عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأحد، ١٩ تشرين الأول ٢٠٠٨

في الفقر والبطالة.. والغلاء!!

متابعات


أ/عدنان السمان

    ذكرت "القدس" في عددها الصادر يوم الأربعاء الماضي (الذي صادف اليوم العالمي للفقر) أن مليونين ومئتي ألف فلسطيني من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر، وأن الفقر في غزة أشد منه في الضفة الغربية، وأن أكثر المناطق فقرًا في الضفة الغربية هي منطقة الجنوب، وأن برامج الحكومة غير قادرة على مواجهة هذه الظاهرة، وأن الفقراء يعيشون في هذه الديار تحت رحمة سياسة المانحين.

    وقد نشرت "القدس" في ذلك العدد نَصَّ تقرير أعدته دائرة السياسات الاقتصادية في المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار) جاء فيه أيضًا أن من أسباب الفقر هذه الاحتلالات المتعاقبة والإجراءات المترتبة عليها، والانتفاضة الأولى، وحرب الخليج، والانتفاضة الثانية، والحصار والجدار.

    وأشار التقرير إلى مصادرة ربع مليون دونم زراعي للجدار، وتجريف ثمانين ألف دونم زراعي، (وقد تضرر نتيجةً لذلك ستة عشر ألفًا وخمسمئة مزارع) واقتلاع مليون وثلاثمئة وخمسين ألف شجرة، وتدمير سبعين ألف بيت تدميرًا كليًّا أو جزئيًّا، كما أشار التقرير إلى أن عدد الشهداء قد بلغ خمسة آلاف شهيد، وأن عدد الجرحى قد بلغ نصف مليون جريح، وأن الخسائر المباشرة وغير المباشرة قد بلغت ستة عشر مليارًا ونصف المليار من الدولارات الأمريكية.. وأن المنح والمساعدات قد توقفت بعد فوز حماس في الانتخابات الأخيرة، وأن الإسرائيليين قد احتجزوا عائدات السلطة الفلسطينية من الضرائب والجمارك مما زاد من معاناة الناس، واضطراب حياتهم اليومية، وأحوالهم المعيشية... إضافة إلى حقيقة مؤلمة يعرفها الناس هي وجود أكثر من اثني عشر ألف أسير وأسيرة في السجون والمعتقلات بينهم عدد كبير من الأطفال!!!

    ولكي تكتمل معالم هذه الصورة الحزينة فإنني أُورد شيئًا من بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إذ وصل عدد الفقراء في العام 2006 إلى 2,272 مليون شخص أي أن نسبة 56.8% من السكان يقل دخلهم عن 2300 "شاقل" شهريًّا.. أما في العام 2001 فقد بلغت 26.2%، وفي قطاع غزة بلغت نسبة الفقر 79.3%، أما في العام 2001 فقد بلغت 22.6%.. أما عدد من يعانون من الفقر الشديد فقد بلغ 1.764 مليون شخص يشكّلون 44.1%، وهؤلاء يقل دخلهم عن 1837 "شاقلاً" شهريًّا، ونِسَبُهم في الضفة كالتالي: في الجنوب 41.1%، وفي الشمال 37.6%، وفي الوسط 24.7%.. أما بخصوص اللاجئين فقد كانت أعلى معدلات الفقر بين من يقطنون في المخيمات حيث وصلت إلى 66.4%.. في حين وصلت حالات الفقر الشديد إلى 18,5% عام 2006 يليها الريف بنسبة 58% والفقر الشديد 29%.. أما في المدن فقد بلغت 53% والفقر الشديد 41%. يشار إلى أن حدة البطالة قد بدأت بعد العام 1994.

    من كل ما سبق ندرك كم هي قاسية حياة الناس في هذه الديار.. وكم هي قاسية وصعبة حياة الفقراء الذين لا يستطيعون توفير أساسيات الحياة لأسرهم وعائلاتهم.. وكم هي قاسية وصعبة حياة العاطلين عن العمل.. هؤلاء الذين يعيشون تحت وطأة البطالة وكوابيسها منذ أمد بعيد.. وما من شك في أن فئة الفلاحين والمزارعين وأصحاب الأراضي كانت الفئة المستهدفة قبل غيرها، وأكثر من غيرها.. والهدف تجريدها من أرضها بشتى الوسائل ومختلف الأساليب.. أما السبب فيعرفه الناس جيِّدًا في هذه المنطقة من العالم.. وما من شك أيضًا في أن الفئة التي كانت مستهدفة بالدرجة نفسها هي فئة المعلمين والطلبة.. وهذه حقيقة أسجلها هنا بدون تعليق لأن الصمت بالأحرار أولى في كثير من الأحيان.. وهناك فئة كانت ولا تزال وستبقى الأشدّ استهدافًا، والأصعب وضعًا وتجربة تلك هي الفئة التي وضعت الوطن ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وقبل كل اعتبار.. تلك الفئة ذاقت ما لم يذقه أحد من مرارة العيش، وبؤس الحياة، وجحيم الاحتراق في مواجهة الاختراق..

    ومن الفئات المستهدفة في هذه الديار أيضًا فئة الصناعيين والتجار.. وفي وقت لاحق أصبحت فئة العمال هي الأشدّ استهدافًا بعد أن حسم المخططون أمر سائر الفئات التي مرّ ذكرها.. وبعد أن أدخل هؤلاء وأولئك هذه المنطقة في مرحلة جديدة تختلف كل الاختلاف عن المراحل التي سبقتها منذ عام سبعة وستين، إذ يمكن القول إن شعبنا في هذه الديار قد تضاعفت خسارته على شتى الصعد، وفي كل مجالات الحياة اعتبارًا من العام أربعة وتسعين بحيث يمكن القول إن أوضاع العمال قد أخذت بالتراجع منذ ذلك العام.. وبحلول الانتفاضة الثانية في أواخر أيلول من العام ألفين وحتى أيامنا هذه يمكن القول إن قطاع العمال قد تم شطبه، وإن بضعة آلاف فقط من العمال يتوجهون إلى أعمالهم بشكل منتظم أو شبه منتظم من أصل مليون ومئة ألف عامل هم عمال هذه البلاد الذين لم تمارس الغالبية الساحقة منهم منذ أواخر العام ألفين أي عمل، ولم تحصل على أي دخل من عرق الجبين – كما يقولون- وأصبحت هذه الغالبية العمالية من أشد الناس فقرًا في هذه البلاد، وأكثرهم بؤسًا وشقاءً... ويمكن القول في هذا السياق إن قطاع الزراعة في البلاد قد انتهى أمره، وإن قطاع الصناعة لم يعد قائمًا لأن وجود أبسط أشكال الصناعات أمر محظور داخل المدن بموجب قوانين البلديات وأنظمتها، وهو أمر محظور خارج المدن بموجب التصنيفات التي أتت بها هذه المرحلة لهذه الديار!!!

 

    إن هذه الحياة الصعبة التي يعيشها الناس بمختلف فئاتهم، ويعيشها المجتمع بشتى شرائحه قد وصلت ذروتها في هذه الأيام التي تشهد انهيار معظم هذه الشرائح والفئات.. ولعل من الضروري أن يُشار إلى أن هذا الاحتراب الذي تشهده الساحة الفلسطينية قد ألحق بنا، وبشعبنا في سائر أماكن تواجده، وبقضيتنا العادلة أفدح الخسائر، وأنه الحق العار والدمار بعرب هذه الديار، وبسائر قضاياهم وحقوقهم الثابتة... لقد آن الأوان أن يدرك كل من يعنيهم الأمر في هذه الديار، وفي كل الأرض العربية أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وأن كل ما يسمعه الناس عن حلول لهذه القضية التي طال عليها الأمد هو من قبيل الأوهام والكلام الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع... وأن المؤامرة التي حيكت خيوطها ضد هذا الشعب منذ صدور وعد بلفور لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا...

    ومعنى هذا كله أن هذا الشعب صاحب القضية، وهذه الأمة التي ينتمي إليها هذا لشعب العربي الفلسطيني بكل فئاته واتجاهاته وأحزابه وطوائفه وأفراده كافة هم المسئولون أولاً وأخيرًا عن قضيتهم، وهم المسئولون عن وضع النقاط على الحروف في كل ما يتعلق بقضيتهم ومستقبل أجيالهم على هذه الأرض الطيبة التي توارثها الخلف عن السلف في تواصل تاريخي ثقافي حضاري نضالي رائع جيلاً بعد جيل.

    بقي أن أقول بعد كل هذا: إن الفقر والبطالة وسوء الأحوال يصحبها في العادة ركود اقتصادي وكساد تنخفض معه أسعار السلع والمواد الأساسيّة وضروريات الحياة، وتختفي معه الكماليات من حياة الناس.. في أيام الانتداب البريطاني على فلسطين مثلاً شهد الناس فترات متلاحقة من الخوف والجوع وسوء الأحوال واختفاء سلع كثيرة من الأسواق... ولكن إذا وُجد الجنيه فإنك تشتري ببعضه شيئًا كثيرًا.. ويكفي أن نعلم أن الجنيه كان مئة قرش، وأن القرش كان عشرة ملّيمات بمعنى أن الجنيه مكوَّن من ألف مليم، وكنا نشتري بالمليم شيئًا من تمر أو قطعة من حلوى تُبعد عنا الجوع، وتُدخل شيئًا من بهجة إلى نفوسنا... كان هذا شأن الجنيه المصري الذي كان متداولاً في فلسطين خلال السنوات السبع الأولى من الانتداب أي حتى العام سبعة وعشرين وتسعمئة وألف حيث طُبعت العملة الفلسطينية لأول مرة في ذلك العام.. وكان الجنيه الفلسطيني حتى العام ثمانية وأربعين يكفي للإنفاق على الأسرة الصغيرة شهرًا كاملاً!! كان الناس يشترون رطل السكر بقرش، وكذلك رطل الأرز إذا لم تُفقَد السلعة من الأسواق بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية التي كثيرًا ما انعكست سلبًا على حياة الناس اليومية في هذه الديار، وكثيرًا ما ضربت محصول الحمضيات الأكثر أهمية في فلسطين.

    لقد كانت رواتب الموظفين بما في ذلك المعلمون تتراوح في معظمها بين جنيه واحد وجنيهين اثنين شهريًّا.. ولستُ مبالغاً إن قلت إن الألف مليم (التي يشتمل عليها الجنيه) كانت أفضل من ألف دينار في أيامنا هذه.. بمعنى أنها أفضل من ألف وخمسمئة دولار، وأفضل من ستة آلاف  شاقل!! إن الجنيه الفلسطيني الذي استُبدل بالليرة الإسرائيلية عام ثمانية وأربعين يساوي- بلغة هذه الأيام- عشرة آلاف شاقل فقط لا غير!!

    ولا يفوتني أن أذكر في هذا السياق أيضًا أن الأسعار طيلة فترة الحكم الأردني كانت معقولة جدًّا.. إن كثيرًا من السلع لم تتغير أسعارها على امتداد تسعة عشر عامًا في الضفة الغربية.. وكذلك كانت الحال في قطاع غزة!!

    إن ما يحدث في هذه الأيام هو أمر في غاية الغرابة.. ففي ظل الفقر والبِطالة وخلوّ جيوب معظم الناس وبيوتهم من العملة سواء كانت دينارًا أو دولارًا أو شاقلاً نرى هذا الغلاء الشرس المتصاعد الذي يأخذ بخناق الناس في هذه البلاد دون رحمة.. هذا الغلاء الذي يعصف بالناس ويدمر حياتهم ويقلبها جحيمًا لا يمكن أن يُطاق.. هذا الغلاء غير المسبوق وغير المنطقي قياسًا على كل قواعد الاقتصاد، وكل قواعد العرض والطلب، والتصدير والاستيراد والتضخم الاقتصادي.. هذا الغلاء المشرَع في وجوه الناس وكأنه سيف القضاء الذي لا رادّ له جاء ليحزّ رقابهم لا لذنب اقترفوه إلا أن يقولوا ربنا الله!! هذا الغلاء غير السائغ، وغير المسوَّغ، وغير المستساغ، وغير المقنع له- في تقديري- سبب واحد هو الضغط على الناس في هذه الديار كي يقبلوا بأي حلٍّ من هذه الحلول الكثيرة التي يطرحها أصحابها.. وتلتقي جميعها عند هدف واحد، وتؤدي جميعها إلى نتيجة واحدة هي وأد فلسطين والفلسطينيين والقضية الفلسطينية، وإغلاق هذا الملف الذي أزعج السادة الكبار ومعهم كل الصغار بأي ثمن.. كي يستريح هؤلاء وأولئك من هذه القضية ومن شعب هذه القضية، ومن استحقاقات هذه القضية، وأجيال هذه القضية!!!

    إنهم لعمري مخطئون وجدّ مخطئين.. فما هكذا تورَد الإبل أيها القادم من وراء البحار باحثًا عن تصفية لا تسوية.. ما هكذا تورد الإبل يا كلَّ الناس في هذا العالم.. ليس بالتهديد والوعيد والتنكيل والتقتيل والتجهيل والتجويع والتركيع والغلاء وسوء الأحوال وتدني مستوى الخدمات... وليس بالحواجز والأسوار والمعابروالجدار والبوابات والمصادرات والمداهمات تحل المشكلات!!!

    إن للحل طريقًا واحدًا هو إعادة الحقوق إلى أصحابها، والكفّ عن إلحاق الأذى والضرر بهذا الشعب.. وإن للسلام طريقًا واحدًا هو العدل والإنصاف... وإن للعيش الكريم طريقًا واحدًا هو احترام الإنسان، وإطلاق سراح الأسرى دون استثناء... وإن للخلاص طريقًا واحدًا هو زوال الاحتلال، وعودة المهاجرين والمهجَّرين.. وإن للرخاء والازدهار والاستقرار والأمن والأمان طريقًا يبدأه الناس بالعمل والإنتاج والتعاون والبناء، وينهونه بالتسامح والمحبة والتكافل والإخاء.

 (21/10/2007)

www.samman.co.nr


__________________________________________________
Do You Yahoo!?
Tired of spam? Yahoo! Mail has the best spam protection around
http://mail.yahoo.com

الخميس، ١٦ تشرين الأول ٢٠٠٨

الأستاذة الدكتورة أفنان دروزه.. ناقدةً وكاتبة

الأستاذة الدكتورة أفنان دروزه.. ناقدةً وكاتبة

-1-

أ: عدنان السمان

    عرفتْها مدارس نابلس طالبة مجتهدة متفوقة.. وكذلك عرفتْها الجامعة الأردنية، والجامعات الأمريكية... وعرفتُها عند بدء عملها في جامعة النجاح، ومن خلال كتابتها في "القدس" منذ عشرين عامًا أو يزيد، وتعمقت المعرفة من خلال صالونها الثقافي الذي ترددتُ عليه، وشاركتُ في أعماله ونشاطاته، وفي لجنته التحضيرية بعض الوقت.

    لعلّ من أبرز ما تميزت به أفنان دروزه حضور البديهة، وسرعة الخاطر، وخفة الروح، والنظرة الذكية الصائبة المتفحّصة.. هذه النظرة الأصيلة، وهذا الذكاء الفطري بما رافقه من تجارب، وبما امتزج به من ثقافات ودراسات معمقة في الإنسان والكون والحياة.. كل ذلك أحيا في أفنان ملكة النقد بمعناه الشمولي العام.. ومن ثم النقد الأدبي بمفهومه الفطري اللُّغوي البسيط المنطلق من "نقد الدراهم" لمعرفة صحيحها من سواه بعيدًا عن تطور الحركة النقدية، وبروز مدارس النقد، واتجاهاته المختلفة التي أصبحت كل واحدة منها عالَمًا قائمًا بذاته، وعِلمًا له صفاته، ومواصفاته، وخصائصه ومزاياه، وأعلامه، وباحثوه، ودعاته المروجون لأفكاره.. ومبادئه.. وخصومه الذين يقللون من شأنه، ويروجون لبضاعة أخرى... ولكن ليس بعيدًا عن الحرص والغيرة على الأدب العربي في هذه الديار، وحاجته الماسّة لحركة نقدية نشطة واعية تأخذ بيده صُعُدًا في معارج التقدم والتطور والنهوض.

    في مجال النقد الأدبي تقول أفنان إن هذه الديار تفتقر لحركة نقدية جادة جريئة تنهض بالأدب، وتختار منه ما يصلح أن يكون إرثًا للأجيال.. ومما جاء في مقالها المنشور في "القدس" الأدبي تحت عنوان: "الحركة النقدية.. أين هي" قولها: "بدون النقد يظل العمل الأدبي مهمَّشًا ضحلاً غير ناضج.. يخضع في معظم حالاته للهبّات العاطفية، ووقوع الحدث.. صحيح أننا قد نرى مراجعة هنا، ونقدًا هناك، أو ندوة هنا، وندوة هناك.. إلا أن هذا لا يغير من الحقيقة شيئًا، وتظل هذه المراجعات محدودة وناقصة ومزاجية".

    تطالب أفنان هنا بضرورة أن تنهض في البلد حركة نقدية قوية مستمرة قائمة على أسس متينة، وقواعد ثابتة.. بعيدًا عن نقد المواسم والمناسبات.. وبعيدًا عن المزاجية والتقلب والوقوع تحت مختلف التأثيرات والتأثرات والمجاملات التي من شأنها أن تنحدر بالأدب، وتنحدر بالنقد، وتنحدر بالفكر والثقافة والإبداع.. فيكون مثل هذا "النقد" معول هدم، لا وسيلة بناء وارتقاء بالفنون والآداب السامية التي من شأنها أن تمنح المجتمع هُويته الثقافية التي تميزه عن غيره من المجتمعات، والتي من شأنها أن تشكّل معالم الشخصية الأدبية لهذا المجتمع الذي تميز منذ أقدم عصوره الأدبية باستقلال شخصيته، وأصالة آدابه.. كما تميز بنشوء النقد الأدبي الذي واكب نشأة الأدب مؤثرًا فيه متأثرًا به ليواصلا سيرهما عبر العصور معًا جنبًا إلى جنب، وكتفًا إلى كتف.. وليشهدا معًا كل أوجه القوة والتقدم والشموخ.. وليتجرّعا معًا كل كؤوس الضعف والتخلف والهبوط.

    تؤكد أفنان على حاجة الأدب الملحّة لحركة نقدية تواكب مسيرته، وتسير معه وبه جنبًا إلى جنب.. تبين نقاط ضعفه وقوته، وتميز بين غثه وسمينه، وتتناوله بالنقد والتحليل والتعليق للارتقاء به صُعُدًا في آفاق التألق والإبداع، وخلق النماذج الأدبية الخالدة، لتكون زادًا للأجيال الصاعدة... وإلى جانب مسئولية النقد الأدبي عن الارتقاء بالأدب أشارت الكاتبة في مقالها ذاك إلى دور النقد الأدبي في تحديد معالم شخصية الأديب، والحكم عليه، ووضعه في المكان الذي يضعه فيه أدبه، لا نسبه وحسبه وعلاقاته وارتباطاته... تقول الكاتبة: "من هنا فإنني أرى أننا بحاجة إلى حركة نقدية صادقة وموضوعية لأعمالنا الأدبية تبيّن الغثّ من الخبيث(!) والجيد من الرديء، والأصيل من المسروق وخاصة وجود الانترنت (!)، إننا بحاجة إلى نقد بنّاء يستند إلى العقل والخبرة والتخصص لا إلى المعرفة السطحية والخبرة الضحلة إننا بحاجة إلى نقد يهدف إلى التحسين والتعديل ووضع الشاعر والأديب في حجمه الطبيعي سواء كان هذا الحجم كبيرًا أم صغيرًا لا إلى نقد يهدف إلى التجريح والتثبيط بدافع الغيرة والحسد والتسلق على حساب الآخرين، إننا بحاجة نقد موضوعي بعيدًا عن التحيّز والهوى يعطي كل ذي حق حقه لا نقد يتأثر بالمراكز وذوي النفوذ أو يخضع للحسب والنسب والعائلة والسلطان".

    لقد حرصتُ أولاً على أن أضع هذه الفقرة التي أوردتُها من مقال الكاتبة المشار إليه كما جاءت في "المصدر" "بدون أي تعديل  أو تغيير حتى لا يكون لي أدنى تدخّل في الانطباع العام الأوليّ الذي يخرج به القارئ أو الدارس أو الناقد عادةً من قراءة النصّ أي نص.. ومن مشاهدة هذه الحسناء أو تلك وهي تسير في هذا الحي، أو تتمشى في تلك الجادّة... لقناعتي التامة أنه ليس من حق أحد أن يتدخل بأي شكل من الأشكال في تكوين مثل هذا الانطباع الذي يشكّل المقدمة الأولى، والمدخل العام لما قد يُبنى عليه من دراسات، ولما قد يترتب على هذه الدراسات من توصيات واستنتاجات وقرارات.

    كما حرصتُ ثانيًا على مناقشة الفكرة الرئيسة والأفكار الفرعية التي وردت في هذه الفقرة قاصرًا الحديث على المعنى، صارفًا النظر عن المبنى على الرغم مما فيه من روعة التعبير، ودقة التصوير، وحرارة العاطفة وصدقها، وطول النفس وقوّته، وغناه بالترادف والمقابلة والتكرار، وقوة النبض وتسارعه وشدته، وارتفاع درجة حرارته ومنسوب الدعوة إلى التمرد والخروج على المألوف القديم الموروث فيه.. فقط لأنه من الماضي الذي يميل كثير من الناس لتمجيده، والوقوف على دمنه وأطلاله، والذهاب ربما إلى ما هو أبعد من ذلك حيث البكاء على تلك الدمن والأطلال، وعلى ما حولها من النؤي والأثافي، ومخلفات الحياة الدارسة، والأماكن المقفرة التي نزح عنها أهلها.

    الكاتبة تطالب بحركة نقدية صادقة وموضوعية لأعمالنا الأدبية.. وكأني بها تسير في مظاهرة صاخبة تشق الهتافات الصادرة عنها عنان السماء، وأجواز الفضاء مطالبة بالحرية والخبز وإطلاق سراح الأسرى... أما لماذا تطالب الكاتبة بهذه الحركة النقدية الصادقة.. فمن أجل أن تقيّم الإنتاج الأدبي في البلد، وتصدر الأحكام الصائبة عليه مبيّنةً الجيد والرديء، والأصيل والمسروق... وبالتالي تصنيف الأدباء والكتّاب والشعراء، وإنصاف المظلومين منهم، وردّ الاعتبار إليهم، وفضح أمر الكاذبين المزوّرين الأدعياء من المتسلقين المنافقين الانتهازيين المهزوزين الذين أجادوا الرقص على كل الحبال، وأتقنوا كافة ألوان السرقة الأدبية، والادعاءات الباطلة، وأسوأ أشكال الانتحال الرخيص المكشوف الذي لم يعد خافيًا على ناقد متبصّر، أو مراقب مطّلع على حقائق الأمور... هذا بالضبط ما تريده أفنان من هذه الحركة النقدية الصادقة الموضوعية التي تطالب بها.. تريد نقدًا قائمًا على الفكر والخبرة والممارسة والاختصاص يضع الأمور في نصابها، ويعطي كل ذي حق حقه بعيدًا عن التجريح والتثبيط، وبعيدًا عن الهوى والغيرة والحسد.. وبعيدًا عن القبلية الأدبية والاجتماعية والسياسية.. وبعيدًا أيضًا عن الإقطاع والطبقية الفكرية، وسائر ألوان الشلليّة والتبعية والاستزلام والنرجسيّة التي أدت فيما أدت إليه إلى هذه الكوارث والمصائب والنكبات والانهيارات التي عصفت بكل شيء، ودمرت كل المثل والمبادئ والثوابت والقيم في مجتمع كان حتى عهد قريب مثالاً في الصبر والثبات والنزاهة والتشبث بالعدل والعدالة.. والتمسك بالحقوق والأصول.. والتزام الصدق في أقواله وأفعاله وممارساته ومسلكياته وكافة أمور حياته وأوجهها المختلفة.

    لا بد هنا (قبل الاسترسال في هذا الموضوع الممتع، ومواصلة السير في هذا الطريق الذي يبدو بلا نهاية) من التوقف قليلاً عند صالون الدكتورة أفنان لنبيّن مسئولية هذا الصالون، ومسئولية صاحبته، ومسئولية الجادّين المبدعين من رواده، ومسئولية المدينة كلها في النهاية عن إحياء مثل هذه الحركة النقدية التي تطالب بها أفنان، وبالتالي إحياء الحركة الأدبية والحركة الثقافية التي ينبغي أن تشق طريقها بقوة وثبات في واحد من أسوا الأزمنة العربية، وأشدها تراجعًا وتقهقرًا وفقرًا واضطرابًا... لماذا لا تصنع الكاتبة الناقدة من صالونها منبرًا نقديًّا أدبيًّا يستقطب كل المبدعين والمبدعات من بنات هذه المدينة وأبنائها ومن سائر مدن هذه البلاد وبلداتها ومخيماتها  وقراها؟ لماذا لا يتبنّى صالون أفنان الثقافي سائر الأقلام الواعدة، والمواهب الشابة من أبناء نابلس وغيرها من أبناء هذه الديار؟ لماذا لا يقيم هذا الصالون أقوى الصلات وأوثق العلاقات مع الصالونات والمنتديات والعناوين ذات الأهداف المتشابهة والغايات النبيلة الواحدة؟

    لقد سبق أن طالبنا بإدراج أسماء بعض الأحياء من الأدباء والمفكرين وكبار المثقفين على جدول أعمال الصالون؛ فرفضوا وأصروا على الحديث عن الأموات!! طالبنا بفتح المعارك الأدبية، والابتعاد عن المجاملة والمحاباة والمهادنة؛ فرفضتم، وآثرتم الابتعاد عن المحاكمات الأدبية، والخوض في القضايا الحساسة التي قد تُغضب فلانًا أو تستعدي علينا أم فلان!! وعندما حاولنا أن نجاهر ببعض آرائنا في الأدب والنقد والفكر والتاريخ قوبلنا بردّات فعل متشنّجة هناك في الصالون من بعض الأميين الذين يحسبهم الجاهلون غاية ما في الدنيا من علم ومعرفة!! لا أستطيع أن أقول أكثر من هذا في هذا المقام لأنني لا أحب – بطبعي- أن أتصدّى لأحد (من الزملاء) مهما كان فجًّا ومدّعيًا وكاذبًا... ومهما كان مغرورًا أو تافهًا أو نرجسيًّا مقرفًا غاية ما يريده أن يسبحّ الناس بحمده.. لا يكفّ عن الكذب والتدليس ساعة من ليل أو نهار... ولله در من قال: إذا لم تستح فاصنع ما شئت!!

    لقد أرغمتني أفنان على قول ما لا أرغب في قوله.. سامحها الله.. وتأتي بعد ذلك شاكية باكية تطالب بتشكيل لجنة منصفة للحكم بين الكتّاب كي تعطي كل ذي حق حقه!! وإذا كان لمثل هذه اللجان التي تطالبين بتشكيلها أدنى مقدرة على تحقيق ما تطالبين به فلماذا لا تشكّلين أنت هذه اللجنة؟ ولماذا لا تكونين أنتِ هذه اللجنة؟ ولماذا لا تتكرمين أنتِ بإعطاء كل ذي حق حقه؟ ولماذا لا تفتحين النار – وأنت قادرة على ذلك – بدون أدنى تردد على كل الأدعياء الكاذبين من أنصاف المتعلمين وأشباه الأميين الذين أحاطوا أنفسهم بهالة عجيبة من التزوير والخداع والافتراء والادعاء... وهم خواء في خواء في خواء... لماذا لا تثبتين – أيتها السيدة الفاضلة – فشلهم، وأنت خير من يستطيع القيام بذلك؟ ولماذا لا تواجهينهم وأنت تعرفين أكثر من غيرك عدم استطاعتهم الثبات لبضع دقائق أمام أبسط اختبارات الدكتورة أفنان؟ فمن المسئول – يا عزيزتي- عن هذا التسيب الأدبي، والانفلات الثقافي، والخراب النقدي، وغياب الأدباء والكتّاب والمبدعين الحقيقيين عن المسرح ليحل محلهم فيه بغاث الطير؟ من المسئول يا سيدتي عن نعيق الغربان، ونقيق الضفادع الذي طغى وبغى في هذا الزمان... ونلتقي اليوم لنلطم الخدود، ونشق الجيوب، ونبكي بحرقة فقيد هذه الأمة العربية.. فقيد الأدب العربي.. فقيد الشعر والرجولة والعنفوان والفروسية والصدق أبي الطيب المتنبي!!!.

 

                                                (28\9\2007)



Stay up to date on your PC, the Web, and your mobile phone with Windows Live. See Now

الاثنين، ١٣ تشرين الأول ٢٠٠٨

في حساب الجمّـل

في حساب الجمّـل
 
سلوانُ مسقِطُ رأسِهـا                         بلدُ الطبيعـةِ والجمـالْ
فيها الميـاه تَزينـها                           حصنُ الرجولةِ والرجالْ
في القدس منها أنجمٌ                           تهوى البطولة والنضالْ
سلوانُ يا بلدَ الأسودِ                            وخِدرَ رباتِ الحجــالْ
كم شادنٍ بسهـولها                           وجآذر بـذرى الجبـالْ
وسألتها عن عيدهـا                          ضحكت وقالت في دلالْ :
أرِّخْ لمولدِ ساميــهْ                          ( غَدْرٌ وَقَرْحٌ واحْتيالْ )
 
هذه هي حروف الأبجدية ، ورقم كل حرف فيما اصطلح على تسميته بحساب الجمّل ، أو حساب الأبجدية :
ا   ب  ج  د  هـ  و  ز  ح  ط  ي
1  2  3  4  5  6  7  8  9  10
 ك   ل   م   ن   س  ع    ف  ص   ق     ر    ش    ت
20 30 40 50 60 70  80   200 300 400
  ث    خ     ذ      ض    ظ       غ
500 600 700  800  900   1000
وعليه يكون مجموع أرقام الجملة الشعرية ( غَدْرٌ وَقَرْحٌ واحْتيالْ )
هو 1974، وهو إشارة إلى السنة التي ولدت فيها نجمة المثال السابق ( سامية ).
ومن هذا القبيل ما قلته في شاعرة العراق الكبيرة " نازك الملائكة " :
بغدادُ مسـقـط رأسها                         يا طـيـبَ بغدادِ
والمجـدُ ملء برودها                          يزهــو بتَـردادِ
والسعد رافق خطوها                           هي ظبيةُ الـوادي
أرّخ لمولـد نــازكٍ                          " شَـرِيَتْ ببغداد "
وعليه يكون مولدها في العام (1923) وفق حساب الجمّل الذي يعطي كل حرف من حروف الأبجدية رقْمًا خاصًّا به ، وذلك للتأريخ بالشعر ، حيث يشير مجموع حروف " الجملة الشعرية " إلى السنة التي أردتُ تثبيتها في النص . وقد شاع هذا اللون من الشعر في العهد العثماني ، حيث نرى كثيرًا منه منقوشًا على الحجارة التي تعلو أبواب المساجد في كثير من مدن بلادنا .
بقي أن أشير إلى أن الجملة الشعرية في المثال الأول ( غدرٌ وقرحٌ واحتيال ) تشير إلى ما يتعرض له أهل هذه الديار ، ومنهم " سامية " نجمة هذا المثال. وأن الجملة الشعرية " شَرِيَتْ ببغداد " المتعلقة بنازك الملائكة تعني – كما جاء في لسان العرب : شريَ : لجًَّ وغضبَ ، والفرس في سيره: بالغَ فيه ، وزمام الدابة : كثرَ اضطرابه . والفرس في لجامه والبعير في زمامه : مدّه وجذبه . والبرْق : لمع ، وكثر لمعانه ... ومن غريب المصادفات أن هذه اللفظة " شَرِيَتْ " قد جمعت كثيرًا من صفات شاعرتنا العربية الكبيرة نازك الملائكة َ رحمها الله .
13/ 10 / 2008

الأحد، ١٢ تشرين الأول ٢٠٠٨

إسرائيل تصادر مزيدًا من أرض فلسطين!!

أ.عدنان السمان
    جاء في "القدس" أن قائد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية قد أصدر أمرًا بمصادرة 1128 دونمًا وثمانمئة متر من أراضي أبو ديس، وعرب السواحرة، والنبي موسى، والخان الأحمر.. وأن هذه الأراضي قد صودرت بدعوى الأغراض العسكرية لإقامة ما يسمى" نسيج حياة" في منطقة مستوطنة "معاليه أدوميم" كما جاء في القرار المشار إليه.
    ولعل ما يلفت النظر أن هذا الخبر المنشور على صدر صفحة "القدس" الأولى في عدد الجمعة الخامس من تشرين الأول الجاري قد جاء تحت خبر حول الزيارة المرتقبة لوزيرة الخارجية الأمريكية للمنطقة في الفترة الواقعة من 14 – 18 من تشرين الأول الجاري.. أي ابتداءً من ثاني أيام عيد الفطر، وبعد بضعة أيام من صدور الأمر العسكري الإسرائيلي بمصادرة هذه الوجبة الجديدة من الأرض الفلسطينية لصالح مستوطنة "أدوميم" التي تفوق مساحتها مساحة "تل أبيب" وذلك بهدف تجريد الفلسطينيين من أجزاء جديدة من أراضيهم جريًا على مألوف عادتهم منذ البدايات الأولى من القرن الماضي.. وضم تلك الأراضي المصادرة إلى أكبر مشروع استيطاني في منطقة القدس لعزل المدينة المقدسة عن محيطها العربي، والإمعان في خنقها وحصارها، ومن ثم فصل جنوب الضفة عن شمالها إمعانًا في تمزيقها وتقسيمها إلى كانتونات مغلقة، ومياه راكدة أشبه ما تكون بالمستنقعات الآسنة.. تمهيدًا لتفريغها من سكانها الشرعيين، لإحلال مزيد من المستوردين والمجلوبين فيها.. تطبيقًا لمنهج الإقصاء والإحلال الذي يمارسونه في هذه الديار منذ أمد بعيد.. وتنفيذًا لبرنامج الاقتلاع والتهجير الذي بدأوا بتنفيذه عندما استقر رأيهم على اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لهم.. وصولاً إلى السيطرة المطلقة على كل "أرض إسرائيل" خاليةً من الأغيار الذين لا بد من تهجيرهم، وبالتالي استيعابهم في أماكن أخرى من هذا العالم.
    وإذا كان هذا ما يخطط له هؤلاء.. وينفّذون ولو جزءًا بسيطًا منه في كل يوم فأي معنى لهذا المؤتمر الذي تُجهد وزيرة الخارجية الأمريكية نفسها في الإعداد له، والدعوة إليه؟ إن قراءة سريعة في هذه القضية الفلسطينية منذ نشأتها تؤكد – بما لا يدع مجالاً لأدنى شك – حرص هؤلاء على تنفيذ ما يبيّتون لهذه الديار، وعرب هذه الديار من خطط ومخططات تستهدف تجريدهم من أرضهم، واقتلاعهم من هذه الأرض، ثم تهجيرهم منها على مراحل.. وبمرور الوقت.. واعتمادًا على الزمن.. وما تأتي به الأيام من نتائج خطَّط لها المخططون؛ فأحسنوا التخطيط!!
    إن نظرة سريعة إلى كل ما استجدّ على أرض فلسطين من تغيرات ومتغيرات على امتداد السنوات الستين الماضية، وما تعرض له الشعب العربي الفلسطيني منذ النكبة وحتى أيامنا هذه من هجرة وتهجير واضطهاد وتقتيل وملاحقة وإبعاد.. وإن نظرة عجلى إلى كل هذه التراجعات والانهيارات التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ نشأتها لتؤكد على حجم المخاطر والمخططات التي عصفت بهذا الشعب العربي في بلاده فلسطين.. وتوضح للمراقب المحايد مدى إصرار هؤلاء المخططين على امتلاك كل شيء، وحرمان غيرهم من أبسط الحقوق الإنسانية والسياسية التي ضمنها لهم المجتمع الدولي، ونصت عليها شرائعه وقراراته الكثيرة المتلاحقة... إلا ما جاء في وسائل الإعلام لغايات الدعاية، والتمويه، وصرف الأنظار عن الحقائق المرة.. وتضليل الرأي العام العالمي.. وخداع الأصدقاء الأقوياء وتضليلهم أيضًا.
    وإذا كان الأمر كذلك – وهو كذلك- فإنه يحسن بالسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية أن تحاول إقناع هؤلاء بما قاله الرئيس بوش، ونشرته "القدس" أيضًا على صدر صفحتها الأولى في عدد الجمعة الخامس من تشرين الأول حيث قال: يجب جعل أمل الدولة حقيقيًّا بالنسبة للفلسطينيين... كما أنه يحسن بها اقناعهم أيضًا بضرورة الاعتراف بأن شعبًا آخر يعيش في هذه الديار منذ آلاف السنين هو الشعب  العربي الفلسطيني، وأن هذا الشعب هو صاحب حق تاريخي، وحق دينيّ، وحق قوميّ، وحق سياسيّ، وحق إنسانيّ، وحق حضاريّ، وحق ثقافيّ، وحق نفسيّ أخلاقيّ وجوديّ في هذه الديار.. وأن هذا الشعب لن يتخلى عن أيِّ من حقوقه في بلاده فلسطين.. وأن القدس مثلاً هي جزء من عقيدة الإنسان العربي المسلم، والإنسان العربي المسيحي، والإنسان العربي العلمانيّ والوجودي.. والعربيّ اليميني واليساريّ أيضًا... وأن هذه المدينة المقدسة لن تكون لغير العرب، ولغير الفلسطينيين برضاهم، وعن طيب خاطر! وإن فُرض عليهم ذلك لهذا السبب أو ذاك فإنهم سيظلون يعملون من أجل استعادتها، ومن أجل تحريرها من سيطرة الآخرين...
    وهذا يعني – باختصار شديد- استمرار حالة التوتر والاحتقان والاستعداد للحروب... وهذا يعني أيضًا أن السلام الذي هو في نهاية المطاف حلم الشعوب لن يتحقق إذا لم تُحل قّضايا الشعوب حلاًّ عادلاً مقنعًا... وهذا يعني أيضًا أن السلام لا يكون سلامًا إلاّ إذا أعاد الحقوق إلى أصحابها، وقضى على كل أسباب التوتر والحروب والاقتتال... وإلا فإنه مجرد استسلام المغلوب – مؤقَّتًا – للغالب، والضعيف للقوي... والاستسلام – كما يقول التاريخ – لا يدوم..
    ومعنى ذلك أن هذا الصراع سيستمر ما دام العدل غائبًا.. وأن الحروب ستستمر ما دامت الحقوق ضائعةً، والشعب – صاحب الحق- مشرَّدًا... وما دام هؤلاء وأولئك يضطهدون أصحاب الحق.. ويحاولون جاهدين تجريدهم من حقوقهم بشتى الطرق، ومختلف الأساليب.
    يحسن بالسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية أيضًا أن تعلم أنّ الشعوب هي التي تصنع السلام إذا هي اقتنعت به، وإذا هو ضمن لها حقوقها، وحلَّ مشكلاتها... وأن هذه الشعوب لا يمكن أن ترضخ أو تستكين للإملاءات، ولا يمكن أن توافق على ضيم أو ظلم أو امتهان للكرامة... وأن الحكام – في كثير من الأحيان – لا يستطيعون خداع شعوبهم، أو إرغامها على ما لا تريد، ولا يستطيعون التحكم بهذه الشعوب إلى ما لانهاية... وهذا يعني أن الحكام الحقيقيين هم الذين يتناغمون مع شعوبهم، ويفهمون أيضًا أن الحلول التي يُراد لها أن تستمر وتدوم هي الحلول التي يرضى عنها الناس العاديون – لا المستفيدون- ويقرّها الشارع – لا من يُرهبون الشارع – ويؤمن بها الشعب صاحب المصلحة الحقيقية في الحلول المنصفة المعقولة التي تصنع سلامًا عادلاً لا غالب فيه ولا مغلوب.. ولا ظالم ولا مظلوم.. ولا مشرَّدًا بعد عقد راية الصلح والسلام، ولا هائمًا على وجهه تائها بعيدًا عن وطنه وبيته وأرضه مهجَّرٌ واحدٌ من هذه الملايين التي تعيش الهجرة والمنفى والشتات منذ ستين عامًا دون ذنْب، ودون أدنى سبب أو مسوِّغ لهذا العقاب المرّ، والقصاص الجائر الذي أُنزل بعرب فلسطين.. ودفعوا ثمنه الباهظ دموعًا ودماءً وتشرّدًا وضياعًا وتيهًا في الأرض جيلاً بعد جيل!!
    ويحسن بالسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية أن تعلم يقينًا أنه لا يصحّ إلا الصحيح.. ويحسن بها أن تخاطب الشعوب التي تقبع الغالبية العظمى من قياداتها، وممثليها الشرعيين المنتخبين في السجون والمعتقلات لا لشيء إلا لأنهم منتخبون!! ولا لشيء إلا لأنهم يعبّرون عن تطلّعات ناخبيهم بصدق وأمانة!! ولا لشيء إلا لأنهم يريدون عدلاً وأمنًا وأمانًا وسلامًا... فهل في هذا ما يعيب؟ وهل في هذا ما يستوجب العقاب؟ وهل تسمح قوانين المجتمع الدولي وشرائعه وأعرافه بالاعتقال السياسي؟؟ وهل كانت الدعوة إلى سلامٍ عادلِ دائم شريف مقنع متكافئ لا غالب فيه ولا مغلوب في يوم من الأيام جريمةً يعاقب عليها القانون؟
    كما يحسن بالسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية أن تتذكر أسرى الحرية والرأي من ممثلي هذا الشعب المنتخبين بنزاهة وشفافية وديمقراطية دونها سائر الديمقراطيات في هذا العالم.. اذكريهم أيتها السيدة وأنت تمرين في أثناء تحركاتك وتنقلاتك في هذه الديار بالقرب من أماكن احتجازهم واعتقالهم.. وافعلي شيئًا من أجلهم.. ومن أجل الديمقراطية والحرية والعدالة في هذه الديار... كما يحسن بالسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية أن تقنع هؤلاء بضرورة الكفّ عن مصادرة الأرض.. وبضرورة التخلي عن الاستيطان والمستوطنات بدون أي استثناء.. وبضرورة تنفيذ القرار 194 بشأن قضية اللاجئين المهجَّرين العرب الفلسطينيين.. وبضرورة العودة بالقدس وسائر الأرض المحتلة إلى ما كانت عليه يوم الرابع من حزيران من عام سبعة وستين وتسعمئة وألف.. وبضرورة رفع أيديهم عن المياه في هذه الديار. مع تحياتي للسيدة وزيرة الخارجية الأمريكية.
 (10/10/2007)

الخميس، ٩ تشرين الأول ٢٠٠٨

حفيدي الغالي مجد الدين مازن أصلان المحترم

حفيدي الغالي مجد الدين مازن أصلان المحترم

                   تحية طيّبة وبعد

    فلقد قررتُ أن أكتبَ أُولى رسائلي إليك – أيها الغالي – على هذا الورقِ الذي أهديتني إياهُ هذا المساء - مشكورًا- يا حفيدي .. قررتُ أن أكتبَ إلى حفيدي الغالي رسالةً أُضَمِّنُها خالص محبتي ، وصافي مودَّتي .. رسالةً  أقول فيها إنّ أجمل أيامِ العمر هي أيامُ الحياةِ المدرسيّة ، وإنّ أصدقاءَ الإنسانِ الذين لا يمكنُ أن ينساهم أبدًا هم أصدقاءُ الدراسة ، وإنّ الإنسان في هذه الأيام يبني مستقبله يومًا بعد يوم ، وساعةً في إثر ساعة ، تمامًا كما يبني البنّاءون البيوت، وكما ينجزُ العمالُ أعمالَهم ... إن طالبَ العلمِ الذي ينصرفُ إلى دراستِه ،  ويقومُ بواجباته ، ويهتمُّ  بدروسه الاهتمامَ الكافي ، ويحترمُ زملاءَه ومعلِّميه ، ويحافظُ على علاقاتٍ حسنةٍ مع أفراد أسرته ، ومع جيرانه ، ويطيعُ والديه ، ويسمعُ نُصْحَهما وإرشادهما .. طالبُ العلمِ هذا هو الطالبُ الناجحُ الخَلوقُ المحبوبُ المنسجمُ مع نفسِه ، وهو الطالبُ المثاليُّ الذي سيكونُ له شأن  وأي شأنٍ في المستقبل ، وهو الإنسانُ الذي يحقِّق لنفسه منزلةً ساميةً ، ومكانةً مرموقةً في مجتمعه ؛ فيبني أسرةً سعيدةً هانئةً ، ويعيشُ بأمنٍ وأمانٍ واحترامٍ في وطنه ، ويقدِّمُ العَوْنَ والمساعدةَ للناسِ من حَوْلِه ، وبهذا يكونُ مواطنًا صالحًا خيِّرًا معطاءً يقومُ بواجبه نحو وطنه ومجتمعه وأسرته خيرَ قيام.

  حفيدي الغالي

     إنك اليومَ في العاشرة من عمرك  تصنعُ مستقبلَك بقوة  ، فكلَّما كنتَ جادًّا متفائلاً مُجِدًّا مقبلاً على الدراسةِ بهمةٍ عاليةٍ كان مستقبلٌكَ مشرقًا زاهرًا ، وكان غَدُكَ باسمًا ، وكنتَ إنسانًا جديرًا بمحبةِ الناسِ واحترامهم وتقديرهم ، وكنتَ حَرِيًّا برضا الله ، ورضا الوالدين ، وكنتَ مصدرَ سعادةٍ لوالديكَ اللَّذين ضحّيا من أجلك بكل ما يملكان ، وكنتَ مصدرَ سعادةٍ لجدِّكَ الذي أحبَّكَ ، وكان يتمنى أن يعيشَ العمرَ إلى جانبكَ ليفرحَ بفرحك ، ويُسَرَّ بسرورِك ، ويبتهجَ كلَّما رأى طموحاتِكَ وأهدافَكَ وهي تتحقق.

 حفيدي الغالي

 إنني على ثقةٍ ويقين أنك إنسانٌ طيّبٌ ، وطالبٌ جيّدٌ ، وشابٌّ موهوب يهوى الكتابة والرسم والخط والموسيقى والفن ... وإنني على ثقةٍ أنك ستعملُ جاهدًا من أجل تنميةِ مواهبك ومهاراتك وقدراتِك ... فأنتَ – يا عزيزي – جديرٌ بكل الاحترام والتقدير .. جدير بكل المحبة ، جديرٌ بالنجاحِ ، وعلوِّ المكانةِ والشأن بين الناس .

حفيدي الغالي

 إياكَ والكسَلَ .. إياكَ أن يتسرَّبَ الضعفُ والوَهَنُ إلى نفسك ، إياكَ وقرناءَ السوءِ ، إياكَ ومصاحبةَ الأشرار الذين لا يحبون الخير لأحد !!  ابتعدْ عن كل ما من شأنه أن يسيءَ إليكَ وإلى أسرتك .. ابتعدْ عن الفاشلين .. لا تسمعْ كلامَهم .. لا تُصْغِ  إليهم .. إياكَ ومجالستَهم .. اجعل الكتابَ جليسَك .. ألم يقلِ الشّاعر:  " وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ " ؟

 بلى يا حفيدي الغالي .. لقد قال الشاعر ذلك .. فعليكَ بالكتاب .. عليكَ بالعلم .. عليكَ بالمعرفة ؛ فهي السبيل إلى علوِّ الشأن ، وسموِّ المكانة  ، واسمع رسولَنا الكريم حيث يقول : " مَن أرادَ الدنيا فعليه بالعلم ، ومن أرادَ الآخرةَ فعليه بالعلم ، ومن أرادهما معًا فعليه بالعلم " .

  حفيدي الغالي

إنه ولكي تتمكن من تحقيق أهدافك وطموحاتك ، ولكي تصنَعَ مستقبلَك المشرقَ بإذن الله ، فإنه من الضروري – يا عزيزي – أن تكونَ قويًّا سليمًا معافًى .. ينبغي أن تكون ذا صحةٍ جيِّدة تمكِّنكَ من تحقيق الأهداف .. حافظ على سلامة جسدك وقوَّته .. مارس الرياضة َ فهي السبيلُ إلى بناء الأجسام القوية ، والعقول النيِّرة .. واتَّبع نظامًا غذائيًّا صحيًّا .. واعلم – يا صغيري – أن الحياةَ  إرادة ، وأن الإنسانَ نظامٌ غذائيٌّ في أغلب الأحيان ... فلتكن إرادتُكَ قوية .. فقوة الإرادةِ هي الوقود الذي لا يمكنُ أن تسير المركبةُ بدونه !! وحافظ – يا صغيري – على نظامٍ غذائيٍّ متوازنٍ متكاملٍ من هذه اللحظة التي تقرأ فيها رسالتي هذه ... حفظك الله ورعاك ، وسدَّد على طريق الحق والخير والرجولةِ والاجتهاد خُطاك .. ونصرك الله نصرًا مؤزَّرًا عزيزًا .. واسلم لجدك الذي لا ينساك .

www.samman.co.nr

6/10/2008

الساعة العاشرة مساءً.


السبت، ٤ تشرين الأول ٢٠٠٨

حرب أكتوبر.. هل كانت آخر الحروب؟

متابعات
حرب أكتوبر.. هل كانت آخر الحروب؟
أ.عدنان السمان
    أسماها المصريون حرب أكتوبر، وأسماها السوريون حرب تشرين، وأسميناها مثل كثير من  الأشقاء في بلاد العرب حرب العاشر من رمضان، وأسماها الإسرائيليون حرب يوم الغفران... وصف السوريون تلك الحرب بأنها تحريرية، وقال كثير من العرب إنها تحريكية، وقالت غولدا مئير إنها تدميرية، وطلبت من وزير حربها موشيه ديان في بدايتها أن يوقع صك الاستسلام للعرب حتى لا يُباد شعب إسرائيل.. أما الرئيس المصري محمد أنور السادات الذي أطلق رصاصتها الأولى فقد وصفها بأنها اختراق عربي لحاجز الخوف مؤكدًا على أنها آخر الحروب، وأن هذه المنطقة لن تشهد حربًا بعدها... فهل حسمت تلك الحرب هذا الصراع العربي الإسرائيلي؟ وهل كانت تلك الحرب آخر الحروب في هذه المنطقة؟
    لقد قامت القوات المصرية في الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر (1973) بالرد على أعمال عسكرية إسرائيلية.. ولقد تمكنت من عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف الحصين، ومباغتة القوات الإسرائيلية التي تحتل شبه جزيرة سيناء والضفة الشرقية من قناة السويس منذ حرب حزيران من العام سبعة وستين وتسعمئة وألف، وتمكنت هذه القوات من نقل المعركة إلى ضفة القناة الشرقية، ومواصلة التقدم شرقًا في سيناء... كما تمكنت القوات السورية في ذلك اليوم من احتلال المواقع الإسرائيلية في جبل الشيخ، والتقدم في الجولان... أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد وقفت – كالعادة – إلى جانب إسرائيل.. وأما الاتحاد السوفياتي فقد وقف إلى جانب العرب.. وأما الأقطار العربية المنتجة للنفط فقد أوقف بعضها تصديره إلى الولايات المتحدة، وخفّض بعضها الآخر حجم الكميات التي يصدّرها منه.. وأما جبهتا القتال فقد شهدتا منذ ظهيرة السبت الواقع في السادس من تشرين الأول من العام ثلاثة وسبعين وتسعمئة وألف للميلاد الموافق للعاشر من رمضان من العام ثلاثة وتسعين وثلاثمة وألف للهجرة وحتى الساعة السادسة والدقيقة الثانية والخمسين من مساء الإثنين 22/10 الموافق 26/ رمضان حربًا ضروسًا قبل أن تعلن الأطراف جميعها قبولها بوقف إطلاق النار استجابة لقرار مجلس الأمن رقم 338.. وإن كان القتال عمليًّا قد توقف في اليوم التالي... إنه، وعلى امتداد سبعة عشر يومًا من القتال الشرس على الجبهتين كان تاريخ جديد يُكتب، وحقائق جديدة تفرض نفسها على أرض الواقع.. ومقدمات طبيعية لما نحن فيه اليوم تتكون في رحم الغيب.. وتصاغ حيثياتها وتفصيلاتها في أروقة السياسة الدولية.. وتجد تعبيرًا لها في  قرارات مجلس الأمن الخاضع للسيطرة الأمريكية المطلقة أو الفيتو الأمريكي المنحاز الذي يحلّل حرامًا، ويحرّم حلالاً مذ كان مجلس الأمن وحتى يومنا هذا... ويحسن بنا قبل الخوض في نتائج تلك الحرب التي لم تكن آخر الحروب كما أُريد لها.. وقبل الخوض في الصلة العضوية الوثيقة التي تربط في العادة بين ماضٍ من الزمان وآتٍ.. يحسن بنا من باب الوفاء للأجيال التي لم تعش تلك الحرب، ولم ترها، ولم تسمع عنها أيضًا.. ومن باب تكثيف التاريخ كي يسهل تقطيره.. وكي تسهل رؤيته، ويصبح التزود به أمرًا في متناول اليد أن نختزل التاريخ في هذه العناوين والمانشيتات الحمراء التي طلعت بها "القدس" علينا طوال أيام تلك الحرب المحصورة بين السادس والثالث والعشرين من أكتوبر أقدّمها – معونةً للعاقل، وتذكرةً للغافل – كما يلي: اندلاع الحرب على جبهتي السويس والجولان. قوات مصر تعبر السويس، وقوات سورية تتقدم في الجولان. معارك برية وجوية وبحرية ضارية. إسرائيل تتوقع القتال عدة أيام. أميركا تفشل في سعيها لوقف الحرب، وتجري اتصالات عاجلة مع روسيا. احتمال عقد مجلس الأمن.
    الطائرات والدبابات تخوض معارك ضارية في الجبهتين. مجلس الأمن يجتمع مساء اليوم بطلب من أميركا. نيكسون يقطع إجازته ويعود إلى واشنطن.
    تصاعد القتال في الجبهتين. المصريون يضربون آبار النفط في سيناء، ويستعيدون القنطرة. إسرائيل تقصف بور سعيد.
    الحرب تزداد ضراوة ويتسع نطاقها. شلل مجلس الأمن نتيجة اختلاف الدول الكبرى. الطائرات الإسرائيلية تقصف دمشق، وحمص، ومواقع مصرية. عسكريون إسرائيليون يعترفون بالانسحاب وراء خط بارليف. سورية تستخدم صواريخ جديدة في المعركة.
    جسر جوي روسي لنقل أسلحة لمصر وسوريا. الأسلحة الأمريكية والروسية تتدفق على المتحاربين. اشتداد الغارات والمعارك الجوية، واستمرار تصاعد الحرب البرية.
    كيسنجر يخشى تحول المعركة إلى حرب نووية بين الكبار. احتدام المعارك في الجولان، واشتراك القوات العراقية لأول مرة في القتال. مجلس النواب الأميركي يُسقط قرار مجلس الشيوخ الداعي إلى انسحاب القوات العربية. حالة تأهب في حلف وارسو. تخفيض شحنات البترول السعودية عبر خط التابلاين.
    أميركا تقرر تزويد إسرائيل ببعض الأسلحة. القوات المتحاربة تلقي بثقلها في سيناء والجولان. حلف الأطلسي يعتبر قطع النفط العربي عملاً عدوانيًّا. احتجاجات عربية إلى أميركا على تجسس طائراتها على مصر، وتزويد إسرائيل بالسلاح.
    أميركا تعلن رسميًّا شحن أسلحة إلى إسرائيل. سيناء تشهد أعنف معركة منذ بداية الحرب (الجمعة 19/10) الجانبان المصري والإسرائيلي يدفعان إلى القتال بقوات ضخمة من الطائرات والدبابات. سلاح النفط يدخل المعركة: أبو ظبي تقطع النفط عن أميركا، والسعودية تخفّضه. الأسلحة تواصل تدفقها إلى المنطقة. اتصالات أميركية وروسية لوقف الحرب.
    القتال يبلغ ذروته في سيناء. ليبيا تقطع النفط عن أميركا. نيكسون يطلب رصد 2000 مليون دولار لمساعدة إسرائيل.
    السعودية تقطع بترولها عن أميركا. محادثات أميركية روسية في موسكو لوقف القتال. معركة المدرعات في سيناء تدخل يومها الرابع، واستمرار القتال العنيف. ورئيس الأركان المصري الفريق سعد الدين الشاذلي يتعهد بتدمير سلاح المدرعات الإسرائيلي.
    مجلس الأمن يقرر وقف النار، وبدء مفاوضات فورية. الأطراف المتحاربة تعلن التزامها بوقف القتال في الساعة السادسة والدقيقة 52 من مساء الاثنين 22/10 الموافق 26/ رمضان استجابة لقرار مجلس الأمن رقم 338.
    إنذار روسي إلى إسرائيل بسحب قواتها إلى خط وقف النار. استمرار القتال على جبهة السويس والجولان رغم قرار مجلس الأمن رقم 338 ومجلس الأمن ينعقد بطلب من مصر.
    مئير: لا عودة لحدود 4/ حزيران/ 1967.
    الجمعة 26/ 10 الموافق 1/ شوال: مجلس الأمن يقرر تشكيل قوة طوارئ دولية. كيسنجر: نأمل في أن تبدأ المفاوضات بين العرب وإسرائيل خلال أسابيع.
    خطوط عريضة لاتفاق روسي أميركي للسلام: إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة مركزها القدس العربية. انسحاب إسرائيل من سيناء والجولان. مناطق منزوعة السلاح، وقوات سلام دولية.
    ولقد نصّ قرار مجلس الأمن رقم 338 على البدء فورًا بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 بجميع أجزائه، وبدء مفاوضات فورية بين الأطراف ذات العلاقة تحت رعاية ملائمة تستهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
    أما ما أوردته "القدس" في عددها الصادر يوم الأربعاء 31/ 10 الموافق 1/ شوّال فهو: وجوب انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة، وحق تقرير المصير للفلسطينيين.
    فهل انسحبت إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة؟ وهل قرر الشعب العربي الفلسطيني مصيره؟
    من المؤلم أن شيئًا من هذا لم يحصل.. ومن المؤلم أن إسرائيل لم تنسحب من الأراضي العربية المحتلة، وإن كانت قد انسحبت من "أراضٍ"  محتلة كما نص على ذلك القرار (242) ومن المؤلم أن تلك البداية الرائعة لحرب أكتوبر لم تسفر عن أكثر من توقيع اتفاقات "كامب ديفيد"، وتبادل السفراء بين القاهرة وتل أبيب.. ثم بين عمان وتل أبيب في وقت لاحق.. ثم توقيع اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.. هذه الاتفاقات التي أسفرت عن قيام السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا، ولا تزال المحاولات مستمرة من أجل إلحاق مناطق أخرى من الضفة الغربية بهذه السلطة منذ خمسة عشر عامًا... دون أن يعلم أحد يقينًا ما الذي ستسفر عنه هذه المحاولات.. وكيف سيكون شكل هذه الديار في قادم الأيام والآجال... وإن كنا نعرف يقينًا – أن الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية لهذه الديار وأهل هذه الديار في تراجع يومي مستمر.. وإن كنا على يقين أيضًا أن أكثر من نصف مساحة هذه الضفة قد أصبحت تحت سيطرة المستوطنات والمستوطنين التي تشير آخر المعلومات إلى أن عددهم قد أصبح قرابة نصف مليون مستوطن في هذه الديار!! وإن كنا على يقين أيضًا أن الإسرائيليين ليسوا جادين في التوصل إلى حلٍّ جذريٍّ للقضية الفلسطينيّة يضع حدًّا لآلام الفلسطينيين، ويعيد إليهم حقوقهم التي ضمنها المجتمع الدولي، ونصّت عليها قرارات الأمم المتحدة... الإسرائيليون لا يريدون أكثر من حلول مرحلية يؤدي سابقها إلى لاحقها بعد أن يكونوا قد حققوا شيئًا من المكاسب، وتغيير شيء من الحقائق على الأرض... وهكذا حتى يتم لهم التوصل إلى ما يريدون.. وعلى الرغم من أن معرفة ما يريدون ليست من الأمور السهلة لأنها – في نظرهم – قضية مفتوحة متروكة للزمن كي يبت فيها على ضوء القوة الإسرائيلية والضعف العربي، والتشرذم الفلسطيني، وخنوع المجتمع الدولي، وانقياده للرغبة الإسرائيلية.. أقول: على الرغم من أن معرفة ما يريده هؤلاء ليست أمرًا سهلاً إلاّ أن المراقب المتتبع لسير الأحداث يستطيع أن يستنتج بناء على كل هذه المقدمات أنهم يريدون كل شيء.. وأنهم لن "يتنازلوا" للفلسطينيين عن شيء أي شيء من أرض إسرائيل.. إلا إذا كان ذلك مرحليًّا يستعيدونه منهم بمرور الزمن... القضية الفلسطينية إذن هي قضية منتهية - من وجهة نظرهم – استبدلوها منذ أمد بعيد بقضية أرض إسرائيل، وشعب إسرائيل، وهؤلاء الأغيار الذين تقضي الأصالة والنقاء أن يتخلصوا منهم بقدر المستطاع، وكلما كان ذلك ممكنًا، وبالطرق السلمية الأكثر إنسانيةً والأقل ضجّةً لا بد أن يأتي اليوم الذي يستطيعون فيه أن يجدوا حلاًّ لموضوعهم في دول الجوار.. فإن لم يكن ذلك ممكنًا ففي الدول الأكثر بُعدًا والأكثر تبعيّةً.. وفي الدول البعيدة النائية التي تنسيهم جذورهم، وتلغي تاريخهم وثقافتهم، وتغير ملامح شخصيتهم إن بقي لديهم شيء من شخصية، وشيء من وجود أو مقومات... القضية الفلسطينية محلولة على هذا الأساس وهذا التصور.. وحق العودة استُبدل منذ أمد بعيد بحق عودة آخر يعني عودة "اليهودي" من كل أنحاء الدنيا إلى أرض إسرائيل.. لا عودة العربي الفلسطيني الذي اقتلع من جذوره عام ثمانية وأربعين إلى بلاده وأرضه وبيته الذي لم يعد له حق فيه بعد أن عاد لمالكه القديم العائد إليه من آخر الدنيا!! الفلسطينيون إذن لم يعودوا أصحاب حق في هذه الديار.. ولعل ما صرحت به وزيرة خارجيتهم في خطابها  أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وهي تخاطب العرب ينطوي على كثير من هذه الحقائق المرة التي أُوردها في هذا المقام.. فوزيرة الخارجية الإسرائيلية " ليفني" تدعو العرب إلى إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل.. مستهجنةً أن يكون العرب فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين!!! هكذا تريد وزيرة الخارجية الإسرائيلية: أقيموا علاقات طبيعية معنا.. لا تفكروا كثيرًا أو قليلاً بالفلسطينيين.. فقد انتهى أمرهم، وحُلّت قضيتهم – ولم تعد عقبةً أمام أحد... وما علينا في هذه المنطقة من العالم إلا أن نعمل معًا من أجل تحقيق هذه الأهداف... ولا يعتقد مراقب يقظ مطلع أن هذه الأهداف لا تعدو كونها سيطرة على كل أرض العرب، وعلى كل بلاد المسلمين التي يسمونها اليوم" الشرق الأوسط الكبير" أو الجديد.. وإن اختلفت الوسائل والأساليب والأسماء والمسميات إلا أن الهدف واحد، وهو التحكم الفعلي المطلق بأرض العرب وبلاد المسلمين في يوم من الأيام..
    بخروج مصر من دائرة الصراع في أعقاب حرب أكتوبر، وبموجب اتفاقات كامب ديفيد.. وبتوقيع اتفاقات أوسلو، والزجّ بفلسطين، والفلسطينيين، والقضية الفلسطينية في هذا الوضع الجديد الذي يمكن تسميته بالحالة الفلسطينية قررت أمريكا خلق حالة شبيهة في العراق... إمعانًا منها في إذلال العالم العربي، وتقطيع أوصاله، ونهب خيراته، وضرب ما كان يسمى بالعمق العربي لفلسطين... ثم ما يقال اليوم عن تقسيم العراق.. وإلغاء شخصيته العربية، وضرب انتمائه العربي.. كما كان احتلال أفغانستان قبل ذلك شبيهًا بهذا ولكن في العمق الإسلامي... خروج مصر من دائرة الصراع إذن بعد حرب أكتوبر  عزلها تمامًا عن الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يُعد لها السيطرة على سيناء.. التي أصبحت دولية.. وأصبحت منتجعاتها كذلك.. وكل ما يقع على عاتق مصر هو حماية هذا الوجود الأجنبي المكثّف على أرض سيناء، وملاحقة المصريين وغير المصريين الذين يشكّلون تهديدًا لهذا الوجود الأجنبي على أرض مصرية... ولقد أدى هذا الخروج إلى ما أدى إليه من ضعف عربي، وانقسامات عربية.. كما أفقد العرب، وأفقد المسلمين، وأفقد فلسطين والفلسطينيين كثيرًا من تضامنهم وكثيرًا من خصائصهم، وكثيرًا من مقومات وجودهم.. ولئن كانت حرب أكتوبر آخر الحروب (كما قال الرئيس المصري السادات آنذاك) فقد حصل هذا بالفعل، ولكن على الجبهة المصرية فقط بخروج مصر من دائرة الصراع، وتخلي مصر عن دورها التاريخي في بلاد العرب منذ العام اثنين وخمسين.. ودورها التاريخي في فلسطين والقضية الفلسطينية.. وإعادة الحقوق إلى أصحابها عرب فلسطين.. هذه الحقوق التي لم تعد تعني شيئًا في هذه الأيام الموغلة في السوء.. المفرطة في التراجع والانحسار.. المنذرة بشر مستطير يغشى هذه الديار، وكل من في هذه الديار، ولسوف يصيب بأذاه وأضراره كثيرًا من الأقطار والأمصار من دول الجوار وغير دول الجوار... لا نتمنى هذا.. بل نحذّر منه بعد أن طفح الكيل، ووصل السيل الزبى.
    وبخروج مصر من دائرة الصراع بقيت سوريا التي عكفت منذ أن وضعت حرب تشرين التحريرية أوزارها على تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل.. ذلك أن السوريين قد باتوا على قناعة تامة بضرورة الاعتماد على النفس في المواجهات المقبلة.. ولقد استوعب السوريون درسًا كبيرًا من دروس حرب العاشر من رمضان من العام ثلاثة وتسعين وثلاثمئة وألف للهجرة.. فإن ما حدث على الأرض في الدفرسوار.. وما حدث في كامب ديفيد.. وما كتبه الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان المصري وأحد أكبر العسكريين في العالم كله آنذاك.. كل هذا وكثير غيره قد حدا بالسوريين لاتباع نهج جديد في التعامل مع الحوادث والأحداث في هذه المنطقة من العالم.. لقد حرصت سوريا على تمتين علاقتها بروسيا.. كما طوّرت علاقتها بإيران.. وأقامت أقوى الصلات وأوثقها مع كل العرب الوحدويين في لبنان الذي لم يكن في الماضي، ولن يكون في الحاضر والمستقبل أكثر من الخاصرة اليمنى للقطر العربي السوري.. ولم يكن ولن يكون إلا أرضًا عربية سورية، وجزءًا لا يمكن أن يتجزّأ من بلاد الشام.. ولم يكن في يوم من الأيام إلا شقيقًا جميلاً وجارًا حبيبًا، ورديفًا شريفًا لفلسطين والفلسطينيين..
    حرصت سوريا منذ أن وضعت حرب تشرين أوزارها، وبعد أن حررت القنيطرة مركز محافظة القنيطرة على انتهاج هذه السياسة التي تتبعها، والتي ينظر إليها كثير من المراقبين والمحللين السياسيين بكثير من الارتياح والإعجاب... فإذا كانت الاستفزازات الإسرائيلية التي مارسها الإسرائيليون في الأيام التي سبقت حرب حزيران سببًا كافيًا لجر سوريا إلى حرب من تخطيط الإسرائيليين وتوقيتهم فإن الغارة الجوية التي نفّذها الإسرائيليون ضد موقع عسكري سوري مهجور في السادس من أيلول الماضي لم تنجح في جر السوريين إلى خطوة عسكرية متهورة يدفع كل العرب في كل ديارهم ثمنها الباهظ..
    المراقبون والمحللون العسكريون بالطبع لا يعتقدون أن كل ما ستفعله سوريا لن يكون أكثر من بيان أو رد كلامي أو شكوى تقدمها إلى مجلس الأمن.. بل إن المراقبين يعتقدون أن سوريا المحاصَرة بعاصمتها الحدودية التي يعرف السوريون أكثر من غيرهم أنها موقع متقدم من مواقعهم التي من المستحيل أن يفرّطوا بها مهما كلف الأمر، ومهما كان الثمن... سوريا لن تفعل إلا ما تعتقد تمامًا أنه الرد المثالي الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ما تريد... أما إذا فُرض عليها ما ليس في حسابها وحساباتها فإن ردها لن يكون سهلاً.. وإن رد أصدقائها وحلفائها – وهم كثر- قد يكون قاسيًا مؤلمًا... وعليه فإنه يحسن بكل من تحدثه نفسه بالعدوان على سوريا أن يضع هذا وكثيرًا غيره في حساباته، حتى لا يفاجأ بالحقيقة التي قد يضطر لدفع ثمنها أضعاف ما كان يتوقع.
    ليس بإمكان المرء أن يقول أكثر من هذا في موقف كهذا، وموقع كهذا، ومناسبة كهذه... وليس بإمكان المرء أن يصرّح بما يغني عنه التلميح؛ فالسوريون يعرفون أكثر من غيرهم أن تلك الحرب لم تكن آخر الحروب، وأنها لن تكون كذلك.. فقد شهدت الساحة الفلسطينية ما هو أكثر من الحرب خلال السنوات الماضية، ولا زالت هذه الساحة مرشَّحةً لكثير مما ستأتي به الأيام... والساحة اللبنانية شهدت خلال تلك السنوات كثيرًا من المعارك والحروب التي يعرفها جيدًا كل العرب، وكل اللبنانيين، وكل الإسرائيليين أيضًا... ولسنا هنا بصدد كتابة تاريخ هذه المنطقة أو كتابة تاريخ معاركها وحروبها.. وإنما هي إشارة سريعة إلى ما حصل، ودعوة صريحة لتجنب ما يمكن أن يحصل من مواجهات ومعارك ومصادمات وحروب نحن جميعًا في غنىً عنها لسبب بسيط هو أنها لن تكون في مصلحة أحد.. ولن يستفيد منها أحد.. ولن تحسم نزاعًا.. ولن تنهي صراعًا.. ولن تسبب إلا دمارًا وخرابًا.. ولن تخلّف إلا أحقادًا... وعليه فإن ما يمكن أن يقال ببساطة إن الحل العادل لكل قضايا هذه المنطقة ومشكلاتها هو الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والأمان لكل لشعوبها... وإن السلام الشريف المقنع العادل الدائم هو وحده الكفيل بحل مشكلات هذه البلاد، وهو وحده الذي من الممكن أن يضع حدًّا للحروب في هذه الديار.
    إن عودة الشعب العربي الفلسطيني إلى دياره التي أُخرج منها.. وقيام الدولة الفلسطينية في كامل الأرض المحتلة منذ عام سبعة وستين وعاصمتها القدس العربية.. قد يكونان أساسًا صالحًا لصنع سلام ترضى عنه الأجيال في هذا الجزء من العالم.
                                                                                                                                                                                            ( 6/10/2007)
   

الاثنين، ٢٩ أيلول ٢٠٠٨

مزيدًا من المحبة والتسامح في العيد..


متابعات
مزيدًا من المحبة والتسامح في العيد..
أ.عدنان السمان
    العيد فرحةٌ للصغار ،وبهجة للكبار .. ولئن كانت الدنيا روضًا فإن الأعياد زهره وأريجه . ولئن كانت الحياة رحلة فالأعياد زينتها وزخرفها ، وهي المحطات التي يستريح فيها المسافرون من عناء السفر ومتاعبه ، ويجددون فيها نشاطهم ، ويستعيدون قواهم لمواصلة السير على طول دروبها الطويلة ... في العيد تصفو النفوس ، وتنقشع غيوم التجّهم والعبوس .. فيه تؤدّى الشعائر ، وتُزار المقابر ، ويُقبل الناس على الحياة بهمة وعزم ونشاط يَصِلون أرحامهم ، ويعودون مرضاهم ، ويزورون أقرباءهم وأصدقاءهم ، ويناقشون قضاياهم ، ويتحدثون في أحوال أمتهم وقضاياها ، وفي أحوال الدنيا من حولهم .
      والعيد فرصةٌ لالتقاط الأنفاس ، والاستماع جيِّدًا لأحاديث الناس ، والاطّلاع على أحوالهم ، وأخبارهم ، والوقوف على أفكارهم وآرائهم ، وهو فرصة لمناقشة أحوال الأمة بهدف إيجاد الحلول المناسبة لقضاياها ومشكلاتها ، والاتفاق على أفضل السبل لإخراجها من أزماتها ، وإعادة أيام عزها وأمجادها في محاولة لصنع رأي عام واعٍ مستنير ...والعيد أيضًا فرصة لإسداء النصح لطالبيه ، فالدين النصيحة ، والدين المعاملة، والدين أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، والدين تغليب للمصلحة العامة على غيرها من المصالح ، واهتمام بقضايا البلاد والعباد دونه كل اهتمام ... كل هذا في إطار من المحبة ، والتفاهم ، والتسامح ، والغفران .. بعيدًا عن الشتيمة والتجريح والاتهام ، وبعيدًا عن الفحش في القول ، ونسف الجسور بين أبناء المجتمع الواحد ... فالعيد هنا فرصة للتصافي ، وتنقية القلوب من الضغائن ، والأحقاد ، وسوء الفهم بسبب ضغوط الحياة ، وتراكماتها ، وأحداثها التي يضيق بها صدر الحليم !!
        والعيد فرصة مثالية لتراجع المخطئين عن أخطائهم ، والمسيئين عن إساءاتهم ، وهو فرصة للتراجع عن الغواية والضلال والانحراف ، والسير في طريق الرشاد والسداد والاستقامة ... إن وقفة صادقة مع النفس في هذا اليوم كفيلة أن تعيد الإنسان – مهما بلغت أخطاؤه – إلى جادة الحق والصواب ، وأن تعود به إلى دائرة العاملين المخلصين الأوفياء من أبناء الأمة الذين يُؤْثرون الباقية على الفانية ، ويفضّلون الموت في خنادق أمتهم على العيش في قصور أعدائها .
   والعيد مناسبةُ يعيد فيها الإنسان النظر في مسلكياته ، وعلاقاته بالآخرين ، فيقلع عن الإساءة للناس ، ويحجم عن إلحاق الأذى والضرر بهم مهما كانت الأسباب ، ويعاملهم بالتي هي أحسن حتى لو أساءوا إليه ، وما دام الإنسان كائنًا اجتماعيًّا فإن ممارسة الأذى والعدوان مهما كان ضئيلاً هو  من المحرمات التي يجب على هذا الكائن الاجتماعي تجنبها حتى تستقيم أمور الناس ، وتصلح أحوال المجتمع ، وتستقيم أمور الأمة ، ويعلو شأنها بين الأمم.
     وفي العيد .. عيد المحبة والتسامح والمغفرة يَحْسُن بقادة الأمة ، ومفكريها ، وسياسييها ، وأهل الرأي فيها أن يبتعدوا في أقوالهم وأفعالهم عما يثير الفتن بين الناس .. فحسبنا ما نحن فيه من تفسّخ ، وتقاطع ، وتنابذ ، واحتراب .. حسبنا ما نحن فيه من غمّ وهمّ وتشتّت وبعد عن الصواب !! ألا فليتق الله فينا أولئك الذين يريدونها حروبًا طائفية ومذهبيّة مدمرة في كل ديار العروبة والإسلام !! ليتّق الله فينا أولئك الذين يصطنعون الأزمات ، ويفتعلون المشكلات والانقسامات في صفوف هذه الأمة التي أصبح أمرها عجبًا بين الأمم !! ليس منا دعا إلى عصبيّة ، وليس منا من دعا إلى طائفية ، وليس منا من دعا إلى فئوية ، وليس منا من دعا إلى تنابذ أو تدابر أو تخاصم أو احتراب ...
     كلنا في هذه الديار أخوة .. كلنا في ديار العروبة والإسلام إخوة .. كل العرب إخوة .. وكل المسلمين أخوة.. المسلم أخو ( المسيحيّ) لا يسلمه ولا يخذله !! والسنيّ أخو الشيعيّ لا فرق بينهما إلا بالتقوى والعمل الصالح ، والموقف المشرّف من كافة قضايا الأمة!!
      فمزيدًا من التضامن والتكافل والتعاون يا عرب .. مزيدًا من التفاهم والمحبة والتعاضد أيها المسلمون .. ومزيدًا من التعقل والحكمة والروية يا كل أصحاب المواقع والألقاب والمناصب والأقلام في كل ديار العروبة والإسلام.
28/9/2008


Get more out of the Web. Learn 10 hidden secrets of Windows Live. Learn Now

أثـر المـراكز الثقافيـة فـي العمليـة التربويـة

أثـر المـراكز الثقافيـة فـي العمليـة التربويـة      
       (مـركز العلـوم والثقافـة نموذجـًا)         تقرير : أ: عدنان السمان
واجهت العملية التربوية مصاعب كثيرة منذ البدايات الأولى للاحتلال الإسرائيلي في الخامس من حزيران من عام سبعة وستين ، إذ بقيت المدارس مغلقة حتى اتخذت البلديات والشخصيات الوطنية قرارًا بإعادة افتتاحها في السابع عشر من تشرين الثاني من ذلك العام ، وهكذا كان ، ولكن المسيرة التربوية أخذت تواجه كثيرًا من العقبات بعد افتتاحها ، وبعد استئناف الدراسة لأسباب منها ، وعلى رأسها رفض المواطنين المطلق(بما فيهم قطاع الطلبة) لبقاء الاحتلال ، واستمرار وجوده في هذه الديار ، ومطالبتهم المستمرة بانسحابه ، والقيام بفعاليات ، وتظاهرات ، ومسيرات ضد وجوده مطالبين بخروجه من البلاد ... ومنها تصدي قوات الاحتلال لتحركات الطلبة ومعلميهم ، ولنشاط القطاع التجاري المعادي للاحتلال ووجوده في الأراضي المحتلة ... وهكذا تعثّر سير العملية التربوية ، واصطدمت بعقبات كثيرة رغم حرص الأهالي والقوى الوطنية على إنقاذها ، والسير بها قُدمًا تحقيقًا للمصلحة الوطنية العليا ، ومصلحة الطلبة وأولياء أمورهم على حد سواء ... وهكذا أصبحت أحوال العملية التربوية في تلك الأيام : تنتظم فترة ، وتضطرب أخرى .. يداوم الطلبة أيامًا دون توقف أو انقطاع ، ولكنهم سرعان ما يخرجون إلى الشارع بسبب اعتداء على هذه المدرسة أو تلك ، وعلى هذه المجموعة من المدرّسين أو المدرّسات ، وبسبب إبعاد بعض المعلمين حينًا ، وبعض الشخصيات الوطنية حينًا آخر ، وبسبب مصادرة مساحات من الأرض في هذه المنطقة أو تلك ، وبناء نقطة استيطانية في هذا الموقع أو ذاك ، وبسبب الاعتداءات المستمرة على البلدة القديمة من القدس ، ومحيط المسجد الأقصى ، والاعتداءات على الأقصى نفسه ، وعلى المقدسات المسيحية والإسلامية في القدس والخليل وغيرهما من مدن هذه الديار ... وفي مرحلة لاحقة ، وعندما أدرك الطلبة ومعلموهم وأولياء أمورهم أن انتظام الدراسة واجب تحتّمه المصلحة العليا للوطن ، وتقتضيه مصلحة الطلبة ، ويتطلبه بناء مستقبلهم العلمي بدأت قوات الاحتلال بضرب هذا التوجّه ، بهدف إفشال العملية التربوية ، متّبعةً في ذلك شتى الوسائل ، ومختلف الأساليب .. وهكذا أصبحت العملية التربوية بين مدٍّ وجزْر .. تنتظم حينًا ، وتضطرب أحيانًا ، وهكذا أصبحت هدفًا لسهام الاحتلال والمحتلين ، وهكذا أصبح الاعتداء على الطلبة ، واقتحام مدارسهم ، وإغلاق هذه المدارس ، والمؤسسات التعليمية أمرًا مألوفًا تمارسه قوات الاحتلال في مختلف مدن البلاد وقراها .. مدارس كثيرة أُغلقت لفترات زمنية طويلة بلغت فصلاً دراسيًّا كاملا في كثير من الأحيان ، ولم يقتصر هذا الإغلاق على المدارس بل تعداها إلى الجامعات ، ومعاهد التعليم العالي في محاولات مستميتة لفرض إرادة المحتلين على قطاع التعليم ، وتنفيذ مخططاتهم في المدارس والمعاهد والجامعات التي أصرّوا على إخضاعها لسلطة ضابط التعليم الإسرائيلي ، وإلحاقها بمكتبه ، بينما أصر الطلبة والقوى الوطنية على استقلالية الجامعات ، وعدم خضوعها لمكتب ضابط التعليم الإسرائيلي ... واضطربت العملية التربوية ، ووجدت نسبة هائلة من طلبة كافة المراحل نفسها في الشارع من جديد ... وكان طبيعيًّا في هذه المرحلة أن يلجأ الطلبة إلى البدائل .. فكان التعليم الشعبي الذي قام بدور فعّال في مساندة العملية التربوية ، ومؤازرتها ، وإنقاذها من الانهيار ، وكان اعتماد كثير من الطلبة على أنفسهم في مواصلة التحصيل العلمي مستعينين بأقاربهم ، وأولياء أمورهم ، وجيرانهم من ذوي الاختصاص ... وكان افتتاح المراكز الثقافية العلمية ، وإعادة تفعيل ما كان قائمًا منها ، وتنشيطه لتقوم بدورها في إنقاذ العملية التربوية ، بل والسير بها قدمًا نحو الهدف المنشود : تبنّي الطالب ، والحفاظ على شخصيته ، وتزويده بالثقافة الوطنية ، والإبقاء على صلته الوثيقة بالمنهاج  المدرسي الذي لا بد من استيعابه للارتقاء إلى صف جديد ، أو التقدم للامتحان العام ، والحصول على شهادة الدراسة الثانوية العامة .
وهكذا أصبحت هذه المراكز الثقافية في مختلف مدن البلاد منائر أضاءت الطريق للطلبة في ليل الاحتلال الطويل ، وكل محاولات العدوان والتنكيل والتجهيل .. وهكذا ساعدت هذه المراكز كثيرًا من الطلبة الجادّين على مواصلة تحصيلهم ، وعلى النجاح في امتحاناتهم العامة ، بل وعلى التفوق أيضًا ومواصلة دراساتهم الجامعية بهمة ، وعزيمة ، وقوة ، واقتدار ، رغم كل المثبّطات ، ورغم كل محاولات الهدم والتعهير والتدمير التي واجهت العملية التربوية في تلك الأيام .
على أن هذه العملية التربوية التي كُتب عليها أن تبقى هدفًا للسهام الطائشة وغير الطائشة في هذه الديار عادت لتواجه واقعًا مريرًا ، وتحديات مدمرة من نوع آخر ... عادت العملية التربوية إلى المعاناة والتعثر ، وباتت فريسة للتناقضات ، والصراعات ، والخلافات في الرؤى والأهداف والمسلكيات ، وسوء الإدارة والتخطيط ، واختلاف المشارب والميول والأهواء ، ومحاولات التحكم بالطلبة ومعلميهم ، واستغلال العملية التربوية بأبعادها وأركانها المختلفة أسوأ استغلال لغايات غير تربوية ، وغير تعليمية ، وغير وطنية ، وغير أخلاقية .. الأمر الذي ألحق أفدح الخسائر ، وأبلغ الأضرار بالوطن ، والمواطن ، وجمهور الطلبة وغيره من شرائح هذا المجتمع وفئاته التي باتت تعاني من سوء الأحوال في هذه الديار بشكل لم يسبق له مثيل ...
وهكذا عادت المراكز الثقافية ، لتقوم بدورها من جديد ، في مواجهة حالات الفوضى ، والتسيّب ، والفلتان ، واضطراب العملية التربوية ، والتناقضات الكثيرة التي باتت تعصف بها بشكل أصبح يهدد بانهيارها .. عادت المراكز الثقافية ، بعد أن تراجع دورها قليلاً أو كثيرًا في الماضي القريب أو البعيد ، بسبب انصراف الطلبة ومعلميهم إلى العمل ، بعيدًا عن كل عوامل التثبيط ، ومحاولات التدخل ، والتطفل ، والانحراف بالعملية التربوية عن أهدافها الحقيقية ، في خلق الجيل المتعلم المخلص لقضيته ، الملتزم بثوابته ، المؤمن بأهدافه ، وقيمه ، ومثله العليا بعيدًا عن الانحراف ، والتفريط ، والتنازل ، والتدمير المبرمج لمؤسسات هذا لشعب ، والقضاء المبرم على أسباب قوّته ، وعوامل وجوده وعيشه باحترام على ثرى وطنه الطَّهور .
عادت هذه المراكز من جديد ، لتقوم بدورها في حماية الطلبة من الجهل ، والتشرد ، والتسيّب ، والانحراف ، والفلتان ، والارتباك ، واضطراب كافة الأمور التربوية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والصحية ، والثقافية ، والنفسية التي تعصف بالناس عصفًا ، وتدمر ما تبقّى من وجودهم وأحلامهم في العيش بأمن وأمان في وطن عزيز ، وحياة كريمة آمنة !!
عادت هذه المراكز لتأخذ دورها الطليعي من جديد ، ولتعوّض الطلبة عن شيء مما يفتقرون إليه من الرعاية والعناية والاهتمام ، والتدريس الجادّ الملتزم بالمصلحة العليا للطلبة ، وحقهم الطبيعي المشروع في العلم والمعرفة بعيدًا عن الاستغلال والاستغفال والعبث وأشكال التدخل والتحكم التي ما أنزل الله بها من سلطان !!!
إن نظرة سريعة إلى ما قامت به هذه المراكز الثقافية ( ومنها مركز العلوم والثقافة – نموذجًا ) على امتداد السنوات الأربعين التي مضت ، تُظهر بما لا يدع مجالاً للشك مدى الخدمات التي قدمتها للعملية التربوية ، ولقطاع الطلبة وذويهم على امتداد هذه السنين .. فمركز العلوم والثقافة – على سبيل المثال لا الحصر – تمكّن خلال العقود الثلاثة الماضية من تقديم خدماته التربوية التعليمية التثقيفيّة لأعداد هائلة من الطلبة ، حيث تشير الإحصاءات والدراسات التي قام بها الخبراء في هذا المجال إلى تردد ثمانية آلاف طالب وطالبة في الشهر على هذا المركز بأقسامه المختلفة ، وقاعاته التي تستقبل أفواج الطلبة من الصباح وحتى ساعات المساء وذلك في أيام الإجازات الصيفيّة ، والفترات التي تسبق التقدم للامتحانات ، ولاسيما امتحان الثانوية العامة ، وكذلك في الفترات التي كانت تغلق فيها المدارس والجامعات ... وإن هذه الدراسات والإحصاءات تشير إلى أن عدد الطلبة الذين ترددوا على هذا المركز خلال العقود الثلاثة الماضية قد بلغ أكثر من مليون طالب وطالبة على افتراض أن المركز يعمل بأقصى طاقته مدة خمسة أشهر فقط في العام ، بمعنى أن عدد المترددين عليه خلال هذه الشهور الخمسة هو أربعون ألف طالب وطالبة (8000×5=40.000) وعليه فإن المركز قد استقبل خلال السنوات الثلاثين الماضية أكثر من مليون طالب وطالبة (40.000×30=1.200.000)
يضاف إلى هذا ما قام به مركز العلوم والثقافة من جهود في استيعاب ما أمكن استيعابه من طلبة جامعة النجاح خلال الإغلاقات الكثيرة التي تعرضت لها ، ومساهمته في التخفيف من حدة تلك الإغلاقات التي كانت تطول أحيانًا لتشمل فصلاً دراسيًّا كاملاً ، وربما عامًا دراسيًّا في بعض الأحيان دون أن يتدخل أحد لوقف تلك الممارسات الجائرة بحق الطلبة ، وبحق مؤسسات التعليم العالي في هذه الديار .
ويضاف إليه أحيانًا أن هذا المركز كان – ولا يزال – الباب مفتوح لمئات المدرسين والمحاضرين والمدرِّبين الأكفياء الملتزمين من خيرة أبناء هذا الشعب وبناته ممن قدّموا المساعدة لهذا القطاع الهائل من الطلبة في أوقات الشدائد والأزمات ، وممّن درّبوا الآلاف من أبناء هذا الشعب وبناته على استعمال الحاسوب بشكل فاق كل التوقّعات ، بحيث أصبح كثير من رواد هذا المركز وزواره والمترددين عليه من أبناء هذا الشعب وبناته يجيدون استعمال الحاسوب إجادة مكّنتهم من العمل في كثير من الشركات والمؤسسات في وقت كان فيه انتشار هذه التقنية محدودًا في هذه الديار ، ويضاف إلى ذلك أيضا ما قامت به هذه الكوادر المدرّبة من خدمات جليلة في تعليم كثير من بنات هذا الوطن وأبنائه كثيرًا من المهن التي ارتأت إدارة المركز افتتاحها مساهمة منها في إيجاد مجالات للعمل تخفف من حدة البطالة وآثارها مدمرة على المواطن والوطن .
لقد قام هذا المركز بدور رائد في ميدان الخدمة الاجتماعية والتعليمية والمهنيّة والثقافية والتربوية حتى غدا كعبه الأنظار ، وقبلة الزوار ، ومحج طالبي العلم والتفوق ، وعنوانًا لكل الجادّات والجادّين من بنات هذا الوطن وأبنائه .
27/9/2008    

الخميس، ٢٥ أيلول ٢٠٠٨

عبد الناصر في ذكرى رحيله…


متابعات

عبد الناصر في ذكرى رحيله…

أ. عدنان السمان

    لا نريد في هذا اليوم الثامن والعشرين من أيلول أن نلطم الخدود، ونشق الجيوب حزنًا وأسًى

على جمال عبد الناصر في ذكرى رحيله.. فقد شبع هذا الشعب.. كما شبعت شعوب الأمة العربية لطمًا وبكاءً وعويلاً.. نريد فقط في هذا اليوم أن نقول إن عبد الناصر كان صديقًا للفلسطينيين محبًّا لفلسطين.. قاتل على أرضها متطوعًا، وحوصر في الفالوجة.. وعاش النكبة واحدًا من أهلها.. وعرف كيف يضرب ضربته.. وكيف ينتصر لفلسطين.. وقف عبد الناصر في وجه أعتى العواصف طوال فترة حكمه.. وتعرض للعدوان الثلاثي في العام ستة وخمسين وتسعمئة وألف، وتمكن الغزاة في ذلك العدوان من اجتياح سيناء، كما تمكنوا من إنزال قواتهم في منطقة القناة، وفي مدينة بور سعيد حيث دارت معارك أسطورية بين تلك القوات الغازية وقوات من الجيش المصري، والمقاومة الشعبية المصرية.. وخرج الغزاة يجررون أذيال الفشل والخيبة والعار.. وخرجت مصر أكثر قوة، كما خرج عبد الناصر من تلك الحرب بطلاً قوميًّا أسطوريًّا أحب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.. وأحبته الجماهير العربية حبًّا ملك عليها المشاعر والأفئدة والأحاسيس..

    في الثاني والعشرين من شباط من عام ثمانية وخمسين وتسعمئة وألف أعلن القطران العربيان مصر وسورية أول وحدة عربية في تاريخ العرب الحديث.. لقد أُعلنت الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الجنوبي (مصر) والشمالي (سوريا) وهُرعت جماهير الأمة العربية صوب دمشق تؤم قصر الرئاسة في المهاجرين لتحيي جمال عبد الناصر، وشكري القوتلي صانعيْ هذه الوحدة التي لم تدم إلا ثلاث سنوات وستة أشهر وستة أيام حيث انفصمت عراها في الثامن والعشرين من أيلول من عام واحد وستين وتسعمئة وألف.. ليلفظ جمال عبد الناصر هو الآخر آخر أنفاسه في مثل هذا اليوم من عام سبعين وتسعمئة وألف وهو يودع زعماء الأمة العربية بعد حضورهم مؤتمرًا دعا إليه عبد الناصر للتداول في الشأن العربي آنذاك.

    ولئن نفّذ الغزاة عدوانهم الثلاثي على مصر في التاسع والعشرين من تشرين الأول من العام ستة وخمسين.. فقد شنّوا حرب حزيران على مصر والعرب في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين الخامس من حزيران من العام سبعة وستين وتسعمئة وألف.. ذلك العدوان الذي أسفر عن وقوع سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية وأجزاء من الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي.

    كل ما نريد قوله في هذا اليوم إن عبد الناصر لم يتنازل عن حبة تراب من أرض فلسطين لأحد.. وإن عبد الناصر كان يقول لكل الوفود الرسمية والشعبية التي كانت تزور مصر بهدف التوصل إلى حل لهذه القضية إنه لا يملك شبرًا واحدًا من الأرض في فلسطين.. وإن دوره أولاً وأخيرًا يكاد يكون محصورًا في تأييد الفلسطينيين، ومساندتهم في تحرير أرضهم، واستعادة حقوقهم... لم يتصرف عبد الناصر بهذه القضية، ولم يساوم أحدًا عليها، ولم يتنازل عن شيء من حقوق العرب في فلسطين... ولقد ظل عبد الناصر وفيًّا لشعب فلسطين وقضيته العادلة طوال حياته.. كما تعرض للغزو والعدوان والحملات الظالمة بسبب ذلك طوال حياته أيضًا، ولكنه لم يهن ولم يضعف.. لقد عاش جمال عبد الناصر رجلاً، ومات رجلاً... وها هم أبناء العروبة في كل مكان من أرض العرب يحيون اليوم ذكرى رحيله معاهدين روحه على الاستمرار في طريقه طريق الوحدة العربية الشاملة وإن طال الزمن.. طريق العزة والكرامة والحرية.. طريق أرض العرب للعرب.. طريق الله أكبر يا بلادي كبري.. وخذي بناصية المغير ودمري.. الله أكبر فوق كيد المعتدي.. طريق فوق أرضي لن يمروا.. وبها لن يستقروا.. طريق في سبيل المجد لم نحن الجبينا.. لن يهون العزم فينا لن يهونا!!!

    وكل ما نريد قوله في هذه الذكرى الثامنة والثلاثين لرحيل ناصر العرب، وباعث المد القومي العربي التحرري، ومفجّر الشعور بالعزّة والكرامة العربية.. كل ما نريد قوله في هذا اليوم هو أن كل العرب وكل المسلمين قد عرفوا اليوم طريقهم، ووحدوا صفوفهم، وحدّدوا أهدافهم، وأقسموا أنهم لن يتراجعوا عن تحقيق هذه الأهداف... إن العرب جميعًا، وإن المسلمين كافة يعرفون اليوم ما يريدون... ولن يجني الغزاة والمعتدون إلا الندم، ولات حين مندم.. إن رجال الأمة العربية في كل مكان من أرض العروبة يصنعون اليوم فجر الحرية للأجيال القادمة.. إنهم يصنعون النصر الآتي للعراق وفلسطين ولبنان والأفغان ولكل بلاد العرب والمسلمين... سلامًا ودمعًا على قوافل الشهداء.. وألف تحية لكل من يوقد شمعة.. ألف تحية لأحرار العرب ومثقفيهم وطلبتهم وعمالهم وفلاحيهم وإعلامييهم ومفكريهم ومقاتليهم وشرفائهم المتمردين على القيود في ليل الأسر...  وسلام عليك يا عبد الناصر.. يا باعث هذه الأمة من سباتها.. ويا مفجّر طاقاتها وإبداعاتها.. ويا صانع ثورتها وثوّارها.. سلام عليك يا أبا خالد في الخالدين.

26/9/2008