عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الخميس، ١٤ تموز ٢٠١١

القدس أولاً.. والأسرى قبل كل شيء..!!

متابعات
القدس أولاً.. والأسرى قبل كل شيء..!!
أ.عدنان السمان
    إلى أولئك الذين يظهرون الحرص على حل القضية الفلسطينية، أو القضايا الفلسطينية حلاًّ عادلاً، وإلى أولئك الذين يُبدون الرغبة في صنع مجتمع دَولي آمنٍ مستقرٍ تسوده شريعة العدل والحق، وإلى كل أولئك الذين يتحدثون كثيرًا أو قليلاً في القيم الإنسانية، والمثل العليا للبشرية، ويَتَباكَوْنَ على حقوق الإنسان والحيوان المهدورة في كثيرٍ من أقطار هذا الكون.. إلى كل هؤلاء، وإلى كثير غيرهم في هذا الكون الذي يرى ما لا نرى، ويسمع غير ما نسمع نقول إن هذه المدينةَ المقدسةَ التي احتلت عام سبعةٍ وستين هي جزءٌ لا يتجزأ من الضفة الغربية التي من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عن إقامتها منذ عشرين عامًا!!  فلماذا تتخذ بحقها كل هذه الإجراءات الباطلة؟ ولماذا يجري على أرضها، وفي محيطها كل ما يجري من استيطان، ومن تهويد، ومن عدوان على الناس، وإقصاء لهم عن بيوتهم، وإحلال للغرباء في هذه البيوت، ومن تمزيق، ومعابر وبوابات، ومن عزل للمقدسيين، وإبعاد لهم عنها، ومن إغلاق لهذه المدينة في وجوه كل أبنائها من أهل الضفة الغربية؟ ولماذا يمعنون في عزل  هذه المدينة عن محيطها العربي؟ ولماذا يتخذون كل هذه الإجراءات الظالمة بحق أبناء هذه المدينة من العرب المسيحيين والمسلمين؟ ولماذا يصادرون من أرضها ما يصادرون، ويهدمون من بيوتها ما يهدمون؟ ولماذا يضعون أيديهم على كثير من بيوتها في كل يوم، ويبعدون أصحابها الشرعيين عنها، ولماذا يعبَثون بالمدينة القديمة كلَّ هذا العبث؟ ولماذا يغيرون معالمها، وينشرون فيها مستوطنيهم، ولماذا يَعتدون في كل يوم على حرمة الموتى الذين دفنوا في أحيائها منذ أيام الفتح، ومنذ أن عمَّ نور الهداية هذه الديار؟ ولماذا وهي جزءٌ من عقيدة المسلمين في كل أرجاء الأرض يفعلون بها كل هذه الأفاعيل، ولماذا وهي رمزٌ من رموز العروبة يرتكبون بحقها كل هذه الأباطيل؟ والغرب بشقيه يعرف هذا كله، ويشاهد هذا كله، ولكنه لا يفعل شيئًا، ولا يحرك ساكنًا، ولا يتخذ من المواقف والإجراءات ما من شأنه أن يعيد حقًّا لأصحابه، وما يفعله المتضامنون (مع كل الاحترام) لا يكفي لنصرة الحق، ولا يعيد حقًّا لأصحابه.
    الدنيا كلها تعرف هذا كله، والدنيا كلها قالت كلمتها في هذه المدينة الخالدة، والدنيا كلها قالت إنها جزءٌ لا يمكن أن ينفصل عن دولة الفلسطينيين التي آن لها أن تقوم على أرض الضفة الغربية، فلماذا يتهددون الفلسطينيين ويتوعدونهم إن هم لجأوا إلى المنظمة الدولية لاستصدار القرار الحاسم بإقامة هذه الدولة؟ ولماذا يصرون على استئناف مفاوضات عبثية لم تثبت عقمها فحسب، وإنما أثبتت أنها وسيلتهم في المراوغة والمماطلة، وأنها فرصتهم في فرض حقائق جديدة، ووقائع جديدة على الأرض في كل يوم، وأنها غطاؤهم في التهويد والتهديد وتكثيف الاستيطان، وحصار المقدسيين، وتجريدهم من كثير من حقوقهم فيها في كل يوم، لماذا كل هذا الإصرار على استئناف مفاوضات لا يمكن أن تحق حقًّا، أو تزهق باطلاً، أو تقيم دولة، أو تنصف شعبًا، أو ترد أدنى اعتبار لأمة ترى في القدس هويتها، وترى فيها ثقافتها، وترى فيها إرثًا تاريخيًّا لا يقبل جدلاً، ولا يرضخ لابتزاز، ولا ينحني أمام ضغوط مهما كانت شِدَّتها وحِدَّتها، ولا يخضع لتهديد ووعيد حتى لو تعلق الأمر بالموت جوعًا وعطشًا بعد قطع آخر ما تبقى لهذا الشعب العربي الفلسطيني من دخل يُبقي عليه حيًّا، ويوفر له الحد الأدنى من ضرورات العيش.. وإذا كان فتات الموائد الذي يقدمه المانحون ثمنًا لصمت هذا الشعب عن حقوقه في أرضه ووطنه، وثمنًا لصمته عن تقرير مصيره، وإقامة دولته، ووسيلة من وسائل هؤلاء لفرض سيطرتهم على هذه الأرض حتى لا يبقى في نهاية المطاف ما يتفاوض عليه المتفاوضون، فبئس هذا الفتات، وبئس ما  يقدمه أولئك المانحون، وبئست نفسًا ترضى أن يكون هذا الفتات ثمنًا لحريتها، وثمنًا لتنازلها عن حقها في العيش الكريم الآمن فوق تراب وطنها الذي توارثه الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل.
    وإذا كان للقدس كل هذه المكانة في قلوب المسلمين، وفي قلوب العرب مسلمين ومسيحيين، وإذا كان لهذه المدينة كل هذه القدسية التي يصِرُّ معها الفلسطينيون والعرب والمسلمون على أنها تأتي أولاً عند الحديث في تفصيلات هذه القضية الفلسطينية، وعند الحديث عن أولوياتها فإن قضية الأسرى تأتي مرادفةً لذلك، منسجمةً معه، متماهيةً فيه، مكملةً له، موضحةً لمعناه ومبناه، وكأن الفلسطينيين، ومعهم كل العرب، وكل المسلمين يصرُّون (إلى جانب إصرارهم على عروبة القدس، وعلى حرية أرضها) أيضًا وفي الوقت نفسه على حرية الإنسان، ويعتبرون تحريره من الأغلال والقيود التي يرسف فيها تحريرًا  للقدس، وتجسيدًا لقولنا جميعًا إن القدس أولاً، وإن الأسرى قبل كل شيء، وإنهم مفتاح الحل، ولعمري فإن هذا القول صحيح: القدس أولاً.. والأسرى قبل كل شيء.
     قد يقول غربيٌّ أو شرقي إن بعض الأسرى قد ارتكبوا ما تقشعر لهوله الأبدان، وإنهم.. وإنهم.. وإنهم بالتالي لا يستحقون كل هذا التعاطف الذي يبديه الناس تجاههم، ونحن نقول: إذا كان هذا صحيحًا فما الذي يقوله هؤلاء في كل ما ارتكبوه هم بحقنا؟ ولماذا لا يكون هنالك قانون ثابت واحد موحد يحكم هذه المعادلة؟ وما ذنب الأطفال الذين يولدون في السجون والمعتقلات؟ وما ذنب كل هذه الآلاف من المعتقلين والمعتقلات ممن لم تثبت إدانتهم، وممن أمضَوا في السجون وحياة الأسر سنين عددًا في الوقت الذي لا يحكم على غيرهم (ممن ارتكب أكثر مما ارتكبوه) أكثر من غرامة ضئيلة لا تكاد تساوي ثمن الرصاصة التي أطلقها على هذا العربي أو ذاك، وأكثر من تخفيض رتبة، أو حبسٍ مع وقف التنفيذ مدة شهرٍ أو شهرين، أو توبيخ لا يلبث أن تذروه الرياح!.
   وإذا كان للقدس كل هذه المكانة في قلوبنا فإن للأسرى مثل هذه المكانة أيضًا.. وإن الحل لهذه القضية الفلسطينية، أو لهذه القضايا الفلسطينية الكثيرة التي أفرزتها كل هذه العقود، وكل هذا الشتات، وكل هذا العذاب، وكل هذه القرارات والممارسات، وكل هذه المعارك والحروب التي واكبت النكبة وتلتها، وأسفرت عنها وأعقبتها، وكل هذا الظلم التاريخي الذي حاق بالفلسطينيين ولحق بهم.. الحل في قيام دولة الفلسطينيين الحرة المستقلة على كامل التراب المحتل منذ عام سبعة وستين على أن تكون القدس أولاً، وعلى أن يكون الأسرى قبل كل شيء، وقبل كل تحرك لوضع هذا الحل موضع التنفيذ، وعلى أن يكون من حق كل عربي فلسطيني أن يعود إلى بيته الذي هُجِّر منه، وعلى أن يكون من حق كل عربي فلسطيني أن يعود إلى أرضه التي أرغم على مغادرتها، وعلى أن يكون من حق كل أهل هذه الديار أن يعيشوا بأمن وأمان ووئام وسلام بعيدًا عن كل أسباب التوتر والحروب.
    إن عودة الحقوق كل الحقوق إلى أصحابها هي الحل، وإن المحبةَ والتسامحَ والتصالحَ هي الأسس التي يجب أن يقوم عليها الحل، وإن السلام العادل الدائم المتكافئ الذي لا غالب فيه ولا مغلوب هو هدف الناس جميعًا في هذه المنطقة من العالم، فهل يتحقق للناس هذا الهدف؟ نرجو ذلك.
14/7/2011 

السبت، ٩ تموز ٢٠١١

صفحة الرأي للعروبيين.. لا للشعوبيين!!

متابعات
السيد رئيس التحرير
صفحة الرأي للعروبيين.. لا للشعوبيين!!
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
 
   قد لا يكون من حقي أن أتدخل في صلاحيات رئيس التحرير، وقد لا يكون من حقي أن أعترض على تصرفاته وممارساته وإجراءاته التي تنصّ عليها تلك الصلاحيات صراحةً، أو تشير إليها ضمنًا، أو لا تنصُّ عليها، أو تشير إليها.. وإن كان من حقي أن أكون راضيًا عن تلك الممارسات والإجراءات، أو غير راضٍ في حدود الحوار الصامت مع النفس، والحوار الهادئ مع الذات، ومع من يعنيهم الأمر، لأسباب ترفضها في كثير من الأحيان ضرورات التقييم والتقويم، وتقتضيها طبيعة الارتقاء بالعمل وتطويره والنهوض به، والحكم عليه سلبًا أو إيجابًا، مع إمكانية بذل شيء من جهد لتخليصه من شائبة هنا أو هناك، كلما كان ذلك ممكنًا، وكلما دعت لذلك ضرورة الحرص على العمل، وضرورة الحرص على استمراره، وضرورة الحرص عليه سليمًا معافًى قادرًا على حمل هذه الرسالة لأجيال هذا الوطن، وخدمة هذه الأجيال، وقضاياها المصيرية العادلة، وطموحاتها وتطلعاتها جيلاً بعد جيل.
    ليس من حقي أن أتدخل فيما لا يعنيني، ولم يسبق لي أن تدخلت، وإن كان من حقي أن أعترض على أي إجراء يتخذ ضدي، وعلى أي إجراء يُتخذ ضد حرية الرأي، وحرية القول، وحرية التفكير، وحرية التعبير.. ليس من حقي أن أتدخل فيما لا يعنيني، هذا صحيح، ولكن من حقي أن أتدخل، وأن أصرخ بملء صوتي أيضًا عندما يحاول أن يحدد لي مكانتي مَن هم دوني، وعندما يحاول صغيرٌ أن يتحكم بالكبير، وعندما يتدخل المتدخلون للتحكم بالناس، وفرض الوصاية عليهم، والتحكم بأرزاقهم وأعناقهم ومكتسباتهم والتضييق عليهم، لا لشيء، إلا لأنهم يرفضون أن يكونوا جزءًا من هذه الزفّة الإعلامية الضالة المضلِّلة التي تستهدف كل ثوابت هذه الأمة، وكل قضاياها العادلة، وكل منطلقات ثقافتها ومقومات شخصيتها، ومرتكزات هذه الشخصية التي وقفت بالمرصاد لكل العابثين الطامعين بنا المجترئين علينا على مر العصور والدهور.. ولا لشيء إلا لأنهم يرفضون الاستجابة لكل هذه الادعاءات والمزاعم التي تحاول دون وجه حق أن تزور الحقائق، في محاولة يائسة بائسة مكشوفة لإدانة الأحرار الشرفاء الذين يقفون بقوة وعناد وصلابة في وجه مشاريع أولئك الحالمين بفرض سيطرتهم على كل هذه الديار، وإقامة مشروعهم عليها.
     لو لم يتعلق الأمر بي، ولو لم تمسّ هذه الإجراءات مكانتي وكرامتي وفكري الذي شكّلته على مر الأيام بتجاربي التي كثيرًا ما أوردتني مهاوي الردى أو كادت، ولو لم أُوقِن أنني مستهدفٌ لحملة ظالمة غريبة عن معتقدات هذا البلد وثقافته وقناعاته وثوابته، لولا كل ذلك لما اعترضت، فلست من الذين يتدخلون في شؤون الآخرين والأخريات، ولست من الذين يحبون افتعال الأزمات، وإنما من المؤمنين بحق الناس جميعًا في التفكير، وفي إبداء الرأي، وفي فتح المجال أمام الناس بعد ذلك كي يختاروا، وكي يقرروا، وكي يقولوا كلمتهم في كل هذه المسائل المتعلقة بهم، وبقضاياهم، وبمصائرهم، ومصائر أجيالهم وذراريهم على تراب وطنهم الذي افتدوه ويفتدونه بالمُهَجِ والأرواح.
   لا أقول هذا مكابرًا أو مزايدًا، ولا أقوله طامعًا أو رافعًا سقفَ مطالبي، وإنما أقوله باكيًا هذا الظلم الصارخ الذي وقع عليَّ، شاكيًا هذا التدخل الذي لم يكن وراءه سوى سياسة الإقصاء والإحلال التي عانيناها، ولا نزال، والتي بتنا نشعر معها أنها تبذل جهدًا لم يسبق له أن بُذِل، من أجل الانتقال بهذه الديار، وبغير هذه الديار إلى المرحلة النهائية التي يشعر معها كل أولئك وهؤلاء أنهم قد أطبقوا على خناق هذه الأمة، وأنهم قد حققوا مآربهم وأهدافهم في السيطرة عليها، والتحكم بإنسانها كما يريدون.
     إنني أفهم أن صفحة الرأي إنما تكون للعربي في بلاد العرب، وأنها إنما تكون للأمريكي في أمريكا، لا أن تكون صفحة الرأي هنا صدًى لما يريدونه هناك مهما كانت الذرائع والأسباب، ومهما كانت الحُجَج التي يحتجُّ بها أصحاب هذا الاتجاه والتوجّه، ومهما كان إصرارهم على هذا التوجه والاتجاه.. صفحة الرأي هنا لكل أهل الفكر والرأي من أبناء هذا الوطن وبناته، وعلى رأس كل هؤلاء الأبناء العروبيون منهم.. أما الشعوبيون الذين ارتضَوا لأنفسهم أن يكونوا صدًى للآخرين، وعصًا في أيديهم ففي ذيل هذه الصفحة، وفي ذيل الصفحات الأخرى النائية التي قد لا ترغب الأعين في رؤيتها.. أما أن تُعكَس الأوضاع، ويتعرض العروبيون في وطنهم للتطفيش والتهميش والتقزيم والتحجيم والاقتلاع والتهجير فهذا أمر أكثر من مرفوض.
    لقد عانينا في هذه الديار من التمييز، ومن العنصرية، ومن الوساطات، والمحسوبيات، ومن الدكاكين الكثيرة على اختلاف ألوانها، ومن تدخل المتدخلين والمتدخلات، والمستفيدين والمستفيدات، ومن الراقصين على الحبال والراقصات، ومن اللابسين لكل معركة لبوسَها.. ولكننا لم نرضخ، ولن نرضخ، ولم نستسلم، ولن نستسلم، ولم نَهُن يومًا، ولن نهون.. بل إن كل هذه التجارب الأليمة، والمرارة الدفينة، لم تزدنا إلا إصرارًا على التشبث بالحقوق، ولم تَفُتَّ في سواعدنا، بل زادتنا إيمانًا بأن الوطن لكل أبنائه، ومطبوعاتُهُ لكل أبنائه، وصفحة الرأي في مطبوعاته جميعًا ينبغي أن تكون للعروبين من أبنائه، لا للشعوبيين الذين يعادون هذه الأمة، ويتربصون بها الدوائر.
   وبعيدًا عن التوتر والتشنج والانفعال أقول: لا للتعنْصُر والمحاباة والتمييز والفئوية البغيضة.. لا للاستخفاف بمن لا تستهويهم هذه الزفّة الإعلامية المغرضة الموجَّهة.. لا لكل هذا التجييش الإعلامي الذي لا يبتغي سوى قلب الحقائق، والترويج لمشاريع الغرب بشقيه على كل أرض العرب.. لا لكل أساليب التعتيم الإعلامي، والعبث الإعلامي، ولكل محاولات طمس الحقائق، وتزوير الوقائع خدمةً لكل أولئك وهؤلاء.. نعم لاحترام عقول الناس وأفكارهم، ورغبتهم في العيش الحر الآمن الكريم على أرض وطنهم بعيدًا عن التبعية، وبعيدًا عن كل صور الفساد والإفساد والتنكر لإرادة الشعوب، ورغبتها في العيش بحرية وأمن وأمان واستقرار واستقلال سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي في أوطان حرة عزيزة سيدة مستقرة مستقلة تقول لا بملء فيها لكل محاولات البغي والاستبداد والاستعباد والعدوان، فهل هذا من حقنا؟ وهل من حقنا أن نعبّرَ عن هذا في صحافتنا التي يُفتَرض أنها منبر هذا الشعب، ومنبر هذه الكوكبة من مثقفي هذا الشعب وإعلامييه وصحافييه وكتّابه ومفكَريه؟ نرجو ذلك.
مع فائق التحية والاحترام.
9\7\2011

الأربعاء، ٦ تموز ٢٠١١

طلبة التوجيهي بين المطرقة والسندان!!

متابعات
 
طلبة التوجيهي بين المطرقة والسندان!!
أ.عدنان السمان
 
لم يكن الدافع لكتابة هذا المقال ما أثير من جدل حول كثير من أسئلة امتحانات التوجيهي لهذا العام، وما قيل عن صعوبة بعض الأسئلة، وما واكب ذلك ورافقه من تصريحات وتعليقات وتعقيبات وردود وتحديات واستفزازات جانَبَ الصوابُ كثيرًا منها، وكان له وقعه السيئ على نفوس الطلبة، وعلى نفوس ذويهم، وعلى نفوس كثير من المراقبين والتربويين وأولياء الأمور في هذه الديار.
        ولم يكن الدافع بطبيعة الحال انتصارًا لهذا الفريق على ذاك، أو تأييدًا لوجهة نظر على حساب وجهة نظر مخالفة، بل كان الدافع محاولة جادة لفعل شيءٍ من أجل طلبة التوجيهي الذين تقدموا للامتحانات في هذا العام، ولطلبة التوجيهي الذين سيتقدمون للامتحانات في العام القادم، ولأولئك الذين سيتقدمون للامتحانات في أعوام قادمة.
      أما الذين تقدموا للامتحان منذ أيام فإن من حقهم أن ينصَفوا، وإن من حقهم أن تُرفع عنهم كل أشكال الظلم والإجحاف التي لحقت بهم، فالسؤال المغلوط يحذف، والسؤال الصعب يُعطى الحد الأدنى من العلامات، والسؤال الذي تشير عملية التصحيح التمهيدية إلى أن عددًا محدودًا من الطلبة قد أجاب عنه يحذف، أو يعطى العلامة الدنيا، وليس بي حاجة أن أطلب من المصححين أن يكونوا أكثر رأفة بالطلبة خلال عملية التصحيح، فهم ليسوا بحاجة لمثل هذا الطلب، وهم الأكثر حرصًا على مصلحة الطلبة دون أدنى شك، آملاً أن تكون النتائج مرضية، وأن يكون الطلبة وأولياء أمورهم راضين عنها، وفي الوقت نفسه فإنني أرجو أن تتبلور علاقة وثيقة بين كل من وزارة التعليم والجامعة وممثلين عن أولياء الأمور والقيادات الاجتماعية، بهدف الارتقاء بالعملية التربوية، وحل كثيرٍ من المشكلات التي يشكو منها الطلبة وأولياء أمورهم، وتعترض عليها كثير من القيادات الاجتماعية والقوى الوطنية، وتخليص العملية التربوية من كثير من الشوائب، وتخليص الجامعة من كثير من القوانين والاستثناءات وتعدد المكاييل والمقاييس والاعتبارات، سواء كان ذلك في المسائل المتعلقة بقبول الطلبة في كليات الجامعة المختلفة، أو في تعيين الموظفين والموظفات والمحاضرين والمحاضرات أيضًا، بحيث يعطى الاعتبار في ذلك للكفاءة فقط، دون أدنى انتباه إلى ما عداها من اعتبارات مهما كانت، وكذلك العمل السريع من أجل تخليص الجامعة وغيرها من مؤسسات هذا الوطن ودوائره وممتلكاته العامة من كافة الامتيازات التي فرضتها قوًى أو أُسرٌ أو تيارات لنفسها ولأتباعها وتوابعها ومريديها، وتخليص كل هذه الدوائر والعناوين من تدخل المتدخلين وتحكم المتحكمين من أفراد وجهات، وإن كانوا من الممولين، إذ ليس من حق هذا الممول أو ذاك أن يشتري المؤسسة بأمواله، فمؤسسات الوطن لكل أبنائه لا فرق بين هذا أو ذاك، وإن كان هنالك من فرق أو فروق وفوارق وأفضليات فهي لمن يقدم لوطنه ومجتمعه وأجياله أكثر من سواه.
        ومن أجل الذين سيتقدمون للامتحان في العام القادم، أو في الأعوام القادمة، ومن أجل خيرهم، وخير العملية التربوية فإن الواجب يقضي بعد إصلاح النظام المعمول به في الجامعة، وفي مؤسسات الوطن المختلفة أن يصار في الحال إلى إصلاح نظام التعليم المعمول به في البلد، وما من شك في أن الخطوة الأولى في طريق هذا الإصلاح تبدأ من ضرورة إخضاع مناهج التعليم لعدد الأيام الدراسية التي يشتمل عليها العام الدراسي، فإما أن يُحذف من هذه المناهج ما يزيد عن عدد هذه الأيام، وإما أن يُزاد عدد هذه الأيام لتستوعب هذه المناهج استيعابًا كاملاً دون حذف أو تشويه أو سلق أو استعجال في شرح المادة الدراسية، بحيث يكون من نتائج ذلك كله أن لا يستوعب الطلبة هذه المناهج كما يجب.
لقد وضعت المناهج الفلسطينية لتناسب عامًا دراسيًّا من سبعة أشهر كاملة، ولكن هذا الأمر لم يتم تطبيقه منذ أن وضعت هذه المناهج، وحتى يومنا هذا، لأسباب كثيرة منها الإضرابات والإغلاقات والمواجهات التي شهدها هذا الوطن... ومنها أيضًا هذا الأسبوع الدراسي المكون من خمسة أيام.. لقد خسر الطلبة يومًا دراسيًّا كاملاً على مدار العام الدراسي، ولم تعوضهم عنه إضافة حصصه إلى أيام الأسبوع الخمسة المتبقية: فالحصة الثامنة (في مدارسنا التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة صيفًا وشتاءً) لا يستفيد منها أحد، ولا يقوى المعلم على إعطائها كما يجب في أغلب الأحيان، وكذلك الحصة السابعة.. ثم إن برنامج توزيع الدروس لا يراعي هذه الاستراحة القصيرة بين الحصة والحصة، بحيث يتمكن الطالب من الاستعداد الطبيعي لها، وبحيث يتمكن المعلم من الانتقال من غرفة إلى أخرى انتقالاً طبيعيًّا لا يرهقه، ولا يكون على حساب وقت الحصة التالية، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى إرباك المعلم والمتعلم، وأدى ويؤدي أيضًا إلى تقليص وقت الحصص، ثم إن حرص المدرسة على أن تنهي ذلك اليوم الدراسي عند ساعة معينة من بعد ظهر اليوم الدراسي هي الواحدة والنصف على الأغلب، كل ذلك قد أدى ويؤدي إلى عبثية نظام التعويض، أي توزيع حصص ذلك اليوم على حصص الأيام الخمسة، وأدى ويؤدي أيضًا إلى عدم استفادة الطلبة من ذلك، بل أدى ويؤدي يقينًا إلى إرباكهم وإرباك معلميهم، وضياع يوم دراسي من كل أسبوع، أي ضياع شهر كامل من العام الدراسي، وبالطبع فإن هذا مضافًا إليه تلك الأسباب التي ذُكرتْ قد أدى  إلى ترفيع معظم الطلبة إلى صفوف جديدة دون استيعاب مادة الصف السابق كما يجب، وقد تكرر ذلك منذ أن كانت هذه المناهج وحتى يومنا هذا، فحصد الطلبة نتائج هذا الضعف المتراكم المزمن، وسيحصد الطلبة في الأعوام القادمة مزيدًا من الثمار المرة بسبب كل هذه التراكمات، وبسبب كل عوامل هذا الضعف المزمن المتكرر الذي يحصد الناس ثماره المرة راغمين.
لكل هذه العوامل والأسباب التي ذكرت، ولعوامل وأسباب أخرى لم تذكر، فإنه ينبغي أن يُصار إلى تنفيذ ما يلي في الحال إذا كنا راغبين فعلاً في عام دراسي قادم بدون مشكلات، وبالحد الأدنى من الأضرار، وإذا نحن تخلصنا من تلك الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج السيئة، وإذا نحن ضاعفنا الجهود من أجل الخروج من هذه المآزق التي وضعنا أنفسنا فيها، وحشرنا الطلبة وأولياء أمورهم رغم أنوفهم معنا في جحيمها، ورمينا المجتمع بنكبة جديدة، وفوضى جديدة، تضاف إلى مجمل نكباته التي تعصف به، وتدمر إنسانه منذ عقود.. ينبغي أن يصار إلى تنفيذ ما يلي في الحال من أجل عام دراسي مثمر، ومن أجل نتائج جيدة في نهاية كل عام:
1-العودة للعمل بأسبوع دراسي من ستة أيام بعد أن ثبت فشل الأسبوع المقلص بما لا يدع أدنى مجال للشك. 2- الحرص على العملية التربوية التعليمية، ومنحها الأولوية المطلقة من بين كافة أولوياتنا واهتماماتنا، ورصد الكفاءات والميزانيات من أجل تطويرها والارتقاء بها، وتخليصها من كافة الشوائب والأضرار التي أصابتها بسبب الأخطاء التي مورست بحقها، وبسبب تدخل الجهلة في الشأن التعليمي الذي ينبغي له أن يكون فوق كافة الاعتبارات التي لا تمت إلى العملية التربوية التعليمية بأدنى صلة. 3- إعادة النظر في المناهج المدرسية بعد كل هذه السنوات، وتناولها بشيءٍ من التعديل، وإخضاعها لمتطلبات الحياة العصرية، وتخليصها مما كانت تنطوي عليه من شوائب وأخطاء عند إقرارها، وتخليصها أيضًا مما علق بها من شوائب على امتداد السنوات القادمة. 4- إعادة بناء العلاقة بين الجامعة ومؤسسات المجتمع، وعلى رأسها دائرة التربية والتعليم على أسس جديدة، وتخليصها من كافة الاعتبارات الأخرى التي ألحقت بالمجتمع ومؤسساته كثيرًا من الأخطاء والأخطار، وانعكست سلبًا على الوطن والمواطن والعملية التربوية ونتائج الثانوية العامة، وعلى العلاقات الاجتماعية، وألحقت بالمجتمع كثيرًا من الأخطار والأضرار. 5- إصلاح النظام التعليمي في المدارس والجامعات، بحيث تستحدث فروع مهنية جديدة، وبحيث تحظى احتياجات المجتمع بنصيب الأسد من هذه الاستحداثات، وبحيث تراعي الجامعة احتياجات المجتمع عند قبول الطلبة على أن يتم التنسيق بين سائر الجامعات في هذه الديار ، ولعل من الضروري أن يشار إلى ضرورة إصلاح النظام المالي، وضرورة تخليص الجامعات من هذه النظرة التجارية، وضرورة إعادة النظر في تلك الأقساط الجامعية التي لا تقوى معظم فئات هذا المجتمع على دفعها، وحبذا لو أخذت إدارات هذه الجامعات بما يسمونه مجانية التعليم أسوة بما يجري في كثير من بلدان هذا العالم.
6/7/2011م
 

الاثنين، ٤ تموز ٢٠١١

مقام النبي يوسف..!!

متابعات
مقام النبي يوسف..!!
أ.عدنان السمان
                www.samman.co.nr
   يقع مقام النبي يوسف في حيٍّ من أحياء مدينة نابلس مأهولٍ بالسكان العرب الفلسطينيين هم أهالي قرية بلاطة سابقًا _حي بلاطة البلد حاليًّا_ منذ توسّعتْ مدينة نابلس خلال العهد الأردني، وضمّت هذا الحي ليصبحَ أحدَ أحيائها القريبة بعد أن تجاوزه البنيان شرقًا منذ عشرات السنين، كما ضمّت قرية رفيديا التي أصبحت اليوم واحدًا من أرقى أحياء المدينة من الناحية الغربية، وكذلك فقد تجاوز البنيان هذا الحي إلى مسافات بعيدة في الاتجاه الغربي... وهذا المقام تحيط به ثلاث من أكبر مدارس المدينة، ويربو عدد طلبتها على ألفين من الطالبات والطلاب.. ثم إن هذا المقام يقع في موقع متوسط بين شارعي عمان والقدس، إضافة إلى الشارع الذي يمرّ بمحاذاته تمامًا، ويؤدي إلى مخيم بلاطة، والمنطقة الصناعية، وسوق الخضار المركزية، والمسلخ البلدي، وعشرات القرى الشرقية القريبة جدًّا من المدينة، وتعتبر من ضواحيها... ويتجه شمالاً حيث يلتقي شارع عمان المؤدي إلى أحياء سكنية كثيفة منها عراق التايه، ومخيم عسكر الجديد، وعسكر القديم، والمساكن الشعبية الشرقية... وباختصار شديد فإن هذا المقام يتحكم في أكثر مواقع المدينة أهمية وخطورةً وكثافة سكانية.. ونريد من هذا كله أن نقول: إن تردد عشرات الجنود والمستوطنين المتعصبين على هذا المكان، ووجودهم بداخله، وفي ساحاته، واحتفالاتهم وصلواتهم فيه بدعوى أنه مكان يهودي مقدس يعود للنبي يوسف الصديق، وإقامة مدرسة دينية في هذا المقام، وإصرار الإسرائيليين على اعتباره تراثًا يهوديًّا.. نقول: كل هذه أسبابٌ كافيةٌ لإثارة التوتر في المنطقة، فهؤلاء المتطرفون اليهود يقيمون احتفالاتهم التي قد تمتد إلى ساعات الصباح الأولى مسببين بذلك إزعاجًا لكل سكان هذه المناطق فضلاً عن المضايقات التي يسببونها للمواطنين، وهي مضايقات متعمدة، وتحديات ليس لها ما يسوغها كما يقول كل الناس، وكما يعرفون هم أنفسهم ذلك أيضًا.
     فلماذا يتواجد هؤلاء في هذا المكان إذن؟ هل يتواجدون فيه للعبادة؟ وهل العبادة تعني السيطرة العسكرية، والتعرض للآخرين، والإساءة إليهم، وإزعاجهم؟ ثم إن كل من يزور هذا المقام، بل إن كل من يعرف هذا المقام قبل أن يستولي عليه هؤلاء لا يشك لحظة في أنه مسجد إسلامي فيهِ محراب للصلاة.. وأنه إنما سمي باسم نبي الله يوسف تيمنًا بهذا النبي الذي يؤمن به المسلمون، وتكريمًا له على غرار المقامات الكثيرة المنتشرة في فلسطين والتي تحمل أسماء كثير من أنبياء الله، ولقد أفردَ القرآن الكريم سورة من سوره لهذا النبي الذي يحبه المسلمون، ويتعاطفون مع سيرته كل التعاطف، كما يحبون كل أنبياء الله دون استثناء.. ولكن هذا لا يعني أن سيدنا يوسف قد دُفن في هذا المكان على الإطلاق، ولا يعني أيضًا أنه دُفن في الحرم الإبراهيمي في الخليل، فالمعروف والمُتّفَق عليه لدى جميع أتباع الديانات أن يوسف الصديق قد عاش في مصر، ومات فيها أيضًا، وأنه قد دُفن في مياه النيل، وهذا معناه أن القبر الموجود داخل هذا المقام ليس قبر يوسف الصديق أبدًا، ثم إن البنّائين والمهندسين، وكل علماء الآثار يقولون إن عمرَ البناء (المقام) لا يتجاوز مئتي عام، لا ألفي عام كما يقول بعضهم.. من هذا كله، وكثير غيره نستخلص أنه لا علاقة لهم بهذا المكان أبدًا لا من قريب ولا من بعيد.
    لقد أخذ اليهود بالتردد على هذا المقام بعد حرب حزيران عام سبعة وستين، وذلك في المناسبات، والأعياد تحت الحراسة العسكرية، ومما تجدر الإشارة إليه أنهم كانوا يزورونه أيضًا قبل قيام الدولة العبرية عندما كان اليهود الفلسطينيون طائفةً لها حقوقها مثل كل الطوائف والأقليات.. نعم كان بعضهم يتردد على هذا المقام شأنه في ذلك شأن المسلمين من أهالي نابلس الذين كانوا يقصِدونه للاستجمام وللوفاء بالنذور، وللاحتفال بقصّ شعر صبيانهم أيضًا.. وبعد ذلك، وتحديدًا في عام (1976) ستة وسبعين وتسعمائة وألف أقام الإسرائيليون نقطة عسكرية تعمل ليلاً نهارًا على سطح هذا المقام، ثم أعلنوه في عام (1986) ستة وثمانين وتسعمائة وألف مدرسة دينية يهودية، وكانت سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي قد فصلت القيّم على هذا المقام في العام (1983) ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف، إذ كان السلطان عبد الحميد قد سلّم مفاتيح هذا المقام إلى عائلة الشيخ فيّاض عبد الله من قرية بلاطة، وأشرفت هذه العائلة الطيبة على هذا المقام تحرسهُ وتنظفهُ وترعاهُ طيلةَ خمسة وتسعين عامًا.. وفي عام (1990) تسعين وتسعمائة وألف أقاموا فيه نواةً استيطانيةً بتواجدٍ عسكريٍّ دائم، وفي العام (1991) الحادي والتسعين وتسعمائة وألف أغلقوا محرابَ هذا المسجد بالإسمنت المسلّح بهدف تغيير معالمه.. ثم كان ما كان من كبار الحوادث والأحداث بعد اتفاقات أوسلو.
  هذا هو مقام النبي يوسف، وهذه هي قصتهُ جَغرافيًّا وسكانيًّا وتاريخيًّا ودينيًّا، فلماذا كل هذه الضجة، ولماذا افتعال الأزمات والمشكلات، ولماذا كل هذه التجاوزات والاعتداءات والتعدّيات، ومداهمة الأحياء السكنية في منطقةٍ يقولون إنها للطرف الآخر؟
    يقول السكان في نابلس إن أشد ما نخشاه هو أن يخلقوا لنا وضعًا مماثلاً للوضع في الخليل استنادًا إلى هذه المعتقدات التي يتذرعون بها وصولاً إلى تنفيذ أهدافهم في تكريس احتلالهم، وتجذيرِ وجودهم غير المشروع على أرضِ هذا الوطن.
4\7\2011
 
 
 
 
 

السبت، ٢ تموز ٢٠١١

عندما يُحظَر على صاحب البيت أن يقول: هذا بيتي!!

مواجهات
عندما يُحظَر على صاحب البيت أن يقول: هذا بيتي!!
أ.عدنان السمان
   قد تنطلي أحاديثهم عن الحرية والعدالة والإنصاف والإنسانية والديمقراطية أيضًا على كثير من الناس، أو على كل الناس في هذا العالم، ولكنها "يقينًا" لا تنطلي علينا نحن العرب الفلسطينيين، ونحن العرب والمسلمين في كل مكان من أقطار هذا العالم العربي الإسلامي الكبير.
   ولئن كانت الأجيال المتعاقبة في هذا الكون تشكو من مشكلات كثيرة منها ما هو قديم ثابت متجدد، أو قديم موروث متأصل، ومنها ما هو طارئ متغير متكرر، ولئن كانت تلك الأجيال ترنو دائمًا إلى مستقبل سعيد لا تشوبه شائبة من تلك المشكلات قديمها وحديثها، فإن هنالك أجيالاً متعاقبةً في هذا العالم تعاني من مشكلة كبيرة هي أم مشكلات كثيرة تعاني منها هذه الأجيال دون أن يكون لها يد فيها، ولكنها فُرِضَت عليها فرضًا، وتحالف في سبيل وضعها على الأرض موضع التنفيذ قوًى بعينها كانت تمتلك القدرة على ذلك ففرضته، ولا تزال تمتلك القدرة على متابعة فرضه، ومواصلة حمايته بشتى الوسائل والطرق، فتابعت وواصلت، ثم تابعت ذلك، ولا تزال.
    أما الأجيال المتعاقبة هناك فإن مشكلاتها تُحَل، أو أنها في طريقها إلى الحل، وقد تحل، وقد يتأخر حلها أو لا يتأخر، وقد ترضى عنه الأجيال، وقد لا ترضى، وقد تواصل السعي لإيجاد حلول لمشكلات لم تُحَلّ بعد، ولمشكلات طرأت على الأرض مع تجدد الحياة اليومية، وأما الأجيال المتعاقبة هنا فإن مشكلاتها في ازدياد، وإن مشكلتها الكبرى تزداد عمقًا وتزداد تعقيدًا، وتزداد كثافة، وتزداد تجذُّرًا لأن أحدًا لا يريد لها أن تُحَل، ولأن أحدًا لا يقوى على قول كلمة حق بشأنها، ولأن هذا المجتمع الدَّوْلي واقع تحت سحر القوة التي فرضَتْها، والقوى التي رعتها وحمَتها، وواصلت بعد ذلك سياستها بشأنها، وتابعت_ ولا تزال_ دعمها اللامحدود لها، وتأييدها اللامشروط لوضع كل أحلامها وطموحاتها وأطماعها موضع التنفيذ.
      يقولون إنهم معنيون بسلام عالمي، وبسلمٍ أهليٍّ، وإنهم معنيون باستقرار دَوْلي قائم على العدل والعدالة وإحقاق الحقوق، وإرساء قواعد القانون والنظام في ربوع هذا العالم، ويقولون إنهم ديمقراطيون يرفضون التحكم بالناس، ويرفضون كل وجوه العبودية والظلم والاستبداد والاستعباد، ويقولون أكثر من ذلك، وأكثر، وهم يروّجون لأفكارهم، ويسوّقون هذه الأفكار لتكون ثقافة الناس جميعًا في هذا العالم، ولتكون مدخلهم لحكمه والتحكم بثرواته ومقدّراته، والتحكم بإنسانه، دون كبير عناء، وبدون مواجهات، أو مصادمات، فالثقافة كفيلة بإزالة الحواجز، والثقافة قمينة بسير الأمور كما يريد أولئك الكبار المخططون، وإن كان بعد ذلك من معترِض،أو محتج، أو رافض، أو ممانع، فهم له بالمرصاد، وهم قادرون على قمعه، وهم يحاربونه بسلاحه سلاح الغزو والإرهاب الذي يتهمون صاحب البيت الشرعي دائمًا بممارسته، وهو يطالب باسترداد بيته، أو حمايته من تدخل المتدخلين، وعدوان المعتدين.
     على صاحب البيت أن يتنازل عن بيته، وعليه أن ينسى ذلك البيت، وعليه أن يقدّمه للآخر عن طيب خاطر، وعليه أن لا يطالب به، وعليه أن يبلّغ الأجيال المتعاقبة بهذا، وأن يضمن عدم مطالبتها بالبيت حتى لا تتُتَّهمَ بالإرهاب، وحتى لا تُفرَض عليها العقوبات الاقتصادية، وغير الاقتصادية، وحتى لا تتعرض بلدانها للغزو، وحتى لا تتعرَّض لمخاطر الحروب التي لا تستطيع مواجهتها، ولا تستطيع لها ردًّا، وليس لها قِبَلٌ بها، ومقدرة على التصدي لها، أو الخلاص من نتائجها المدمرة.
     وعلى صاحب البيت أن يرضى بما يقرره هؤلاء الذين يتشدّقون بالحديث عن الحرية والديمقراطية والعدل والعدالة صباح مساء، وعليه أن يوافق دون تفكير على كل ما يُطلَب منه، أو يُعرَض عليه من حلول، وعلى كل ما يُعرَض عليه، أو يُفرَض من اقتراحات، أو تسويات لكل ما يعانيه من مشكلات ترتبت على مشكلته الكبرى، أو غير مشكلته الكبرى من تلك المشكلات المتعلقة بالحياة اليومية، وتسيير أمور الناس.. عليه أن لا يكون حجر عثرة في طريق الحلول العملية التي تضمن أمن الأسياد وأمانهم، وتحول دون حدوث ما لا تُحمد عقباه، بفعل رفع وتيرة التوتر الناجم عن الرفض، أو الممانعة، أو التقدم بالمطالب التي يرفضها السيد الجديد، ويرفضها السادة الجدد، ويرفضها القائمون على أمور هذا العالم الجديد الذي خططوا لميلاده منذ أمد بعيد.
    عندما يُحظَر على صاحب البيت أن يقول: هذا بيتي، وعندما يُحظَر على شعوب هذا العالم العربي الإسلامي الكبير أن تتحرك لحماية أوطانها من عدوان المعتدين، وطمع الطامعين، فاعلم أن ذلك هو بداية التحول، واعلم أن ذلك هو بداية الصحوة، واعلم أن ذلك هو المقدمة الأولى  لوضع الأرجل كل الأرجل على بداية الطريق، واعلم أنها البداية لنهاية أولئك المحتالين المتمسّحين بالحرية، المتشدّقين بالديمقراطية والعدل والعدالة وحقوق الإنسان والحيوان أيضًا.
2\7\2011
 

الخميس، ٣٠ حزيران ٢٠١١

لهذه الأسباب كانت "القدس" جريدتي!!

مواجهات
لهذه الأسباب كانت "القدس" جريدتي!!
أ.عدنان السمان
    لأنها الماضي الذي كان وما هان، ولن يهون.. ولأنها الشباب والهضاب والحِراب مذ كانت في ذلك العام الحادي والخمسين، ليكون "الجهاد" أول صحيفة تصدر على أرض هذا الجزء من الوطن في أعقاب النكبة الكبرى التي أصابتنا في عام النكبة ذاك.. ولأنها تحمل اسم هذه الحبيبة التي ما انحنت يومًا إلا لله.. ولأننا كبرنا معها وبها، وكَبُرَتْ معنا وبنا على إيقاع يوسف النجار وعزف أبي شلباية المنفرد.. ولأننا سمعنا ما لا يسرُّ من نقدٍ جارح واتهام صريح، ونحن في مرحلة التأسيس الثانية، والوطن العربي كله يلعق جراحه في أعقاب النكبة المزلزلة الثانية.. ولأن من وجّهوا سهام النقد والتجريح والاتهام تلك هم من فرضوا أنفسهم عليها لاحقًا، وهم من حاولوا ويحاولون شراءها، والتحكم بخط سيرها، وإلحاقها بمشاريعهم واستثماراتهم الكثيرة خارج الوطن وداخله أيضًا.. ولأن كل هؤلاء وأولاء وأولئك لم يكتفوا بذلك كله، بل لقد اتخذوه مرتكزًا ونقطة انطلاق للممارسة الحساب والعقاب والثواب، وتطبيق سياسة المغانم والمغارم، وسياسة الإحلال والإقصاء، وسياسة من لم يكن معي فهو ضدي، وسياسة كم الأفواه، وفرض سياسة الأمر الواقع الجديد، وسياسة التفرُّد بالقرار، والانفراد بتقرير مصائر البلاد والعباد، والتحكم بأقدارهم وأرزاقهم وأعناقهم ومقدّراتهم.. ولأن هذا كله وكثيرًا غيره مما قد يقال، وقد لا يقال أمر مخالف للقانون، مخالف لطبائع الأشياء، مخالف لثقافة هذه الديار، مجافٍ للحقيقة، ينطوي على قدر هائل من الظلم والإجحاف والعدوان على كثير من الناس.. ولأن الوطن لكل أبنائه، ولأن الشعب هو صاحب القرار، ولأن كل ثوابت هذا الشعب خطوط حمراء ينبغي أن يقف عندها كافة من أوهَموا أنفسهم أنهم فوق القانون، وأنهم غير ملزمين بالوقوف عند الإشارات الضوئية أيضًا.. لكل هذه الأسباب التي ذُكرت، ولكل تلك الأسباب التي لم تُذكَر فإن كل محاولاتهم مرفوضة، وإن كل أوهامهم ما ظهر منها وما بطن، وإن كل أطماعهم ما أعلن منها وما استَتر مرفوضة، ولو جنَّدوا لفرضها كل أساليب الإغراء، وكل وسائل الترغيب، وكل وسائل الترهيب!!
    يا كل أحباب هذه الأرض العربية الحرة في فلسطين، ويا كل المتفائلين بمستقبل هذا الشعب، وبقدرة هذه الأمة على تقرير مصيرها، وإقامة مشروعها العربي، والخلاص من براثن الغرب بشقيه، والتصدي لكل الغزاة الطامعين بنا المجترئين علينا.. يا كل الأحبة في القدس، وفي كل فلسطين لم يعد أمامي الآن إلا أن أنهي هذه الزفرة الغاضبة المحتجة على ما اتخذه نفزٌ (ليس عندي ما أصفهم به) من إجراءات بحق الفكر السياسي الحر وبحقي، وليس عندي ما أقوله سوى أنه لهذه الأسباب كانت "القدس" جريدتي منذ البداية، وستظل جريدتي حتى النهاية، ولو كره الكارهون!!
30\6\2011
 

الثلاثاء، ٢٨ حزيران ٢٠١١

متابعات
كُنْ معنا.. وكن بعد ذلك فاسِـــــــــــــدًا كما تريد!!
أ.عدنان السمان
   قال محدثي: سأتكلم اليوم في كثيرٍ من القضايا، ولن أتركَ لك مجالاً للكلامِ أبدًا. قلت: إني أسمعُ جيدًا، فقُل ما تريد. قال: أخبار الفساد والفاسدين في هذا الوطن العربي الكبير تطغى على غيرها من الأخبار والعناوين، وحركات التمرد، وسفك الدماء، والقصف، والرعب، والخوف في عدد من أقطار العروبة تتصدر العناوين الرئيسة في كثير من الصحف والمطبوعات، وشاشات التلفزة، وتفردُ لها كثير من الصحف عناوين بارزة على صدر صفحاتها الأولى، وتنشر صورًا تقشعِّر لهَوْلِها الأبدان لضحايا حركات التمرد هذه على صفحاتها الداخلية في كثير من الأحيان.. فما الذي يجري في هذا الوطن العربي؟ وما حكاية حركات التمرد؟ ولماذا تعصف الاشتباكات المسلحة ببعض أقطار العروبة؟ وما معنى هذا الصمت في أقطار عربية أخرى؟ وهل صحيحٌ أن قضايا الفساد والفاسدين وراء كل ما يجري هنا وهناك؟ وهل صحيحٌ أن الأقطار التي لا زالت تحتفظ بالهدوء والاستقرار هي أقطار خالية من الفساد والفاسدين؟
    لا أكاد أصدق أن بلدًا عربيًّا يحظى حتى هذه الساعة بكل هذا الهدوء، وبكل هذا الصمت الذي دونه صمت المقابر وهو يمنع المرأة حتى اليوم من حقها في قيادة السيارة، ومن حقها في الترشح للمجالس البلدية والقروية والنيابية، ومن حقها في الانتخاب، إضافة إلى حرمانها من سلسلة طوية لا تكاد تنتهي من الحقوق الطبيعية للإنسان.. لا أكادُ أصدق أن بلدًا كهذا يرفلُ كل مترفيه_ وما أكثرهم_ في ثياب العز والهناءة ورغدِ العيش والنعيم المقيم، والعيش الخيالي الخرافي، والتصرف المطْلَق بالمال العام، وبكل ثروات البلد في الوقت الذي تعيش فيه غالبية الناس في ذلك البلد عيشًا أشبه بعيش الجاهليين، وحياة لا تختلف كثيرًا عن حياة الغربيين في القرون الوسطى.
    لا أكاد أصدق أن ثوريًّا عربيًّا أو غير عربي يستعين بهذا الحشد الهائل من دول الغرب والطائرات الغربية التي تقصف الناس وتقتلهم وتريق دماءهم، وتقصف المنشآت العامة والخاصة في هذا البلد الذي يدَّعون الثورة على نظامه الفاسد!! وإذا كان ذلك النظام الذي خرجَ عليه أولئك "الثوار" فاسدًا حقًّا فماذا نقول في هذا الثوري الذي يستعين بالغرب على الناس في هذا البلد؟ وماذا نقول في هذا الثوري الذي يقف إلى جانبه كل أعداء البشرية، وكل أعداء الشعوب الذين اضطهدوها، ومازالوا يضطهدونها، ويمتصون خيراتها، ويمثّلون بثوارها الحقيقيين في كثير من أقطار العروبة والإسلام؟
    ولا أكاد أصدق أن هؤلاء الذين يخوضون حرب إبادة ضد كثير من شعوب الأمة الإسلامية العربية، ويُهزَمون أمام ضربات أولئك الثوار، ويعلنون مباشَرتهم في الانسحاب منها خائبين مهزومين، ثم وبقدرة قادر يتحولون إلى أصدقاء يدافعون عن حق أبناء هذه الأمة الإسلامية العربية في العيش بحرية، ويقفون إلى جانبها في "تمردها" على هذا النظام المقاوم الممانع الذي ما لان أمام كل محاولاتهم التي تستهدف تركيعه، وتستهدف تطويعه، وتستهدف إرهابه وتخويفه كي يسير في فلكهم، وكي يرفع يده عن كل حركات التحرر والتحرير التي يتبناها في كثير من ديار العروبة، متحالفًا مع حركات وحكومات ترفض التبعية للغرب، وترفض المساومة على كل قضايا العرب العادلة، وكل قضايا المسلمين العادلة، وكل قضايا الشعوب العادلة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية!!
 
     ولا أكاد أصدق أن كل هذا الحشد الإعلامي الهائل، وكل هذا التجييش الإعلامي غير المسبوق الذي يحاول النيل من استقرار هذا البلد الذي يرفع شعار التصدي للمشاريع الغربية على كل أرض العرب يأتي لصالح الناس في ذاك البلد! وكيف من الممكن أن تكون كل تلك الحملات الإعلامية والسياسية والعسكرية التي تستهدف أمن ذلك البلد وأمانه، كيف من الممكن أن تكون لمصلحة الناس هناك، وكيف من الممكن أن تكون لمصلحة شعب ذلك البلد؟ إنه لمن العار أن يفتعل الغرب وأعوانه المشكلات والأزمات يريدون بها إسقاط ذلك النظام الذي يرفض مشاريعه، ويرفض الرضوخ لوعيده وتهديده، ويرفض التخلي عن عمقه العربي، وفكره القومي، وانتمائه الإسلامي.. وإنه لمن العار أن يكون الغرب وراء كل هذه الضحايا في ذلك البلد، وفي غير ذلك البلد، ثم يأتي ليذرف الدموع عليهم، وليحمّل النظام القائم كامل المسئولية عن سفك دمائهم، ثم ليطالب بعد ذلك بإسقاط ذلك النظام بعد أن فرض عليه سلسلة من العقوبات الاقتصادية على مدى ستة وعشرين عامًا، ولا يزال يشدد من تلك العقوبات حتى اليوم.. ولئن رفض ذلك النظام كل وعود الغرب، ولئن رفض كل وعيده وتهديده أيضًا، ولئن رفضَ ذلك النظام العربي القومي الممانع المقاوم كل دعوة للتنازل عن الحق العربي، والإرث العربي، والثقافة العربية في كل تلك الديار، وفي كل أقطار الجوار التي يتوسطها، ويقيم أقوى الصلات، وأوثق العلاقات مع أحرارها وحرائرها وثوارها وشرفائها ومناضليها وكافة المتمسكين بالثوابت من أبنائها وبناتها.. ولئن كان الغرب، ولئن كان معه كل أعداء القضية العربية على علمٍ بإصرار ذلك النظام على الاستمرار في حمل الرسالة، وأداء الأمانة، فإن ذلك التجمع يثبتُ بإصراره على الاستمرار في التحريض والإثارة وتغذية الأعوان والأنصار والحلفاء بالمال والسلاح أنه مصرٌّ على السير في الشوط إلى نهايته، وليس لهذا الإصرار سوى معنًى واحد، وليس له أيضًا سوى نتيجة واحدة هي سقوط مزيد من الضحايا لفترة قد تطول وقد تقصر، ثم خروج ذلك النظام بعد ذلك منتصرًا على كل تلك القوى الخارجية، وعلى كل أدواتها وأعوانها دون استثناء.
    إن من المؤلم أن يستجيب كثيرٌ من العرب لوسوسة الغرب وهلوسته وأحلامه في السيطرة على كل أرض العرب، وإقامة المشروع الغربي الحليف على هذه الأرض العربية، وإن من المؤلم أن نجد في هذا التجمع كثيرًا من السياسيين والاقتصاديين والمنتفعين والإعلاميين ورجال الدين والأئمّة الذين كان عليهم أن يقفوا في خندق الأمة لا في خنادق أعدائها وفنادقهم، وإن من المؤلم أن كل هذا التحالف الغريب، وكل هذا التجمع المريب العجيب يعلم علم اليقين أن الغرب لا يريد خيرًا  بالعرب، وأن الغرب هو _مع الأسف_ عدوُّ العرب، وأن الغرب هو الذي يصنع الفساد والفاسدين في بلاد العروبة والإسلام، وأن الغرب يقول بلسان عربي ذي عِوَج، وهو يخاطب أعوانه وأنصاره ومجنَّديه: " كنْ معنا، وكن بعد ذلك فاسدًا كما تريد!!" كل هذا التجمع الذي يضم كثيرًا من المستفيدين والمنتفعين والحاقدين والطامعين والموتورين والضالين المضلّين الكاذبين المزوّرين يعلمُ يقينًا أنَّ الغرب ومعه كل أعوانه وأنصاره هم مصدر كل فساد وإفساد في كل ديار الإسلام والعروبة، وأن هذا التجمع يعلم يقينًا أن كل الأحرار والثوار العروبيين الشرفاء المتمسكين بالثوابت المتشبثين بالحقوق وبالكرامة العربية، وبإقامة المشروع العربي على كل أرض العرب هم الذين يلاحقهم الغرب وأعوانه وعملاؤه والمخدوعون بكلامه المعسول، وهم الذين يغري بهم الغرب سفهاءه وأجراءه وعصاباته المسلّحة، وهم الذين يخطط الغرب للتخلص منهم بكل الوسائل، ومختلف الطرق والأساليب، حتى لو سقط في سبيل  تحقيق هدفه هذا وأهدافه هذه مليون قتيل، أو ملايين القتلى.. إن إسقاط بعض النُّظُم العربية، وإحياء بعضها الآخر، وإرباك الوطن العربي، وإغراقه ببحرٍ من الدماء هي أهداف هذا الغرب.. ليقيم بعد ذلك مشروعه الغربي على كل أرض العرب... وليحكم أمة العرب بعد ذلك كما يريد، وكما يريد أعوانه وأتباعه والمعجبون المبهورون بثقافته وديمقراطيته وعدالته... فهل يعتقد الغرب أنه قادر على ذلك؟ وهل يعتقد أولئك الضالون المخدوعون الذين ربطوا مصائرهم بمصيره أن هذا النهج الذي يسلكونه هو نهج الأحرار الشرفاء الأخيار الأبرار من أبناء هذه الأمة!!.
    قلت لمحدثي: لقد أصبتَ أيها الرفيق، ولقد وصفتَ كثيرًا من أدواءِ هذه الأمة وأمراضها، ولقد أنصفتَ كثيرًا من شرفاء هذه الأمة وثوارها وقادتها العروبيين، ولقد قلت كلمتك بصدق وصراحة، وإن كانت مبتسرةً موجزة اكتفيتَ فيها في كثير من المواقف بالإشارة العابرة، وبالتلميح بدلاً من التصريح، لقد تكلمتَ فأجدتَ، ووصفتَ فأحسنتَ الوصفَ، وسخِرتَ فكنتَ الساخر الثائر الواثق من نفسه، وإن أثرتني، وجعلت الدم يغلي في عروقي بلهجَتِكَ الخَطابيَّة، ولقد أزعجتني كثيرًا وأسعَدتَني بهذا التوصيف الذي يدفع المرء لسلوك سبيل التصدي والتحدي ولو كان في التسعين من عمره.
28\6\2011
 
 

السبت، ٢٥ حزيران ٢٠١١

في هذا الوضع الهلامي.. وفي هذا التعتيم الإعلامي!!




في هذا الوضع الهلامي.. وفي هذا التعتيم الإعلامي!!
أ.عدنان السمان
   عندما تعصف الأزمات، وتفتك النوازل والملمّات بشعب من الشعوب.. وعندما يتعرض مصير شعب لمخاطر الاجتياح والاحتلال والاقتلاع والتهجير والتدمير.. وعندما لا يجدي الاعتدال، والتبعية، وكافة أشكال الاجتهادات والمفاوضات والتوسلات والوساطات والمشاورات والزيارات والتنازلات، (وما أدراك ما التنازلات؟) في وضع حد للعدوان الذي يستهدف شعبًا من الشعوب في وطنه وتاريخه وثقافته ووجوده على أرضه.. وعندما يصبح مصير شعب من الشعوب مهددًا على أرض وطنه بالتلاشي والانقراض والاضمحلال والزوال.. وعندما تضطرب أحوال ذلك الشعب، ويصيب كثيرًا من أبنائه وبناته القنوط واليأس والإحباط.. وعندما يتمكن خصومه (من كافة الفئات والجهات والمستويات) من اختراقه، واحتوائه، وتفريغ كثير من أبنائه وبناته من محتوياتهم ومضامينهم، وشراء كثير من هؤلاء الأبناء، وإلحاقهم بجنوده وعساكره، وأجهزة أمنه بدواعي العيش المشترك، والأمن المشترك، والمصالح العليا المشتركة، وصولاً إلى المرحلة النهائية التي يخطط لها المخططون من أولئك الخصوم.. وعندما يسفر الخصوم عن نواياهم، ويعلنون تنكرهم لأبسط حقوق ذلك الشعب في العيش على أرض وطنه، ويبالغون في استخفافهم به، وبكل فئاته وقياداته ومقدساته ومكوناته، وبكل أطيافه وأحلامه وآماله.. وعندما تكثر الخلافات والانشقاقات والعداوات والخصومات والمماحكات في أوساط ذلك الشعب تبعًا لذلك كله، وتبعًا لكثير غيره.. وعندما تشتد هذه الخلافات والعداوات والصراعات والخصومات بين كثير من أبناء ذلك الشعب وتشتد، ويصبح الناس على شفيرالهاوية، وعلى شفا حرب أهلية مدمرة قد لا تُبقي،وقد لا تذر.. عندها ترتفع كل الأصوات مطالبة بوحدة وطنية تحافظ على بقايا ذلك الشعب، وتحمي ما تبقى له من آثار على أرض وطنه، وقد تكون منطلقًا لعملية إصلاح واسعة، ولعملية تغيير واسعة، ولعملية إنقاذ واسعة، ولعملية استنهاض شعبي، واستنفار أهلي جماهيري، ونفير عام يدعو إليه داعي الوطن، ويقتضيه بقاء الأمة وثباتها فوق أرضها، تحمي به وجودها، وتدافع به عن حياضها، وتدفع به الضيم عن أجيالها ومقدساتها ومستقبل ذراريها فوق تراب وطنهم الطهور.
    ولئن كان شعار الوحدة الوطنية الذي يرفعه كثير من الناس في مثل هذه الظروف والأحوال مطلبًا شعبيًّا جماهيريًّا عامًّا، ولئن كان هذا الشعار أكثر من ضروري لحماية أمن الوطن والمواطن، ولئن كان أكثر من ضروري لوضع حد للشقاق والنفاق والانشقاق وحالة التردي والتشظي والتخبط والضياع التي تغشى البلاد والعباد، ولئن كان أكثر من ضروري لوضع الأرجل كل الأرجل على الطريق الذي قد يوصل إلى شيء من الطموحات والآمال..  لئن كان شعار الوحدة الوطنية المرفوع أكثر من ضروري لتحقيق ذلك كله، ولتحقيق كثير غيره أيضًا إلا أنه من الضروري جدًّا أن نعلم أن هذا الوضع الهلامي الذي أفرزته ثقافة الكسل في بلاد السمن والعسل، ورسم معالمه فقه الخضوع والاستسلام والخنوع، وروجت له ثقافة الأحلام الوردية والأوهام اللازوردية التي ملأت كثيرًا من الرؤوس التي أحسنت الظن كثيرًا بأولئك، واصطنعته لنفسها كل هذه الفئات المتسلقة المستفيدة التي أضحى كل همها أن تعيش حياة الترف، وأن تدافع عن واقع مريب منحها أكثر مما كانت تتوقع، وأن تعيش في ظل وضع منحها أكثر مما كانت تطلب في سبيل خلق هذا الواقع الهلامي الجديد، والإنسان السرابيِّ اللاهث الجديد، والحياة الجديدة التي لا تمت بأدنى صلة لما سبقها من حيوات.. هذا الوضعُ الهلاميُّ يحول دون وضع شعار الوحدة الوطنية المرفوع موضع التنفيذ.
    وهذا الوضع الهلامي الأميبي المترهل المتسيب ذو الأقدام الكاذبة بحاجة إلى من يضفي عليه صفة المثالية، وهؤلاء الأميبيون المترهلون المتسيبون ذوو الأقدام الكاذبة، وكل هؤلاء المنتفعين المستفيدين الفاشلين الانتهازيين من راكبي الأمواج والدراجات النارية الذين يلبسون لكل معركة لبوسها بحاجة إلى من يمجّدهم، وبحاجة إلى من يروّج لعهدهم الزاهر الميمون، وبحاجة لمن يسوّقهم محليًّا وعربيًّا وإقليميًّا وإسلاميًّا ودوليًّا، وبحاجة إلى من يسبّح بحمدهم، ويشيد بعملقتهم، وحكمتهم، وحسن قيادتهم، وطيب فعالهم، وحميد خصالهم وصفاتهم، وكل شيء بحسابه، وما بين الخيّرين حساب!!
    في مثل هذه الأوضاع الشوهاء المنكوسة العمياء الكتعاء العرجاء التي فُرِضت على ذلك الشعب فرضًا، وفي غمرة هذه الصراعات الدامية التي تعصف بكثير من أقطار العروبة، وفي ظل هذه الأحداث الموجعة التي تتعرض لها سوريا بالذات تنبري أجهزة الإعلام تلك للتشهير بالنظام السوري، وشن الحملات الشعواء على كل رموزه مطالبة بإسقاطه، ولا يغيب عن بال المطبوعات والصحف التابعة لأجهزة الإعلام تلك أن تتخذ سلسلة من الإجراءات التي تنسجم كل الانسجام مع هذا الدَّور الذي تحدده لها طبيعة هذه المرحلة، وطبيعة هذه الحملة، وطبيعة هذا التوجه، وطبيعة هذا الدور المرسوم لتضليل الناس، وصرف انتباههم عن كل قضاياهم العادلة، وعن كل ما يتعلق بقضيتهم المقدسة قضية العرب الأولى والمركزية والمصيرية كما كانت تسمى مذ كانت، وتصرفهم عن كل المخاطر المحدقة بهم وبقضيتهم هذه، هذه الصحافة التي كانت_ على علاتها_ وتحاول الظهور بمظهر من يمسك بالعصا من الوسط، وتحاول أن تفتح صفحاتها للرأي وللرأي الآخر المضاد، وتحاول أن تكون أكثر انفتاحًا على قضايا الثورة والثوار، وتقرير المصير، وحركات التحرر والتحرير، والتي كانت_ على علاتها_ أكثر حرصًا على سمعتها، وأكثر حرصًا على احترام حرية الفكر، وحرية الرأي، وحرية التفكير والتعبير، وكانت أكثر حرصًا على الظهور بمظهر من ينتمي إلى هذا الوطن، وتاريخ هذا الوطن، وثقافة هذا الوطن، وتقاليد هذا الوطن، وعاداته، وأعرافه، ومثُلِه العليا، وآلامه، وآماله.. هذه الصحافة تصبح اليوم أكثر جرأة على إبراز رأي بعينه، هو الرأي الذي كان مضادًّا، وإظهار فكر سياسي بعينه هو الفكر السياسي الذي كان ممنوعًا، وإشهار توجه بعينه هو التوجه الذي كان فيما مضى خيانيًّا، والترويج لاتجاهات وتيارات كانت حتى عهد قريب ضربًا من الزندقة، وضربًا من الفجور، وضربًا من الردة، وضربًا من التبعية للمعسكر الغربي، وضربًا من الخروج على إجماع الأمة، وخيانةً للمبادئ والثوابت والمعتقدات، ومجموعة الأفكار التي شبَّت عليها هذه الأمة، ورضعها ذلك الشعب مع لبان الأمهات!!
    هذه الصحافة ترى في نفسها اليوم سوطًا في يد هذا "الزعيم" أو ذاك، وعصًا في يد هذه "المتزعمة" أو تلك، وحذاءً في يد هذا "الحانوتي" أو في رجله، وفي يد ذاك المهرج أوفي رجله، أو تلك المستبدة التي تفرض رأيها على الآخرين في بلاد غير بلادها، وفي دنيا غير دنياها، وعالم غير عالمها، وفي شرق لن يكون لها فيه في قادم الأيام أي وجود، وما كان لها أن تفعل ذلك لو كانت تحترم نفسها، ولو كانت تشعر بأدنى قدر من الاحترام تجاه الآخرين في هذا العالم.. هذه الصحافة أضحت بوقًا تنفخ فيه هذه الساحرة الماكرة، وأضحت بوقًا تنفث من خلاله هذه الحية الرقطاء سمومها، وأضحت منبرًا تروج من خلاله لأفكار سياسية مريبة، وحلول كانت حتى عهد قريب حلولاً مشبوهة مرفوضة بإجماع هذه الأمة، ووجهات نظر كانت حتى الماضي القريب كافية لتنفيذ حكم الإعدام بمن يعتنقها.
    ولم تكتفِ تلك الصحافة بالتنكر لكثير من ثوابت الأمة، ولكثير من قضاياها، ولم تكتفِ بالسير في هذا الموكب الإعلامي الذي يضم بين صفوفه كل أعداء شعبنا، وكل أعداء قضيتنا المقدسة، ولم تكتف بالتناغم مع هذه الزفة الإعلامية التي يقودها نفر من سيئي الأخلاق، سيئي الأهداف والتوجهات والغايات، بل راحت تكيل الثناء والمديح بدون حدود لتلك الأحوال الكارثية، والأوضاع الهلامية التي خطط لها المخططون، وراحت تكيل الثناء والمديح لكثير من هؤلاء الذين ربطوا مصيرهم بأولئك، ورهنوا وجودهم ومستقبل أجيالهم على الأرض بمشاريع يقيمها أعداؤهم فوقها، وعلى ثرى أوطانهم، وفوق رفات أحيائهم وأمواتهم، وراحت في الوقت نفسه تبدي مزيدًا من التنكر لمن لم يستجب لعربدة الغرب الإعلامية، ولعربدة الغرب الثقافية، ولعربدة الغرب العسكرية على كل أرض العرب حتى لو قتل هذا الغرب بقصفه أُسرًا فلسطينية في كل يوم، وأُسرًا ليبية في كل يوم، وراحت تبدي مزيدًا من الاستخفاف بحرية الرأي والتعبير والتفكير، وتمارس مزيدًا من التعتيم الإعلامي، والتجاهل الممض لما يصدر عن كل هذه القلوب المكلومة من كلمات وعبارات ومقالات ونداءات ومناشدات مكتوبة بالدم محذرةً من كل هذا الذي يجري على كل أرض العرب، ومن كل هذا الذي يجري على أرض سوريا، ومن كل هذا الذي يجري على أرض هذا الوطن النازف دمًا ودمعًا ورعبًا وحبًّا وملحًا وموتًا وقيدًا وسلاسل وحواجز ومعتقلين ومعتقلات.
   ولئن سمح هؤلاء لمقربيهم وأحبابهم وأعوانهم من المرتبطين بأجندات أعدائهم وخصومهم بقول ما يريدون، ولئن خصصوا لهم الأماكن البارزة في مطبوعتهم، ولئن حظروا على غيرهم قول ما يريدون، ولئن استبدَّ هؤلاء برأيهم، ولئن فرضوا التعتيم الإعلامي الكامل أو شبه الكامل على غيرهم، ولئن تبجَّح هؤلاء المتبجحون بالحرية، ولئن تشدَّقوا بالديمقراطية الكاذبة الموهومة، ولئن سوّقوا أفكار هذا المعتدي أو ذاك، وروّجوا لها، ولئن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواقًا لهذه الجهة أو تلك فإن هذا كله وهم، وإن هذا كله لباطل، وإن الوهم زائل، وإن الباطل دائمًا هو الباطل، وإن محاكم التفتيش إلى زوال، وإن الحق أبلَج وإن الباطل لجلج، ولا بد للباطل أن يزول: الحق أبلج والسيوف عَوارِ|| فحذارِ من أسدِ العرين حذارِ.
     في هذا الوضع الهلامي، ووسط هذا التعتيم الإعلامي، لا بد من القول إن  محاولات التهميش والتحجيم والتقزيم التي يمارسها هؤلاء بحق من علموهم كيف يكون التفكير، وكيف يكون التعبير، وكيف يكون الإعلام، وكيف تكون صورة الوطن وصورة الحبيبة في الإعلام، أقول إن كل كل هذه المحاولات زائلة باطلة، وهي مدانة مدانة مهما حاولوا تغليفها، ومهما حاولوا تسويقها والترويج لها في أسواق النخاسة.
    لم يعترض أحد منهم على كل هذه الإجراءات، وعلى كل هذه الجرأة على التصدي للكلمة الشريفة النظيفة والموقف الوطنيِّ التوعويِّ التعبويِّ الثوريِّ المقاوم لكل أشكال التفريط والتطبيع والتراجع والاستسلام لكافة المشاريع الغربية على كل أرضنا العربية من محيطها إلى خليجها انطلاقًا من هذه الديار..  لم ينتقد أحد منهم شيئًا من هذا، ولم يستقِل أحد منهم احتجاجًا على هذه القيود التي تُفرَض في كل يوم على هذا الإعلام الذي أضحى جزءًا لا يتجزأ من إعلام العدو، يدخل من خلاله إلى عقول السُّذَّج، ويرسم لهم طرق التحرك والمراوغة والمناورة والالتفاف على أهداف هذه الأمة وغاياتها في التحرر والتحرير.
    سوريا اليوم تخرج أكثر قوة بعد أن تحددت كل معالم الصورة، وبعد أن أصبحت الدنيا كلها تعرف يقينًا أبعاد هذا التدخل الخارجي، والتآمر الخارجي عليها لأهداف لم تعد خافية على أحد، وعلى رأسها اعتقاد هؤلاء وأولئك أن التخلص من هذا النظام العربي المقاوم القائم في دمشق أمر ممكن، وهو أمر لابد منه لوضع اليد على كل بلاد الشام، وعلى كل أقطار سوريا الطبيعية، وعلى كل المقاومين الممانعين لمشاريع الغرب على كل الأرض العربية، وعلى كل أرض بلاد الشام قبل ذلك، أو بعده، وبالتزامن معه!! سوريا تخرج أكثر قوة ومنعة على كل الأصعدة، وعلى كل المستويات الشعبية والرسمية في كل هذا العالم، سوريا تجدد اليوم عمق علاقاتها الإستراتيجية مع المعسكر الشرقي الصديق، ومع الوعي العربي العميق، ومع الضمير العربي المقاوم الممانع الذي لا يهادن، ولا يسالم، ولا يساوم، ولا ينحني أمام العواصف والأعاصير.. وستبقى سوريا هي سوريا العصية على الغزو والعدوان والطغيان والتآمر وخلط الأوراق، وستبقى سوريا أيضًا القوة العربية القادرة على حسم المواقف، وعلى تأديب الطغاة والجهلة والمتسيبين الأميبيين ذوي الأقدام الكاذبة، والقامات القميئة، والأطماع الرخيصة، والآمال الكسيحة الذبيحة الخائبة.
    لستم الأوصياء على الناس، خسئتم، ولستم من يملكون زمام التقويم والتقييم، ولستم من يعرف للناس أقدارهم وأوزانهم، ولستم من يملكون حق وضع الناس في الأماكن التي تضعونهم فيها وفقًا لمعاييركم ومعايير المخططين الذين يضعون لكل طريق من طرقكم خارطته، ولكل مسرب خارطته، ولكل زقاق من أزقتكم، ولكل كهف من كهوفكم المظلمة خارطته، ولكل كذبةٍ من أكاذيبكم خارطتها، ولستم من يملكون حق التصرف في هذا الإرث الوطني العربي الأموي الإسلامي الأممي في كل هذه الديار التي لا يقرر بشأنها، ولا يتحدث باسمها، ولا يمثلها في كل أحوالها وحالاتها، وعبر كل أحداثها وحوادثها، وفي كل ظروفها وملابساتها إلا أبناؤها الذين اخلصوا الود لها، وصانوا كرامتها، وكانوا الأوفياء المحبين لها، والذين حفظوها في سويداء القلوب، وفي حبات العيون.. وليكن بعد ذلك ما يكون!!
    وإذا كان العنوان هو المقال كما يقال الفرنسيون فإن عدوان هؤلاء على العنوان هو محاولة مكشوفة لشطبه والإبقاء على شيء من الصلة مع صاحبه أو أصحابه، وإن محاولة طمس معالمه وإخفائه دليل على الحيرة والارتباك، وإن كل هذا الذي يحدث دليل قاطع، وبرهان ساطع على سير هؤلاء في الطريق الذي يرسمه لهذا الوطن وإنسان هذا الوطن كافة أعدائه.. علمًا بأن الطريق ما زال مفتوحًا أمامهم للتراجع عن غيِّهم وضلالهم، وعلمًا بأن خير الخطّائين التوّابون، وعلمًا بأن الإنسان يخطئ ويصيب، وليس أمام المخطئ إلا أن يثوب إلى رشده، هذا ما نأمله، وهذا ما ندعو إليه، وهذا ما نتوقعه ونحن نخاطب كل هؤلاء.
25\6\2011

الأربعاء، ٢٢ حزيران ٢٠١١

في معاناة هذا الشعب المذبوح.. والاعتقال الإداري المفتوح..!!

أ.عدنان السمان
   إذا كان التعرض للإنسان بأي شكل من أشكال السوء أو الأذى عملاً لا أخلاقيًّا يحاسب عليه القانون.. وإذا كانت كلمة في غير موضعها يتفوّه بها إنسان بحق إنسان آخر تكفي لإدانته، وتصلح لأن تكون أساسًا ينطلق منه القاضي النزيه لإصدار الحكم ضده، وإلصاق تهمة القذف والتشهير به، وتصلح أن تكون أساسًا ينطلق منه أهل المدينة الفاضلة لإنزال العقاب العادل به جزاءً وفاقًا لا لما فعلت يداه، ولكن لما قالت شفتاه، ونطق به لسانه، ولاسيما إن كانت هذه الكلمة أو تلك كاذبةً مفتراةً لا تمتُّ إلى الحقيقة بأدنى صلة، أو كانت سببًا في إيقاظ فتنة نائمة لعن الله موقِظَها.. وإذا كان العدوان على الناس في أبسط حقوقهم في العيش الكريم، وفي أبسط حقوقهم في القول والتعبير والتفكير سببًا كافيًا للرد، وسببًا كافيًا للتمرد، وسببًا كافيًا للتشهير بالمعتدي أو بالمعتدين الذين يمارسون مثل هذا العدوان على الناس، ومثل هذا العدوان على أهل الفكر والرأي، وأصحاب الأقلام الأحرار من المرتبطين بقضايا أمتهم المصيرية، الملتزمين بقضايا أوطانهم وشعوبهم في حدود اللياقة والأدب، ومستلزمات قوانين المطبوعات والنشر التي نصت عليها القوانين الدولية، والأعراف الاجتماعية.. وإذا كانت حرية التنقل والحركة من مكان إلى مكان من أبسط حقوق الناس في هذه الدنيا التي كانت واسعة، ثم ضاقت وضاقت، ولا تزال تضيق حتى أخذ كثير من الناس يشعرون معها بالضيق والاختناق والتوتر والغضب... إذا كان كل هذا صحيحًا، وهو صحيح، وإذا كان صحيحًا أن الإنسان قد ولد حرًّا، وإذا كان صحيحًا أنه ليس من حق أحدٍ أن يضع الأغلال والقيود والسلاسل في يديه، أو رجليه، وإذا كان صحيحًا أن من حق الإنسان، بل من واجبه أن يحب وطنه، وأن يدافع عنه، وأن يحميهُ، ويحافظ عليه حرًّا عزيزًا مستقرًّا مستقلاًّ سيدًّا.. إذا كان كل هذا صحيحًا، وهو صحيح، فإن كل العقوبات التي يتعرض لها الأحرار باطلة، وإن كل أنواع الحصار والاعتقال والمضايقات والتهديدات والتلويح باستعمال القوة المفرطة وغير المفرطة التي يمارسها كل هؤلاء وأولئك بحق كل الأحرار، وبحق كل أهل الفكر والرأي الحر المستنير الذي يجهر به القادة والساسة والمصلحون والأحرار من الناس، ولا يخشى أصحابه في الحق، وقول الحق، والثبات على هذا الحق لومة لائم، وبحق كل الغيورين على هذا الوطن، وإنسان هذا الوطن، ومصالح هذا الوطن، ومستقبل هذا الوطن، ومستقبل الأجيال على أرض هذا الوطن، وكرامة هذا الوطن، وكرامة مواطنيه أيضًا هي إجراءات باطلة ليس لها سند من خلق، أو ضمير، أو قانون عادل، أو تشريع يحترم نفسه، ويحترم الإنسان وإنسانية الإنسان.
    أشعر بمرارة وألم بالغين وأنا أتابع هذه الأحكام القاسية العالية الصادرة بحق كثير من أبناء هذا الوطن، وبناته، وأطفاله، وشيبه، وشبابه منذ عقود.. وأشعر بأسًى وحزن قاتلين وأنا أتابع منذ عقود أخبار الاعتقالات والمداهمات والمحاكمات والتوقيفات التي تعرض لها منذ عام سبعة وستين وحتى هذه الساعات في يومنا هذا في وطننا هذا في عامنا هذا نحو مليون عربي فلسطيني كل ذنبهم أنهم قد خُلقوا في هذا الزمان، وأنهم قد رفضوا الرضوخ والاستسلام والهوان، وأنهم قد رفضوا الانصياع لكل هؤلاء وأولاء وأولئك.. وأشعر بأن نيران هذه الفتنة الكبرى التي دونها فتنة عثمان تحرق قلوب الناس في هذه الديار، وتغشى البلاد والعباد في هذا الزمان الذي يتجرع فيه أهله كؤوس المنيَّة، ويجأرون بالشكوى من الظلم والجَوْر والطبقية والاستبداد والفساد والطغيان.. وأكاد أرى بأم العين كل هؤلاء الأسرى الذين تغص بهم السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف من أسرى شعبنا العربي الفلسطيني ومعتقليه وموقوفيه ومخطوفيه على امتداد هذا الوطن.. أكاد أراهم وهم يصرخون، ويحتجون، ويتألمون، وأكاد أسمعهم وهم يغنون للشمس وللحرية والمجد والمستقبل والزيتون.. وأكاد أموت غيظًا وأنا أرى الكذب والدجل والتزوير والنفاق وقلب الحقائق والتجييش الإعلامي الذي يستهدف الحق والحقيقة والثوابت وأعمدة الإيمان، وأعمدة الأخلاق والشرف والعزة والانتماء التي توارثها الناس جيلاً بعد جيل، وأكاد أختنق يأسًا وأسًى وحسرة وأنا أرى الكيل بعشرين مكيالاً في هذا العالم الذي لا تحكمه إلا المصالح، ولا يخضع إلا للأقوياء، ولا يكاد يسمع أنين المرضى والأسرى والثكالى والمقموعين والمحزونين في هذا العالم إلا إذا كانت تربطهم صلة قوية بالقوة أو القِوى التي تحكمه وتتحكم به، وتسيّر خطاه، وإلا إذا كان هؤلاء المضروبون المهزومون المأزومون من المتعاطفين مع تلك القوى المتناغمين معها، المحسوبين عليها، فحقَّ عليها عقاب فئة أخرى، أو فئات أخرى من مواطنيها الذين يخالفونها الرأي والتوجه والهدف والاتجاه في ظروف بالغة الصعوبة، بالغة التعقيد، بالغة الحساسية، وفي ظروف يكثر فيها خلط الأوراق، وتتعدد فيها التوجهات، وتكثر الاعتبارات والاجتهادات والتفسيرات والتأويلات، وتكثر حولها الأقاويل، وتكثر الاتهامات والممارسات.
    قد يكون بإمكانك أن تقول ما تريد، وقد لا يكون.. وقد يكون من حقك أن تجاهر بأفكارك وآرائك ومعتقداتك السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد لا يكون، وقد يكون من حقك أن تلجأ للقضاء بهدف استرداد حق، أو النيل من خصم، أو رد اعتبار، فالجأ إليه أو لا تلجأ إن لم تقتنع بنزاهته، فالأمر متروك لك، وعائد إليك.. ولكنك "يقينًا" لا تملك أن تُخرج اللص من بيتك بالقوة!! هذا اللص يصبح صاحب البيت، وأنت المعتدي، وما عليك إلا أن تقنع الدنيا بعدالة قضيتك، وما عليك أيضًا إلا أن تحضر مزيدًا من الوثائق والإثباتات التي تعزز بها ادعاءاتك ومزاعمك بأن هذا البيت لك، وافرض أنه لك، أو كان لك، فماذا يحدث لو تنازلت عنه لهذه العائلة المشردة التي تسكنهُ الآن؟ ماذا تخسر لو تنازلت لها عنه ما دام بإمكانك أن تعيش في بيت بديل توفره لك هذه الدنيا التي تقرع رأسها كل يوم مطالبًا بهذا البيت الذي أضحى من الصعب أن تعود إليه، وأضحى واضحًا أنك لا تطالب به إلا من باب إثارة الفوضى في هذه المنطقة المتوترة من العالم!!
    بإمكانك أن ترفض البديل كما تريد، وبإمكانك أن تطالب بهذا البيت الذي تدعي ملكيته بدون دليل، ولكن لا تنسَ أنك مدان إذا أنت استعملت العنف اللساني أو الجسدي ضد صاحب هذا البيت الذي يملك ألف دليل ودليل على ملكيته، ولا تنسَ أنك متهم بالعنف والإرهاب إن أنت لم تمتثل لرغبة الناس في هذه الدنيا للكف عن العنف والإرهاب، واعلم أن الدنيا كلها ستفرض عليك ألوانًا من العقاب أسهلها وأخفها التصفية الجسدية إن أنت لم تسمع الكلام، وإن أنت ركبتَ رأسك، وبقيت على نغمتك التي تقرع بها رؤوس الناس منذ نشوء مشكلة هذا البيت الذي ترفض أنت أن تضع حدًّا لها بشكل يحفظ أمن هذا المالك الجديد القديم الذي استرد بيته منك، ومن آبائك وأجدادك الذين اغتصبوه في يوم من الأيام، وأخرجوه منه بالقوة بعد أن كان له، وبعد أن عاش فيه بأمن وأمان مدة طويلة من الزمن، إنه يسترده اليوم، وإنه يعود إليه اليوم، وهذا من حقه، أما أنت فابحث عن حل عملي واقعي، ولا تسمح للأوهام أن تفسد على الناس حياتهم في هذا العالم الذي بات يعرفك حق المعرفة، ويعرف أبعاد ما تريد، ويعرف نواياك، ويحفظها عن ظهر قلب!!.
     وقد لا ترضيك كل هذه التفسيرات والتأويلات والادعاءات، وتظل مصرًّا على موقفك، وتظل تطالب بهذا البيت الذي ولدت فيه، وولد فيه كثير من آبائك وأجدادك، وقد تظل ترفض أي بيت بديل، وأي وطن بديل، وأي عيش بديل، ومع ذلك فإنك قد تصبح أكثر استجابة لرغبة الناس في هذه الدنيا بضرورة حل المشكلات والمنازعات حلاًّ سلميًّا، وبضرورة المحافظة على الأمن والسلم الدوليين، فتوافق على حل وسط، وتوافق على تقاسم البيت مع هذا الغريب الذي احتله عنوةً، وقد تقبل تحت كل ضغوط الدنيا عليك،وتوجهها إليك بأن تبقى فيه، وأن لا تطالب بإخراج هذا الغريب منه، ولكنه مع ذلك يصر على إخراجك، ويصر على احتجازك في إحدى غرفه لإكراهك على مغادرته طائعًا مختارًا دون أي إكراه!! هذا ما يوحي به للناس، وهذا ما يجهر به ويجاهر، وهذا ما يذيعه وينشره على الملأ، ويعممه على كل وسائل الإعلام.. فهو إنسان رائع حضاري مثقف وأنت متخلف متطرف جاهل، والجاهل عدو نفسه، وقد يكون عدو الحضارة، وقد يكون أيضًا عدوًّا للحياة على هذه الأرض إن لم يتعاون الناس جميعًا على ردعه وقمعه والتخلص من إرهابه وطغيانه وتطرفه وتخلفه وعدوانه وخطره الذي قد يتجاوز حدود هذا البيت، وأصحاب هذا البيت جددًا وقدامى ليصيب البشرية جمعاء!!
     لا عقوبة إلا بحكم محكمة، ولا حكم محكمة بدون محاكمة، ولا محاكمة بدون لائحة اتهام، ولا قيمة لهذه اللائحة بدون اعتراف، فالاعتراف سيد الأدلة، والحكم الصادر ينبغي دائمًا أن يراعي مصلحة المتهم، وأن يراعي ظروفه وأحواله النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن يراعي ظروف أسرته وأحوالها.. أما أن يكون القانون في يد جلاد يسخّره لأغراضه وأهدافه وغاياته،  وينطلق من خلاله لإنزال أشد العقوبات بمن يخالفه الرأي، وبمن يطالب بحقه، وبمن لا يريد التنازل عن بيته، أو ممتلكاته، أو حريته، أو استقلال شخصيته، أو طموحاته وأحلامه وآماله، وطيب لياليهِ وأيامه فهذا ليس قانونًا، وهذا ليس عدلاً، وهذا ليس تشريعًا تقره شرعة السماء، أو قوانين الأرض التي آمنت بها البشرية وطورتها جيلاً بعد جيل إنه تشريع جائر أعمى دونه في الظلم والجور والطغيان شريعة الغاب.
    وأدهى من ذلك وأنكى أن يتفتق ذهن أولئك وأولاء وهؤلاء عما يسمونه الاعتقال الإداري الذي لا يستند إلا لمجرد الشكوك والأوهام والأعمال الكيدية والإجراءات التعسفية التي يأباها العدل، وترفضها العدالة، ولا يقرها عُرفٌ أو شرعٌ أوخلُق، ولا يطمئن إليها ضمير يقظ حي.

    إن الأنظمة في هذه الدنيا ليست سواء، فمِن عدلٍ وعدالةٍ واحترام للإنسان وإنسانية الإنسان، ومن رعايةٍ وخدمات وضمانات تُقدم للإنسان في هذا البلد أو ذاك، إلى سلاسلَ وقيودٍ وأغلال توضع في الأيدي والأرجل، إلى تصفيات نفسية وجسدية، إلى حصار وقمع وكبت وعقوبات وتضييق ومصادرات ومداهمات وإشاعة للفوضى والفتن والاضطراب، وأعمال العنف والقتل والحرق والتدمير، إلى هجرات وعدوان على الناس في ممتلكاتهم وأرزاقهم ومستقبل أجيالهم، إلى آخر ما هنالك من صور الفساد والإفساد والتحكم بالعباد.
     لا ينبغي أن أنهي هذه الزفرات قبل أن أشير إلى ما لم أسمع به من قبل، هذا الإجراء الذي لا أفهم له معنًى، إلا أنني أريد أن أحتجزك، وأصادر حريتك، وأبقي عليك أسيرًا لا تملك من أمر نفسك شيئًا ما دمت حيًّا.. إنني لا أفهم من هذا الذي يسمونه الاعتقال الإداري المفتوح أكثر مما يُفهَم منه، وأكثر مما ينطوي عليه.. أنت أسير ما دمت حيًّا، فعِش في الأسر، ومت في الأسر.. وإن سأل سائل عن السبب قالوا إن هذا الأمر احترازيٌّ وقد اتخذناه لدواعي الأمن.
    حسام خضر الذي عرف طريقه إلى مراكز التحقيق والتوقيف والاعتقال وهو في سن الثالثة عشرة يحولونه اليوم إلى الاعتقال الإداري المفتوح وقد دخل الخمسين من عمره.. حسام خضر لم يرتكب كبيرة، ولم يرتكب صغيرة، ولم يرتكب فاحشة مبينة أو غير مبينة.. ولم يرتكب جناية أو جنحة أو مخالفة.. كل ما فعله حسام أنه سعى مثل كثير غيره في الإصلاح بين أخوين، وهذا تكليف إلهي، والتزام إسلامي أخلاقي عندما تختلف فئتان، أو جماعتان، أو مجموعتان، أو طائفتان، لقوله تعالى " وإن طائفتان  من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" ولكن الذين يعيشون على الخلافات والاختلافات، ويعيشون على التناقضات والمشاحنات لا يمكن أن يسرّهم إجماع الأمة على شيء، ولا يمكن ان يهدأ لهم بال إلا في ظل الخلافات والانقسامات والصراعات والاحتراب الذي يدمر الإنسان ويهدم البنيان، والفساد الذي يهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.. ولكن لا عجب فشعبنا الذي يطالب بالحرية وبالعيش الكريم وبالأمن والأمان في بلاده هو أيضًا موقوف مثلك يا حسام، وهو أيضًا أسير مثلكم يا كل أسرى الحرية في هذا الوطن المضيع والمكبل والمستباح.
    إن السلام العادل الدائم الشريف المتكافئ الذي لا غالب فيه ولا مغلوب هو هدف هذا الشعب، وهو هدف كل أسرى هذا الشعب، وهو هدف قيادات هذا الشعب، وهو هدف كل الأحرار الثوار من أبناء هذا الشعب، وهو "يقينًا" هدف كل الناس في هذا المجتمع الدولي الذي أضحى مضطربًا خائفًا متوجِّسًا مشفقًا على العدل والحق والعدالة وهو يسمع بأخبار الاعتقال الإداري المفتوح.. فإلى متى تستمر كل هذه الإجراءات؟ ومتى يسود السلام أرض السلام؟ ومتى يخرج كل أسرى الحرية إلى عالم الحرية والنور؟  لستُ أدري.
16\6\2011