المستوطنون جهارًا نهارًا أنهم لا يمكن أن يغادروا "يهودا والسامرة" فهي جزءٌ لا يتجزأ من أرض إسرائيل، وفي الوقت الذي يؤكد فيه هؤلاء المستوطنون أنهم يملكون القوة الكافية لمواجهة القوة التي قد تحاول إخراجهم من "الضفة الغربية" مهما كانت تلك القوة، ومهما كانت طبيعتها.

    ولم يسأل أحدٌ: متى ستقام تلك الدولة في الوقت الذي أعلن فيه قادة إسرائيل دون استثناء أنهم يرفضون فكرة الجداول الزمنية، وأنهم لا يستطيعون العمل تحت ضغط جداول كهذه.. وإذا كان هذا هو الذي حصل في الفترات التي سيطر فيها أنصار اتفاقات أوسلو على الحكم في"إسرائيل" فما الذي من الممكن أن يحدث اليوم بعد أن سيطر اليمين المتشدد على مقاليد الأمور فيها؟؟

    أغلب الظن أن دولة كهذه لن تقوم في هذه الديار للأسباب التي مر ذكرها، وأغلب الظن أن حل الدولتين كان منذ تبلوره في عهد الإدارة الأمريكية السابقة ورئيسها بالتحديد مجرد كلام نظري غير قابل للتنفيذ؛ فلا العرب الفلسطينيون بخارجين من الجليل والمثلث والنقب تحت أي ظرف، ومهما كانت النتائج، ولا المستوطنون اليهود في الضفة الغربية بخارجين من مستوطناتهم في قلب القدس والخليل، ومن مستوطناتهم في أدوميم وأرئيل وكريات أربع وغيرها من المستوطنات في الضفة الغربية.

    إن فلسطين التاريخية هي وطن الفلسطينيين جميعًا يشهد بذلك تاريخ هذه البلاد، وتشهد بذلك جغرافيتها، وجبالها، وسهولها، وتشهد بذلك آثارها في الوقت الذي يبحث فيه غيرهم عن حجر تحت الأقصى أو حوله من كافة الجهات يثبتون به صلتهم بهذا المكان فلا يجدونه، وفي الوقت الذي يبحث فيه غيرهم عن زيٍّ أو أكلةٍ أو رقصةٍ أو أغنيةٍ أو قصةٍ أو حلمٍ أو نجمةٍ أو غيمةٍ تعرفهم فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً.

    إن على كل من يعنيهم أمر هذه المنطقة من العالم، وعلى كل من يعنيهم أمر السلام العادل الدائم الشريف المتكافئ في هذه الديار أن يعملوا من أجل تقديم الضمانات العملية المقنعة بعدم تكرار ما حل بالفلسطينيين على امتداد أكثر من ستين عامًا.. ضمانات بعدم تكرار التجربة الأليمة في جنوب إفريقيا أواسط القرن الماضي، وضمانات بعدم تكرار التجربة الأليمة في قطاع غزة، ولا سيّما ما يحصل هناك منذ مطلع العام التاسع من هذه الألفية الثالثة.

    الفلسطينيون يريدون ضمانات دولية تمكّنهم من العيش في بلادهم بأمان واحترام .. يريدون ضمانات بعدم التفكير بتهجير عرب"إسرائيل" من ديارهم إلى أي مكان آخر، وتحت أي سبب من الأسباب.. يريدون ضمانات بعدم الالتفاف على حق العودة، وتغيير مساره واتجاهه تارة باقتراح عودة بعض اللاجئين إلى الضفة، وطورًا باقتراح عودةٍ تكتيكيةٍ لبضعة آلاف منهم إلى "إسرائيل" في إطار جمع شمل العائلات.. الفلسطينيون يريدون العيش في بلادهم فلسطين بسلام واحترام بعيدًا عن النموذجيين الرهيبين في جنوب إفريقيا، وفي قطاع غزة..وبعيدًا عن هذا الواقع المر في الضفة الغربية، وبعيدًا عن سياسة الغطرسة، والإملاءات، والاستخفاف بحقوق الآخرين وعقولهم.. وبعيدًا عن سياسة الاستغفال والتزوير والكمائن التي أثبتت تجارب الشعوب عقمها وفشلها.

    إن السلام العادل الشامل الدائم الشريف المتكافئ الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها هو هدف شعوب هذه المنطقة التي تطمح إلى حياةٍ آمنة كريمة مستقرة يسودها الأمن والأمان، وترفرف عليها رايات المحبة والتسامح والعدالة والعيش الكريم.. وإن هذا السلام لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان مقنعًا يعيد الحقوق إلى أصحابها.. وبغير ذلك لن يكون سلام، بل مضيعةٌ للوقت دون طائل، وتأجيجٌ لعوامل الصراع التي من شأنها أن تؤسس لمزيد من الحروب وأعمال العنف المدمرة التي لا يعلم مدى أخطارها، وأضرارها، وكوارثها البشعة الرهيبة إلا الله.

   وبعد، فإنه، وعلى الرغم من أن ذاك الذي أسمَوه حل الدولتين لم يضمن – ولو نظريًّا -  الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين الثابتة في بلادهم فلسطين، ومع ذلك فقد رضي كثيرٌ من الفلسطينيين به، واعتبروه إنجازًا، بعد أن كانوا قد رفضوا على امتداد العقود السبعة الماضية حلولاً أقل سوءًا منه بكثير، وبعد أن كانوا قد رفضوا منذ بدء الصراع أن يكون للآخرين أدنى وجودٍ في بلادهم، أو أدنى تأثيرٍ على سيادتهم الكاملة على أرض فلسطين.

   ولم يكن كثيرٌ من الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها مقتنعين بأن هذا الحل (حل الدولتين) سيحظى بأدنى نجاح، لا لأن كثيرًا من الفلسطينيين يرفضونه، ولا يرون فيه إحقاقًا لشيءٍ من حقوقهم وثوابتهم، ولكن لأن الآخرين هم الذين يرفضونه، لأنه يتعارض مع أفكارهم ومبادئهم، ويتناقض مع طبيعة الدولة التي يريدونها في قلب ديار العروبة، ويتناقض مع سياسة المراحل والمناورات والمراوغات التي انتهجوها منذ بدء الصراع، وحتى يومنا هذا.

   واليوم، وبعد أن سد الآخرون جميع الأبواب والمنافذ في وجوه الموافقين على حل الدولتين، وبعد أن أيقن هؤلاء الموافقون على هذا الحل، وعلى أي حلٍّ قد يتقدم به الآخرون، وبعد أن أيقنوا أن هؤلاء الآخرين لا يريدون حلاًّ قائمًا على أدنى شراكةٍ، أو وجودٍ فاعلٍ لأحدٍ على أي جزءٍ مهما كان ضئيلاً من هذه الديار، وبعد أن ثبت لهؤلاء أن الغرب بشقيه عاجزٌ تمامًا عن فعل شيءٍ للفلسطينيين باستثناء فتات الموائد، والمجاملات التي لا تقدم ولا تؤخر، ولا تسمن ولا تغني من جوع، وبعد أن أدركوا هذه الحقائق التي كان يدركها جيدًا كثيرٌ من الفلسطينيين منذ البداية، وبدلاً من الاعتراف بأخطاء الماضي، والعودة إلى وحدة الصف والموقف والهدف والإجماع الشعبي، وبدلاً من العودة إلى ثوابت هذا الشعب وقناعاته، وبدلاً من العودة بالقضية إلى بعديها العربي والإسلامي، وبدلاً من العمل الجاد على إنهاء هذا الانقسام القاتل في الصف الفلسطيني، وبدلاً من فعل أي شيءٍ يؤثر إيجابًا على سير الأمور والأحداث في هذه الديار، ويعيد هذا الشعب إلى وحدته وتلاحمه وثوابته، وإصراره على إحقاق حقوقه، فقد راح بعضهم يخوّف هؤلاء الآخرين (الذين لا يريدون حل الدولتين) من سوء العاقبة، وراح هذا البعض يتحدث عن البدائل، ويتحدث عن عودة ملايين الفلسطينيين إلى الدولة الواحدة التي ستكون البديل لحل الدولتين!! ولقد نسي هذا البعض أن الآخرين الذين يرفضون "التنازل" الفعلي عن أي شبرٍ من هذه الديار لأحدٍ قادرون على رفض هذه البدائل، وقادرون على فرض تصوراتهم وحلولهم، وقادرون على التحكم بسير كافة الأمور، وكافة القضايا المتفرعة عن هذه القضية التي كانت قضية العرب الأولى ذات يوم، إذا استمرت الحال على هذا المنوال.

   إن كافة أشكال التحذيرات والتهديدات المبطنة وغير المبطنة لن تردع هؤلاء، ولن تحدّ من أطمـاعهم في كل هذه الديار، وفي غير هذه الديار ما دام الواقع هو الواقع، وما دامت الحال هي الحال، والخلاف هو الخلاف، وما دام التمزق والتشرذم والتناحر والتباغض والتخاصم والخلاف والاقتتال والاحتراب بين الأهل والإخوة في الوطن الواحد سيدَ الموقف، وما دام الفلسطينيون والعرب مجموعاتٍ وجماعاتٍ وأحزابًا وشيعًا وقبائل يحارب بعضها بعضًا، وما دام الفلسطينيون والعرب أتباعًا وتوابع للأجنبي، وأدواتٍ طيعةً في يده لشن الحرب التي يحدد مكانها وزمانها وأهدافها على أي جزءٍ من أرض العرب بهدف إخضاعه وتركيعه وإعادته إلى عهود الإقطاع والاستعمار والاستبداد والاستعباد والتبعية لكل أعداء العروبة والإسلام!!

   وإن كافة أشكال النصائح المجانية التي قد يسديها بعضنا لهؤلاء لن تجدي أدنى نفعٍ مهما كانت دوافعها وأهدافها.. فهؤلاء قد أعلنوا منذ أمدٍ بعيدٍ ما يريدون، وهؤلاء قالوها بصريح العبارة إنهم أهل هذه الديار، وإنهم قادة هذه المنطقة في حروبها القادمة، وهم من يحددون لهذه الأمة أعداءها وأصدقاءها وقياداتها أيضًا.. وهم من يصنعون شكل مستقبل هذه الأمة العربية على كل أرض العرب، وهم من يتحكم بزراعة العرب وصناعتهم ومناهج مدارسهم وجامعاتهم وإنتاجهم واستهلاكهم، وكل مظاهر حياتهم وخباياها وخفاياها.. وما دام الأمر كذلك، فلن يجدي نفعًا كل هذا الكلام، ولن يجدي نفعًا كل هذا التنظير، ولن يجدي نفعًا إلا ما كان قائمًا على الفعل، وعلى مبدأ التعامل بالمثل، وعلى مبدأ العين بالعين والسن بالسن، ولن يجدي نفعًا أيضًا إلا الإصرار على تحقيق الأهداف بعد تحديد هذه الأهداف، وتحديد الجهات والهيئات والأطراف، فلكل أمةٍ أهدافها، ولكل معادلة طرفاها أو أطرافها، ولكل نصرٍ أسبابه، ولكل عودةٍ مقوماتها، ولكل شعبٍ غاياته وقناعاته، وأسرار بقائه وفنائه، وأسباب انهياره واندثاره وذوبانه في الآخرين.

   وإذا كان من حق الإنسان أن يقول ما يريد، وأن يجتهد دون أن يكون عليه أدنى حرج، وإذا كان للمجتهد حسنتان، وإذا كان الاجتهاد ركنًا من أركان التشريع لا يمكن أن يُغلَق، ولا يجوز أن يُغلَق، وإذا كان إغلاق هذا الباب يؤدي إلى الجمود والتخلف والانقراض، إذا كان كل ذلك صحيحًا – وهو صحيح – فإن سياسة كمّ الأفواه، وأسلوب التعتيم الإعلامي، ومحاولات منع الناس من إبداء الرأي، ومن حرية الكلام والقول والتفكير والتعبير هي من قبيل إغلاق باب الاجتهاد في التشريع تؤدي إلى ما يؤدي إليها من نتائج.. وعليه، ولما كان للإنسان كل الحق في أن يقول ما يعتقد أنه الصواب، فإن من حقنا أن نقول للمصيب أصبت، وإن من حقنا أن نقول للمحسن أحسنت، وأن نقول للمسيء أسأت، دون تصلبٍ ودون تعصبٍ، ودون أدنى إساءةٍ لكبيرٍ أو صغير، وبخاصةٍ إذا كان الأمر مما يتعلق بوجود أمةٍ، ومصير شعبٍ، وقضية وجودٍ أو عدم.. وإذا كان من حقي بناءً على كل ما تقدم أن أقول شيئًا فإن مما أريد أن أقوله إن هؤلاء ليسوا الخاسرين إذا فشل حل الدولتين، بل نحن الخاسرون إذا استمرت هذه الحال، وإذا لم يكن هنالك ما نفعله سوى ما أدمناه منذ عقود، وإن مما أريد قوله: قبل الرِّماء تُملأ الكنائن، وإن مما أريد أن أقوله: الرأي قبل شجاعة الشجعانِ// هو أولٌ وهي المحل الثاني. وإن مما أريد قوله: وما نيل المطالب بالتمني... وإن ما أريد أن أقوله أولاً وآخرًا وقبل كل شيء "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..." صدق الله العظيم.. أفبعد هذا كله، أو قبل هذا كله، وبعد كل ما جرى ويجري منذ مئة عام، وبعد كل ما سيجري في هذه الديار، وفي كثيرٍ غيرها من ديار العروبة نجد من يستمرئون العيش في خنادق الآخرين، وفي فنادقهم، ونجد من يهدرون الأوقات والطاقات والإمكانات، ويبددون الجهود، ويشتتون الوالد والمولود، ويعبثون بالوعود والعهود والعقود، ويتاجرون بالموءودة والموءود.. والنار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود!! فإلى متى سيُصر هؤلاء وأولئك على الاستمرار في هذه اللعبة؟ وإلى متى سيواصلون القيام بهذه الأدوار التي هزُلت حتى عافها كل مفلِس؟ أم أنهم سيتراجعون؟ ومتى سيكون ذلك، وكيف سيكون؟ وهل سيخرجون من أزماتهم، وكيف؟ لا أدري اليوم يقينًا ما الذي سيحدث غدًا أو بعد غد.. وإن كنت على يقين أنه على الباغي تدور الدوائر، وأنه لا أحد يستطيع خداع كل الناس كل الوقت، وأنه لا يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح.. وللحديث صلة.

21/5/2012