عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


السبت، ٢١ شباط ٢٠٠٩

متابعات

في ذكرى الوحدة.. هل يتوحد الفلسطينيون

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

    في مثل هذا اليوم الثاني والعشرين من شهرنا هذا شباط ( فبراير) من العام ثمانية وخمسين وتسعمائة وألف أعلن القطران العربيان السوري والمصري قيام الجمهورية العربية المتحدة على أرض القطرين، وفي مثل هذا اليوم خرج العرب في كافة أقطارهم فرحين محتفلين بقيام هذه الوحدة مطالبين بانضمام أقطارهم إليها لتشمل دولة الوحدة كل هذه الأقطار العربية، ولتقوم دولة الوحدة العربية الكبرى على كل أرض العرب من محيطهم إلى خليجهم، وفي مثل هذا اليوم خرج ملايين العمال في هذا الوطن العربي الكبير، وهم يهتفون لقيام هذه الوحدة بين الإقليمين الشمالي والجنوبي، مطالبين بانضمام العرب كل العرب إلى هذه الدولة الوليدة، ومطالبين العمال العرب في كافة الموانئ البحرية والجوية، وفي كافة مواقع العمل البري على كل الأرض العربية، أن يكونوا الطلائع التي تبني بسواعدها القوية دولة الوحدة على كل أرض العرب، وفي مثل هذا اليوم خرج الفلاحون على امتداد الوطن العربي الكبير فرحين مهللين مبتهجين بالوحدة، مقبلين على زراعة الأرض الطيبة وإصلاحها واستصلاحها ليأكل العرب كل العرب مما يزرعون، ومما تنبته أرضهم.. خرجوا وهم يهتفون لهذا التلاحم العضوي الأبدي بين كل عمال هذا الوطن، وكل فلّاحيه من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه، وفي مثل هذا اليوم خرجت جموع الطلبة تردد نشيدًا واحدًا مجلجلًا يشق أجواز الفضاء، وتطلق شعارًا واحدًا، ونداءً واحدًا موحَّدًا تأييدًا للوحدة العربية، وتأييدًا للدولة العربية، وتأييدًا لقائد هذه الأمة، ورائد هذه الوحدة، ومفجّر هذه الثورة العربية التي إنما قامت للتحرير والتطوير والتعمير، وباعث أمجاد العرب في العصر الحديث جمال عبد الناصر، وفي مثل هذا اليوم خرج المقاتلون العرب من ثكناتهم ومعسكراتهم، وهو يهتفون للوحدة، ويهتفون للقوة، ويهتفون للعزة نشيدًا لازالت أصداؤه ترنّ في آذانهم منذ حرب السويس، ومعارك بور سعيد بين مقاتلي مصر وجيوش ذلك العدوان الثلاثي على مصر.. نشيدًا ردده مع أبناء مصر ومقاتليها وقواتها المسلحة كل أبناء العروبة من محيطهم إلى خليجهم:

" الله اكبر فوق كيد المعتدي / الله للمظلوم خير مؤيّدِ / يا هذه الدنيا أطلّي واسمعي / جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي / بالحق سوف أهزه وبمدفعي/ وإذا فنيتُ فسوف أفنيه معي / قولوا معي، قولوا معي / الله فوق المعتدي" ...

    نعم .. لقد كانت الأمة العربية حتى عهد قريب أمة واحدة موحَّدة الأهداف والغايات والمشاعر والأهواء والأحاسيس .. أمة شعارها:" نصادق من يصادقنا، ونعادي من يعادينا" أمة تقول بملء فيها:" أرض العرب للعرب" أمة أسقطت الأحلاف العسكرية الأجنبية، ورفضت التبعية والخضوع للأجنبي، وخاضت من أجل حريتها واستقلالها وكرامتها وسيادتها على أرضها كثيرًا من المعارك والحروب... كانت هذه الأمة حتى عهد قريب أمة واحدة رغم الحدود، ورغم السدود ، ورغم تعدد الأنظمة، ورغم ولاء كثير منها للأجنبي...

    كنتَ تشعر أن العربي في أقصى المغرب هو العربي في أقصى المشرق، وأنه في المَوصل وحلب وطرابلس الشام والقدس هو نفسه في صعيد مصر، وفي تونس، وجنوب السودان... هذه الأمة العربية لم تعد اليوم كما كانت .. إن كثيرًا من أبنائها إقليميون، وإن كثيرًا من أبنائها فئويون طائفيون مذهبيون يركضون وراء مصالحهم الشخصية، ويرتبطون بشكل أو بآخر بجهات غريبة، وثقافات غريبة، ومفاهيم غريبة، وأفكار غريبة يوهمون أنفسهم بأنهم يؤمنون بها؛ فلا يزدادون من أمتهم وثقافتها وأهدافها وقضاياها إلا بعدًا.. يرّوجون لكل غريب مستهجَن، ويناصرون كل دخيل مستقبَح.. هم ضد أمتهم في خندق أعدائها.. غاية ما يعنيهم مصالحهم ومتعهم وشهواتهم.. لا يفكرون إلا بأرصدتهم، وتلك لعمري قاصمة الظهر، وبداية مرحلة لا تبشر بأدنى خير.

    وفي هذا اليوم الذي لا زال فيه كثير من أبناء هذه الأمة يقفون خاشعين في محراب الوحدة، ويصلّون من أجلها، ويترحمون على قادتها ورموزها ومفكّريها وشهدائها الأبرار.. وفي هذا اليوم الذي يرفع فيه كثير من مثقفي هذه الأمة وإعلامييها وأحرارها لواء الوحدة العربية الكبرى، ويغنّون لهذه الوحدة، ويهتفون لها نجد شعبنا ـ وا أسفاه ـ غارقًا في انقسماته، تحيط به المخاطر من كل جانب، يلتقي عليه الخصوم من كل حدب وصوب، يوشك أن يتخطفه الناس، يعيش أطفاله ونساؤه وشيوخه ومرضاه في العراء حياة الجوع والخوف والتمزق والضَّياع، يوشك الجدار أن يبتلع ما تبقى من أرض الآباء والأجداد، ويوشك القوم الآخرون أن يستكملوا حلقات البناء على هذا الجزء من أرضهم الموعودة – كما يقولون- ولا شيء من هذا كله، وكثير غيره بقادر على أن ينهي خلافات هذا الشعب، وأن يضع حدًّا لانقساماته وتنابذه وتخاصمه واحترابه أيضًا !!

    لقد قرر الأشقاء الكرام منذ مدة أن يستأنفوا حوارهم بهدف التوصل إلى الوحدة الوطنية المنشودة في هذا اليوم الثاني والعشرين من هذا الشهر، ولست أدري يقينًا إن كانوا يعلمون أنهم قرروا الاجتماع في يوم تاريخي عظيم أُعلنت فيه الوحدة السورية المصرية، وأُعلن فيه قيام الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي والجنوبي، ولست أدري يقينًا إن كانوا يعلمون حقيقةَ مشاعر هذه الأمة، وحقيقةَ تحفّزها للوحدة، وتعلّقها بها، وإيمانها المطلق الراسخ بها منطلَقًا للنصر والعزة والتحرير والتطوير والبناء الوحدوي الشامخ على كل أرض العرب !!!

    لقد قرر الأخوة من أبناء هذا الشعب وقيادييه أن يجتمعوا في هذا اليوم، كما اجتمعوا من قبل على امتداد الشهور الطويلة الماضية، بل على امتداد السنوات الطوال الماضية، وكما كان سابقوهم يجتمعون منذ البدايات الأولى لنشأة القضية الفلسطينية دون أن تسفر تلك الاجتماعات عن شيء، ودون أن يحققوا لهذا الشعب شيئًا من طموحاته وأهدافه وتطلعاته...

    كان من المفترض أن يجتمعوا اليوم في ذكرى الوحدة،  وكان من المفترض أن تحفزهم هذه الذكرى لتحقيق وحدة هذا الشعب الصابر المرابط منطَلقًا لتحقيق أهدافه وتطلعاته في الوحدة والحرية والتحرر والتحرير، ومنطلَقًا لوضع ثوابت هذا الشعب العربي الفلسطيني موضع التنفيذ، ولكنهم آثروا تأجيل اجتماعاتهم هذه، أو أُرغموا على ذلك.. وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم!!

22/2/2009

    


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

19.  وقاحة         

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

وقاحــــة

 

    قال: لقد رأيته بعينيَّ هاتين وهو يقوم بفعلته في تمام الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الأحد...

    قلت: وهل رآه أحد غيرك؟

    قال: عشرة شهود عدول من ذوي السيرة الطيبة، والسلوك الحسن، إنهم جميعًا في تلك الحافلة الصغيرة ينتظرون إشارة مني للحضور، والإدلاء بشهاداتهم.

    قلت: ولكن هذا الذي تتهمونه معروف بالاستقامة، وحسن السيرة والسلوك أيضًا. فماذا تقول؟

    قال: أبدًا يا صديقي.. لقد خدعك مظهره.. نحن الذين نعرفه، وملفّه الأسود في جيبي.. لقد وقع في شر أفعاله، ولن يفلت من العقاب في هذه المرة. سيكون عبرة لكل أمثاله من المعتدين.

    قلت: أتعرفه أنت؟ وهل أنت واثق من كل ما تقول؟

    قال: كل المعرفة، وكل الثقة.. وليس بيني وبينه أي خلاف شخصي.. ولكنها الغيرة على سلامة الوطن والمواطن، والرغبة الصادقة في خلاص المجتمع من هؤلاء المعتدين. ولكن قل لي لماذا تدافع عنه هكذا؟

    قلت: لأنه مسافر.. وكان ساعة وقوع الجريمة التي تتحدث عنها يكلمني من إسبانيا طالبًا تمديد إجازته بضعة أيام.

   قال – بدون خجل -: ربما.

    ثم أشاح بوجهه، وأدار ظهره، وانصرف!

 

(1995)


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

18.  صبراً..         

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

صــــــبرًا ..

 

    قال: أنا من ضّيع بالأوهام عمره.. نسي التاريخ أو أنسي ذكره.

    قلت: أنا من أحرق "بالزعتر" صدره.. نسي الفرّوج أو أنسي ذكره.

    قال: يا رجل.. اليوم عيد.. والناس يذبحون الخراف، ويستمتعون بلحومها اللذيذة.. وأنت تندب حظك، وتشكو من إحراق "الزعتر" صدرك، وتبكي على دجاجة؟!

    قلت: لقد أحرق "الزعتر" صدري منذ أمد بعيد قبل أن تصدر التشريعات الحديثة بمنع تداوله والتعامل به، وتحريم النظر إليه تحريم النظر إلى العورة في الأزمنة الماضية.

    قال: واليوم؟

    قلت: إنه في علب "العرائس"، ووصفات الأطباء... تمامًا كعيون النرجس التي لم نرها في منابتها منذ سنين طويلة! وعلى أية حال فقد شبعنا من " زعتر" جبالنا حتى أحرقنا به صدورنا قبل صدور هذه التشريعات، وقدوم هذه الشرائع.

    قال: والدجاجة؟

    قلت: ليس لنا بها حاجة.

    قال: لم؟

    قلت: هي من حق الديك، حيث تعيش  معه اليوم في مزارع "نموذجية"، وأقفاص حديديَّةٍ حفاظًا على سلامة البيئة.

    قال: لم أفهم.

    قلت: أشبهت حالك حالي....

    قال: أتعني أن الدجاج أصبح يعيش حياةً...

    قلت: كحياتنا تمامًا.. وهذا يعني وحدة التجربة.. والمصير المشترك والخندق الواحد.. حيث تقضي التجارب أن نمدّ جسومنا.....

    قال: مالنا وللجسور الآن؟ فتّش عن جسور الثقة.

    قلت: فتّشت عنها يا ولدي في كل مكان....

    قال: هل أنت نباتي؟

    قلت: ربّما.

    قال: كيف جيوبك؟

    قلت: الأنفية؟

    قال: جيوب ملابسك يا محترم.

    قلت: أسمالنا يا محترم بلا جيوب.. أنظر.

    قال: إذن هي فلسفة طارئة لا أكثر، وستزول بزوال أسبابها.

    قلت: والفلسفة في أبسط أشكالها هي النظرة إلى الأمور بعمق.

    قال: والعيد؟

    قلت: عيد الميّتين؟

    قال: أيوجد غيرهم؟

    قلت: الوالغون في دماء الخراف ولحومها.. والنّاهشون لحوم الدجاج القاضمون عظامها.

    قال: وإلى متى؟

    قلت: الصبر طيّب يا صاحبي.

 

(1996)


الأربعاء، ١٨ شباط ٢٠٠٩

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

17.  أبو احمد...         

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

أبو أحمد...

 

    بعد أن عضه الجوع، وعض زوجته وأبناءه، وبعد أن أيقن أن بقاءه في المخيم لن يعود عليه برغيف واحد من الخبز، وبعد أن حفيت قدماه وأقدام أولاده سعيًا وراء تصاريح العمل دون جدوى قرر أبو أحمد أن يعود إلى مسقط رأسه في المثلث مصطحبًا معه كل أبنائه للعمل هناك طيلة شهر رمضان، فهو بذلك يسدد جانبًا من الديون، ويوفر لبناته وأمهنّ في المخيم نفقات الشهر المبارك، كما يوفر لأسرته كلها مصروف العيد السعيد.

    لم يكن أمام "أبو أحمد" خيار آخر رغم معرفته بمخاطر هذا القرار، ورغم كل تجاربه السابقة في هذا المجال.. ولكنها ظروف الحياة الصعبة، والديون التي تتراكم على رأسه منذ أكثر من عام، واليأس القاتل الذي بدأ يغزو قلوب أبنائه الشباب وعقولهم ونفوسهم، والغلاء، ورمضان، والعيد.. كل هذه العوامل والأسباب دفعته دفعًا لتنفيذ قراره... وهناك في منطقة المثلث لم يجد أبو أحمد أدنى صعوبة في الحصول على العمل.. فأراضي عائلته التي تشكل مساحات شاسعة من مجمل مساحة المثلث الشمالي ما زالت أرضًا زراعية، وهي قادرة على استيعاب مئات العمال الزراعيين، ثم إن "صاحب العمل" يفضّل العمال المحليين على الوافدين: فهم من جهة أقدر على العمل، والتفاهم مع الأرض والمزروعات، ومن جهة ثانية فإن أجورهم – مهما ارتفعت – تظل أقل بكثير من أجور أولئك الغرباء الوافدين.

    عمل أبو أحمد بكل الجد جنبًا إلى جنب مع أولاده الستة في تلك المزارع.. أما ساعات الليل فكانوا يقضونها في زاوية صغيرة من حظيرة كبيرة للمواشي يمتلكها أيضًا "صاحب العمل".. وكان أبو أحمد يرسل إبراهيم (أصغر أبنائه الذين يرافقونه) خلسةً بين الحين والآخر إلى قريب لهم من سكان القرية القريبة من المزارع التي يعملون فيها، فيستلف شيئًا من مال يتدبرون به أمر فطورهم وسحورهم... ولبثوا على هذه الحال حتى السابع والعشرين من رمضان.. عندما فوجئوا "بصاحب العمل" في الصباح الباكر، وهو يتفقد المواشي في الحظيرة، ثم يتوجه إليهم طالبًا منهم مغادرة المكان فورًا، وإلاّ فإنه سيوجّه إليهم تهمة سرقة المواشي من الحظيرة...

    تقدم منه أبو أحمد محاولاً أن يقول شيئًا، ولكن "صاحب العمل" منعه من الحديث وهو يشير إلى هاتف محمول في يده ويقول: إنكم تعلمون جيِّدًا ما سيحل بكم بعد دقائق إن أنا استعملت هذا الجهاز، ووجهت إليكم تهمة سرقة المواشي... اذهبوا بسرعة من هنا.. أنا لا أحب الإساءة إلى أحد، فلا تضطروني لاتخاذ إجراءات لا أرغب فيها بحقكم.. يكفي أنني سأتنازل عن حقي في توجيه التهمة إليكم إذا انصرفتم من هنا خلال ثلاث دقائق، وبعدها أنتم المسئولون عما سيحدث... ولما حاول أبو أحمد أن يقول شيئًا من جديد قاطعه "صاحب العمل" قائلاً: أنا أعرف يا حبيبي ما تريد قوله.. إنك رجل محترم لم تسرق المواشي، وقد عملت في مزارعي هذه أنت وأبناؤك شهرًا كاملاً، ولم تأخذوا أجرتكم، وتريد أن تقول إنك مدين هنا لأحد الساكنين على أرضي هذه، كما أنك مدين هناك في المخيم، وتريد أن تقول إنك بحاجة ماسة إلى شيء من المال.. فالعيد على الأبواب... إنني أعرف كل ما تريد أن تقوله، وإنني أشعر معكم، وأريد أن أساعدكم، فأنا أحب "المساعدات"!! ولكن ماذا أستطيع أن أفعل ما دام القانون ضدكم في هذه القضية؟ أنا لا أخالف القانون، لقد قلت لكم أن تغادروا المكان، وهذه هي "المساعدات" الوحيدة التي أقدّمها لكم، فأنا – كما قلت – لا أحب إلحاق الضرر بأحد.

    وعاد أبو أحمد إلى المخيم ومعه أبناؤه ليستأنفوا رحلة القهر والعذاب والجوع من جديد.

 

(1996)

 


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

16.   الفاتورة

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

الفاتورة

 

    قفز ولدي من مكانه كالملدوغ، وهو يصرخ، ويملأ جو المكان فزعًا، ورعبًا، وصخبًا: لقد ربحت.. ربحت.. ربحت.. إنها الجائزة الكبرى.. الملايين.. الملايين.. أنظروا.. إني لا أصدق.. هذه هي الأرقام جميعها.. أعيدوا النظر.. إني لم أعد أرى.. فانظروا أنتم.. ها هي.. انظروا.. اقرأوا رقمًا رقمًا.. جميعها هنا.. ما معنى أن تكون الأرقام المعلنة جميعها هنا؟ إن لهذا معنًى واحدًا هو أنني أصبحت منذ الآن "مليونيرًا" ألا ترون؟ الا تقرأون؟؟

    وساد المكان صخب، وضجيج، وصراخ، وكلام كثير كثير: نعم، إنها الملايين هبطت علينا من السماء هذا المساء... لا تقتير بعد اليوم.. لا عمليات حسابية مزعجة حول صرف أبسط مبلغ من النقود.. المدارس على الأبواب، والجامعات كذلك.. سنشتري كل شيء.. كل لوازمنا.. وسوف ننفق كما نشاء.. سنعيد فرش البيت، ولن نرى بعد اليوم هذا الأثاث المهلهل البالي.. سيصبح كل الأثاث جديدًا، وفخمًا أيضًا.. نعم.. ثم إننا بحاجة إلى بيت أكبر، فلماذا لا نبني بيتًا، بل عمارة، فكل منا بحاجة إلى شقة محترمة!

    نظر إليّ ولدي قائلاً: غريب أمرك.. تكلّم.. قل شيئًا.. أراك لا تصدّق ما يحدث! إنك لا تعرف شيئًا عن هذه اللعبة التي جلبت لنا الملايين هذا المساء.. اسأل.. استفسر، فكثير من معارفك يمارسون لعبة الحظ هذه.... هاتفتُ صديقًا، وكان يتناول طعام العشاء، وقال الصديق: نعم، لقد ربحتم الجائزة الكبرى!... وعاد الصخب والحديث من جديد.. وتوسع نطاقه هذه المرة ليجاوز حدود البيت عبر الهاتف.. وتشعب الحديث.. وتنوعت الطلبات.. وكثرت المشاريع التي أقيمت عبر أسلاك "بيزك" الصماء: فلان (من أصدقاء أبنائي) طلب فقط تكاليف مشروع الزواج، وهو يرفض أن يتزوج دون رفاقه الخمسة، فهم جميعًا في سن الزواج منذ سنوات.. نعم.. كلهم سيتزوجون.. وتمت المصادقة على ذلك، كما تمت المصادقة على تأسيس روضة أطفال محترمة...

    عبر الهاتف أيضًا بارك لنا صديق بهذا الفتح المبين، راجيًا أن لا أنساه عندما أدخل الوزارة!! أو أصبح من رجال المال والأعمال والنفوذ!! وقال مداعبًا: عليك أن تحسن التصرف أمام هذه النقلة النوعية الكبيرة.. إنك الآن ذو مكانة اقتصادية مرموقة، فإذا أضفنا إلى هذه المكانة ما تتمتع به من كفاءات ومزايا وإيجابيات استطعنا أن نجزم بأنك ستصبح خلال أيام من الرجال الذين يشار إليهم بالبنان في مجتمعنا.

    قلت: إنني مقتنع بحياتي، واثق من نفسي، منسجم معها بدون هذه الملايين التي أصابني الحديث عنها بالصداع، والحَيْرة،  والارتباك... وما دمت منسجمًا مع نفسي، راضيًا عنها فإنه لا يضيرني، ولا يعنيني أن يشار إليّ بعد ذلك بالسبَّابة أو بالوسطى!

    قال: هذا الشعور الذي يصيبك الآن أصاب كل من تسلقوا قمة المجد قبلك، ولازمهم مدة معينة.. ثم تحرروا منه.. لا عليك يا صديقي، فغدًا عندما تستقر الأمور، ويزول تأثير المفاجأة ستصبح شيئاً آخر... لقد اكتملتْ لك الآن سائر المقومات! اذكرني يا عزيزي.. ولا تنس أن تحسن التصرف كما قلت لك.

    قلت: ماذا تقترح علي أن أفعل؟

    قال: يا رجل، تحرّك... مشروع صغير هنا.. تبرُّع لمشروع هناك.. مشاركة في أعمال الجمعيات الخيرية، والهيئات الاجتماعية، واللجان الإنسانية.. وستدخل كل هذه الجمعيات، والهيئات، والنقابات، والمؤسسات، واللجان، والاتحادات، والنوادي، والمراكز – بما في ذلك مراكز الأمومة والطفولة- من أوسع الأبواب... وخلال ذلك، أو بعد ذلك بقليل سترى نفسك بين إخوانك من صانعي القرار، فمجتمعنا بحاجة ماسة إلى كل أصحاب المواهب والكفاءات.. وبدون مجاملة، أنت واحد من الرجال الذين يفخر مجتمعنا بهم، ويعتزّ بعطائهم، وثباتهم، وشرف انتمائهم.. قل لي يا عزيزي ماذا أنت فاعل غدًا بعد إحضار هذا المبلغ؟

    قلت: سأتوجه إلى البريد لدفع فاتورة "التلفون".. وسأتصل من هناك برئيس تحرير المجلة لأزف إليه بشرى شراء المكتب الحلم، وأن عليه فقط أن يحضر لافتتاح هذا المكتب بعد أن حقق لنا الله هذا الحلم الجميل بعد طول معاناة.

    قال: وماذا أيضًا؟

    قلت: سنرى... لطفًا، أيها الأخ الكريم.. إنني أشعر بأمر غير عادي يجري من حولي.. دعني أستطلع حقيقة ما يحدث.... آه يا عزيزي! أتسمعني؟ لقد تبخرتْ كل الأحلام.

    قال: ماذا حدث؟

    قلت: لقد طارت الملايين!

    قال: كيف؟

    قلت: تبيّن أن البطاقة الفائزة التي يحملها ولدي غير قانونية لعدم استكمال الشروط.. إنها الوحيدة غير المختومة من بين الأوراق الثلاث التي يحملها!

    وأنهى صديقي مكالمته دون أن ينبس ببنت شفة... وهكذا طارت الملايين.. وبقيت فاتورة "التلفون" على حالها.

    قالت ابنتي: إن رحمة الله وحدها هي التي حالت بيننا وبين مثل هذا المال.. وإن رحمة الله وحدها هي التي دفعت عنا هذا البلاء.

(1996)


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

16.   الفاتورة

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 


الاثنين، ١٦ شباط ٢٠٠٩

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

15.   تفاءَلْ         

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr 

تفاءَلْ

    قال محدثي:

    إنني – بطبعي – إنسان متفائل، أجيد قراءة التاريخ، وأحسن الربط بين الماضي والحاضر، وأستطيع على ضوء ذلك قراءة المستقبل.. إن تجاربي ومطالعاتي، وزياراتي المتواصلة لكثير من بلدان هذا العالم قد منحتني ثقة غير محدودة بالشعوب، وحتمية انتصار قضاياها العادلة مهما طال الزمن رغم كل الصعاب والعقبات والمنغصات... صحيح أن للباطل جولة أو جولات، وأن له صولة بل صولات.. لكنه – يقينًا – إلى زوال واضمحلال... والشعوب هي التي تنتصر في النهاية.

    خذ مثلاً القارة الأوروبية.. واقرأ تاريخ بريطانيا العظمى، وما فعلته بالدنيا كلها ذات يوم.. واقرأ تاريخ فرنسا، وهولندا، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا.. وحاول أن تتذكر عشرات الأسماء التي كانت كبيرة، وما فعلته بشعوبها، وشعوب هذا العالم.. لقد زال أولئك السفاحون العتاة، وبقيت الشعوب، وانتصرت فيها نزعة الخير، والمحبة والتسامح، والحرية.. صحيح أن نزعة الشر، وحب السيطرة والعدوان موجودة... وصحيح أن أمريكا ترى في نفسها الوريث لكل تلك الأنظمة والامبراطوريات المستبدة التي زالت، وتعتبر نفسها سيدة الكون الأولى.. ولكنْ صحيحٌ أيضًا أن أمريكا تدرك قبل غيرها أن مصيرها لن يكون أفضل من مصير الدول والامبراطوريات التي سبقتها.. والشواهد على ذلك كثيرة.. فالغطرسة والعدوان وحب السيطرة، والتحكم بمقدرات الشعوب أمور لا يمكن أن تستمر إلى مالا نهاية.

    نخطئ إذا نحن استسلمنا للواقع – أي واقع – ونخطئ أكثر إذا نحن أرهبتنا (ترسانات) الأسلحة الموجودة في هذه الدولة أو تلك فسلبتنا إرادتنا، وأصابتنا بالعجز والوهن، ونالت من عزائمنا، وأفقدتنا المقدرة على مواصلة مسيرة العمل والبناء...

    لو استسلمت اليابان للهزيمة العسكرية لما  حققت كل هذه الإنجازات التي جعلتها – بجدارة – ندًّا كَفِيًّا، وخصما ذكيًّا للولايات المتحدة الأمريكية.. ولو استكان الألمان  للهزيمة العسكرية لما عادوا من جديد، وخلال فترة وجيزة نسبيًّا لاستعادة مكانتهم بين دول العالم المعدودة على أصابع اليد الواحدة.. ولكنها إرادة الحياة التي لا تُهزم، وحركة التاريخ التي لا تعرف التوقف عند حدود الهزائم والانتكاسات... وإذا كان للقوة والجبروت العسكري وجه واحد فإن أوجه قوة الشعوب، وسعة حيلتها – إذا هي عقدت العزم على العمل – كثيرة لا تكاد تحصى عددًا.

    أذكر جيِّدًا أنني كنت أشارك في مؤتمر اقتصادي في ألمانيا عام تسعة وثمانين وتسعمئة وألف (1989)، وعندما استمعت إلى كلمة أحد أعضاء الوفد الألماني المضيف علقت قائلاً: إنك تتحدث وكأن الاتحاد السوفياتي غير موجود... فردَّ فورًا بلهجة الواثق: (إن موازنةً نوعيّةً سريعةً بين جيش الاتحاد السوفياتي، وجيش شركة مرسيدس تؤكد أن شركة مرسيدس أقوى من الاتحاد السوفياتي الذي تتحدث عنـه أيها الرفيق!!)، وبعد أشهر انهار الاتحاد السوفياتي، وانفرط عقد المنظومة الاشتراكية، وبقيت

مرسيدس!!

    إنني أعتقد جازمًا أن الأمة العربية لم تهزم أبدًا، لسبب بسيط، وهو أنها لم تدخل في تاريخها الحديث حربًا واحدة!! ومعنى ذلك أن الإنسان العربي – الذي يدرك هذه الحقيقة – هو إنسان غير مهزوم (والفرق كبير بين مهزوم ومقموع) وإن حاول كثير من (المسئولين) إلصاق هذه الصفة التهمة به لأسباب لا تَخفى علينا.. ولأهداف لم تعد خافية على أحد... بإمكانك - يا صديقي – أن تقرأ الفرق بين شعوب تجرعت مرارة كأس الهزيمة العسكرية، ثم تمردت على الهزيمة حتى هزمتها، وفرضت وجودها المؤثر الفعال من جديد على الحلبة الدولية.. وشعوب لم تهزم لأنها لم تحارب.. ثم يلبسونها ثياب الهزيمة الساحقة الماحقة.. ويصورونها على أنها لم تعد تقوى على فعل شيء لأنها مهزومة.. وهذا هو كل شيء!!

    لقد نسي هؤلاء وأولئك أن التاريخ الذي يحكم حركة الشعوب في أوروبا وغيرها هو نفسه التاريخ الذي يحكم حركة شعوب الأمة العربية.. وأن شريط الأحداث والتطورات التي تشكل التاريخ في أوروبا وغيرها هو نفسه شريط الأحداث والتطورات التي ستشكّل التاريخ، وتعيد كتابته من جديد على الساحة العربية. نسي هؤلاء وأولئك أن أمة العرب التي سيبلغ تعداد نفوسها بعد عقدين فقط من الزمن أكثر من خمسمئة مليون إنسان ستكون شيئًا آخر آنذاك.. وأن هذه الأمة بمثقفيها، ومفكريها، وأطبائها، ومهندسيها، ومحاميها، وخريجيها، وخبرائها، وعقليات أبنائها.. وثرواتها النفطية، والمعدنية، والزراعية، والحيوانية، والمائية... ومختلف أوجه طاقاتها البشرية ستكون شيئًا آخر يختلف تمامًا... وسيكون لها بالتالي شأن آخر.. وأن هذه الأمة التي صنعت للدنيا ذات يوم أعظم حضارة في التاريخ ستكون شيئًا مختلفًا تمامًا عما يريده أو يتصوره هؤلاء وأولئك.

    وعليه، وبصفتي خبيرًا اقتصاديًّا وسياسيًّا، ورجل تاريخ أرصد الأحداث، وأستقرئ الحوادث والتطورات، وأقرأ المستقبل من خلال الحاضر، وربطه بالماضي أعتقد جازمًا أن كل من يعنيهم الأمر يحسنون صنعًا إذا هم أخذوا كل هذه الحقائق بالحسبان، ووضعوها نصب أعينهم وهم يخططون لمستقبل هذه المنطقة حتى لا يصابوا بالفجيعة، وخيبة الآمال المدمرة عندما ينتصب هذا العملاق، ويقلب الطاولة على رؤوسهم.

    وبصفتي مواطنًا، وإنسانًا شريفًا محترمًا مسالمًا أحب الخير لكل الناس، ولكل الشعوب، ومن منطلق حرصي الشديد على أمن الأجيال، وحقها المقدس في العيش بكرامة واحترام.. ومن واقع إيماني العميق بحق شعوب هذه المنطقة في العمل والبناء والتطوير والإعمار فإنني ألفت انتباه كل من يعنيهم الأمر إلى أن يأخذوا حقيقة جوهر هذا الشعب، وحقيقة الإمكانات اللامحدودة التي يملكها، أو سيملكها يومًا بعين الاعتبار وهم يحاولون رسم مستقبل هذه المنطقة من العالم...

    وبصفتي صديقًا لك أكتفي بالقول: تفاءل أيها الصديق.. فالمجد دائمًا حليف الشعوب الحية صانعة الانتصارات... والطواغيت دائمًا إلى زوال.

    قلت لمحدثي: لا أختلف معك في شيء مما قلت.. وأعدك أن أضع كل ما قلت بين يدي القراء استكمالاً للفائدة.. وقد فعلت.

(1999)


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

14.             رحلة!     بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr 

رحلة!

 

    كنت في غاية السعادة عندما بُلِّغت أن علي أن أكون في المستشفى الذي سيريحني من هذه الآلام التي تقض مضجعي، ويضيق بها صدري منذ أمد... أجريت كافة الفحوص والتحاليل، وتأكدت من سلامة أوراقي، ولم أعرف كيف بت ليلتي، وفي ساعات الصباح الباكر كنت في الحافلة التي ستقلني من نابلس إلى رام الله مصطحبًا "زوجتي" التي أصرّت على مرافقتي في رحلة العذاب تلك.

    انطلقت الحافلة بمن فيها متجهةً صوب الغرب، ثم الجنوب، ثم الغرب، ثم الجنوب الشرقي، ثم الشرق، ثم الجنوب.... ثم فقدت القدرة على المتابعة، حيث أخذت الآلام تفتك بي من قمة الرأس إلى أخمص القدم مرورًا بهذا الخافق المعذب الذي أخذ يضطرب وينتفض "كما انتفض العصفور بلله القطر".

    كان ركاب الحافلة واجمين تعلو وجوههم الشاحبة المتعبة مسحةٌ من  الألم، وترنو عيونهم إلى اللاشيء تائهة في تلك الآفاق البعيدة.. ولم يكن يبدد وطأة الصمت الثقيل الذي ران على جو الحافلة في ذلك الصباح الشاحب سوى ذلك الصوت الشجي يرتل آيات بينات من  سورة "الأحزاب".

    الطرق التي سلكتها الحافلة كانت بين ترابية وشبه ترابية ومعبدة.. وكانت في مجملها ضيقة.. وكانت السيارات المتعبة تدبّ على تلك الطرق في كلا الاتجاهين... ولم تشاهد عيناي ما ألفت مشاهدته في الأيام الخوالي من أشجار الزيتون واللوزيات، ولا اكتحلت عيناي في هذه الرحلة كما كان الأمر في الماضي بأسراب السنونو والقطا والعصافير من كل لون وجنس رغم أن الفصل ربيع!! ولم تر شيئًا من تلك المزروعات الخضراء التي كانت تسبّح خالقها تبللها قطرات الندى، وتضفي عليها جمالاً ساحرًا يأخذ بالألباب... لم أشاهد في ذلك الصباح الباهت شيئًا من هذا، فتمثلت بقول الشاعر، مستعيرًا الخطاب لهذا الوطن:

ما لعيني عشيتْ بالنظرِ

          أنكرت بعدك ضَوءَ القمرِ

          وإذا ما شئتَ فاسأل خبري

          عشيت عيناي من طول البكا

          وبكى بعضي على بعضي معي

    لم ندخل "رام الله" من جهة الشمال كما كانت الحال في الماضي البعيد، ولم ندخلها من الشرق كما كانت في الماضي القريب، بل دخلناها من الجنوب إمعانًا في إطالة المسافة، وتعذيب الناس، وهدر وقتهم ونشاطهم، وتخريب سياراتهم وحافلاتهم، وإمعانًا في تقطيع أوصال هذا الجزء من الوطن، وتشويهًا لجغرافيته، واستنزافًا لما في أيدي الناس من دراهم لا يحصلون عليها إلاّ بشق الأنفس... ولا أرى غضــاضةً هنـا مـن خلط العام بالخاص، فالاضطراب والإرباك والانهيار وغير ذلك من العلل والأرزاء هي التي تلون الخاص والعام، وتوحد بينهما في ليل العذاب.

    وصلت المستشفى في الوقت المحدد رغم كل هذا، وبعد إجراءات التسجيل ودفع المبلغ المطلوب في البنك المحدد هناك.. جلسنا ننتظر مع المنتظرين... ومرت ساعتان قبل أن أبين لأحد المسئولين في القسم أنني أولاً "صاحب الدَّور"، ثم إنني لم أعد قادرًا على الانتظار فإما أن أعود أدراجى من حيث أتيت وإما إجراء اللازم في الحال... وأُدخلت بعد ذلك بقليل، وأجريت لي المعاينة الأولية، ثم لم أعد أرى أحدًا حتى ساعات بعد الظهر راقدًا على سرير "الشفاء" أعاني من آلام الصدر مضافًا إليها – بسبب الانتظار الطويل عارياً! – حالة من البرد والإسهال... ولما طلبت من أحدهم أن تحضر "زوجتي" من "الانتظار" راح يقنعها أن تعود لأنني سأقضي الليلة في ذلك المستشفى... ولما حضرتْ طلبتُ منها أن تحضر ملابسي، وخرجت من ذلك المستشفى غاضبًا لا ألوي على شيء. وعدنا أدراجنا إلى نابلس مستعينًا بحبيبات أحتفظ بها لأضع واحدة منها تحت اللسان كلما اقتضت الضرورة ذلك.

    يا لَهول الكارثة! أما آن لنا أن نحسن التفكير والتخطيط بعد كل هذه الدروس والتجارب التي مررنا بها ولا نزال؟ أما آن لنا أن نتعلم كيف نحترم الإنسان، ونحافظ على إنسانيته، ونتعامل معه بشفافية بعيدًا عن الاستهتار والاستخفاف والوساطة وكل أشكال الطبقية البغيضة، والإقليمية العمياء، والعشيريّة النتنة، والفوضى القاتلة؟ أما آن لنا أن ندرك بعد كل الهزائم الماحقة التي ابتلينا بها جيلاً بعد جيل أن الوطن الحر العزيز السيد المستقل لا يمكن أن يبنيه سوى المواطن الحر العزيز المتمتع بكافة حقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا المواطن الذليل الخانع الراكع اللاهث خلف السراب! وإذا كنا حتى اليوم لا نعرف كيف نحترم أنفسنا فكيف نطالب الآخرين باحترامنا؟ وإذا كان المواطن لا يحصل على حقوقه في وطنه فكيف بإمكانه أن يطالب الآخرين بحقوقه؟

    عدتُ إلى بيتي وأنا أسأل نفسي: هل كنتُ على حق فيما فعلت؟ أم كان علي أن أصبر كي أحقق رغبتي في العلاج، وأضع حدًّا لهذه الآلام التي تعصف بصدري منذ زمن؟ قالت النفس المتعبة: ويحك! أتريد أن تضعف، وأن تساوم على كرامتك؟ أليس من أبسط حقوق الإنسان أن يحصل على العلاج بطريقة تحفظ عليه إنسانيته وكرامته، أم أن أسلوب حياة القطيع هو أسلوب الحياة الذي يُراد له أن يحكم حياة الناس في هذه البلاد؟؟

 

(30/5/2001)


الخميس، ١٢ شباط ٢٠٠٩

صرخة عاشق

صرخة عاشق

في عيد الحب!!


شعر: عدنان السمان


 


 

في عيد الحب تحياتي

في عيد الحبّْ

أشواقي ترسلُ آهاتي

من هذا القلبْ

في الليل الساجي أُرسلُها

وأحمّلها

عبَقًًا ألَقًا حبًّا ورْدًا

وأردّدها

في هذا اليومِ أذوبُ هوًى

في هذا اليومْ

والقلبُ يغنّي في وجَلٍ

مني يا قَومْ

ويقول مقالةَ من بَرَعوا

في علمِ الغيبْ:

إني وَجِلٌ.. إني خَجِلٌ

من هذا الشيبْ.

القلبُ يغنّي نشوانًا

في عيد الحبّْ

والروح تراقصُ أطيافًا

يهواها القلبْ

إني أحببتكِ ملهمتي

ومعذّبتي

إني أحببتُ مسهِّدتي

إني أحببتْ

إني أحببتُكِ يا قدسُ

أحببتُ الطّورْ

من حولِ القدسِ وفي القدسِ

شعبٌ منصورْ

من خلفِ السورْ

من تحت السورْ

من فوق السورْ

أُسدٌ ونمورْ

في الفُلْكِ تدورْ

من هذا النورْ

هرب الدَّيجورْ

وتوارى الزُّورْ

وتعالى اللهْ

في الأفْقِ بهاهْ

في الكوْنِ ضِياهْ

في القلب سناهْ

في عيد الحبِّ أحبُّ اللهْْ

في عيدِ الحبّْ

هذي سلوانْ

ما أحلاها

والصوّانهْ

ما أغلاها

في باب الوادْ

ذكرى القسطلْ

والمصرارهْ

جبلَ الزيتونْ

إنّا آتونْ

كبّرْ كبّرْ

إنَّا آتونْ

أشجارُ اللوزْ

في وادي الجوزْ

والشيخْ جرّاحْ

هذي شعفاطْ

هذي لفتا

هذي التّلهْ

هذي القبّهْ

هذا الأقصى

وقيامتُنا

هذي مريمْ

هذا عيسى

ومساجدُنا

وكنائسُنا

تَحكي حبًّا

تَروي مجدًا

تُعطي درسًا

لمدارسنا

في عيد الحبّْ

إني أحببتُكَ يا وطني

هل هذا عيبْ؟

إني أحببتكَ إيمانًا

إني أحببتكَ تسليمًا

إني أحببتكَ تعظيمًا

بل تكريمًا

قلْ ترنيمًا

ومُعاهدةً

ومُبايعةً

ومُجاهدةً

ومُجالدةً

ومُنازَلةً

ومُغالبةً

ومُشاهدةً

إني أحببتُكَ تاريخًا

ومُعايشةً

ومُعانَقةً

ومُشافهةً

ومُراسَلةً

ومُخاطبةً

ومُجادلةً

إني أحببتُك فلسفةً

إني أحببتُك مدرسةً

ومُمارسةً

ومُجالسةً

إني أحببتْ

إني أحببتُكَ يا وطني

أحببتُ الطّّيرْ

قسمًا لن تبقى يا وطني

في أيدي الغَيرْ

إني أقسمتُ بإنجيلي

وبقرآني

لن يهنأَ مغتصبٌ أبدًا

في أوطاني

في عيد الحبّْ

أُهدي وردًا

للخِلاّنِ

أُهدي حبًّا

أُهدي نصرًا

أَروي شعرًا

للأوطانِ

هذا قسَمٌ للأجيالِ:

بمحبتِنا وتآلفِنا

ومودتِنا وتعاطفِنا

نبني بيتًا.. نبني مشفًى

أو مدرسةً أو مكتبةً

للأطفالِ

هذا عهدي.. هذا ديني

هذا حُبي.. لِفِلَسطينِ

في عيدِ الحبّْ.


نابلس 14/2/2009