متابعات في البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين؟؟ أ.عدنان السمان هذه القضية الفلسطينية التي تعود بجذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر، وإلى ما قبل ذلك بكثير، إذا نحن ربطنا بين هذا التاريخ الذي يعود إلى أكثر من مئة عام بقليل، وبين تلك الحروب التي تكالبت فيها أوروبا على بلاد الشام ومصر، وعلى فلسطين قلب هذين القطرين، وعلى القدس قلب فلسطين.. هذه القضية الفلسطينية المزمنة المتجددة على مر العصور والدهور لا زالت الشغل الشاغل للسياسيين، والعسكريين، ورؤساء الدول، وقادة الفكر والرأي، وأصحاب الضمير الحيّ في هذا العالم... هذه القضية الفلسطينية التي ما زالت تبحث عن حل بعد الذي جرى في العام الثامن والأربعين من القرن الماضي، وبعد الذي تلا ذلك في العام السابع والستين، وبعد كل ما جرى بعد ذلك من حوادث وأحداث وتطورات ونكبات ظنها صانعوها حلولاً لهذه القضية،أو مفاتيح تؤدي بالضرورة والحتمية إلى هذه الحلول، وحسبها كثير من قصار النظر نهاية المطاف، وما هي كذلك، بل لقد ظلت هذه القضية قائمة في عز ظهيرة أعتى حوادثها وأحداثها، وظلت تفرض نفسها فرضًا، وتلقي بثقلها تحت وقع أشرس تطوراتها، وأبشع أهوالها ونكباتها... ولقد بقيت نارًا متأججة تحت الرماد في أسوأ أحوالها... نيران هذه القضية لم تنطفئ يومًا، وإن توهم كثير من الناس في هذا العالم خلاف ذلك. قالوا إن الشعب سينسى، وإن اللاجئ سيألف وطنه الجديد، وإن من يعرفون فلسطين من أبنائها سيموتون مع الزمن، ولن يبقى هنالك من يطالب بها، لأنه لن يكون هنالك من يذكرها، أو يعرفها من غالبية أبنائها الذين هجروها، أو هُجّروا منها.. وقالوا إن الزمن كفيل بحلّها، وإن المال كفيل بشراء الصمت، وكفيل بخلق البدائل، وكفيل أيضًا بفرض الحلول، وحسم الخلاف، وإنهاء هذه القضية، ودفنها حيّة أو ميتة!! راحوا يروّجون لأفكارهم، وراحوا ينفّّذون خططهم ومخططاتهم، وراحوا يسومون هذا الشعب سوء العذاب، وينكلون به أبشع تنكيل، ويعملون المستحيل من أجل تركيعه، وتيئيسه، وإحباطه، وتفريغه من مضامينه النضالية، وتحويله إلى أرقام لا وزن لها ولا قيمة... وراحوا يضعون الحلول وفق هواهم، ويفرضونها كما يشاءون ظنًّا منهم أنهم قد نجحوا في إخضاع الناس، وأنهم قد أوصلوهم إلى حافة اليأس والانهيار، وأنهم قد باتوا يسيطرون سيطرة كاملة على مصائرهم، وأن أحدًا لن يتكلم، ولن يمانع، أو يعارض، أو يعترض لسبب بسيط هو لأنه لا يمكن أن يغامر بطعامه وشرابه ودوائه، ولا يمكن أن يستمرئ العيش بدون كل هذه المكاسب والمكتسبات، وبدون كل هذه المزايا التي لم يحلم بها يومًا!! وأدركوا أن كل محاولاتهم قد باءت بالفشل، وأن تجارتهم قد باءت بالخسران، وأن كل جهودهم قد ذهبت أدراج الرياح... لقد أدركوا أن الشعب لا ينسى، وأن اللاجئ لم يألف وطنه الجديد، وأن من مات من أبناء هذه الأرض لم يمت قبل أن يزرع حب هذه الأرض وعشقها في قلوب الناس من حوله، ولم يمت قبل أن يطمئن على مصير أبناء هذه الأرض الذين راحوا يزدادون من فلسطين قربًا كلما أبعدتهم عنها الأيام، وأمعنت في تشريدهم الليالي والخطوب، إنه لم يمت قبل أن يكون ندًّا. كل أحلامهم وأوهامهم تبخرت وتلاشت، وكل بدائلهم التي صنعوها واصطنعوها لم تغن عنهم من الحق شيئًا، ولم تَثْبت في وجه الإرادة والعزم والإصرار، ولم تنجح في ثني أهل هذه الأرض عن أهدافهم وغاياتهم.. فما هي هذه البدائل التي أعدوها، وما هي أهداف أبناء هذه الأرض وغاياتهم؟ وماذا يريدون؟؟ الأساليب والخطط والمخططات والبدائل والسياسات التي اتبعوها مع أبناء هذه الأرض منذ مطلع القرن الماضي مرورًا بالنكبة، وبالسنوات العجاف التي تلتها، ومرورًا بالنكسة وبالمرارة القاتلة التي رافقتها وأعقبتها، وما تمخضت عنه من نتائج وآثار نعدّ منها ولا نعدّدها.. هذه الأساليب والخطط والمخططات والبدائل والسياسات أكثر من أن تُحصى، وإن كانت في مجملها ومؤداها ومضمونها تتمحور باختصار شديد حول إبعاد أبناء هذه الأرض عنها بشتى الوسائل ومختلف الأساليب حتى تصبح هذه الأرض خالصة لهم من دون الناس، وحتى يتخذوا منها منطلقاً للسيطرة على ما وراءها من أرض وبشر على امتداد هذين العالمين العربي والإسلامي اللذين يضمان أكثر من مليار ونصف المليار من البشر، وأكثر من خمسة وعشرين مليوناً من الكيلومترات المربعة!! الشعوب في هذين العالمين العربي والإسلامي يجب أن تظل شعوبًا مستهلِكة، ومجرد أفواه تأكل كل ما يصدّرونه إليها، لتظل تجارتهم رائجة، وأرباحهم وفيرة، ولتظل هذه الشعوب متخلفة يحكمونها كما يريدون، ويتحكمون بها كما يشاءون ويبتغون.. ولتظل ثروات هذه الأرض في هذين العالمين العربي والإسلامي ملكاً خالصاً لهم , ينفقون منه على مشاريعهم ,ومؤسساتهم, وبحوثهم، وأبحاثهم، وجامعاتهم، ومعاهدهم، وتطور شعوبهم على هذا الكوكب، وتطور مشاريعهم ووسائلهم لغزو الفضاء والكواكب الأخرى في هذا الكون الهائل الذي ما زال الإنسان يقف مشدوهًا أمام أسراره وعظمته، عاجزًا عن فهم هذه الأسرار في معظم الأحوال.. وينفقون منه أيضاً على هؤلاء الذين يحكمون الناس في هذين العالمين العربي والإسلامي لحساب أولئك الأسياد!! أبناء هذه الأرض إذن يجب أن يُبعَدوا عنها، ويجب أن يزدادوا منها بعدًا، وعنها غربةً بكل وسيلة ممكنة، ويجب أن تخضع أدق تفصيلات حياتهم، وأدق تفصيلات قضاياهم لسياسة المراحل التي تقوم لاحقتها على سابقتها وصولاً إلى الهدف الذي من الصعب أن نحدده، وإن كنا على يقين أنه يقف من أهدافنا ومصالحنا على طرفي نقيض، وأنه لا يكاد يعترف لنا من معاني الحياة ومضامينها إلا بما يُبقي علينا مجرد أدوات وأرقام في عجلة إنتاجه، وفي حواسيب صناعته وتجارته، وما يرتبط بكل هذا وبكثير غيره من بحوث وأبحاث وتجارب!! ولعل من أكثر هذه البدائل إثارة للاهتمام، وأشدها خطرًا على هذه القضية الفلسطينية، وعلى تطوراتها ومضاعفاتها وسلبياتها بديلٌ قديمٌ جديد تحدثت عنه وسائل الإعلام مؤخرًا يروّج لدولة فلسطينية في غزة، وجزء من شمال سيناء، وبعض مناطق الضفة الغربية، وتقول وسائل الإعلام الإسرائيلية إن هذا المشروع الذي أعده مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق قد عُرض في منتصف شهر كانون الثاني الماضي، وأُقرّ إلى جانب عدد آخر من المشروعات التي يُعدها واضعوها لتصفية هذه القضية الفلسطينية. هذه الدولة التي يتحدث عنها هذا البديل يقول فلاسفتها والمروجون لفكرتها إنها ستقام في قطاع غزة مضافًا إليه جزءٌ من شمال سيناء تبلغ مساحته سبعمائة وعشرين كيلومترًا مربعاً (720) وبهذا تصبح المساحة ألفًا وثمانين كيلومترًا مربعاً (1080) ثم إن هذا المشروع (البديل) يتحدث عن أنفاق ومكاسب لدول الجوار، وعن مطار وميناء لهذه الدولة الفلسطينية الذي يتحدث عنها، ولا ينسى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق صاحب هذه الأفكار أن يشير إلى إمكانية ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى تلك الدولة بعد أن يوضح أهمية هذه الضفة بالنسبة للإسرائيليين من النواحي الدينية والاقتصادية والديموغرافية والأمنية، وبعد أن يلمس القارئ بوضوح هذه النية لضم معظم أراضي الضفة الغربية إلى الدولة اليهودية التي يتحدثون عنها في مقابل الدولة الفلسطينية المقترحة ضمن هذا الحل القائم على فكرة "دولتين لشعبين" هذا الحل الذي بات يحظى بموافقة معظم الأطراف من الرسميين!! لقد نسي صاحب هذا المشروع، كما نسي من وافقوا عليه في "مركز بيغن- السادات للدراسات الاستراتيجية" أن مساحة هذه الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها في غزة وشمال سيناء (والتي ينتظر الشروع في تنفيذها معرفة من سيكون الرئيس المصري القادم بعد انتخابات الرئاسة المصرية المقبلة، هذا الرئيس الذي لا بد من موافقة البيت الأبيض عليه حتى يتمكن من الوصول إلى منصب الرئاسة بموجب اتفاقات كامب ديفيد!!) هي أقل من مساحة لواء غزة في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث كانت مساحة هذا اللواء آنذاك ألفًا ومئة وتسعين كيلومتراً مربعاً (1190) كما نسي صاحب هذا المشروع، ونسي من وافقوا عليه في ذلك المركز أن الفلسطينيين دون أدنى استثناء لا يوافقون على حل كهذا، وبإمكان كل من يعنيهم الأمر من عُربٍ ومن عجمٍ أن يلجأوا إلى استطلاعات الرأي النزيهة الموضوعية الصادقة حتى يتحققوا من صحة هذا القول، وبإمكان من يعنيهم الأم من عُربٍ وعجمٍ أيضاً (وكلمة العجم لغةً تقال لكل من هو غير عربي) أن يعودوا إلى تاريخ هذه القضية الفلسطينية ليروا بأم أعينهم كيف سقطت كافة المشاريع التي لم تضع في اعتبارها حقوق عرب فلسطين منذ بدء الصراع، وكيف فشلت كافة اللجان والوساطات والمحاولات والقرارات التي تجاهلت بصورة أو بأخرى حقوق عرب هذه الديار في بلادهم فلسطين. أما أهداف أبناء هذه الأرض وغاياتهم، وأما ما يريدونه، ويطالبون به علنًا وعلى رؤوس الأشهاد، فهو عودة سائر أبناء فلسطين إليها عملاً بالقرار (194) بما في ذلك سكان مخيمات الضفة الغربية، وقطاع غزة حتى لا يبقى لاجئ واحد بعيدًا عن بيته وأرضه ومسقط رأس جده الذي أُبعد عن بلده في العام الثامن والأربعين من القرن الماضي... وبدون عودة هؤلاء اللاجئين والمهجَّرين لا يعتقد المراقبون والمحللون السياسيون أن بإمكان أحد أن يدعي المقدرة على حل هذه القضية الفلسطينية، وعليه، فإن هؤلاء المراقبين والمحللين يَرَون ضرورة البدء بهذه المعضلة، لأنها جوهر هذه القضية، ولأن عودة هؤلاء اللاجئين والمهجَّرين إلى ديارهم التي أُخرجوا منها ليست بحاجة لأكثر من ساعات، لأن غالبية هؤلاء اللاجئين والمُهجَّرين تعيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأقطار الجوار في المخيمات ومساكن لا تبعد كثيرًا عن بيوتهم ومدنهم وقراهم التي هُجّروا منها، وربما تمكن كثير منهم من العودة إلى بيته وأرضه مشيًا على الأقدام!! وأما أهدافهم وغاياتهم في الأمن والأمان والتسامح والإخاء والسلام فهي أمور لا يشك أحد في صحتها ودقتها، على الرغم من الدعاية المغرضة التي صورت الفلسطيني على أنه إرهابي يهوى العنف وسفك الدماء، وعلى الرغم من كل ما أُثير حول الفلسطيني على امتداد العقود الماضية من إشاعات هو بريء منها. الفلسطيني محب للحياة والحق والحرية، وهو كريم شهم متسامح محبٌّ للآخرين، يحب وطنه، ويتشبث به، ولا ينساه، أو يتنازل عنه... وهذا هو تاريخه يشهد على ذلك، وها هو واقعه أيضًا، وبعد عقود من التشرد والشتات خير شاهد على صحة ما نقول. هذا الشعب العربي الفلسطيني يريد العيش في بلاده مثل كل الشعوب، ولا يفكر لحظة في إلحاق الأذى والضرر بغيره من الناس، ولا يسمح لأحد أن يُلحق به الأذى والضرر... إنه شعب حرٌّ حيٌّ يؤمن بحقه في العيش الآمن الكريم فوق تراب وطنه، ولا ينكر حق الشعوب الأخرى في العيش بأمن وأمان.. لا تَظلمون، ولا تُظلمون!! فعل يدرك أصحابُ البدائل الإقليمية، وأصحابُ المشاريع والأفكار الخرافية، والحلول الوهمية أنهم مخطئون؟ وهل يحسنون النوايا ليعيش جميع خلق الله في هذه الديار بمحبة وأمن وأمان وسلام؟؟ 11/2/2010 |
عزيزتي .. عزيزي
ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008
الخميس، ١١ شباط ٢٠١٠
الأحد، ٧ شباط ٢٠١٠
طُُبول الحرب .. وصيحات السلام في الشرق الأوسط
متابعات طُُبول الحرب .. وصيحات السلام في الشرق الأوسط أ.عدنان السمان المفاوضات دون شروط، أو اشتراطات، أو ضمانات، ودون مرجعيات، أو تعهدات، أو التزامات، قد تُستأنف خلال أيام بين الطرفين المتفاوضين الإسرائيلي والفلسطيني، بغضّ النظر عن النتائج، وبغض النظر عن الآليات والمستويات والتراجعات، وانخفاض سقف التوقعات، وبغض النظر عن طول زمن المفاوضات والمحادثات، وقضايا الإجراءات والرسميات والشكليات، والدخول في التفصيلات.. فالمهم أن تستأنف هذه المفاوضات.. والمهم أن تستمر أعمال البناء والتوسع والتعمير والتطوير في المستوطنات.. والمهم أيضًا مضاعفة أعمال الهدم والتخريب والمداهمات والمصادرات في القرى العربية، وفي كل المدن العربية في الضفة الغربية كما نسميها، وفي يهودا والسامرة كما يسمونها، وعلى رأس هذه القرى والمدن جميعًا زهرة المدائن.. مدينة القدس .. عاصمة الثقافة العربية، وعلى رأس هذه القرى والمدن أيضًا قرى القدس العربية، وبلداتها ومخيماتها.. والمهم كذلك مضاعفة أعمال الحفر والتنقيب من تحت الأقصى، ومن حوله، وعن يمينه، وشماله، ومن فوقه، ومن أسفل منه، حتى تبلغ القلوب الحناجر، وحتى تسقط القلوب، وتسقط الحناجر، ويسقط كل شيء..هنالك ابتُلي المؤمنون، وزُلزلوا زلزالاً شديدًا.. يومها يَعضّ الظالم على يديه، وعلى شفتيه... ويندم يومها الخاطئون المخطئون الخطّاءون، ولكن لات حين مندم. ولئن كانت المفاوضات دون شروط هي دينُهم ودَيْدنُهم، وهي ما تعلّموه من تجاربهم مع كثير من العرب، فإنهم يكررون هذا العرض المغري على السوريين في هضبة الجولان كي يستفيدوا من هذه الفرصة التي يعرضونها، والسخاء الذي يبذلونه، في محاولة منهم لتوحيد العمل على كل المسارات، ولحسم الأمر على كل الجبهات.. سلمًا أو حربًا.. طوعًا أو كرهًا.. فالحسم هو الحسم، والسلام الذي يصنعونه هو السلام!! لقد وقفوا يوم أمس يهددون السوريين ويتوعدونهم،وما زالوا يتهددون ويتوعدون.. وراحوا يُجرون المناورات لاحتلال أراض سورية جديدة.. وراحوا يكثّفون من طلعات طيرانهم فوق جنوب لبنان، ومن قصفهم للأنفاق في رفح، ومن تصعيدهم على كل أرض فلسطين، يريدون بذلك أن يقولوا للسوريين ما يلي: 1. عليكم الدخول في مفاوضات مباشرة معنا، تمامًا كما فعلت مصر. 2. إذا لم تفعلوا ذلك فإنكم ستخسرون أرضًا جديدة، وشتان ما بين مفاوضات ستعيد إليكم أرضًا , وحرب سوف تخسرون معها أرضاً جديدة . 3. عليكم أن ترفعوا أيديكم عن اللبنانيين والفلسطينيين، وأن تكفّوا عن تدخلاتكم في الشأنين اللبناني والفلسطيني كي تُحسم الأمور بالطريقة التي يرتضيها المجتمع الدَّولي، وترضى عنها كافة الأطراف أيضًا!! 4. يتوجب عليكم أن تضعوا حدًّا لعلاقتكم مع إيران، وأن تكّفوا عن تدخلكم في الشأن العراقي، فهذا ما تريده أمريكا، ودول الاتحاد الأوروبي. وبدون ذلك ستبقى سوريا إحدى دول الإرهاب في المنطقة، وستبقى إحدى دول محور الشر، وستبقى خاضعة للعقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتحدة الأمريكية. 5. أنتم تحرضون الأتراك العثمانيين ضدنا، وعليكم أن تكفّوا عن ذلك؛ فالرغبة في السلام تعني الكف عن التحريض. 6. عليكم أن تكفّوا عن التفكير بالسلاح النووي، وأن تكفّوا عن تطوير الأسلحة الكيماوية والجرثومية والصواريخ البالستيّة التي تهدد المدن والمستوطنات والتجمعات السكانية الإسرائيلية. 7. أنتم مدعوون للمساهمة في صنع ثقافة السلام، والكف عن نشر ثقافة الإرهاب والعدوان والتطرف والتعصب الديني والعرقي. ويوم أمس وقف السوريون يهاجمون السياسات الإسرائيلية العدوانية، ويحذرون الإسرائيليين من عواقب اختبار قوة سوريا، وإصرارها على نقل المعارك إلى داخل مدن الإسرائيليين عند ذلك..كما وقفوا يؤكدون على خطوطهم الحمراء في لبنان وفلسطين، موضحين على لسان وزير خارجيتهم أن حربًا قد تصيب جنوب لبنان أو قطاع غزة أو أي جزء من سوريا ستكون شاملة، ومن المستبعد أن يشهد جيلنا محادثات سلام بعد ذلك .. وهذه الرسائل السورية إلى الإسرائيليين تعني ما يلي: 1. على الإسرائيليين أن يخرجوا من كافة الأراضي العربية المحتلة دون قيد أو شرط. 2. وعليهم أن يكفّوا عن تهديداتهم لسوريا، وعن أحلامهم في المساس بنظام الحكم العربي فيها.. وعليهم أن يعلموا أن أي عدوان من جانبهم سيجر عليهم خسائر كبيرة قد تكلفهم وجودهم في هذه الديار بعد أن تنتقل الحرب إلى داخل مدنهم. 3. إسرائيل لا ترغب في السلام، وتدفع باتجاه الحرب. 4. الموقف السوري من كافة القضايا العربية المصيرية في كل بلاد العرب هو موقف ثابت لا يتغير، ولا سيما فيما يتعلق بلبنان وفلسطين. 5. السوريون يَرَون في مساندة الثوار العراقيين ضد الاحتلال الأمريكي واجبًا تفرضه العروبة، وتقتضيه أواصر الدم والقربى والتاريخ والجوار والمصلحة المشتركة والمصير الواحد، وهو أمر غير قابل للنقاش، أو المساومة، ولن يتوقف الا بتحرر العراق، وعودته قطرًا عربيًّا حرًّا كما كان. 6. علاقات سوريا العربية والإسلامية والدّولية تحددها سوريا، ولا تسمح لأحد أن يتدخل في تحديد هذه العلاقات، وهذا يعني ما يلي: 1. العلاقات السورية الإيرانية أمر يخص السوريين والإيرانيين فقط. 2. وكذلك العلاقات السورية التركية، والعلاقات التركية الإيرانية التي وصلت هذه الأيام حد التطابق. 3. إن هذا التحالف السوري التركي الإيراني ليس موجهًا ضد أحد، وهو قائم لمصلحة هذه الأقطار، وأمن شعوبها، وأمان هذه الشعوب وتقدمها. 4. إن سوريا التي وافقت على مبادرة السلام العربية، كما وافقت على خوض مفاوضات غير مباشرة مع الإسرائيليين برعاية تركية ترحب دائمًا بالسلام العادل الذي يعيد كافة الحقوق إلى أصحابها , ويؤسس لعيش كريم في هذه المنطقة من العالم. 5. إن لغة " الزعرنة " لا تخيف السوريين ، ولا يصح في النهاية إلا الصحيح. ويوم أمس أيضًا وقف الأمين العام للجامعة العربية منبهًا من خطورة الوضع ، ومؤكدًا على أن هذه المنطقة من العالم ستحترق إذا هي شهدت أعمالاً عسكرية .. وما من شك في أن هذه المنطقة ستحترق إذا أقدم أحد على توجيه ضربة للمفاعلات النووية الإيرانية ، فإيران تمتلك القدرة على الرد ، وهي قادرة على تدمير أهداف كثيرة في منطقة الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه قادرة على تدمير أهداف كثيرة في أوروبا ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ولا سيما بعد نجاح تجربتها الأخيرة التي وضعتها على بوابات الفضاء الخارجي، وأتاحت لها دخول عصر الفضاء من أوسع أبوابه ، ومكنتها من تطوير قوتها من الصواريخ عابرة القارات .. إيران التي ستطلق قمرها الصناعي ، وتدخل بذلك نادي الفضاء مستمرة في تخصيب اليورانيوم ، وتعلن موافقتها على تبادل كميات من اليورانيوم عالي التخصيب مع الدول الرائدة في هذا المجال ، وهي ماضية في سبيل تحديث الجمهورية الإسلامية بوضع الطاقة النووية في خدمة الأغراض السلمية موضع التنفيذ ، وهي ماضية أيضـًا . بخطًى حثيثة من أجل نشر الصواريخ الروسية المطورة من طراز (س300) حول مفاعلاتها النووية لحمايتها من أي عدوان محتمل. كثير من المراقبين والخبراء والمحللين السياسيين والعسكريين يستبعدون قيام الولايات المتحدة الأمريكية بأي عدوان عسكري على إيران ، ويعتقدون أن القوة الأمريكية التي وضعت في أربعة من بلدان الخليج إنما جاءت لطمأنة هذه البلدان، كما جاءت أيضـًا لتهدئة الإسرائيليين الذين تفتح أمامهم الولايات المتحدة ترسانتها العسكرية ، وتزودهم بأحدث المنظومات الدفاعية التي من شأنها توفير الحماية لأجوائهم. وكثير من هؤلاء المراقبين والخبراء يعتقدون أن الإيرانيين جادّون في الدفاع عن مشروعهم النووي ، وفي الدفاع عن حقهم في أن يكونوا دولة صناعية متطورة، وفي أن يكونوا الدولة الإسلامية الشرق أوسطية الأولى التي سيكون لها حضورها ، وستكون لها كلمتها عند الحديث عن الأوضاع في هذه المنطقة من العالم، وعند الحديث عن مستقبل هذه المنطقة . وفي الوقت نفسه فإن الإيرانيين يعتقدون أنهم أهل لهذه المكانة ، وأنهم أهل لهذا الدور الذي يرتأيه لهم ويرتضيه كثير من المراقبين والخبراء والمحللين العرب والغربيين، وكثير من المراقبين الشرقيين أيضـًا، وكثير من زعماء هذه المنطقة العربية الإسلامية ، وكثير من شعوبها وقادتها ومفكريها وأهل الرأي فيها. لقد حققت الجمهورية الإسلامية في إيران كثيرًا من الإنجازات على امتداد السنوات الثلاثين الماضية، أما علاقاتها مع سوريا ، ومع تركيا فهي العلاقات التي استمدت منها إيران هذه القوة المعنوية، وهذا الدعم الذي فتح أمامها آفاقــًا من الثقة والأمل ، وفضاءات واسعة من الثقة بالنفس، والاعتماد على الشركاء والحلفاء الاستراتيجيين... وفي الوقت نفسه فإن سوريا قد وجدت في إيران الإسلامية ضالتها المنشودة للخروج من عزلتها الخانقة ، بل من عزلاتها المتلاحقة ، ومن المخاطر التي أحاطت بها منذ حصولها على الاستقلال ... كما وجدت في تركيا بعد ذلك حليفـًا شريفـًا، وهكذا شكّلت هذه الأقطار الثلاثة مع حلفائها وأنصارها ومؤيديها في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها من أقطار العروبة قوة يُحسب حسابها .. يهابها الأعداء، ويعتمد عليها الأحبّاء والأصدقاء. أما الإسرائيليون فيعتقدون أن الإيرانيين يناصبونهم العداء، وهم يعتقدون أن المشروع النووي الإيراني ليس مخصّصـًا للأغراض السلمية ، وأن هدف إيران تصنيع القنابل والأسلحة النووية ، وأن إسرائيل هي المستهدفة... ويرى الإسرائيليون أن التحالف الإيراني السوري يشكّل خطرًا بالغـًا عليهم، وأنه هو الذي يغذي الحركات الإسلامية ، وحركات المقاومة في كل هذه الديار.. اليمين الإسرائيلي المتطرف يرى ضرورة توجيه الضربات الاستباقية لإيران وسوريا كلما كان ذلك ممكنـًا ، وتوجيه الضربات المؤلمة أيضـًا لأنصار إيران وسوريا أينما وُجدوا ، ويتـّبع هذا اليمين الإسرائيلي أسلوب التحريض المستمر ضد إيران وسوريا متبعـًا أسلوب تحييد تركيا بقدر المستطاع متخذًا من الجنرلات العلمانيين وسيلة ضغط على السياسيين الإسلاميين في أنقرة ، وفي الوقت نفسه فإن هذا اليمين يلجأ بين الحين والآخر لدق طبول الحرب في المنطقة بهدف إرباك قوى الممانعة والمقاومة، وبهدف إرباك سوريا، وإرباك لبنان، وإرباك غزة، وبهدف الضغط على سوريا للدخول في مفاوضات مباشرة مع هذا اليمين. أما اليسار الإسرائيلي فلا يذهب مذهب اليمين ، ولا يدق طبول الحرب مع المطبلين المزمرين.. بل إن هذا اليسار يتضامن مع الفلسطينيين ، ويطلق صيحات السلام في هذه الديار ، وينادي بضرورة أن تعود الحقوق إلى أصحابها ، وبضرورة أن يحصل العرب الفلسطينيون على حقوقهم, وبضرورة أن يعيشوا باحترام.. وين اليمين واليسار فئات ومستويات وطبقات لا يهمها سوى العيش بأمان , وبخلاف ذلك فإنها تغادر على أول طائرة أو باخرة . بين يمين إسرائيلي متطرف يريد لنفسه كل شيء , ولا يؤمن بحق عرب هذه الديار في العيش الآمن الكريم في بلادهم مثل كل الشعوب , وبين يسار إسرائيلي وفلسطينيين وعرب ومتضامنين أجانب يؤمنون بإمكانية التعايش والتفاهم بين الشعوب تبقى طبول الحرب وصيحات السلام جنبًا لجنب في هذه المنطقة من العالم .. ويبقى الحسم في المستقبل لإرادة الحق والعدل والمحبة والسلام . 7/2/2010 |
الاثنين، ١ شباط ٢٠١٠
الثوابت والمتغيرات .. في السياسات والعلاقات
متابعات الثوابت والمتغيرات .. في السياسات والعلاقات أ.عدنان السمان أن تكون دائمًا على حق و أن يكون غيرك دائمًا على باطل،وأن تكون مصيبًا في كل أقوالك وأفعالك وقراراتك أمر مبالغ فيه لايرتضيه لك المنصفون من الناس،ومسالة فيها أكثر من رأي ،وأكثر من وجهة نظر ،وقضية ليس لك فيها من مساند ومؤيد، أو مؤازر إلا أخو زاد ،وصاحب نؤي ، وجارُ رماد، وهؤلاء على الأرجح، وفي الغالب،ومن المرجَّح فئة من المستفيدين الذين لا يُعتمد عليهم في الملمات ،بل هم أول من ينقلب عليك ، إذا مالت الريح مالوا حيث تميل،إلا قليل منهم ممن ربطوا مصيرهم بمصيرك ، وكانوا شركاء لك منذ البداية في المهمات التي أخذتَ بها نفسك ، وهؤلاء لا يجلبون لك عند ذاك نفعًا،ولا يدفعون عنك ضَرًّا، لأن الحابل في الساحة قد اختلط بالنابل ،ولأن الحدود بينك وبينهم قد امَّحت منذ زمن ، ولأنهم معك في مواجهة الأمواج والأعاصير والتيارات العاتية. لقد قالوا قديمًا إن من أكل من زاد السلطان ضرب بسيفه،أو هكذا يفترض هؤلاء القائلون , وهكذا يتصورون،أو يتخيلون ؛فزاد السلطان الذي يتحدثون عنه لم يأت به هذا السلطان من عرق الجبين،ولأن مثل هذا الزاد في الأصل حقٌّ لكل الآكلين،ولأن مصدره ومنشأه بلاد العرب والمسلمين،ثم تضاعف هذا الزاد وزاد،وُوضع بين يديه،وصار وقفًا عليه،ليصبح منّةً ومنحةً ورشوةً تُقدم منه إلى أصحاب الحق الطبيعي فيه لقاء الموافقة على كل ما يقول،وعلى كل ما يفعل،ولقاء الإقرار ببصمة الإبهام وغير الإبهام،بأن أفكاره دائمًا نيرة،وبأن قراراته دائمًا حكيمةٌ صائبة،وبأن آراءه صحيحة،وكلماته صريحة،ومفرداته فصيحة فصيحة،فما المطلوب بعد هذا كله؟أليست مواقفه من الألف إلى الياء خيرًا عميمًا يصيب البلاد،ويغشى العباد؟فلا بأس أن يكون دائمًا على حق،ولا بأس أن يكون الفارس المغوار الذي لا يُشق له غبار،ولا بأس أن يكون أكثر من ذلك ما دام هناك أكَلة،وما دام هناك ما يأكلونه،وما دام هنالك من يرسلون القمح والشعير..وعندما تنقلب الحال،وتتغير الأحوال،وينضب معين الأموال يصبح هذا الحق باطلاً وأي باطل،وينبري هؤلاء،وأولئك لمهاجمته،وإلصاق أبشع الصفات به،واتهامه بارتكاب الكبائر،واقتراف الموبقات،واجتراح السيئات ما ظهر منها وما بطن،ولكن بعد فوات الأوان،وبعد أن شبع الناس موتًا،وتجرّع الأحرار كل كؤوس المهانة والمذلة والهوان،واستبيحت الحرمات،وارتُكبت المحرمات،ونُكل بالأحرار والحرائر والثوار،وكل عشاق الأرض والشمس والحرية،وعُلّقوا وصُلبوا في الساحات،وعلى أفواه الدروب والطرقات والمنعطفات. المسافة ليست واحدة بينك وبين أهدافك وغاياتك..قد تطول المسافات،وتبتعد الأهداف والغايات،وقد تنتفي الصلة بين الأسباب والمسبَّبات في غياب المسبِِّبات،وقد لا تنتفي بانتفائها الوسائل للوصول إليها،والالتفاف عليها،وقد تكثر البدائل لمحاصرتها ومباشرتها والنيل منها،وتحقيقها جهارًا نهارًا،طوعًا أو كرهًًا،وعلى رؤوس الأشهاد..وقد تقْصر المسافات،وتكثر المكتَسَبات في غياب ما يسمونه بالإنجازات..وهذا أمر مألوف ،وواقعٌ،مجرَّبٌ مُعاش معروف،ولكن المسافة قد تبدو واحدة في أعين محدودي التجارب والخبرات من اليافعين الأغرار،ومن ذوات الخدور، وربات الحجال والستور..هم يرونها واحدة في كل الاتجاهات،والهدف معلق متأرجح بين هذه الأرض وتلك السماوات..قد يبلغ فاك،ثم يمضي ليستقر عند قبة الفلك،ويمضي بعد ذلك مسرعًا متعامدًا مع الغيمة التي تظلك من وهج الشمس،ثم يهوي مثل نيزك..قد لا يجدي البحث الآن،أو فابحث إن شئت في كل آن،وفي شتى المسارات والاتجاهات،فقد تجمدت عند حدود الأفق كافة الأمنيات والتمنيات،وضج ّالكون،وغضب،وأرغى،ثم أزبد؛فكان المطر الأسود،وكان بعد ذلك الطوفان. الثوابت قد تتغير،وقد لا تتغير،المسألة أولأً ثقافة،وهي ثانيًا إمكانات وقدرات،وهي إلى جانب هذا وذاك متعلقة بطرف آخر،أو أطراف أُخرى ليس من السهل تجاوزها،وليس بالإمكان تجاهلها..قد لا يتخلى كثير من الناس عن ثوابتهم،وقد يتخلى كثير منهم عن درجة التشبث بها،والإصرار عليها،والمجاهرة بذلك علنًا،وعلى رؤوس الأشهاد؛فلقمة العيش لها أحكامها،وحبة الدواء لها مثل هذه الأحكام،ومثلها فرصة العمل،وكافة أوجه الحياة اليومية،يضاف إلى هذا كله أن الناس ليسوا سواء،وأن ما يقوى على فعله هذا الإنسان لا يقوى عليه ذاك..الناس ليسوا سواء في القدرات والطاقات والاستعدادات؛فمنهم الصَِّداميُّ،ومنهم المسالم،ومنهم المهادن أيضًا،ومنهم من ينقلب على عقبيه ملتمسًا العلل والمسوغات من تاريخ حافل بأصناف شتى من الناس،والمواقف،والأضداد،والتناقضات..على أن هذه الفئة الثانية المسالمة وإن كانت تشكل الغالبية أحيانًا في بعض الأزمنة والأمكنة ،وإن كانت الكثرة الكاثرة من الناس كما تشهد بذلك عهود الردة والتراجع والانكماش،إلا أنها لا تكون حاسمة في المواقف والقضايا المصيرية،وهذا أمر يعرفه جيدًا كل من يعنيهم الأمر من الباحثين والمستشرقين والمختصين برصد الأمم والشعوب:قوتها،وضعفها،وخصائصها النفسية،وتغيراتها الفكرية والثقافية والاجتماعية،وأحوالها ومتغيراتها ومتناقضاتها الداخلية،وعلاقاتها بغيرها من أقطار الجوار وغير الجوار في هذا الكون..هؤلاء الباحثون المختصون المستشرقون الذين يرصدون تطورات هذه الشعوب وأحوالها يعرفون حقيقة هذه الفئة،ويعرفون أنها-على الأرجح-خالية من المضمون،لا تقوى على الحسم وإن كثرت،ولكنهم يسرفون في استغلالها إعلاميًّا،ويبالغون في إظهار قوتها انتخابيًّا وديمقراطيًّا،ويضفون عليها طابع الشرعية،ولا يتعاملون إلا معها لتقويتها،وشد أزرها،ويقدمون لها كل أنواع الدعم والمؤازرة والمساندة،وبهذا يحققون أكثر من هدف،ويضمنون مزيدًا من الانقسامات والتصدعات في بنيان الأمة،وهذا في حد ذاته كفيل بوضع الحواجز والعوائق والعراقيل في وجه تحقيق ثوابتها،وكفيل بمضاعفة متغيراتها،وتشتيت هذه المتغيرات،وإرباكها،وعدم منحها الفرصة لالتقاط الأنفاس،وحرمانها مما يسمى في قاموس المواجهات والمعارك والحروب باستراحة المحارب. على أن المتشبثين بثوابتهم وثقافتهم لا يستسلمون بحسب قراءة التاريخ،واستقراء الواقع في كثير من الأقطار والأمصار في شرق الدنيا وغربها،وهم يعملون دائمًا لإحياء هذه الثوابت،وبثّها في نفوس الناشئة وقلوبهم،كما يعملون من أجل إنعاش هذه الثقافة التي تحمي هذه الثوابت،وتحافظ عليها،وتحميها من عاديات الزمن..إنهم يعملون بكل قوة من أجل تطوير مصادر قوتهم التي من شأنها أن تحصّن مواقعهم،وتحمي خطوطهم المتقدمة والخلفية،وعناصرهم العاملة خلف خطوط أعدائهم أيضًا..هم يعلمون أن المعارك التي يخوضونها قد تطول وتطول،وهم يعلمون أن خصومهم،وأعداءهم،والمتحالفين ضدهم،والمستسلمين المتخاذلين اللاهثين خلف السراب قد حققوا كثيرًا من الأهداف،ولكنهم لم يحققوا جميع هذه الأهداف،وعليه،فهم يعتقدون أن عليهم مضاعفة جهودهم لحرمان هؤلاء من تحقيق هدفهم الأكبر،وحرمانهم من تحقيق الانتصار من جهة،ولتحقيق مزيد من الانتصارات عليهم من جهة ثانية،وهذا لا يتأتى إلا بالصبر،والثبات،والتضحية،وتطوير مصادر القوة،وتعزيز التحالفات،وكسب المؤيدين والأنصار في كافة المواقع،وعلى كل جبهات القتال. 1/2/2010 |
الأربعاء، ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٠
العراق..هل يستعيدُ عافيتَه, ويسترجعُ مكانتَه؟
متابعات العراق..هل يستعيدُ عافيتَه, ويسترجعُ مكانتَه؟ أ.عدنان السمان شلالات الدماء,والتفجيرات,والموت الزؤام الذي يحصد أرواح العراقيات والعراقيين صباح مساء,والنيران التي تحرق أجسادهم,وبيوتهم,ومنشآتهم,ومزارعهم,وعيون أطفالهم ..وكل صور الشقاء والبؤس والتنكيل والتقتيل التي تعصف بالعراق العربي في بغداد والموصل والبصرة,وفي كل مدن العراق وقراه..وكل محاولات السيطرة على العراق,ونهب ثرواته وخيراته,وكل محاولات تمزيقه وتقسيمه وبناء الجدران بين مدنه,وبين الأحياء والحارات في المدينة الواحدة..وكل محاولات إقصاء أحرار العراق وحرائره عن المشاركة في تقرير مصيره,وإنقاذه مما هو فيه من فوضى وتخبط واضطراب ودمار وموت..كل شلالات الدماء,وكل صور الشقاء,وكل محاولات التمزيق والتقسيم والإقصاء يجب أن تتوقف في الحال,وكل محاولات السيطرة وتكريس الاحتلال والاستعباد والاستبداد يجب أن تتوقف هي الأخرى..يجب أن يرفع الغزاة أيديهم عن عراق العرب..يجب أن يعود الأمن والأمان والسلام والوئام والحب والبناء والإعمار والتقدم إلى أرض العراق العربي الواحد الموحد,وإلى شعب العراق العربيّ الأبيّ..أعمال السلب والنهب والعربدة وسفك الدماء يجب أن تتوقف..عمليات القتل,والترويع,والإعدام,والتخريب,والتهجير,والبلقنة, والقرصنة,والفساد يجب أن تنتهي..المعتدون يجب أن يغادروا أرض العراق العربي غير مأسوف عليهم,والمتواطئون يجب أن يكفّروا عن سيئاتهم,ويلتمسوا المغفرة من شعب العراق الصابر,والعراقيون الذين هاجروا أو هُجّروا أو أُرغموا على الهجرة يجب أن يعودوا إلى أرض الوطن,والكفاءات والمهارات والخبرات والأدمغة يجب أن تعمل من جديد من أجل بناء عراق العرب الواحد الموحد. العراقيون الذين أحبوا العراق,وأخلصوا إليه المودة,وتعلقت به قلوبهم وعقولهم,وعملوا من أجل عزته ونصرته واستقلاله وخلاصه من براثن الغزاة المعتدين..هؤلاء العراقيون الذين لم يتسرب الخوف إلى قلوبهم الكبيرة يومًا,ولم يتطرق اليأس إلى نفوسهم الأبية,ولم يهنوا,ولم تلن لهم قناة..هؤلاء العراقيون الأباة الذين بادلوا أرض العراق,وتاريخه,وحضاراته,وثقافته العربية الإسلامية الخالدة حبًّا بحب,واستمدوا الثبات والعزم و القوة والإصرار على التصدي وقبول التحدي حتى تحقيق النصر ,من بغداد التاريخ والأمجاد عاصمة الرشيد,ومن دمشق عاصمة الأمويين قلب العروبة, وظئر الإسلام.. هؤلاء العراقيون الأوفياء هم المنتصرون,وهم الذين سيعودون بالعراق إلى سابق عهده,وسيعودون بالعراقيين إلى تلك الأزمنة المشرقة من تاريخهم الحافل بالأمجاد والعز والفخار ,ومعهم ,وبهم,وبإصرارهم على التحرير,وتحقيق النصر الأخير في سلسلة الانتصارات التي حققوها على امتداد المعارك الدامية التي خاضوها..معهم,وبهم,وبتضحياتهم,وانتمائهم إلى أرض العراق ,وشعب العراق سيستعيد العراق العربي عافيته,وسيسترجع العراق العربي مكانته,وسيعود العراق العربي الماجد كما كان قلعةً من قلاع العروبة الشامخة,وحصنًا من حصونها المنيعة الممنّعة, وسيكتب التاريخ أن الغزاة الطامعين قد خرجوا من أرض العراق خائبين نادمين خاسرين يجررون ذيول الخيبة والهزيمة والمذلة..وسيكتب التاريخ أن شعب العراق العربي ,ومعه كل شرفاء العرب,وكل أحرارهم,ومجاهديهم,وكل أحرار العالم,وشرفائه قد انتصروا على ذلك العدوان,وقد لقّنوا الغزاة دروسًا من الصعب أن ينسَوها. لقد آن للغزاة الطغاة المعتدين أن يعلموا أن النصر في النهاية للشعوب,وأن الأمم إذا هبّت حطّمت السلاسل والقيود والأغلال,وأن كل أشكال العدوان والاحتلال إلى زوال,وأن تزوير الوثائق, وقلب الحقائق , وإشعال الحرائق ليست الوسيلة للتفاهم والمحبة والوئام ونشر السلام في هذا الكون..فهل يفهم الغزاة هذا؟وهل يعتبرون ويتّعظون؟وهل يكفّون عن أطماعهم واعتداءاتهم على الناس؟نرجو ذلك. 27/1/2010 |
الاثنين، ٢٥ كانون الثاني ٢٠١٠
رسالة استغاثة من قطاع غزة!!
متابعات رسالة استغاثة من قطاع غزة!!
أ.عدنان السمان تفيد الأخبار والتقارير والمعلومات الواردة من القطاع المحاصر أن الناس هناك يعيشون أوضاعًا في غاية الصعوبة,فقطاع غزة المحاصر منذ أعوام,وبعد تعرضه لعدوان عسكري شرس منذ أكثر من عام لازال مئات الألوف من مواطنيه يعيشون شتاءهم الثاني على أنقاض منازلهم,وفي خيام وأكواخ لا تحقق الحد الأدنى من ضروريات العيش ومستلزماته لساكنيها..مئات الألوف من مواطني القطاع يعيشون أيام الشتاء الثاني في هذه الخيام والأكواخ بعد أن هدمت الحرب بيوتهم,وخرّبت مزارعهم,وقتلت كثيرًا من أبنائهم وأنعامهم ومواشيهم..وأهالي القطاع يعيشون نقصًا متواصلاً متفاقمًا في الدواء والغذاء ومياه الشرب وكافة أنواع المحروقات ينعكس سلبًا على شتى مناحي حياتهم,ومختلف صورها وأشكالها..أهالي القطاع يعيشون اليوم أحوالاً وأوضاعًا في غاية السوء لم يسبق لهم أن عاشوها على امتداد تاريخهم الطويل..يعيشون الرعب والخوف والجوع والمرارة والحرمان والاضطراب والقلق والحصار والموت والدمار بكل أشكاله,ومختلف صوره..المشافي في قطاع غزة مضطربة متعثرة لا تكاد توفر الحد الأدنى من الخدمات الطبية لمواطني القطاع..والمدارس مكتظة بمن فيهامن الطلبة القلقين المضطربين الخائفين المرتجفين بردًا ورعبًا وتوجّسًا وتحسّبًا كلما هبت العواصف,وكلما تناهى إلى أبصارهم وميض البرق,وإلى أسماعهم قصف الرعود..والمصانع في القطاع الصابر لم تعد قائمة بعد أن دُمّر منها ما دُمر,وحرم منها ما حرم من الوقود الثقيل بعد أن أوقف الأوروبيون إدخاله إلى القطاع منذ نحو عامين..والسيول في القطاع تجرف البشر والحجر والشجر,وتقتل المواشي والأغنام,وتدمر في طريقها كل شيء,والأوبئة تهدد سكان القطاع ومواطنيه بالفناء,والحصار الجائر برًّا وبحرًا وجوًّا يضّيق عليهم الخناق,والفولاذي وهدم الأنفاق والتفنن في بناء الجدران يزيدهم فوق خوفهم خوفًا,وفوق جوعهم جوعًا,وفوق حصارهم وضيقهم حصارًا وضيقًا..والناس هناك يستغيثون ويصرخون ويستجيرون ويناشدون ويبكون..ولكن دون جدوى..دون جدوى!! لم يتقدم أحد حتى الآن لنصرتهم,ولم يبادر أحد لنجدتهم,ولم يتحرك أحد لرفع الظلم عنهم,والتخفيف من معاناتهم..وكأنهم ليسوا من هذه الأمة,وكأنهم ليسوا من هذا المجتمع الإنساني الذي يتشدق صباح مساء بالديمقراطيات والحريات,ويتبجح بالحضارة والتقدم وحقوق الإنسان في هذا الزمن الذي انتُهكت فيه كل الحقوق,وارتكبت فيه كل الكبائر والموبقات والمحرمات!! أهالي غزة يستغيثون,ويطالبون أمة العرب,وأمة الإسلام, والمجتمع الدولي,وأحرار العالم أن يطعموهم من جوع،وأن يبدلوا خوفهم أمنًا وسلامًا وسكينةً,وأن يبنوا لهم ما تهدم من بيوتهم,وأن يرفعوا عنهم هذا الحصار الظالم الغاشم الذي أتى على كل أوجه الحياة في القطاع الصابر!! أهالي غزة يناشدون أمة العرب أن تتحرك لإنقاذهم مما هم فيه,ويناشدون مصر الشقيقة أن تفتح معبر رفح دون قيد أو شرط كي يتمكنوا من استئناف الحياة مع أشقائهم,ومع الدنيا كلها من خلال هؤلاء الأشقاء,ويناشدون مصر الشقيقة أيضًا أن تعمل في الحال من أجل إدخال مواد البناء إلى هذا القطاع المنكوب كي يبني من جديد كل ما تهدم من بيوته ومؤسساته ومنشآته في تلك الحرب التي استهدفت الحياة في القطاع العربي الفلسطيني الصابر!! أهالي غزة يناشدون مصر العربية,وجامعة العرب,والجامعة الإسلامية,وكل أنصار العدل والحق والحرية,وكل الشرفاء الأحرار في هذا العالم أن يعملوا في الحال من أحل رفع الحصار,ومن أجل إعادة الحياة إلى هذا القطاع الحبيب,ومن أجل إعادة البسمة إلى شفاه الصغار والكبار في قطاع غزة..فهل يفعلون,وهل يستجيبون لمناشدات الغزيين واستغاثاتهم وطلباتهم؟نرجو ذلك 25/1/2010 |
الخميس، ٢١ كانون الثاني ٢٠١٠
في شرف الكلمة وطهرها وعفتها!!
متابعات في شرف الكلمة وطهرها وعفتها!! أ.عدنان السمان www.samman.co.nr إذا كان رأسمال الفتاة في كل ديار العروبة والإسلام، وفي كثيرٍ من أقطار هذا العالم أيضًا سمعتها، وإذا كان لها احترامها وحرمتها ومكانتها، فإن للكلمة ما للفتاة من سمعة، ومثل ما للفتاة من قيمة واحترام وحرمة، وإن لها طهرها وعفتها وسحرها وعبيرها الصادر عنها صدور الأريج عن الزهور، والشذى عن الورود، والموسيقى العذبة عن الطيور.. أما حين تزلّ بها القدم ، وتهوي إلى حمأة الرذيلة والفجور، فإنها تفقد كل سمات الجمال والرواء والبهاء , وتصبح عارًا على نفسها، وعبئًا على غيرها من أولي أمرها.. وهكذا الكلمة عندما تكون ترجمة أمينة للشعور بالمسئولية، وانعكاسًا عميقًا للقيام بالواجب، ووعاءً حاضنًا للأفكار والمبادئ والمعتقدات السامية، وبعد أن تفقد لهذا السبب أو ذاك عذريتها، تصبح هدفًا للذئاب والكلاب والذباب، هكذا الكلمة , وهذا ما يؤول إليه أمرها عندما يجرّدها هذا النفر أو ذاك من معانيها ومضامينها، ويفرغها مما وُضعت له أصلاً من نبيل الأهداف والغايات، ويبتذلها معتديًا على عذريتها، ويمتهنها متخذًا منها وسيلة لنفث سمومه، وبث أحقاده، ونشر حماقاته وهلوساته وأوهامه، في محاولات يائسة للانحراف بالأمة عن أهدافها وغاياتها ، وصرف الناشئة عن طموحاتها وأحلامها، والعبث بتاريخها وثقافتها وقيمها ومثالياتها، والتلاعب بشخصيتها سعيًا وراء تحطيم هذه الشخصية، وصولاً للعبث بالهوية، وما ينطوي عليه هذا من تزييف للتاريخ، وتزوير للجغرافيا، وتشويه للقيم،واستبدال للأفكار والمعتقدات والمبادئ والثوابت .. تحقيقًا لما يريده أولئك الأسياد الطامعون في تبعية هذه الأمة وولائها، واستكانتها لكل خططهم ومخططاتهم، واستسلامها لأهدافهم وغاياتهم بحد الحسام تارة، وبالغزو الثقافي والفكري تارات، بقصف الطائرات، وبالتفجيرات والإرهاب المنظم طورًا، وعن طريق الدعاة والسعاة المروجين لأفكارهم وثقافاتهم من أبناء الأمة طورًا آخر، لا بل أطوارًا أخرى!! وإذا كانت الأمم والشعوب ( في أدق معانيها,وأبهى صورها ومبانيها ) أفكارًا، ومبادئ ، ورسالاتٍ ،وثقافاتٍ، وحضاراتٍ، وممارسات، وأدبيات، وإذا كانت مواقف ، ومعارف، ومعتقدات ومعلومات، وقيادات للبشرية , وشموس َ هدًى وهداية ٍ للناس من كل لون وجنس ٍ , فإن وسيلتها في ذلك كله لغاتها: بها تعرض أفكارها، وعن طريقها تعلن مواقفها وأراءها، وتنشر أخبارها، وبوساطتها تستميل أصدقاءها، وتقوي بهم صِلاتها وعلاقاتها، وبها تحاور خصومها، وتجادل أعداءها وصولاً إلى كلمة سواء.. وإذا كانت للّغات كل هذه الآثار في التقريب بين الأمم والشعوب، وإذا كان لها كل هذه الآثار في بناء الحضارات، ونشوء الثقافات، وتعدد المذاهب والقناعات والتيارات، والفصل في المنازعات والخلافات ، وحسم الخصومات في الماضي الذي كان، فإن لها أضعاف أضعاف هذا كله في عصر ثورة المعلومات , وإن لها أضعاف أضعاف هذا وذلك في عصرنا عصر السرعة, والشبكة العنكبوتية، والصواريخ عابرة القارات والمحيطات ، وكل مظاهر هذا التقدم العلمي الهائل في كافة مجالات الحياة .. فمم تتكون اللغة، وكيف نستدل من لغة قوم على أخلاقياتهم، وعلى حقيقة أوضاعهم وأحوالهم ومكانتهم بين الأمم والشعوب؟؟ الحروف والكلمات والمفردات والجمل وأشباه الجمل هي مكونات اللغة , وحرص أبنائها عليها، وحبهم لها، وشعورهم بالانتماء إليها من شأنه أن يعلي شأنها،ومن شأنه أن يعزز مكانتها بين اللغات، ومن شأنه أن يرتقي بها في معارج التطور والتقدم والنهوض, كما أن إهمالها والتنكر لها وخذلانها من شأنه أن يفقرها، ويفقدها كثيرًا من خصائصها ومزاياها, فتغدو لغة هامشية عاجزة عن مواكبة روح العصر، وتلبية متطلبات البحث العلمي, والثورة الثقافية.. عاجزة عن الاستجابة للتحديات؛ فيصيبها الضعف والهزال، وتغزوها لغات الأرض في عقر دارها ، وينفضّ عنها أبناؤها إلى لغات أخرى يتعلمونها، وثقافات غريبة يغتذونها، وهكذا يفقدون خصائصهم، وكثيرًا من مصادر قوتهم , ومقومات شخصياتهم وهُويتهم الوطنية، وتهون عليهم نفوسهم، ومن هانت نفسه عليه فإنه لن يلقى لها أبد الدهر مكرمًا!!. لقد قيل قديمًا إن الشعر ديوان العرب، بمعنى أن أدق تفصيلات حياتهم قد صُوّرت في أشعارهم ، وبمعنى آن أدبيات الأمة تعكس تفصيلات حياتها في كافة المجالات، وهذا يعني أننا نستدل من لغات الشعوب على أخلاقياتها ، وعلى حقيقة أوضاعها وأحوالها،وعلى مكانتها بين الأمم والشعوب..إن لغات الأمم هي المقياس الحقيقي لنهضتها وتقدمها، وهي الشاهد على حقيقة أوضاعها.. الأمة الناهضة المتطورة تقف لغتها أو لغاتها شاهدًا على نهضتها وتطورها، والمتخلفون المتشرذمون المقتتلون تقف لغتهم شاهدًا على ما انحدروا إليه من قبح في القول، وفحش في الكلام ، وإسفاف في المفردات والصور والأفكار التي لا تدعو حالُ أصحابها إلا إلى الرثاء، ولطم الخدود، وشق الجيوب، ورحم الله أمير القوافي إذ يقول: وإذا أصيب القوم في أخلاقهم// فأقم عليهم مأتمًا وعويلاً! . إن إهانة اللغة، والتنكيل بها، والاعتداء على عفتها وطهرها وشرفها هو إهانة للإنسان ، واستخفاف بعقله وكرامته وقيمته، واستخفاف بكل قيمه ومثالياته وأخلاقياته ومبادئه وثوابته ومعتقداته، وهو اعتداء على مقدراته ومقدساته وحقوقه الثابتة والمتحركة المستجدة المتجددة في كل يوم، وفي كل ساعة، وهو عدوان وأي عدوان على ثقافته وعلى تاريخه، وعلى جغرافيته المحفورة في تلافيف دماغه، وأعماق أعماقه لا تستطيع كل قوى الطغيان في هذا الكون، ولن تستطيع بحالٍ أن تقترب منها، أو تنال من ألقها وتألقها وإشعاعاتها التي تنير الدروب والمسالك والمنعطفات لكل السائرين الباحثين عن الحقيقة من أبناء الحياة وعشاقها!!. إن الكلمة الأمينة الصادقة الواعية المسئولة هي وسيلتنا لبلورة خطاب عربي شامل عاقل يتجاوز الإقليمية, والعشيرية ,والقبلية , و الطائفية، والتبعية ,والامتيازات، والمكاسب ,والمكتسبات الشخصية الرخيصة، وكل الاجتهادات والحذلقات،لأنه لا اجتهاد في مورد النص.. خطاب واحد موحد يضع حدًّا للعابثين المزايدين المتلاعبين بمقدرات هذه الأمة المغامرين بشعوبها، المقامرين بقضاياها المصيرية وبتطورها، ورِفاء شعوبها، وحقها المطلق في السيادة , والحرية والتحرر , والتحرير, وتقرير المصير , وإحقاق الحقوق , وحقها المطلق في الوحدة، وبناء الدولة العربية الواحدة فوق كل الأرض العربية، ولو كره الكارهون . 22/1/2010 |
الثلاثاء، ١٩ كانون الثاني ٢٠١٠
شاعرة العراق نازك الملائكة تقضي نحبها في القاهرة ..
إعادة شاعرة العراق نازك الملائكة تقضي نحبها في القاهرة .. وتدفن فيها أ.عدنان السمان www.samman.co.nr نعت أخبار القاهرة يوم أمس الأربعاء 20/06/2007 الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة التي تقيم في القاهرة منذ سنوات... مشيرة إلى أن الراحلة الكبيرة ستدفن في هذا اليوم الخميس 21/06/2007 في مقبرة للعائلة غربي القاهرة. والراحلة الكبيرة هي الشاعرة العراقية الكبيرة نازك صادق الملائكة ، كان أبوها أديباً باحثاً شاعراً، وكانت أمها سلمى عبد الرزاق الملائكة أم نزار شاعرة، أما جدها الحاج جعفر الجلبي اللخمي المنذري فكان محباً للشعر، ويحفظ كثيراً منه، وأما جدتها لأمها هداية محمد حسن كبة، فكانت تنظم الشعر، كما كان الشيخ حسن كبة، (أبو جدتها) عالماً وشاعراً، أما خالها د. جميل الملائكة فمثقف ومحاضر، ويكبرها بسنة واحدة كما يقول. ولدت " نازك الملائكة " في بغداد سنة ثلاث وعشرين وتسعمئة وألف (1923) للميلاد.. التحقت بعد حصولها على الثانوية العامة بدار المعلمين في بغداد، وتخرجت فيها سنة أربع وأربعين وتسعمئة وألف (1944) ثم سافرت إلى الولايات المتحدة سنة خمسين وتسعمئة وألف (1950) لاستكمال دراستها هناك ... عملت أستاذة مساعدة في كلية التربية في جامعة البصرة. يقول خالها د. جميل الملائكة إنها قرأت ـ في مكتبة أبيها ـ بديعيات صفي الدين الحلّي، وعز الدين الموصلي، وابن حجة الحموي، وعائشة الباعونية، وعبد الغني النابلسي في كتابي نفحات الأزهار، وخزانة الأدب، وقرأت كشكول العاملي، ومستطرف الأبشيهي، والكامل للمبرّد، وأمالي القالي... وقرأت العروض أول ما قرأته في ميزان الذهب، وفي العقد الفريد... وكانت تعجب بالمعلقات، وشعر المتنبي، وابن الفارض، والبهاء زهير، وشوقي، ومحمود حسن اسماعيل، وعلي محمود طه، وإيليا أبي ماضي، ومن عاصرهم... وكانت تطرب لقراءة الجداول، والخمائل، ومجنون ليلى، وكليوباترا... وقرأت النظرات، والعبرات للمنفلوطي، وماجدولين، وروفائيل.. كما كانت تقرأ مسلسل قصص طرزان، وغيرها من القصص والروايات... وكانت تهتم لقراءة مجلتي الرسالة، والرواية، كما قرأت مجلات الإثنين، والصباح، واللطائف المصورة، وحتى الأدب العامي كان لها منه حظ كبير، فقرأت شعر الملاّ عبّود الكرخي، وحفظت كثيراً منه، وحفظت كثيراً من الأبيات الغنائية العامية التي تدعى "غزل البنات" . هذه هي ثقافة نازك الملائكة عندما كانت في سني الدراسة المتوسطة، وهذه هي الكتب التي قرأتها، كما قرأت كثيراً غيرها قبل أن تنهي دراستها الثانوية، فلا عجب إن كان لهذه الفتاة الجادة بعد ذلك كل هذا الحضور الفاعل في دنيا الشعر والأدب والنقد، ولا عجب أيضاً إن أصبحت هذه الشاعرة علماً من أعلام الحداثة، ورمزاً من رموز التجديد في الشعر العربي الحديث. أما شقيقتها الصغرى "إحسان" ( التي قدمت لديوانها "عاشقة الليل" وهي طالبة في المرحلة الثانوية ) فتقول فيها: لم أعرف قط من يشبهها، كانت، (وما تزال) نسيج وحدها، جمعت في شخصها بالإضافة إلى طبيعتها الجادة الرصينة، وخلقها المتماسك الرفيع، ذهناً وقاداً، وذاكرة خارقة، وخيالاً عميقاً، ولساناً فصيحاً. أما نفسها الكبيرة المترفعة عن الصغائر، فقد جلبت لها - وبخاصة في مطلع شبابها- ضروباً من الآلام عكستها بجلاء ووضوح قصائدها المبكرة في ديواني: " عاشقة الليل" و "شظايا ورماد" : أيّ معنى لطموحي ورجائي شهد الموت بضعفي البشريِّ مثلي العليا وحلمي وسمائي كلّها أوهام قلب شاعري هكذا قالوا فما معنى بقائي رحمةَ الأقدار بالقلب الشقي لا أريد العيش في وادي العبيدِ بين أموات وإن لم يُدفنوا جثث ترسِف في أسر القيودِ وتماثيل احتوتها الأعينُ أبداً أُسمعهم عذب نشيدي وهمُ نومٌ عميقٌ محزنُ قلبيَ الحر الذي لم يفهموه سوف يلقى في أغانيه العزاءَ لا يظنوا أنهم قد سحقوهُ فهو ما زال جمالاً ونقاءَ سوف تمضي في التسابيح سنوهُ وهمُ في الشر فجراً ومساءَ ربما لا يكون الثناء على شخص ما مستحباً إذا أتى من أقرب أقربائه، ومع هذا فإن كل من يعرف "نازك" معرفة حسنة، لن يجد في تلك الأوصاف غلوّاً، ولن يعدها من شطحات القلم، لا سيما أن هذه الخلال الجميلة لم تجلب لصاحبتها الهناء المتوقع، ولا سلام النفس المرجوّ، بل الأولى أن يُقال إنها كانت منبع معاناة دائمة لها. فمنذ ظهور الفن على وجه الأرض حمل الفنان على عاتقه وظيفة نقل مواجد النفس، وبثِّها عن وعي حيناً، وعن غير قصد أحياناً أخرى، هي الطبيعة التي صاغت الفنان هكذا، أي أن الأمر يعود إلى تركيبة دماغه ذاتها؛ فأمر نفسه في هذا الميدان ليس بيده، إنه مضطر أن يُظهر بواطن نفسه، ودواخل أحاسيسه، وبنات أفكاره إلى الخارج. والشاعر حين تتوارد الألفاظ المتشابكة بانفعالاته على ذهنه، يحتاج أن يسكبها على الورق، أو يتلوها على مسامع أي إنسان قريب، والموسيقيُّ حين تمور الأنغام في أذنه الداخلية لا بد له أن يعزفها على آلته، أو يسجلها في دفتر ملاحظاته، والرسام إذ تتراقص الألوان والكتل والخطوط أمام عينيه بحاجة شديدة إلى أن يحولها إلى رسوم وصور على القماش... فما هو موقع الشاعر العربي من هذه الحال؟ هل يُسمح له بالنطق عند لزوم الصمت؟ هل يتحمل أن يصمُت عند ضرورة الكلام؟ في هذا المقام يحال من شاء سماع الإجابة عن هذه الأسئلة إلى مصنّفات أدبنا التراثي لنبيّن له علوّ مكانة الشاعر لدى السلف، وانحدارها لدى الخلف، فهل تُلام نازك حين تنوح قائلة: قد وصفتُ الشقاء في شعريَ البا كي وصوّرتُ أنفس الأشقياءِ وشدوتُ الحياة لحناً كئيباً ليس في ليله شعاع ضياءِ فأثارت كآبتي عجب النّا س وحاروا في سرها المجهول ِ ما دَرَوا أنني أنوح على مأ ساتهم في ظلامها المسدولِ أنا أبكي لكل قلب حزينٍ بعثرتْ أغنياتِه الأقدارُ وأروّي بأدمعي كل غصنٍ ظامئ جفّ زهره المِعطارُ ومع كل القيود والسدود المضروبة حول المرأة العربية جسداً وروحاً، ومع أنها لا تكاد تملك من حرية الحركة غير حرية تحريك اللسان، فإن "نازك" الشاعرة هي غير تلك المرأة المكبلة بالقيود، لقد أصرت على أن تدخل عالم الفن من أوسع أبوابه رافضة الدور الأبله الذي أراده لها الآخرون، كما أبت أن تكتفي بوظيفة النائحة البكّاءة التي جسّدتها أشعار الخنساء ( لو كان ما تبقّى من آثار هذه الشاعرة يمثّل حقاً كل ما قالته من شعر ) وانحازت بعواطفها نحو آثار عظماء فناني العالم وأدبائه من الشرق والغرب دون تمييز، تبهرها أشعار امرئ القيس ، والمتنبي تماماً مثلما تحرك قلبها قصائد كيتس وشيللي، وتُشغف بمؤلفات النحو العربي القديم تماماً كما تتعشّق الموسيقى الكلاسيكية الغربية. لطالما كنت أراها تمضي الساعات الطوال غارقة في مؤلفات ابن هشام، والسيوطي، وابن جني وغيرهم تقرأ، وتلخص، وتشرح، وتعلّق، وفي ساعات أخرى أجدها تصغي بخشوع شديد إلى موسيقى تشايكوفسكي، وسيبيليوس، وبيتهوفن. وكم كانت أحاديث الشعر والموسيقى والرسم والغناء والفكر تأخذ من أيام والديها، وأشقائها نزار وعصام وسها، وإحسان بفضل حماستها هي لكل ميادين الثقافة والمعرفة والفن . كان أولئك العظام من ممثلي الثقافة والأدب والفن مناراً يزيح دياجي الظلمة المحدقة بالإنسان العربي المعاصر، وبوساطته حافظت نازك على شعلة النار ملتهبة في روحها دون أن يخمدها جليد الحياة الهامدة البليدة التي تحياها الإناث بشكل خاص في عالمنا العربي: أنا لا أحبك واعظاً بل شاعراً قلق النشيدْ تشدو ولو عطشانَ دا مي الحلق محترقَ الوريدْ إني أحبك صرخة الـ إعصار في الأفق المديدْ وفماً تصبّاه اللهيـ بُ فبات يحتقر الجليدْ أين التحرقُ والحنينْ أنا لا أطيق الراكدين مما جاء في مقدمة ديوانها " شظايا ورماد " الصادر عام تسعة وأربعين وتسعمئة وألف: " والذي أعتقده أن الشعر العربي يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقي من الأساليب القديمة شيئاً، وأن هذا الانقلاب الشامل سيصيب الأساليب والأوزان والقوافي والألفاظ، وسيتجه إلى داخل النفس الإنسانية بعد أن كانت التجارب الشعرية في الماضي تحوم حولها من بعيد" لقد دعت الشاعرة الناقدة ( التي جمعت في نقدها بين نقد النقاد، ونقد الممارسين ) إلى رفض القوالب الجامدة لأن " اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية" كما يقول برناردشو.. هذا التطور جاء نتيجة طبيعية لاطلاعنا على الآداب الغربية، وتأثرنا بثقافة الغرب، وفنونه، وفلسفته العامة في الحياة.. كما جاء استجابة لأحداث الحياة ، فكان لا بد من التجديد .. وكان لا بد من ميلاد الشعر الحر تحديداً.. لقد دعت الشاعرة إلى الثورة على الأوزان والقافية الموحدة، منادية بقصيدة الشعر الحر التي تعتمد على نظام التفعيلة، والبيت ذي الشطر الواحد، أو السطر الواحد – على الأصح – تقول نازك: " ما زلنا نلهث في قصائدنا، ونجرّ عواطفنا المقيّدة بسلاسل الأوزان القديمة" وتقول في أوزان الفراهيدي وبحوره: " ألم تصدأ لطول ما لامستها الأقلام والشفاه منذ سنين وسنين؟ ألم تألفها أسماعنا، وترددْها شفاهنا، وتعلُكْها أقلامنا حتى مجّتها"؟ على أن هذا الرفض لعروض الخليل لا يعني أبداً أن الشاعرة كانت ترفض موسيقى الشعر؛ فالموسيقى عنصر هام في بناء القصيدة.. على أننا لم نجد لدى الشاعرة تصوراً وفهماً لموسيقى الشعر بوصفها كلا عضوياً متكاملاً ، وظلت مفاهيمها تنحصر في وظيفة الوزن والقافية والألفاظ، ليس إلا كما يقول فاضل ثامر الذي عاد ليقول: إن قراءة منصفة لجهود الشاعرة نازك الملائكة ستجعلنا ندرك بوضوح أن جوهر مشروعها الشعري والتنظيري كان ينصبّ على تقديم نموذج شعري عربي حداثي يتخذ من قصيدة الشعر الحر إطاراً له، ويطمح إلى تأسيس شعرية عربية حداثية بديلة بعد أن استنفدت الشعرية العربية الكلاسيكية أهدافها في عصرنا الحديث، ولا شك في أن نازك الملائكة بالذات، وبفضل قدرتها التنظيرية لعبت بين زملائها الرواد، دوراً متميزاً وبارزاً، جعلها بحق محط اهتمام جميع المبدعين والباحثين والنقاد العرب وتقديرهم... إنني لا أشك لحظة في صدق هذا القول، وفي صحته على أن لا يغيب عن بالنا لحظة ذلك التطور الهائل الذي شهده الشعر العربي على امتداد مسيرته الطويلة، وذاك التجديد المستمر المتواصل سواء كان ذلك في الشكل ، أو في المضمون ، أو فيهما كليهما، كما نرى في الموشحات وغير الموشحات في مغرب العالم العربي، وفي مشرقه أيضاً.. وعلى أن لا يغيب عن بالنا أيضاً أن ما جاءت به شاعرتنا الكبيرة وغيرها من الشعراء الرواد في العراق، وفي مصر، وفي بلاد الشام، وفي سائر أقطار العروبة، وفي المهجر كان امتداداً طبيعياً لحركة التجديد المستمرة في الشعر العربي.. كما كان تعبيراً عن التغيرات، وامتزاج الثقافات ، وصراع الحضارات، وكبار الحوادث والأحداث في الحياة العربية. تقول نازك الملائكة في مقدمة " شظايا ورماد" : نحن بين اثنين: إما أن نتعلم أحدث النظريات في الفلسفة والفن، وعلم النفس، ونتأثر بها ونطبقها، أو لا نتعلمها إطلاقاً". إن هذه الشاعرة التي أجادت الانجليزية، والفرنسية ، والألمانية، واللاتينية، وربما الفارسية بالإضافة إلى العربية كانت أكثر رواد الحداثة الشعرية من العراقيين اطلاعاً على الثقافة العربية قديمها وحديثها، وعلى الثقافات العالمية بعامة، والغربية منها بخاصة... ولكن موقفها من تلك الثقافات كان نابعاً من " الموقف العربي من هذه الثقافة الأجنبية التي وفدت إلينا، وجرفت حياتنا كلها". وإذا كان الشاعر الإنجليزي الكساندر بوب (1688-1744) يحدد تاريخ قوله الشعر بقوله : في المهد كنتُ وقبل أن أتكلما شعراً لثِغتُ وكان غيري أبكما فإن " نازك" لم تلثِغ شعراً وهي في مهدها، بل كانت تستمع إلى (هدهدات) أمها الشاعرة أم نزار، و(تنويماتها) التي كانت أكثر عدداً، وربما أحلى نغماً من أغنية نازك الوحيدة لبرّاق الحلو اللثغة: " أغنية لطفلي" التي كتبتها الشاعرة عام ثلاثة وستين، وهي إحدى قصائد ديوانها " شجرة القمر" الصادر عام ثمانية وستين وتسعمئة وألف. أما رسالتها إلى الشاعر العربي الناشئ، ووصاياها ونصائحها إليه كما يقول الأستاذ الدكتور سلمان الواسطي فإنها في حقيقة الأمر ما كانت الشاعرة قد ألزمت نفسها به، ومنها دراسة العروض، واللغة العربية، والشعر، والأدب.... لقد تميزت هذه الشاعرة الرومانسية الكبيرة باطلاعها الواسع على الآداب العالمية بعامة، وعلى أدب طاغور ، وعمر الخيام، وإيليا أبي ماضي، وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ومحمود حسن اسماعيل، وعلي محمود طه، وأحمد فتحي، وتوماس غراي، وبايرون، وكيتس، وإدجار ألن بو بخاصة.. وإذا أردنا تحديداً أدق – كما يقول الدكتور الواسطي – فإن أصداء صوتي المهجري إيليا أبي ماضي، والإنجليزي توماس غراي هي أبرز الأصداء التي تتردد في " مأساة الحياة" وديوان "عاشقة الليل". ومن المعروف أن في طلاسم أبي ماضي أصداء كثيرة من شعر عمر الخيّام، ومن فلسفة : " اقبض على اليوم" أو " اغتنم فرصة اليوم" التي أشاعها الشاعر اللاتيني "هوراس" خلال القرن الأول قبل الميلاد... وعليه فالخيام ، وإيليا أبو ماضي، وتوماس غراي كانوا وراء " مأساة الحياة"، ووراء كثير من قصائد " عاشقة الليل". قصيدة " الغروب" من ديوان " عاشقة الليل" مثلاً تتردد فيها أصوات: "غراي" في مرثيته، وعلي محمود طه في " سارية الفجر" ، وأحمد فتحي في "الكرنك": هبط الليل وما زال مكاني عند شط النهر في الصمت العميقِ شردت روحي وغابت عن عياني صور الحاضر والماضي السحيقِ وامّحى في خاطري ذكر الزمانِ وأنا في ظلمة الليل الصديقِ مطلع " سارية الفجر" لعلي محمود طه، والحديث عن امرأة: عبرت بي في صباحٍ باكرِ فتنةُ العين وشغل الخاطرِ وهذا مطلع " الكرنك" لأحمد فتحي ، والحديث فيه عن حلم: حُلُمٌ لاح لعين الساهرِ وتهادى في خيالٍ عابرِ وهفا بين سكون الخاطرِ يصل الماضي بيمن الحاضرِ وهذا مطلع " الغروب " لنازك، والحديث فيه عن طير: وبعيداً في الفضاءِ المدلهمِّ خفقة من جنح طيرٍ عابرِ فاجأته ظلمة الليل المـلـمِّ وجبال من سحاب ماطـرِ فسرى بين دياجير وغيـمِ كخيالٍ في فؤاد الشاعـرِ لحظةٌ ثم توارى في الخضمِّ بين أمواج الظلام الغامرِ ومن اللافت للنظر أن القصائد الثلاث من بحر واحد هو الرمل.. ورويٍّ واحد هو حرف الراء... ويضيف الواسطي أن " نازك الملائكة" ظلت متمسكة بالوزن الشعري، وقوانين العروض في كل قصائدها سواء كانت من قصائد الشطرين التقليدية، أو قصائد التفعيلة التي كانت هي أول من أحسن إعطاءها الحياة. لقد كانت قصيدة " الكوليرا" أولى قصائد الشعر العربي الجديد الذي اصطلح على تسميته بشعر التفعيلة... ولقد كتبت" نازك" هذه القصيدة ضحى يوم الثلاثاء 27/10/1947، ونشرت في مجلة العروبة البيروتية في 1/12/1947، وعلقت عليها المجلة في العدد نفسه، متعاطفة مع الشعب المصري الذي فتكت به الكوليرا آنذاك: سكن الليل أصغ إلى وقع صدى الأناتْ في عنق الظلمة، تحت الصمت، على الأمواتْ صرخاتٌ تعلو ، تضطربُ حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ يتعثر فيه صدى الآهاتْ في كل فؤادٍ غليانُ في الكوخ الساكنِ أحزانُ في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظلماتْ في كل مكانٍ ييكي صوتْ هذا ما قد مزّقه الموتْ يا حزنَ النيل الصارخ مما فعل الموتْ طلع الفجرْ أصغ إلى وقع خطى الماشين في صمتِ الفجرْ، أَصِخْ، انظرْ ركبَ الباكينْ عشرةُ أمواتٍ، عشرونا لا تُحصِ أصخْ للباكينا اسمعْ صوت الطفل المسكينْ موتى، موتى، ضاع العددُ موتى، موتى، لم يبقَ غدُ في كل مكان جسدٌ يندبه محزون لا لحظة إخلادٍ لا صمتْ هذا ما فعلتْ كف الموتْ الموتُ الموتُ الموتْ تشكو البشرية مما يرتكب الموتْ. هذه القصيدة إذن لنازك هي أولى قصائد الشعر الحر، أو شعر التفعيلة كما تقول الشاعرة، وكما تقرر في كتابها النقدي "قضايا الشعر المعاصر" على أن الشاعرة قد تراجعت لاحقاً عن هذا السبق عندما قالت إنها فوجئت بعدد من القصائد الحرة منشورة في بعض المجلات والكتب العربية منذ عام اثنين وثلاثين وتسعمئة وألف. وإذا كانت " نازك" قد كتبت قصيدتها " الكوليرا" في 27/10/1947 ونشرتها في 1/12/47 فإن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب قد أصدر ديوانه " أزهار ذابلة" في بغداد في النصف الثاني من شهر كانون الأول، وفي هذا الديوان قصيدة " هل كان حبَّا" ومنها: هل يكون الحبُّ أنّي بتُّ عبداً للتمني أم هو الحبُّ اطّراحُ الأمنياتْ والتقاءُ الثغر بالثغر ونسيان الحياةْ واختفاءُ العين في العين انتشاءْ كانثيال عاد يَفنى في هديرْ أو كظلٍّ في غديرْ ومن هنا نتبين أن " نازك" والسيّاب كليهما يُعتبران من رواد التجديد في الشعر العربي الحديث، وأنهما من فرسان شعر التفعيلة ، وإن كانت المرحومة "نازك" أسبق ولو بفترة زمنية لا تكاد تذكر من المرحوم بدر شاكر السياب في هذا المضمار. وإذا كان ديوان " عاشقة الليل" لنازك قد صدر عام 1947 فإن ديوانها الثاني " شظايا ورماد" قد صدر في صيف عام 1949، وفي آذار عام 1650 صدر في بيروت ديوان " ملائكة وشياطين " لشاعر عراقي جديد هو عبد الوهاب البياتي وفيه قصائد حرة الوزن، وفي صيف 1950 صدر لشاذل طاقة " المساء الأخير"، وفي أيلول 1950 صدر ديوان " أساطير" للسياب.. وتتالت بعد ذلك الدواوين ، وراحت دعوة الشعر الحر تتخذ مظهراً أقوى حتى راح بعض الشعراء يهجرون أسلوب الشطرين ليستعملوا الأسلوب الجديد. ولعل من الضروري هنا أن نشير إلى أن "نازك" قد تراجعت عن أفكارها التجديدية في الشكل، ودعت إلى العودة إلى أوزان الخليل الفراهيدي. لقد كثر الشعراء " المجددون " وظهر منهم في مصر صلاح عبد الصبور ، وأحمد عبد المعطي حجازي، وفي سوريا ولبنان نزار قباني وأدونيس وخليل حاوي، وفي السودان محي الدين فارس ومحمد الفيتوري.. وفدوى طوقان في فلسطين بالإضافة إلى محمود درويش وسميح القاسم وكثير غيرهما. هذه هي الشاعرة العراقية الكبيرة الراحلة نازك الملائكة، هذه هي الشاعرة التي تعددت فيها الأقوال والآراء، وثارت حولها ضجة أدبية استمرت عشرات السنين ، ولا تزال هذه الضجة مستمرة.. هذه هي الشاعرة الناقدة المجددة صاحبة ديوان "عاشقة الليل" الذي طبع في العام سبعة وأربعين وتسعمئة وألف، وقدمت له شقيقتها الصغرى إحسان، وكانت آنذاك طالبة في المرحلة الثانوية.. وديوان " شظايا ورماد" الذي صدر عام تسعة وأربعين من القرن الماضي، وقدمت له الشاعرة نفسها .. " وقرارة الموجة " الذي صدر عام سبعة وخمسين .. و " شجرة القمر " الصادر عام ثمانية وستين.. ومأساة الحياة وأغنية للإنسان عام سبعين .. و" يغيّر ألوانه البحر" عام سبعة وسبعين.. و" للصلاة والثورة" عام ثمانية وسبعين ، و"الأعمال الكاملة" مجلدان / طبع عدة طبعات. يضاف إلى هذه الدواوين كتاب " قضايا الشعر المعاصر" الذي صدر عام اثنين وستين، وقدم له زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة .. وهو تنظير نقدي لحركة الشعر الحر. وكتاب التجزيئية في المجتمع العربي الصادر عام أربعة وسبعين.. وكتاب "الصومعة والشرفة الحمراء" الذي صدر عام خمسة وستين ، وهو دراسة نقدية في شعر علي محمود طه.. وكتاب " سايكولوجية الشعر" الذي صدر عام ثلاثة وتسعين ( أي بعد أن أمضت الشاعرة الناقدة نازك الملائكة من عمرها سبعين عاماً) وهو مجموعة مقالات. رحم الله شاعرتنا الكبيرة..وعوض أدبنا العربي بفقدها اليوم خير العوض. (الخميس 21/06/2007) |