عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الاثنين، ٩ أيار ٢٠١١

وماذا بعد هذه الخطى في مرحلة أكثر حسمًا ؟

متابعات                                                                                

وماذا بعد هذه الخطى في مرحلة أكثر حسمًا ؟

                                       أ.عدنان السمان

www.Samman.co.nr 

   عرفته قبل أكثر من أربعين عامًا كاتبًا شريفًا شديد الانتماء لعروبته ، شديد الإخلاص لوطنه فلسطين ، وكان من الطبيعي أن تستمر الصلة فيما بيننا ولو عن بعد ، ومن خلال صفحات " القدس " وغير القدس من الصحف والمطبوعات التي صدرت في هذه الديار .

   ولئن كان إبراهيم دعيبس كاتبًا عربيًّا فلسطينيًّا، ولا يزال، على طريقته التي عرف بها مذ كان ، فإن ما كتبه يوم الأحد الماضي " حماس على خطى فتح في مرحلة حاسمة " قد أغراني بالرد ، بل دفعني إليه دفعًا لم يكن إلى مغالبته من سبيل .

   والرد "على مألوف عادتي فيه" لا يكون على الصورة المعروفة لدى كثير من الكتّاب، بل هو ردٌّ بمقالٍ على مقال ، ينطلق من العنوان إلى عنوانٍ لا يماهيه ، ولا يجاريه ، ولا يتناقض معه ، ولا يذوب فيه ، ولا يستعرض تفصيلاته وحيثياته وحواشيه ، ولا يفتح النار على فكرةٍ، أو رأي، أو تحليل، أو استنتاج،ولا يفتح الذراعين والصدر ليعانق هذا التوجه أو ذاك ، وليوافق على هذه الفكرة أو تلك،ولا يسعى لنبش بذرةٍ ، أو لتعرية فكرة، أو توجه مغلف بضباب العبارات ، وحسابات الكلمات والجمل والمفردات،وعذابات السنين وتراكماتها وآثارها المؤلمة الحزينة ، أو مكافآت المراحل السخية وإغراءاتها في خريف العمر ،وأيام العجز ، وسن اليأس والقنوط والإحباط، في متوالية هندسية ،عرف القدماء أسرارها ومعانيها، وأحاطوا بسائر أشكالها ومبانيها .

    قد يكون أخي إبراهيم محقًّا في كثير مما قال ، وقد لا يكون ، وقد يكون مصيبًا في كثير من مقدماته واستنتاجاته، وفي كثيرٍ من استقراءاته وتحليلاته وتوقعاته ، وفي كثير من قناعاته وتمنياته أيضًا ، وقد لا يكون ، ولكنه يقينًا قد أغفل كثيرًا من الحقائق التي ما كان لمفكرٍ أو كاتبٍ أو باحثٍ أو محللٍ أو معلقٍ أو مراقب منصف أن يغفلها، لولا رغبته في الوصول إلى الهدف المرسوم عن أقصر الطرق ، وأقل التكاليف.

    من قال إن "فلانًا" سيوافق في مرحلةٍ حاسمة على ما سيُطلب منه كما وافق كثيرٌ غيره من قبل ؟ وما هي هذه المرحلة الحاسمة، ومن هم أطرافها، وما هي أهدافها وغاياتها ؟ ومن هم الذين من الممكن أن يأخذوا على عاتقهم أمرَ وضعها على الأرض موضع التنفيذ ؟ ومن قال إن هذا "السيد" الذي يخطط منذ عقود للسيطرة المطلقة على كل شيء ، والذي لن يرضيهُ بأية حال من الأحوال أن يكون له أي نِدٍّ ، أو خصمٍ ، أو منافسٍ ، أو شريكٍ في هذه الديار ، من قال إن هذا "السيد" لا يفكر بالخلاص من كل هؤلاء "الأغيار" على "أرضه" التي منحها إياه الرب خالصةً له من دون الناس ؟ ومن قال إنه لن يتمكن من تنفيذ رغباته وتطلعاته هذه إذا استمر نهج المهادنة والممالأة والملاينةِ والمسايرةِ والمداراةِ والتوسلات والتنازلات ، وإذا استمر نهج التفريط ، ونهج الفزع إلى المجتمع الدولي في كل يوم كي يرفع ظلمًا ، أو يحق حقًّا ،أويزهق باطلاً؟ ومن قال إنه بهذه الوسائل وحدها تتحقق الأمنيات، وتدرك الغايات؟ ومن قال أيضًا إن كل الأطراف التي تمارس هذه اللعبة على هذه الساحة هي وحدها من يقررمصير الناس، ومصير كل قضاياهم المصيرية العادلة في كل هذه الديار ؟ ومن قال إن ديارًا مقدسةً كهذه من الممكن أن يحسم أمرها جزءٌ لا يكاد يذكر من أمة كبيرةٍ عظيمةٍ تجلها وتقدسها ؟ ألا يعلم الناس جميعًا في هذا الكون أن حبة تراب لم تكن لتتحرر هناك لو سلك الناس هذا النهج ، ولو لم يسلكوا هناك طريقهم الذي سلكوه ؟ ألا يدرك الكون كله كيف تحررت تلك الأرض ، وأي ثمنٍ دفع الناس هناك لقاء تحررها وتحريرها ؟.

    ومن قال إن هذا "السيد" (الذي يريد لنفسه كل شيء) من الممكن أن يقبل بعودة مهجَّر واحد إلى بيته ، بل من قال إنه سيقبل ببقاء أولئك العرب على"أرضه" بعد أن ينتزع اعترافًا بأن "دولته" تلك هي لقومه فقط دون سواهم ؟ ومن قال أيضًا إنه لا يفكر في مرحلة أكثر حسمًا بإخراج سائر أهل هذه الديار منها بعد أن يكون قد حاصرهم وحصرهم في هذه البقعة المحدودة التي يُفترض أنها دولة الشعب الآخر ! رب قائلٍ يقول إنه لن يتمكن من ذلك ، ولن يقوى عليه لأن المجتمع الدولي له بالمرصاد ، ولأن ، ولأن، ولكن ماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفعل إذا وضع هذا "السيد" أهل دولة الشعب الآخر هذه على طريق الانتحار الذاتي ، ولا سيّما أنه (وكما يرى المراقبون ) قادر على ذلك لأسباب كثيرةٍ،منها حالة انعدام الوزن  التي تجتاح العالم العربي ، وحالة اليأس والخوف والتوجس التي تعصف بأهل هذه الديار،وحالة الحصار الخانق ، والانهيار الاقتصادي الشامل ،وشطب فئات الفلاحين والعمال والصناع والتجار والزراع في هذا الوطن ، وتحول أهل هذه الديار إلى فئةٍ من الموظفين الذين لن يجدوا ما يأكلونه عندما تتوقف رواتبهم بعد أن يخضع الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي (كما خضع دائمًا ) لرغبة هذا " السيد " في السيطرة المطلقة على كل هذه البلاد ، ولرغبة هذا " السيد " المطلقة في التخلص من كل هذه "الأغيار" على "أرضه" ، ولرغبته المطلقة في وضع خطته ومخططاته بشأن هذه الديار كلها موضع التنفيذ في نهاية المطاف .

    إن هذه المرحلةَ الأكثرَ حسمًا قد تأتي إن استمر هذا النهج ، وإن سار هذا الفريق على خطى ذاك في مرحلةً حاسمة كما يقول صديقي في ذلك المقال ، وقد لا تأتي إذا لم يحدث ذلك ، بل إنها من الصعب أن تأتي إذا حدث العكس ، وعاد الفريق الأول إلى نهجه الذي تخلى عنه بعد فشل توجهه الجديد ، وبعد أن فشلت كل جهوده ومحاولاته على مدار السنوات العشرين الماضية ، وعندها يلتقي الفريقان سابقهما بلاحقهما ، ويضمان إليهما كافة القوى على الساحة ، وعندها ستتوصل كل هذه الفئات والتيارات والقوى بالتنسيق مع كافة الأشقاء العروبيين في كل ديار العروبة إلى الحلول التي قد تعود بهذه الديار إلى عهودها الزاهية من جديد .

     وإن بالإمكان أن نستبدل نهج اللمز، والغمز، والحملات الإعلامية ،والتشهير، والإقصاء ،وفرض الهيمنة، والاحتواء، والانفراد والتفرد بالقرار، وتنفيذ السياسات الغربية وغير الغربية ، والتصرف بقضايا الأمة المصيرية وثوابتها ، ومبادئها ، ومقومات شخصيتها ، وأسرار بقائها وقوتها وعزتها بنهج جديد قائم على الرغبة الصادقة في تحرير الأرض والإنسان مهما غلا الثمن ، وجلّت التضحيات . 

 

10/5/2011

 

الجمعة، ٦ أيار ٢٠١١

في الذكرى السبعين لوفاة شاعر فلسطين إبراهيم طوقان..!!

متابعات   

في الذكرى السبعين لوفاة شاعر فلسطين إبراهيم طوقان..!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

 

 

ولد إبراهيم عبد الفتاح طوقان في مدينة نابلس عام (1905)، وتعلم في المدرسة الرشادية الغربية (1911-1918) وكان لأستاذيه الشيخين إبراهيم أبو الهدى الخماش، وفهمي هاشم أثرهما في صقل مواهبه، ثم دخل مدرسة المطران الثانوية في القدس، ولبث فيها من العام (1919) حتى (1923) حيث أنهى دراسته الثانوية..وهناك في القدس تأثر كثيرًا بالأستاذ نخلة زريق المدرّس في الكلية الإنجليزية حيث عرّفه عليه شقيقه أحمد الذي كان طالبًا في تلك الكلية آنذاك...وفي القدس أيضًا تفجرت موهبة إبراهيم، وكان شقيقه أحمد، وسعيد تقي الدين يشرفان عليه، ويشجعانه حيث كتب في تلك الفترة كثيرًا من القصائد الجيدة.

في العام (1923) التحق بالجامعة الأمريكية، ولبث فيها حتى العام (1929) حيث حصل على البكالوريوس في اللغة العربية...وهناك في بيروت قامت الصداقة الوثيقة بينه وبين أستاذه أنيس الخوري المقدسي، كما نشأت أواصر المودة بين إبراهيم وكثير من أدباء العربية وأعلامها البارزين ومنهم: عمر فروخ، ووجيه البارودي، وسعيد تقي الدين...كان إبراهيم في هذه الفترة من حياته شاعر الجامعة..حيث كتب كثيرًا من الأشعار الغزلية الناضجة التي كان ينشرها في الصحافة البيروتية...

على أن أروع قصائده في تلك الفترة هي قصيدته "ملائكة الرحمة" التي كتبها في العام (1924)، ونشرها في المعرض البيروتية (لصاحبها ميشال زكور) وقد اعتبر كثير من النقاد تلك القصيدة باكورة شعره الحقيقي، وانطلاقته في الأوساط الأدبية شاعرًا مُجيدًا.

ولعل من الضروري أن يشار إلى أن المرض الذي صاحب إبراهيم منذ طفولته، وحتى وفاته، كان له تأثيره البالغ على إبراهيم في حياته وفي شعره:

فعلى منصة التخرج عام (1929) وبعد ست سنوات من الدراسة المتقطعة يتعرض إبراهيم لنزيف حاد في المعدة، ويغمى عليه، ويسرع به أبوه (الذي جاء ليحضر حفل تخرجه) إلى القاهرة للعلاج..ويحاول إبراهيم هناك أن يعمل في الصحافة المصرية..ولكن وطأة المرض تشتد عليه، وتحرمه من هذه الفرصة، أو تحرم الصحافة هناك من مواهب إبراهيم التي نعد منها ولا نعددها.

وفي العام (1929) يعمل إبراهيم معلمًا للغة العربية في مدرسة النجاح بنابلس نزولاً عند رغبة والدته التي أصرت على أن يكون قريبًا منها –كما كانت تفعل دائمًا- وفي هذا العام تفجرت في فلسطين ثورة البراق..وكان من الطبيعي أن تتحول "النجاح" إلى قلعة من قلاع المقاومةِ في فلسطين، وأن تشارك في تلك الثورة، وأن يقوم إبراهيم وغيره من معلمي هذه المدرسة بواجبهم الوطني، وأن يبثوا في طلابهم الروح القومية العربية رغم فظائع قوات الانتداب البريطاني التي كانت تحكم البلاد بالحديد والنار.

بعد أن عمل إبراهيم في مدرسة النجاح عامًا واحدًا ترك هذه المدرسة، ليعمل في الجامعة الأمريكية مدرّسًا مدة سنتين، بتشجيع من أستاذه أنيس الخوري المقدسي، وكان ذلك عام (1930).

ثم عمل إبراهيم مدرّسًا للعربية في المدرسة الرشيدية في القدس في العام (1932) ومن هناك عارض أحمد شوقي في لاميّته "قم للمعلم"...وفي أواخر هذا العام أجريت له عملية جراحية في المعدة، ونجا من موت محقق، وغادر المشفى الألماني في المدينة في آذار من عام (1933)، وعاد إلى نابلس بعد أن استقال من العمل في المدرسة الرشيدية.

أمضى إبراهيم بعد ذلك عامين كاملين (1933-1935) مديرًا لمصلحة المياه في بلدية نابلس، وكان يشرف خلال تلك الفترة على أعمال أبيه التجارية...وفي هذه الفترة كتب أجمل أشعاره التي كان ينشرها في جريدة الدفاع الفلسطينية.

وفي أواخر عام (1935) أخذت السلطات البريطانية تعد العدة لإنشاء محطة إذاعية مركزها القدس، تكرسها لخدمة أهدافها الاستعمارية، وبعد إنشائها وقع الاختيار على إبراهيم ليرئس القسم العربي في هذه المحطة في القدس، ويكتب إلى صديقه عمر فروخ في (7/آذار/1937) رسالة يقول فيها: لقد أصبح دأبي أن أجعل هذا البرنامج تحفة من التحف بحيث أبذ به برنامج مصر، وقد توفقتُ في ذلك إلى حد بعيد، فقد جاءني الثناء العاطر من مصر نفسها، ومن العراق وسوريا والهند والرياض، فتأمل كم يدعو ذلك إلى النشاط، وكم يتسع العذر معه للتصيد....وفي ربيع عام (1937) تزوج إبراهيم من سامية عبد الهادي، حيث رزق منها بابنه جعفر، وابنته عريب..

كان إبراهيم صحافيًّا وإعلاميًّا ومتحدثًا لبقًا بارعًا، ومحقق كتب أدبية قديمة مع المستشرق التشيكوسلوفاكي الدكتور لويس نيكل.. ولقد أتقن إبراهيم اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، كما ألم بالتركية والفرنسية والألمانية والإسبانية الأمر الذي مكنه من الاطلاع على آداب تلك الأمم وثقافاتها.

أما حديثه الإذاعي المشهور الذي تناول فيه (السموأل بن عاديا) فقد ألقاه في 20 أيلول 1936...ولقد شنت صحيفة "دافار" العبريّة في صدر صفحتها الأولى في اليوم التالي هجومًا شرسًا على إبراهيم...وفي عددها الصادر في 28/9/1936 نشرت مقالاً على الصفحة الأولى بقلم محررها (داود يلين) هاجم فيه إبراهيم..وفي عددها الصادر في 29/9/1936 كانت افتتاحية "دافار" حول هذا الموضوع أيضًا.

أقيل إبراهيم من عمله في مصلحة إذاعة فلسطين في أول أكتوبر –تشرين الأول- عام 1940، بعد سلسلة طويلة من أعمال الدس والتحريض التي شنها ضده أعداؤه وحاسدوه...وفي مساء ذلك اليوم خفّ صديقه (أكرم بك الركابي) إلى طالب مشتاق قنصل العراق في القدس، وأطلعه على ما جرى...وعليه فقد أبلغ إبراهيم بالتوجه إلى دار المعلمين الريفية في الرستمية ببغداد للعمل فيها معلمًا...فذهب وهو مصمم على عدم العودة إلى فلسطين.

ولكن إبراهيم عاد بعد شهرين فقط إلى نابلس مريضًا، وهناك في المشفى الفرنسي أسند رأسه إلى صدر أمه، ولفظ آخر أنفاسه مساء يوم الجمعة في الثاني من أيار عام (1941).

قراءة سريعة في شعره:

قال إبراهيم الشعر في معظم أغراضه من غزل ورثاء ووصف وحكمة، أما شعره الوطني فقد أبدع فيه أيما إبداع...وكان يرى بعين بصيرته وبحسه المرهف ما ينتظر عرب هذه الديار:

أمامك أيها العربي يومٌ                تشيب لهوله سود النواصي
وأنت كما عهدتك لا تبالي             بغير مظاهر العبث الرخاص
فلا رحب القصور غدًا بباقٍ          لساكنها، ولا ضيق الخصاص
مناهجُ للإبادة واضحاتٌ               وبالحسنى تنفَّذُ، والرصاص

واستمع إليه وهو يخاطب أولئك الأقوياء الطامعين في هذه البلاد إذ يقول:

أجلاءً عن البلاد تريدو                ن فنجلو، أم محقنا والإزاله؟

وفي الاحتفال الذي أقامته مدرسة النجاح في أواخر العام الدراسي (1928) ألقيت قصيدة إبراهيم " تفاؤل وأمل " والتي مطلعها:

كفكف دموعك، ليس ينــ      فعك البكاء ولا العويل
ومنها:
وطنٌ يباع ويشترى    وتصيح " فليحي الوطن "!
لو كنت تبغي خيره    لبذلت من دمك الثمن
ومنها:
حي الشباب وقل سلا مًا إنكم أمل الغد
صحت عزائمكم على دفع الأثيم المعتدي
والله مد لكم يدًا                تعلو على أقوى يد
وطني أزفّ لك الشبا بَ كأنه الزهر الندي
لا بد من ثمر له               يومًا وإن لم يعقد

ومن شعره قصيدته في السماسرة ومطلعها:

أما سماسرة البلاد فعصبةٌ                     عار على أهل البلاد بقاؤها
ومنها:

ومن العجائب إن كشفت قدورهم              أن الجرائدَ، بعضَهنّ، غطاؤُها
كيف الخلاص إذا النفوس تزاحمتْ           أطماعها، وتدافعت أهواؤها؟!

ومن قصيدته " لمن الربيع " يقول إبراهيم:

لمن الربيع وطيبه              وهواه، والزهر البديعُ؟
فرحُ الربيع لمن له            أرضٌ، وليس لمن يبيع!!

ومن قصيدته " الشهيد " قوله:
أي وجه تهللا
يَرِدُ الموتَ مُقبِلا
صعّد الروح مرسلا
لحنَه يُنشدُ الملا
أنا لله والوطن

أما قصيدة " الحبشي الذبيح " التي نشرها في جريدة البرق البيروتية سنة 1931 ففيها إشارة إلى الشعوب المستضعفة التي يذبحها الأقوياء كما تذبح الديكة الحبشية لتُحشى بها البطون، وأما الريش فتحشى به الوسائد:

قالوا حلاوة روحه رقصت به        فأجبتهم ما كل رقصٍ يطرب
أعذابه يدعى حلاوة روحه            كم منطق فيه الحقيقة تقلبُ!!

وفي يوم الثلاثاء السابع عشر من أيار عام 1930 أقدمت قوات الانتداب البريطاني على إعدام فؤاد حجازي من صفد مع رفيقيه عطا الزير ومحمد جمجوم من الخليل....وفيهم يقول إبراهيم قصيدته المشهورة " الثلاثاء الحمراء " ومطلعها:

لما تعرض نجمك المنحوس           وترنحت بعرى الحبال رؤوسُ
ناح الأذان وأعول الناقوس            فالليل أكدر والنهار عبوسُ

أما أناشيده وعلى رأسها نشيد " موطني " فقد بلغ فيها قمة الإبداع والتألق، ورددها كثير من العرب في سائر أقطارهم وأمصارهم.

ليست وطنية إبراهيم طوقان بحاجة إلى دليل أو برهان، لقد كان مقاتلاً صلبًا لا تلين له قناة، وكان يرى -رأي العين- ما سيحل بالبلاد والعباد...ومن هنا كان صراخه الدائم، ونداءاته المتكررة لتجنيب البلاد والعباد هذا المصير الأسود القاتم... وعلى الرغم من وجود الأحزاب، وكثرة الزعماء في عصره إلا أنه لم يلتفت إلى ذلك...بل كان وطنيًّا غيورًا مخلصًا لقضية بلاده...وقصائده وأناشيده: موطني، وطني أنت لي، فتية المغرب، مرابع الخلود، أنتم المخلصون، شريعة الاستقلال، تفاؤل وأمل، الشهيد، الفدائي..وغيرها أكبر شاهد على صحة هذا القول.
ومن شعره الذي جمع بين الرمز والغزل قصيدته " ملائكة الرحمة " التي نشرها في " المعرض " البيروتية عام 1924 والتي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية، واعتبرها كثير من النقاد انطلاقة إبراهيم الشعرية..ومطلعها:

بيض الحمائم حسبهنه         أني أردد سجعهنَّه
ومنها:


الروض كالمستشفيا   ت، دواؤها ايناسهنهْ
ما الكهرباء وطبها             بأجلَّ من نظراتهنه
يشفي العليل عناؤهـ   نَّ وعطفهنّ ولطفهنه
مرّالدواء بفيك حلــ            وٌ من عذوبة نطقهنّه

وقد خلّف إبراهيم ثروة كبيرة من شعر الغزل بين مطبوع ومخطوط ... ومن أجمل غزله هذه الأبيات من قصيدة " حَيْرة":
ما كنتُ أرغبُ أن أسمّى قاسيًا        فأنفر الأحلام من عينيها
والشوق يدفعني إلى إيقاظها           ويدي تحاذر أن تُمدّ إليها
وكأنّما شعر الرقاد بنعمةٍ              فأقام غير مفارق جفنيها
ويلٌ لقلبي كيف لم يفتك به            مرآى تقلبها على جنبيها
وتنهدت مما تكنّ ضلوعها            يا شوقُ ويحَكَ لا ترعْ نهديها

ومن المدرسة الرشيدية في القدس عارض أمير الشعراء أحمد شوقي في لاميته " قم للمعلم... " كان ذلك في عام 1932، وهو العام الذي توفي فيه شوقي ...وأقيم له في ذلك العام حفل تأبين كبير في مدينة نابلس ..و مطلع تلك القصيدة:

شوقي يقول، وما درى بمصيبتي:    قم للمعلم وفّه التبجيلا
ومنها قوله:

حسب المعلم غمةً وكآبةً       مرأى " الدفاتر " بكرةً وأصيلا
مئةٌ على مئةٍ إذا هي صُلِّحتْ          وجد العمى نحو العيون سبيلا
ولو انّ في " التصليح" نفعًا يُرتجى   وأبيك، لم أك بالعيون بخيلا

وفي أواخر ذلك العام أدخل المشفى الألماني في القدس لإجراء عملية عاجلة في المعدة، ونجا يومها من موت محقق، ولقد وجدوا في جيبه هذه الأبيات:

إليك توجهت يا خالقي بشكرٍ على نعمة العافيهْ
إذا هي ولّتْ فمن قادرٌ         سواك على ردها ثانيه
وما للطبيب يدٌ في الشفا       ء ولكنّها يدك الشافيه
تباركت أنتَ معيد الحيا        ةِِ متى شئتَ في الأعظم الباليه

ومن قصيدته " كارثة نابلس " بعد أن ضربها الزلزال المدمر عام 1927:

أدموع النساء والأطفال                تجرح القلب أم دموع الرجالِ
بلد كان آمنًا مطمئنًّا            فرماه القضاء بالزلزال
هزةٌ إثر هزةٍ تركته            طللاً دارسًا من الأطلالِ
مادت الأرض ثم شبّتْ وألقتْ         ما على ظهرها من الأثقال
فتهاوتْ ذات اليمين ديارٌ              لفظتْ أهلها، وذات الشمال
فإذا الدُّورُ وهي إما قبورٌ              تحتها أهلها، وإما خوالِ
لا تقفْ سائلاً بنابلس الثكــ            لى فما عندها مجيبُ سؤال

أما قصيدته في رثاء عبد المحسن الكاظمي والتي مطلعها:

سل جنة الشعر ما ألوى بدوحتها      حتى خَلَتْ من ظلال الحسن والطيبِ
فيتحدث فيها عن الفقيد ومزاياه ومقدرته الفائقة على ارتجال الشعر، كما يتحدث عن فلسطين وما تعانيه، وعن الذئاب التي ترعى الأغنام...وعن الوعد المشئوم والمطايا والمحاسيب..إلى أن يقول:

هل في فلسطين بعد البؤس من دعةٍ أم للزمان ابتسامٌ بعد تقطيبِ
كم حقَّقّ العزمُ والإعجالُ من أمل     وخاب قصدٌ بإمهالٍ وتقليبِ

وكذلك كانت قصائده في رثاء موسى كاظم الحسيني، والشيخ سعيد الكرمي، والملك فيصل...وغيرهم.
ومن أروع قصائده " مصرع بلبل " تلك القصيدة الاجتماعية التي تناول فيها مأساة الفتى الذي يأتي من بلدته الصغيرة، أو قريته البسيطة، فتقوده قدماه إلى وكر من الأوكار في المدينة الكبيرة الصاخبة، وتكون نهايته هناك في مزالق الضلال والضياع...ومطلعها:

قَدَرٌ ساقَه فآواه روضًا        لم يكنْ طار فيه قبلاً وغنّى
ومن قصائده الخالدة " أشواق الحجاز ":
بلاد الحجاز إليك هفا          فؤادي وهام بحب النبي
ويا حبذا زمزم والصَّفا                ويا طيب ذاك الثّرى الطيبِ

ولا بد من الإشارة أخيرًا إلى أنه في صيف عام 1941 أقامت مدرسة النجاح حفل تأبين لإبراهيم طوقان تحدث فيه كثير من الشعراء والخطباء من هذه البلاد وغيرها من أقطار العروبة....وكان من بين تلك القصائد قصيدة لتلميذه الشاعر المرحوم محمد أحمد العمد  أورد منها بعض الأبيات:

مات الهزار وغابت الألحانُ           فالروضُ لا غردٌ ولا نشوانُ
غمرتْ تهاويل الكآبة أُفْقهُ             وتربعتْ في ساحه الأحزانُ
غاضت بشاشته وصوّح نبتُه          وأسوَدَّ فيه اليانع الريّانُ
ومشت بلابلُه تشيّعُ راحلاً             هو للمكارم والعلا عنوانُ
خفّتْ إليه من الجنان ملائكٌ           ومشى يقرّبه له رضوانُ
في ذمة الأوطانِ أنبلُ شاعرٍ          تبكيه بعد مماته الأوطانُ
خاض الحياة بهمةٍ وثّابةٍ               لم يرقَ نحو سمائها الفتيانُ
كان المدافع عن ذمار بلاده           إنْ هدّ أركان الحمى طغيانُ
لا تستنيمُ إلى هوانٍ نفسُه              هيهات أن يرضي الكريمَ هوانُ
غنّى فرددت البلاد نشيدَه              واستيقظ المتقاعس الوسنانُ
هزّت قصائده النيام فأسرعوا         يحدوهم الإخلاص والإيمانُ

ومنها:

أبكيك علَّ الدمعَ يُسكنُ لوعتي         فالدمعُ فيه للشجي سلوانُ
أبكي النبوغ العبقريَّ مغيّبًا            ضمّتْهُ خلفَ حجابِها الأكفانُ
نضبت بحورُ الشعر بعدك وامَّحت    وتَضَعْضَعَتْ لوفاتك الأوزانُ
أرثيك والآلام تثقلُ خاطري           هيهاتَ أن يوفي رثاك لسانُ

وبعد، فهذه لمحة سريعة عن شاعر فلسطين إبراهيم طوقان في الذكرى التاسعة والستين لوفاته أضعها بين يدي القارئ الكريم مشيرًا إلى ذلك التراث الخالد لهذا الشاعر العربي الفلسطيني الكبير من أشعاره المطبوعة والمخطوطة...ومما كتبه عنه النقاد والمؤلفون والباحثون وهواة الأدب..ففي ذلك كله مزيد من الفائدة والمعرفة والمتعة والعبرة لكل هواة الأدب والحكمة من أبناء العربية.
مصادر البحث:
1- طوقان شاعر فلسطين في حياته وشعره/ الدكتور زكي المحاسني.
2
- إبراهيم طوقان/ عبد اللطيف شرارة.
3
- شاعران معاصران/ الدكتور عمر فروخ.
4
- شاعران من جبل النار/ وليد جرار.

5-ديوان الفلسطينيات/ وديع البستاني.
6
- ديوان إبراهيم/ إبراهيم طوقان.
7
- أخي إبراهيم/ فدوى طوقان

 

(6/5/2011)

 

الأربعاء، ٤ أيار ٢٠١١

في اليوم العالمي لحرية الصحافة

متابعات

في اليوم العالمي لحرية الصحافة

         عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لم يكن للناس في الماضي صحافة كهذه التي عرفوها في العصر الحديث، ومع ذلك فقد كان لهم وسائلهم في نشر الأخبار، ومعرفتها، والتحقق من صحتها، وصدقها..وكان لهم وسائلهم في نشر المعلومات التي يرغبون في نشرها، ومكافحة المعلومات والأفكار التي لا يرغبون فيها، فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، والنفس البشرية هي ذاتها النفس البشرية بكل صفاتها، ومواصفاتها ومكوّناتها، في الماضي، والحاضر، والمستقبل.. وإذا كان الإنسان اليوم يسعى بكل قوته لمعرفة الحقيقة، والوقوف عليها؛ فقد كان كذلك في الماضي، رغم كل الصعوبات التي كانت تقف في وجهه، ورغم كل العقبات التي كانت تعترض سبيله... لقد عرف كيف يكتب الوثائق، وأين يعلقها كي يطلع عليها الناس، وعرف كيف يسعى وراء الحقيقة، وكيف ينشد المعرفة والمعلومة، وكيف يرتحل من مكان إلى مكان سعيًا وراء حديث نبوي، أو بيتٍ من الشعر، أو كلمة من هذا الحديث أو ذاك البيت!! كما عرف كيف يروّج لأفكاره ومبادئه ومعتقداته، وكيف يردّ على خصومه، وكيف يسفّه أفكارهم وآراءهم، وكيف يتحدث عن الأمم، والشعوب، والبلدان، والأماكن، والألوان، والألسن، والأديان، والمعتقدات رغم كل ما كان ينطوي عليه هذا، وغيره من البحث في ألوان العلوم والمعارف والأخبار والثقافات من منغّصات وعقبات وصعوبات.. بل إن كثيرًا من أولئك الرواد قد دفعوا أرواحهم ثمنًا لتلك الأعمال العظيمة، والخدمات الجليلة التي قدّموها لمجتمعاتهم، وللبشرية كلها في تلك الأزمنة المتقدمة من التاريخ.

    لقد وفّر العلم الحديث للصحافة بأنواعها: المكتوبة، والمسموعة، والمرئية، من الوسائل ما لم يكن يخطر على بال... ولقد أحدثت ثورة المعلومات انقلابات ضخمة في هذا الكون أحالته إلى قرية صغيرة يستطيع الإنسان أن يلمَّ بأحداثها وحوادثها وأخبارها ومستجداتها بسهولة ويسر، وبدون أدنى مشقة أو عناء.. ومع كل هذا التقدم العلمي والتقني، ومع كل ما أحدثته الشبكة العنكبوتية، ووسائل المواصلات والاتصالات من تغييرات وتطورات سُخِّرت جميعها لصالح الكلمة والصورة والمعلومة والفكرة، وَوُضعت جميعها في خدمة وسائل الإعلام والإعلاميين، ومؤسسات الصحافة والصحافيين، ودور النشر والناشرين، وحركة الفكر والمفكرين، إلا أن متاعب كثير من رجال الصحافة والإعلام والفكر والرأي قد تضاعفت، والمخاطر المحدقة بهم قد تفاقمت وتعاظمت.. ولم تكن هذه المتاعب والمخاطر بسبب صعوبة المواصلات، وقطّاع الطرق، والحمَّيات، وإنما بسبب تحكّم المتحكمين، وتسلّط المتسلّطين، وتجبّر المتجبّرين في عباد الله من إعلاميين، وصحافيين  ومفكرين.

    المتسلطون المستبدون يريدون أن تكون الصحافة، والصحف، والصحافيون(كتّابًا، ومحررين ومحلّلين ومعلّقين ومصورين وموزعين وباعةً ميدانيين) أتباعًا لهم يسيرون في فلكهم، ويروجون لأفكارهم وممارساتهم.. وهذا هو جوهر القضية التي تُحدث اليوم ضجةً عظمى، وفتنةً كبرى دونها تلك الفتنة التي أعقبت مقتل عثمان... فلا عجب إذا تنادى جميع العاملين في هذه المؤسسات، للاحتجاج على هذه الممارسات الجائرة التي تُتخذ بحقهم، ولا عجب إذا رفع هؤلاء العاملون أصواتهم مطالبين بالحماية، وكفّ الأذى والعدوان عنهم، ولا عجب إذا رفع كثير منهم صوته مطالبًا بمزيد من الإنصاف، ومزيد من الفرص لإحداث مزيد من التغييرات الإيجابية لصالح الفكر الحر النظيف المستنير، ولصالح التحرر والتحرير في كثير من أقطار هذا العالم.

    في اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف هذا اليوم الثالث من أيار لا بد من الإشارة بألم شديد إلى تقرير منظمة العفو الدولية عما يكابده الصحافيون، والإعلاميون، والمفكرون،  وأصحاب المواقف الشريفة الملتزمة من آلام، وعذاب، واضطهاد، وتنكيل، في كثير من بلدان هذا العالم وأقطاره.. ولا بد من الإشارة بألم شديد إلى هذا الخلل الرهيب في المقاييس والمعايير التي يتم الحكم بموجبها على هذا الفريق أو ذاك، وعلى هذه الدولة أو تلك في مجال حقوق الإنسان، واحترام حرياته الأساسية، بما في ذلك حقوق الصحافيين، والإعلاميين، والمفكرين... ولا بد من الإشارة بألم شديد أيضًا إلى هذه الأعداد المذهلة من ضحايا الرأي، والفكر، والعمل الصحافي الحر في كثير من بلدان هذا العالم.

    وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة نقول: إن للإنسان كل الحق في القول، والتفكير، والتعبير، والمعتقد السياسي والاجتماعي.. وله كل الحق في العيش الكريم الحر الآمن على أرض وطنه، بعيدًا عن الأذى والعدوان، وبعيدًا عن التسلط والتحكم، وفرض الآراء والمواقف، وبعيدًا عن سياسات العصيّ والجزر، وممارسات الضغوط والتهديدات.

    وما دامت الأوطان لجميع أبنائها؛ فمن حق هؤلاء الأبناء جميعًا أن يشاركوا في بناء أوطانهم، ومن حق هؤلاء الأبناء جميعًا أن يكون لهم وجودهم، ومواقعهم واحترامهم في هذه الأوطان، ومن حقهم جميعًا أن يحتكموا إلى قانون واحد هو قانون الوطن الحر السيد المستقل، والمواطن الكريم.. وشريعة واحدة هي شريعة الحق والعدل والحرية.

(3/5/2011)

 

 

الأحد، ١ أيار ٢٠١١

تحية إلى عمالنا في عيدهم...

متابعات

في ذكرى الأول من أيار

تحية إلى عمالنا في عيدهم...

    أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    يحتفل العالم اليوم بمناسبة الأول من أيار عيد العمال العالمي.. لقد تمكنت الحركة العمالية العالمية من تحقيق كثير من الإنجازات والمكاسب والحقوق للعمال في معظم أقطار العالم، حتى بات العمال في كثير من الأقطار قادرين على إسقاط الحكومات، وإعادة  تشكيلها من جديد بالطريقة التي تخدم أهداف الحركة العمالية، وتوفر العيش المحترم الذي يليق بالعامل ومكانته في المجتمعات.. بل لقد تمكن العمال في أكثر من بلد من الإمساك الفعلي بزمام الأمور في بلدانهم، وصعدوا بجدارة إلى سدة الحكم فيها من منطلق أن القطاع العمالي هو الأكبر حجماً، والأكثر أهمية، وهو عصب الإنتاج، فمن حقه بناءً على ذلك أن تكون له الكلمة الأولى في رسم السياسة العامة للبلد.

    وفي بلادنا يحتفل العمال اليوم بهذه المناسبة أيضًا، يحتفلون والغالبية العظمى منهم تفتقر إلى أبسط ضروريات العيش... أكثر من ثلاثمائة وثمانين ألفًا من عمال هذا الوطن يرزحون اليوم بين مطرقة الغلاء الفاحش، وسندان البطالة الرهيب حتى غدت غالبيتهم عاجزة عن توفير أبسط ضروريات الحياة لهذه الأفواه الكثيرة التي تنتظر عودة رب الأسرة، وقد شَخَصَ الصغار والكبار بأبصارهم نحو يديه ليروا ماذا أحضر لهم.. ويهدأ روع هذه النفوس الفزعة المستطارة عندما ترى الخبز.. وتنتكس هذه النفوس، ويتضاعف اضطرابها وحزنها وكمدها عندما يحضررب الأسرة دون أن يحضر معه الخبز على الأقل!!!

    ليس ما يُقال هنا من باب المبالغة والتهويل.. بل إننا نربأ بأنفسنا وبأقلامنا عن الدخول في التفصيلات الأليمة لحياة عشرات آلاف الأسر التي تحتفل احتفالاً حقيقيًّا عندما ترى الخبز ومعه شيء من الفلافل، وحبات من الموز أو التفاح!!.

   ويتساءل هؤلاء الناس في مرارة تمزق الأكباد: إلى متى ستستمر هذه الأوضاع؟ أليس لهذا الجوع من آخر؟ متى سنعيش مثل باقي مخلوقات الله على هذه الأرض؟ هل خلقنا فقط للجوع والمذلة والهوان والحرمان؟

    يقول العمال إنهم يبحثون عن العمل فلا يجدونه، ويبحثون عن محسنٍ، أو دائنٍ، أو مُرابٍ فتوصد في وجوههم الأبواب! ولا يجدون أمامهم إلا باب الصبر المشرع المفتوح على مصراعيه، لقد صبروا كثيرًا.. وطال صبر هذه الأمعاء الخاوية.. وأصابهم من سوء التغذية، وفقر الدم. والعلل، والأمراض ما أصابهم حتى باتوا لا يحتملون مزيدًا من هذا العذاب والقهر والحرمان... فإلى متى ستستمر معاناتهم؟ ومن المسئول حقيقة عن تردي أحوال هذه الشريحة الواسعة من شرائح مجتمعنا؟ وإلى من يتوجه هؤلاء الفقراء المسحوقون.. وماذا يفعلون للحصول على لقمة الخبز التي تقيم أودهم، وأود أبنائهم وبناتهم؟ ماذا يفعلون كي يوفروا الأقساط الجامعية لأبنائهم وبناتهم؟ إن أعدادًا كبيرة من الطلبة تضطر تحت وطأة العوز والفاقة إلى تأجيل كثير من  الفصول الدراسية خلال سنوات الدراسة إلى الحد الذي تتضاعف معه تلك السنوات.. وقد تتضاعف سنوات الدراسة بسبب تدني عدد الساعات المعتمدة إذ لا يقوى كثير من الطلبة على دفع أثمان العدد المناسب من الساعات، ويكتفون بأقل القليل بسبب أحوالهم المادية المتردية.. كما تضطر أعداد منهم إلى ترك الدراسة الجامعية نهائيًّا مع شديد الأسف.. وهكذا تتراكم المشكلات، وتزداد حدة الآلام، ويحاول الناس أن يضعوا حدًّا لمعاناتهم وآلامهم دون أن يجدوا إلى ذلك سبيلا... فإذا أضفنا إلى ذلك قضايا العلاج، وارتفاع أسعار الأدوية، والمبيت في المشافي الخاصة بعد الشلل الذي أصاب المشافي العامة.. وإذا أضفنا إلى هذا كله سائر تكاليف الحياة من مأكل وملبس ومسكن ومواصلات فإننا ندرك مقدار ما يعانيه الناس من مرارة العيش وهوانه في هذه الديار.

    إن الغالبية العظمى من الناس في هذه البلاد هم من العمال والفلاحين، وهما شريحتان مدمرتان منذ مدة طويلة.. وفئة الصناعيين تكاد تكون فئة منقرضة لأكثر من سبب: فقانون البلديات لا يسمح بإقامة المصانع داخل المدن لما ينطوي عليه ذلك من إضرار بالناس، ومساس بالصحة العامة، وأما خارج المدن فالوضع لا يسمح لنا بذلك حتى وإن توافرت الإمكانات مع شديد الأسف... وباستثناء  فئة الموظفين _على الرغم من عللها وتناقضاتها_ يكون قد قُضي قضاءً مبرمًا على سائر فئات الشعب، وقواه العاملة بدءًا بالفلاحين، ولا أقول انتهاءً بالحرفيين والتجار... وباختصار يمكن القول إن نحو أربعمائة ألف عامل من أصل مليون وخمسة وثلاثين ألفًا من العمال في هذه الديار يعيلون أكثر من مليوني إنسان يشكلون أكثر من نصف السكان يعانون من بطالة مطلقة أو مقنّعة، وهذا معناه أن يتنبه من يعنيهم الأمر إلى هذه الحقيقة، وأن يضعوا الحلول العاجلة لإنقاذ الموقف قبل فوات الأوان، وقبل أن نعض على أصابع الندم، ولات حين مندم... كما ينبغي أن يتنبه من يعنيهم الأمر إلى حقيقة ما يعانيه قطاع الفلاحين، وإلى المخاطر الحقيقية التي تتهدد هذا القطاع الذي لا يمكن أن تستقيم حياة الناس في هذه الديار بدونه... أما قطاع الموظفين فقد آن الأوان لإنصافه، وصرف مستحقاته ورواتبه كما يجب.. كما آن الأوان لإنصاف ذوي الرواتب المتدنية من عامليه ومتقاعديه... صحيح أن من يعنيهم الأمر لا يقصرون، وصحيح أنهم يقومون بالواجب بقدر المستطاع في هذه الفترة المصيريَّة من تاريخ هذا الشعب، وصحيح أن أحوال من يعنيهم الأمر هي  في غاية الصعوبة والتعقيد.. ولكن صحيح أيضًا أن ملايين الناس في هذه الديار تعيش أحوالاً اقتصادية واجتماعية ونفسية بالغة السوء لم يسبق لهم أن عاشوها من قبل.. ولا بد من فعل شيء لإنقاذهم.. لا بد من منقذ.. ومَن غير من يعنيهم الأمر في هذه الديار يُنقذ كل هؤلاء؟ وإلى من يلجأ الجياع والفقراء إن لم يلجأوا لمسئوليهم لإنقاذهم مما هم فيه من ضنك ومهانة وعذاب؟؟

    في هذا اليوم الأول من أيار لا بد من القول إن من حق الناس جميعًا في هذه الديار أن يعيشوا بكرامة واحترام، وفي هذا اليوم الذي تحتفل فيه الدنيا بالعمال لا بد من إنصاف العمال في هذه الديار، وفي غير هذه الديار.. لا بد من توفير احتياجاتهم، ولا بد من سن التشريعات التي تكفُل لهم ولأُسَرِهم، ولكافة العاطلين عن العمل عيشًا كريمًا، لا بد من الضمانات والتأمينات التي تصون كرامة المواطن وسلامة الوطن، وفي هذا اليوم الأول من أيار نؤكد على حق الناس جميعًا في هذا الكون بالعيش في أمن وهدوء وأمان بعيدًا عن كل أسباب القلق والخوف والتوتر، وبعيدًا عن أشكال الفقر والقهر والبِطالة والمذلة، وبعيدًا عن كل ألوان العدوان على الناس في أشغالهم وأرزاقهم ومستقبل أجيالهم وسلامة أبدانهم وعزة أوطانهم وسعادة إنسانهم، وحقه في التطور والتقدم والحياة الحرة الكريمة على أرض وطن حر عزيز كريم سيد مستقل بعيدًا عن طمع الطامعين وكيد الغزاة المستبدين الحاقدين.

 

    إن المجتمع الدولي الذي أوصل الفلسطينيين إلى ما هم فيه من كوارث ومصائب ونكبات مطالب بإنقاذهم مما هم فيه من أحوال يضيق لهولها صدر الحليم... المجتمع الدولي مطالب بإنقاذ الطفولة والأطفال من الجوع وفقر الدم والخوف المدمر الذي يسكنهم بفعل الاضطرابات وألوان الاعتداءات المتواصلة التي يتعرض لها الناس في هذه الديار... والمجتمع الدولي مطالب بوقف الإرهاب والعنف والعنف المضاد الذي يتهدد حياة الناس جميعًا وبدون أي استثناء في هذه المنطقة من العالم، وذلك بفرض الحل المنصف المقنع العادل الذي يضمن إحقاق الحقوق، ورفع الظلم والعدوان عن هذا الشعب العربي الفلسطيني الذي دُمّر كيانه، وتهدّم بنيانه، وانهارت أحواله الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية، وسحقت شرائح العمال والفلاحين والتجار والصناعيين من أبنائه... وتحية إلى عمالنا في عيدهم.. وكل عام وأنتم بخير.

 (1\5\2011)

السبت، ٣٠ نيسان ٢٠١١

متابعات

إنهاء الانقسام.. شأنٌ عربيٌّ فِلَسطينيٌّ داخليٌّ بامتياز!!

 

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

  ما إن وقَّعَ الفريقان الفلسطينيان المعنيان بالأحرفِ الأولى على اتفاقٍ ينهي انقسامًا عصفَ بالساحةِ الفِلَسطينية، وبعثرَ كثيرًا من جهود الفلسطينيين، وبدّدَ كثيرًا من قواهم وطاقاتهم وقدراتهم على مواجهة الصعاب، ومقارعة العقبات والمستجدات والتحديات، وناء بكلكلهِِ على كثير من أمانيِّ الفلسطينيين وآمالهم، وعمَّقَ الجراحَ في صدورِ أطفالهم وشبابهم وشيبهم، وكل أحرارهم وحرائرهم.. وما إن لاحت في الأفق الفلسطيني بوادرُ فرحة فلسطينية، وبشائرُ فرجِ وانفراجٍ في الليل الفلسطيني الطويل حتى راح كل أولاءِ وأولئك يلطمون الخدود، ويشقون الجيوب، ويتباكَونَ على الأمل المنشود، والسلام الموعود على كل"أرض اليهود" .. وكأن الخصومة بين هذين الفريقين قد أعطت أولاء وأولئك كل ما يصبون إليه، و:كأن هذا التوقيع بالأحرف الأولى بين هذين الفريقين قد سحب كل البُسُط من تحت كل الأقدام الطامعة في كل هذه الديار، وفي كل ديار العروبة والإسلام من نواكشوط ومليلة والقيروان إلى القدس ودمشق وبغداد وطهران وقندهار وطشقند، وإلى ما وراء أندونيسيا، وصولاً إلى الصين، ومرورًا بالاتحاد السوفيتي الذي كان وما هان.. وكأن هذا التوقيع بالأحرف الأولى قد أطار النوم من أجفان الحالمين بالسيطرة على كل هذه الملايين من الأميال، وعلى كل هذه المليارات من المخلوقات والسكان.. وكأن هذا التوقيع كان رسالة وصلَت إلى من يعنيهم الأمر، والرسالة _ كما يقولون_ تُفهَمُ من العنوان.. وكأن هذا التوقيع _يا قوم_ كان عودةً بهذه القضية، وأطرافِ هذه القضيةِ ووسطاء هذه القضية ووكلائها وكفلائها ورعاتها ومتعهديها ومقاوليها إلى المربع الأول، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا، وكأني بكل أولاء وأولئك الذين صعقهم هذا التوقيع يقولون: إذا كان هذا النفر من أهل هذه البلاد قد أعادنا _راغمين_ إلى المربع الأول بعد عقود من العمل والتخطيط والتفكير والتدبير والتدمير والتهجير، وإذا كنا حتى اليوم عاجزين تمامًا عن الفعل في نقطة الانطلاق، فمتى سنفعل فيما وراء هذه النقطة؟ وما الذي من الممكن أن نفعله في ملايين الأميال المربعة هذه، وبين هذه المليارات من المخلوقات والناس الذين لم ينظروا إلينا يومًا بارتياح؟ ومتى سنحقق أهدافنا وتطلعاتنا في حكم هذه الأمة العربية الإسلامية في هذا الوطن العربي الإسلامي الكبير الذي لا نكاد نمسك منه بطرفِ خيط حتى تُفلِتَ من أيدينا كثير من خيوطه التي ظننا أنها باتت في أيدينا خالصة لنا من دون الناس، والذي لا نكاد نرتاح من وعثاء السفر وعناء الطرق في واحة من واحاته حتى نكتشف أنها مجرد سراب خادع نحسبها ماءً وما هو كذلك؟؟

     من الطبيعي أن يحدث ما يحدث اليوم على هذا الجزء من أرض العرب، ومن الطبيعي أن يحدث كل هذا الذي يحدث على كل أرض العرب، ومن الطليعي أن ينفُضَ الناس عنهم كل غبار السنين، وكل مظاهر العجز والكسل والخضوع، ومن الطبيعي أن يحاسَبَ المهزومون المأزومون اليائسون الميئسون المحبِطون المحبَطون المتآمرون المستبدون، وأن يدفعوا ثمن مواقفهم وممارساتهم وإساءاتهم وتنكّرهم لإرادة شعوبهم، لأنه لا يصحُّ في النهاية إلا الصحيح، ولأنه إن طفح الكيل، ووصل السيل الزبى كان الطوفان، ولأنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، ولأن الشعوب إذا هبّت ستنتصر، ولأن للباطل جولةً ثم يضمحّل وينتحر، ولأن الحق أبلَج، ولأن الباطل لجلج، ولا بد للباطل أن يزول.

    وإن من الطبيعي أن يوقّعَ هذان الفريقان على ما وقَّعا عليه، وأن يُصار بعد ذلك إلى وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ، وأن تتحقق لهذا الشعب وحدته الوطنية، وأن تتحقق بعد ذلك كل أمانيهِ في الحرية والسيادة والعزة والكرامةِ على أرض وطنهِ بعيدًا عن تدخل المتدخلين، وتحكم المتحكمين، واستبداد المستبدين.. ولكن ليس من الطبيعي، بل إن من المخالف للطبيعةِ، ولكل قوانينها العادلة أن يغضبَ كل أولاء وأولئك، وأن يملأوا الأرضَ صراخًا ووعيدًا وتهديدًا وتباكيًا على السلام الذي قتلوه ثم قتلوه، وقتلوه، ثم صلبوه، وصلبوه، ثم مثّلوا بما تبقّى من جثته تمثيلاً.. إن من المخالف للطبيعة، ولكل قوانينها العادلة أن يبقى هذا الشعبُ شريدًا طريدًا ممزقًا هائمًا على وجههِ في كل شِعابِ هذا العالم، وفي كل أزقته وأفواهِ دروبهِ ومنعطفاته وثناياه، وإن من المخالف للطبيعة ولكل قوانينها العادلة أن يبقى من بقي من هذا الشعب على أرض وطنه خائفًا متوجّسًا مقهورًا مقموعًا محاصرًا جائعًا ممزّقًا غريب الوجه واليد واللسان.

    لقد جُنَّ جنون أولاء وأولئك من خطوةٍ خطاها شقيقان على درب الوفاق والاتفاق، وراحوا يُرغون ويزبدون ويتهددون ويتوعدون، وراحوا يحددون لنا ما نختار وما لا نختار، وما يجوز وما لا يجوز، وراحت تلك الراعية التي أحسنَ بها كثير من العرب الظن تهددُ هي الأخرى وتتوعد بقطع الأرزاق سبيلاً إلى قطع الأعناق، وبقطع الأعناق وسيلة لتشريد من تبقى من هذا الشعب على أرض وطنه، ووسيلة لإلغاء كافة حقوقه الثابتةِ والمتحرّكة في الوحدة والحرية والعزة والكرامة والاستقلال وتقرير المصير والعيش باحترام مثل كل الشعوب المحترمة في هذا الكون، وتفريغ هذه البلاد من أهلها كي تقَدَّمَ لقمةً سائغةً للغرباء في نهاية المطاف.

    إن إنهاء الانقسام بين الأشقاء الفلسطينيين على كل أرض فلسطين، وفي الشتات، وإن وحدة هذا الشعب العربي الفلسطيني هي شأنٌ داخليٌّ فلسطينيٌّ بامتياز، لا علاقة لأحد به، وليس من حق أحد أن يقف حجر عثرة في سبيله، وليس من حق أحد أن يتباكى على السلام، وعلى الأمن، والهدوء، والاستقرار، ومستقبل الأجيال في هذه المنطقة من العالم، في الوقت الذي نحمي فيه نحن العربَ الفلسطينيين سلامَ هذه المنطقة وأمنها وأمانها وهدوءها واستقرارها ومستقبل أجيالها، وفي الوقت الذي نحرص فيه كل الحرص على السلام في هذه الديار، وفي كل ديار العروبة، وفي الوقت الذي نحرص فيه على السَّلمِ والأمن الدوليين، وفي الوقت الذي نفتح فيه نحن العربَ الفلسطينيين صدورنا وقلوبنا لكل دعاة السلام وروّاده في هذا العالم.

   إن من المؤلم أن تمرَّ كل هذه السنوات الطوال والعقود التي تجرّعَ فيها العرب الفلسطينيون كؤوسَ الموت والمذلة والهوان، دون أن يلوح في الأفق ما يُبشّر بحلول هذا السلام الذي نرنو إليه، وتتوقُ نفوسنا شوقًا لحلوله في ديارنا.. فمن المسئول عن هذا؟ ومن هو المسئول حقيقةً عن غياب السلام العادل الشامل المتكافئ، والأمن والأمان والاستقرار عن ديار السلام، وعن هذه المنطقة من العالم؟؟

 

    تحيةً إلى مصرَ وهي ترفع الحصار عن قطاع غزة، وإن أول الغيث قطرةٌ ثم ينهمر، وتحيةً إلى شعبنا العربي الفلسطيني وهو يجني ثمار هذه الوحدة الوطنية التي عادت إلى ساحته من جديد.

 

30\4\2011

الثلاثاء، ٢٦ نيسان ٢٠١١

مقام النبي يوسف..!!

متابعات

مقام النبي يوسف..!!

أ.عدنان السمان

   www.samman.co.nr

   يقع مقام النبي يوسف في حيٍّ من أحياء مدينة نابلس مأهولٍ بالسكان العرب الفلسطينيين هم أهالي قرية بلاطة سابقًا _حي بلاطة البلد حاليًّا_ منذ توسّعتْ مدينة نابلس خلال العهد الأردني، وضمّت هذا الحي ليصبحَ أحدَ أحيائها القريبة بعد أن تجاوزه البنيان شرقًا منذ عشرات السنين، كما ضمّت قرية رفيديا التي أصبحت اليوم واحدًا من أرقى أحياء المدينة من الناحية الغربية، وكذلك فقد تجاوز البنيان هذا الحي إلى مسافات بعيدة في الاتجاه الغربي... وهذا المقام تحيط به ثلاث من أكبر مدارس المدينة، ويربو عدد طلبتها على ألفين من الطالبات والطلاب.. ثم إن هذا المقام يقع في موقع متوسط بين شارعي عمان والقدس، إضافة إلى الشارع الذي يمرّ بمحاذاته تمامًا، ويؤدي إلى مخيم بلاطة، والمنطقة الصناعية، وسوق الخضار المركزية، والمسلخ البلدي، وعشرات القرى الشرقية القريبة جدًّا من المدينة، وتعتبر من ضواحيها... ويتجه شمالاً حيث يلتقي شارع عمان المؤدي إلى أحياء سكنية كثيفة منها عراق التايه، ومخيم عسكر الجديد، وعسكر القديم، والمساكن الشعبية الشرقية... وباختصار شديد فإن هذا المقام يتحكم في أكثر مواقع المدينة أهمية وخطورةً وكثافة سكانية.. ونريد من هذا كله أن نقول: إن تردد عشرات الجنود والمستوطنين المتعصبين على هذا المكان، ووجودهم بداخله، وفي ساحاته، واحتفالاتهم وصلواتهم فيه بدعوى أنه مكان يهودي مقدس يعود للنبي يوسف الصديق، وإقامة مدرسة دينية في هذا المقام، وإصرار الإسرائيليين على اعتباره تراثًا يهوديًّا.. نقول: كل هذه أسبابٌ كافيةٌ لإثارة التوتر في المنطقة، فهؤلاء المتطرفون اليهود يقيمون احتفالاتهم التي قد تمتد إلى ساعات الصباح الأولى مسببين بذلك إزعاجًا لكل سكان هذه المناطق فضلاً عن المضايقات التي يسببونها للمواطنين، وهي مضايقات متعمدة، وتحديات ليس لها ما يسوغها كما يقول كل الناس، وكما يعرفون هم أنفسهم ذلك أيضًا.

     فلماذا يتواجد هؤلاء في هذا المكان إذن؟ هل يتواجدون فيه للعبادة؟ وهل العبادة تعني السيطرة العسكرية، والتعرض للآخرين، والإساءة إليهم، وإزعاجهم؟ ثم إن كل من يزور هذا المقام، بل إن كل من يعرف هذا المقام قبل أن يستولي عليه هؤلاء لا يشك لحظة في أنه مسجد إسلامي فيهِ محراب للصلاة.. وأنه إنما سمي باسم نبي الله يوسف تيمنًا بهذا النبي الذي يؤمن به المسلمون، وتكريمًا له على غرار المقامات الكثيرة المنتشرة في فلسطين والتي تحمل أسماء كثير من أنبياء الله، ولقد أفردَ القرآن الكريم سورة من سوره لهذا النبي الذي يحبه المسلمون، ويتعاطفون مع سيرته كل التعاطف، كما يحبون كل أنبياء الله دون استثناء.. ولكن هذا لا يعني أن سيدنا يوسف قد دُفن في هذا المكان على الإطلاق، ولا يعني أيضًا أنه دُفن في الحرم الإبراهيمي في الخليل، فالمعروف والمُتّفَق عليه لدى جميع أتباع الديانات أن يوسف الصديق قد عاش في مصر، ومات فيها أيضًا، وأنه قد دُفن في مياه النيل، وهذا معناه أن القبر الموجود داخل هذا المقام ليس قبر يوسف الصديق أبدًا، ثم إن البنّائين والمهندسين، وكل علماء الآثار يقولون إن عمرَ البناء (المقام) لا يتجاوز مئتي عام، لا ألفي عام كما يقول بعضهم.. من هذا كله، وكثير غيره نستخلص أنه لا علاقة لهم بهذا المكان أبدًا لا من قريب ولا من بعيد.

    لقد أخذ اليهود بالتردد على هذا المقام بعد حرب حزيران عام سبعة وستين، وذلك في المناسبات، والأعياد تحت الحراسة العسكرية، ومما تجدر الإشارة إليه أنهم كانوا يزورونه أيضًا قبل قيام الدولة العبرية عندما كان اليهود الفلسطينيون طائفةً لها حقوقها مثل كل الطوائف والأقليات.. نعم كان بعضهم يتردد على هذا المقام شأنه في ذلك شأن المسلمين من أهالي نابلس الذين كانوا يقصِدونه للاستجمام وللوفاء بالنذور، وللاحتفال بقصّ شعر صبيانهم أيضًا.. وبعد ذلك، وتحديدًا في عام (1976) ستة وسبعين وتسعمائة وألف أقام الإسرائيليون نقطة عسكرية تعمل ليلاً نهارًا على سطح هذا المقام، ثم أعلنوه في عام (1986) ستة وثمانين وتسعمائة وألف مدرسة دينية يهودية، وكانت سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي قد فصلت القيّم على هذا المقام في العام (1983) ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف، إذ كان السلطان عبد الحميد قد سلّم مفاتيح هذا المقام إلى عائلة الشيخ فيّاض عبد الله من قرية بلاطة، وأشرفت هذه العائلة الطيبة على هذا المقام تحرسهُ وتنظفهُ وترعاهُ طيلةَ خمسة وتسعين عامًا.. وفي عام (1990) تسعين وتسعمائة وألف أقاموا فيه نواةً استيطانيةً بتواجدٍ عسكريٍّ دائم، وفي العام (1991) الحادي والتسعين وتسعمائة وألف أغلقوا محرابَ هذا المسجد بالإسمنت المسلّح بهدف تغيير معالمه.. ثم كان ما كان من كبار الحوادث والأحداث بعد اتفاقات أوسلو.

  هذا هو مقام النبي يوسف، وهذه هي قصتهُ جَغرافيًّا وسكانيًّا وتاريخيًّا ودينيًّا، فلماذا كل هذه الضجة، ولماذا افتعال الأزمات والمشكلات، ولماذا كل هذه التجاوزات والاعتداءات والتعدّيات، ومداهمة الأحياء السكنية في منطقةٍ يقولون إنها للطرف الآخر؟

    يقول السكان في نابلس إن أشد ما نخشاه هو أن يخلقوا لنا وضعًا مماثلاً للوضع في الخليل استنادًا إلى هذه المعتقدات التي يتذرعون بها وصولاً إلى تنفيذ أهدافهم في تكريس احتلالهم، وتجذيرِ وجودهم غير المشروع على أرضِ هذا الوطن.