عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأحد، ٥ آب ٢٠١٢

أولى معارك الإسلام .. معركة بدر الكبرى

رمضانيات

أولى معارك الإسلام .. معركة بدر الكبرى

أ.عدنان السمان

www.Samman.co.nr

   كان لابد من الحرب بين أولئك المعتدين المستكبرين من سادة قريش وزعمائها ، وأولئك المستضعفين الذين أُخرجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا لا لشيء إلا أن يقولوا ربنا الله .. كان لابد من سلسلة طويلة من المواجهات ( التي فرضت نفسها ) بين تلك الكثرة من الضالين المعتدين الطغاة ، وتلك القلة  من المؤمنين الذين أُخرجوا من ديارهم ، وأوذوا في سبيل معتقدهم .. وكان لابد من موقعة بدر الكبرى بين قوى الطغيان في مكة ، ودولة الإسلام الوليدة في المدينة .. وكان لابد لهذه الفئة أن تنتصر في موقعة بدر التي دارت رحاها في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ، الخامس عشر من كانون الثاني من العام ستمائة وأربعة وعشرين للميلاد ، وأن تخوض سلسلة من المعارك بعد بدر ، وأن تُهزم في بعضها أيضًا لتأخذ الدروس والعبر من الهزيمة ، وأن تستمر على هذا النهج حتى تفرض سلطانها على شبه الجزيرة العربية ، وتوطّد أركانها هناك في بضع سنين ، وحتى يتم لها تحرير سائر الأقطار العربية من سيطرة الروم والفرس ، وحتى تتمكن من نشر رسالة الإسلام في معظم أقطار العالم المعروفة آنذاك في آسيا وإفريقية وأوروبة ، وحتى تقيم للدنيا كلها دولة عربية إسلامية ، وحضارة عربية إسلامية زاهرة ، وثقافة نيّرة رشيدة أخرجت البشرية كلها من ظلمات التخلف والطغيان والعبودية إلى نور العلم والعدل والمحبة والهدى ... فالناس كلهم سواء .. والبشرية كلها سواسية .. وكافة المواطنين على اختلاف ألوانهم ، وأديانهم ، وألسنتهم ، وأقطارهم متساوون في الحقوق والواجبات ، ليس لعربي فضل على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأبيض على أسود ، أو أسود على أبيض إلا بمقدار ما يقدم لهذا المجتمع ، ولهذه الدولة ، ولهذه الأمة التي ينتمي إليها من خدمات !!

    كانت قافلة قريش بقيادة أبي سفيان ، والتي تضم أموال مكة وخيرة رجالها سببًا كافيًا للصِّدام ، وكانت السبب المباشر لنشوب معركة بدر ، حيث رأى المسلمون فيها فرصة لتوجيه ضربة قاسية لنفوذ قريش وهيبتها واقتصادها ، كما رأوا فيها فرصة لاستعادة شيء مما فقدوه لدى هجرتهم من مكة إلى المدينة .. فكان من الطبيعي أن يخرج المسلمون في محاولة لوضع اليد على هذه القافلة ، ولم يكن غريبًا أن يشعر أبو سفيان بذلك ، وأن يعلم بأمر الكمين الذي يستهدف القافلة ، وكان من الطبيعي أن يغير أبو سفيان الطريق بعد أن أعلم قريشًا بما جرى ، وكان من الطبيعي أن تخرج قريش بكل قوتها لحماية القافلة ، والتصدي للمسلمين ... وكان من الممكن أن تقف الأمور عند هذا الحد لولا إصرار قريش على القتال .. وكان لها ما أرادت ، وكان الإعداد والاستعداد ، وكان تثبّت الرسول الكريم من موقف المهاجرين والأنصار ، ومبايعتهم إياه على الموت في سبيل الله ، وكان العريش الذي بني للرسول الكريم ، وكانت الحراسة المشددة على هذا العريش .. وكانت المبارزة التي تفوق فيها فرسان المسلمين ، ومن ثم كان الاشتباك والالتحام بين الفئتين ، وكانت هزيمة قريش،  وكان النصر حليف القلة المؤمنة الصابرة الصادقة.

     كان من الطبيعي أن يُقتل من قريش كثير من خيرة أبنائها ، وكان طبيعيًّا أن يُستشهد بعض مقاتلي المسلمين وفرسانهم ، وكان من الطبيعي أن تكون هنالك غنائم ، وأن يوزعها الرسول على كافة مقاتلي بدر ، وكان من الطبيعي أن يكون هنالك أسرى وقعوا في يد المسلمين من قريش ، وأن يكون هنالك أكثر من رأي فيهم ... لقد أخذ الرسول الكريم بالرأي الذي قال بالعفو والفدية .. وهكذا كان ، فقد عفا المسلمون عن بعض الأسرى ، وأخذوا الفدية من بعضهم ، وطلبوا ممن يحسنون القراءة والكتابة أن يعلّم كلٌّ منهم عشرة من أطفال المدينة القراءة والكتابة ... ولأن هذه التجربة كانت الأولى في تاريخ الإسلام ، فقد كان من الطبيعي أن تنزل الآيات الكريمة موضحة الحكم الشرعي فيها ، لقد نزل في أسرى بدر قوله تعالى : " ما كان لرسول أن يكون له أسرى حتى يُثخنَ في الأرض تُريدون عَرَضَ الدنيا واللهُ يريدُ الآخرةَ واللهُ عزيزٌ حكيم " الأنفال 67. ولقد قيل عندما نزلت هذه الآية الكريمة إن القرآن قد نزل هنا برأي عمر الذي طالب بإنزال العقاب الرادع بحقهم .

       لقد كانت معركة بدر  أولى معارك الإسلام  وكانت بداية انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية ، وكانت المقدمة الأولى ، والبداية الطبيعية بعد ذلك لانتشار هذا الدين في سائر أقطار العرب ، وكافة بلدان المسلمين ، لقد كانت أم اليرموك ، وأم القادسية ... كانت فجر هذه الأمة العربية الإسلامية التي صنعت للدنيا كلها أعظم حضارة في التاريخ ، وصنعت للبشرية كلها مجتمعات إنسانية متحابة متسامحة متعاونة على البر والتقوى ، وأعمال الخير والإحسان .. لقد كانت كافة الأديان والألوان والألسنة تعيش في ديار العروبة والإسلام حياة كلها تعاون وحب واحترام .. لقد كانت دمشق ، وبغداد ، والقاهرة ، وقرطبة ، وإشبيلية ، والقيروان منائر يستضيء بها الناس في هذا الكون ، لقد كانت بغداد – واحّر قلباه - في يوم من الأيام عاصمة الدنيا بأسرها ، كانت بغداد مدينة العلم والعلماء ، والحكمة والحكماء ، مدينة المحبة والتسامح والتعايش بين كل الشعوب ، وكافة الأديان ، وسائر الألوان ... لقد كرّس الإسلام حياة المحبة والتعاون بين الناس جميعًا لأنه لا إكراه في الدين ، ولأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بما يقدم من خدمة وخير وإحسان للآخرين .

5/8/2012

 

السبت، ٤ آب ٢٠١٢

قاطعوا هذه السلع تضامنًا مع الفقراء!!

رمضانيات

قاطعوا هذه السلع تضامنًا مع الفقراء!!


   لا يُفترض في عامة الناس أن يكونوا من ذوي الاختصاص في علم السياسة، أو في الاقتصاد، أو في علم الاجتماع، ولا يُفترض فيهم أن يكونوا مختصين في هذا النوع أو ذاك من دوائر العلوم والمعارف والآداب والدراسات الفلسفية، ولكن يُفترض فيهم أن يكونوا على جانب من الوعي، وعلى جانب من اليقظة، وعلى جانب من الاطلاع على كل ما يتعلق بحياتهم، وحياة أجيالهم على أرض وطنهم الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم ليورّثوه لأبنائهم وأحفادهم سليمًا معافى خاليًا من الشوائب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.   

    ولئن كان الناس في هذه الديار، وفي غير هذه الديار من بلاد العروبة والإسلام مهمَّشين مغيَّبين عن القرارات التي تُتخذ بشأن قضاياهم المصيرية، وبشأن أوطانهم، وكرامة إنسانهم في هذه الأوطان، ولئن كانت سائر القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضًا في كثير من ديار العروبة وبلاد الإسلام تُتخذ في دوائر الغرب في أغلب الأحيان، ولئن كانت الحياة اليومية للمواطن هنا وهناك وهنالك تخضع لحسابات مدروسة مبرمجة يحرص على ترجمتها، وعلى وضعها موضع التنفيذ شركاء هذا الغرب في حكم هذه الأمة من أبنائها المتناغمين معه المتأثرين بثقافاته وأفكاره ومبادئه ومعتقداته، ولئن كانت حسابات الحياة اليومية للمواطن هي مدخل الغرب لترسيم سياساته في حكم هذه الأمة، وهي مدخله أيضًا لتعديل هذه السياسات فإن ما يفعله المواطنون في هذا البلد أو ذاك هو الذي يحدد في أغلب الأحيان سياسات أولئك الغربيين التي ينتهجونها في حكم هؤلاء المواطنين.

   بإمكان الناس أن يقولوا كلمتهم في كل شأن من شؤون حياتهم، وبإمكانهم أن يفرضوا رأيهم في كافة قضاياهم السياسية الاقتصادية، وفي كافة أمور حياتهم، وبإمكانهم أن يصنعوا جنتهم، أو أن يصنعوا جحيمهم بأيديهم، وبإمكانهم أن يكونوا على أنفسهم، أو أن يكونوا معها.. بإمكان الناس أن يتحكموا في أسعار كثير من السلع، وأن يساهموا في تخفيض أسعار كثير من المواد الاستهلاكية، وأن يُخضعوا الأسواق لرغبتهم وذوقهم ومقدرتهم على الشراء، وأن يُخضِعوها أيضًا لمستوى معيشتهم، ومتوسط دخلهم، دون تظاهر، ودون احتجاج، ودون تدخل المتدخلين، وتطفل المتطفلين، ودون إراقة نقطة دمٍ واحدة.

   مع بدء شعبان، تأخذ أسعار كثير من السلع في الارتفاع، ومع حلول رمضان تزداد حدة الغلاء، وخلال أيام العيد تبلغ أسعار هذه السلع قمتها، وتصل ذروتها.. صحيح أن كثيرًا من الناس يستطيعون شراء هذه السلع مهما بلغت أسعارها، وصحيح أن كثيرًا من الناس لا يشعرون بارتفاع سعر هذه السلعة أو تلك، ربما لأنهم لا يدفعون ثمنها.. ولكن صحيح أيضًا أن الغالبية الساحقة من الناس لا تستطيع شراء مثل هذه السلع، فما الذي من الممكن أن يفعله الناس لمواجهة مثل هذا الغلاء الطارئ، أو ذاك الغلاء المستحكم المتمكن الزاحف الذي يبرمجه المبرمِجون، ويخطط له المخططون؟؟

    من أجل مواجهة كافة أنواع الغلاء قديمها وحديثها، تليدها وطارفها، يسأل الإنسان نفسه: إذا كنت قادرًا على شراء هذه السلعة فإن جيراني غير قادرين على ذلك، وإن كثيرًا من الناس في هذه الديار أيضًا غير قادرين على ذلك، فلأمتنع عن شرائها، فإن امتناعي يساهم في كسادها، ويساهم بالتالي في إحدى نتيجتين: فإما أن تختفي هذه السلعة من الأسواق نتيجةَ قلة الطلب عليها، وإما أن يبادر من يعنيهم الأمر لدعمها وتخفيض أسعارها حتى لا يُتَّهموا بتجويع الناس، وحتى لا يتهموا بالتهاون والتقصير في توفير المواد الاستهلاكية للمواطن..

   إن امتناع الناس عن شراء سلعة معينة مدة أسبوع واحد كفيل بتخفيض أسعارها، وقد يؤدي هذا إلى اختفائها، ونشوء أزمة بسبب ذلك، وقد يؤدي هذا إلى دعمها، وبالتالي نزول سعرها، ليصبح بمتناول الغالبية الساحقة من الناس.

   وما يقال في أسعار كثير من السلع يُقال أيضًا في كثير من الخدمات، وفي كثير من الرسوم التي لا يقوى الناس على دفعها، إن امتناع الناس عن طلب خدمة ما أسبوعًا أو أسبوعين كفيل بإرغام من يعنيهم الأمر على إعادة النظر في قيمة هذه الخدمة أو تلك، وكفيل بالتالي أن يجعل كثيرًا من الخدمات في متناول الناس بعيدًا عن المعاناة، وبعيدًا عن الحرمان، وبعيدًا عن حياة الفقر والفاقة وذل السؤال، وبعيدًا عن التسوّل والمذلة والتسرّب والتسيّب وترك المدارس والجامعات والهوان.

   بإمكانك أيها الإنسان أن تقف إلى جانب أخيك الإنسان بامتناعك عن شراء هذه السلعة أو تلك، وبامتناعك عن طلب هذه الخدمة أو تلك، وهذا هو أضعف الإيمان، وهو أبسط ما يفرضه عليك واجب المواطَنَة وشرف الانتماء، والحرص على تصحيح المسار ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

 

قاطعوا هذه السلع تضامنًا مع الفقراء!!

رمضانيات

قاطعوا هذه السلع تضامنًا مع الفقراء!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

   لا يُفترض في عامة الناس أن يكونوا من ذوي الاختصاص في علم السياسة، أو في الاقتصاد، أو في علم الاجتماع، ولا يُفترض فيهم أن يكونوا مختصين في هذا النوع أو ذاك من دوائر العلوم والمعارف والآداب والدراسات الفلسفية، ولكن يُفترض فيهم أن يكونوا على جانب من الوعي، وعلى جانب من اليقظة، وعلى جانب من الاطلاع على كل ما يتعلق بحياتهم، وحياة أجيالهم على أرض وطنهم الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم ليورّثوه لأبنائهم وأحفادهم سليمًا معافى خاليًا من الشوائب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.   

    ولئن كان الناس في هذه الديار، وفي غير هذه الديار من بلاد العروبة والإسلام مهمَّشين مغيَّبين عن القرارات التي تُتخذ بشأن قضاياهم المصيرية، وبشأن أوطانهم، وكرامة إنسانهم في هذه الأوطان، ولئن كانت سائر القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضًا في كثير من ديار العروبة وبلاد الإسلام تُتخذ في دوائر الغرب في أغلب الأحيان، ولئن كانت الحياة اليومية للمواطن هنا وهناك وهنالك تخضع لحسابات مدروسة مبرمجة يحرص على ترجمتها، وعلى وضعها موضع التنفيذ شركاء هذا الغرب في حكم هذه الأمة من أبنائها المتناغمين معه المتأثرين بثقافاته وأفكاره ومبادئه ومعتقداته، ولئن كانت حسابات الحياة اليومية للمواطن هي مدخل الغرب لترسيم سياساته في حكم هذه الأمة، وهي مدخله أيضًا لتعديل هذه السياسات فإن ما يفعله المواطنون في هذا البلد أو ذاك هو الذي يحدد في أغلب الأحيان سياسات أولئك الغربيين التي ينتهجونها في حكم هؤلاء المواطنين.

   بإمكان الناس أن يقولوا كلمتهم في كل شأن من شؤون حياتهم، وبإمكانهم أن يفرضوا رأيهم في كافة قضاياهم السياسية الاقتصادية، وفي كافة أمور حياتهم، وبإمكانهم أن يصنعوا جنتهم، أو أن يصنعوا جحيمهم بأيديهم، وبإمكانهم أن يكونوا على أنفسهم، أو أن يكونوا معها.. بإمكان الناس أن يتحكموا في أسعار كثير من السلع، وأن يساهموا في تخفيض أسعار كثير من المواد الاستهلاكية، وأن يُخضعوا الأسواق لرغبتهم وذوقهم ومقدرتهم على الشراء، وأن يُخضِعوها أيضًا لمستوى معيشتهم، ومتوسط دخلهم، دون تظاهر، ودون احتجاج، ودون تدخل المتدخلين، وتطفل المتطفلين، ودون إراقة نقطة دمٍ واحدة.

   مع بدء شعبان، تأخذ أسعار كثير من السلع في الارتفاع، ومع حلول رمضان تزداد حدة الغلاء، وخلال أيام العيد تبلغ أسعار هذه السلع قمتها، وتصل ذروتها.. صحيح أن كثيرًا من الناس يستطيعون شراء هذه السلع مهما بلغت أسعارها، وصحيح أن كثيرًا من الناس لا يشعرون بارتفاع سعر هذه السلعة أو تلك، ربما لأنهم لا يدفعون ثمنها.. ولكن صحيح أيضًا أن الغالبية الساحقة من الناس لا تستطيع شراء مثل هذه السلع، فما الذي من الممكن أن يفعله الناس لمواجهة مثل هذا الغلاء الطارئ، أو ذاك الغلاء المستحكم المتمكن الزاحف الذي يبرمجه المبرمِجون، ويخطط له المخططون؟؟

    من أجل مواجهة كافة أنواع الغلاء قديمها وحديثها، تليدها وطارفها، يسأل الإنسان نفسه: إذا كنت قادرًا على شراء هذه السلعة فإن جيراني غير قادرين على ذلك، وإن كثيرًا من الناس في هذه الديار أيضًا غير قادرين على ذلك، فلأمتنع عن شرائها، فإن امتناعي يساهم في كسادها، ويساهم بالتالي في إحدى نتيجتين: فإما أن تختفي هذه السلعة من الأسواق نتيجةَ قلة الطلب عليها، وإما أن يبادر من يعنيهم الأمر لدعمها وتخفيض أسعارها حتى لا يُتَّهموا بتجويع الناس، وحتى لا يتهموا بالتهاون والتقصير في توفير المواد الاستهلاكية للمواطن..

   إن امتناع الناس عن شراء سلعة معينة مدة أسبوع واحد كفيل بتخفيض أسعارها، وقد يؤدي هذا إلى اختفائها، ونشوء أزمة بسبب ذلك، وقد يؤدي هذا إلى دعمها، وبالتالي نزول سعرها، ليصبح بمتناول الغالبية الساحقة من الناس.

   وما يقال في أسعار كثير من السلع يُقال أيضًا في كثير من الخدمات، وفي كثير من الرسوم التي لا يقوى الناس على دفعها، إن امتناع الناس عن طلب خدمة ما أسبوعًا أو أسبوعين كفيل بإرغام من يعنيهم الأمر على إعادة النظر في قيمة هذه الخدمة أو تلك، وكفيل بالتالي أن يجعل كثيرًا من الخدمات في متناول الناس بعيدًا عن المعاناة، وبعيدًا عن الحرمان، وبعيدًا عن حياة الفقر والفاقة وذل السؤال، وبعيدًا عن التسوّل والمذلة والتسرّب والتسيّب وترك المدارس والجامعات والهوان.

   بإمكانك أيها الإنسان أن تقف إلى جانب أخيك الإنسان بامتناعك عن شراء هذه السلعة أو تلك، وبامتناعك عن طلب هذه الخدمة أو تلك، وهذا هو أضعف الإيمان، وهو أبسط ما يفرضه عليك واجب المواطَنَة وشرف الانتماء، والحرص على تصحيح المسار ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

 

الخميس، ٢ آب ٢٠١٢

أهذه هي حريةُ الرأي يا كلَّ هؤلاء؟؟

(إعادة)

مواجهات

أهذه هي حريةُ الرأي يا كلَّ هؤلاء؟؟

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   هل بات محظورًا على الفلسطيني واللبناني والنجدي والحجازي والعربي الحر الشريف أينما كان أن يكون له رأيه في كثيرٍ من هذا الذي يحدث على أرض العرب؟ وهل بات محظورًا عليه أن يكتب بشيءٍ من الحرية والموضوعية حول كثيرٍ من هذا الذي حدث ويحدث في كثيرٍ من ديار العروبة والإسلام؟ ومنذ متى كان الغرب بشقيه وصيًّا على هذه الأمة؟ ومنذ متى كان هؤلاء مسئولين عن فكرنا وتوجهاتنا وتطلعاتنا وأهدافنا وغاياتنا وأمنياتنا وتمنياتنا وأمانينا؟ ومنذ متى كان هؤلاء مسئولين عن مطبوعاتنا وصحافتنا ووسائل إعلامنا وكتبنا ومكتباتنا ومناهج أبنائنا المدرسية، ومساقاتهم الجامعية؟ ومنذ متى كانوا مسئولين عن ثقافاتنا وأدبياتنا وأدياننا ومعتقداتنا وأحوالنا وأنظمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية؟ ألا يعتقد أولئك أنهم قد تجاوزوا كل حدودهم، وأنهم قد باتوا يمارسون كل أنواع الإرهاب الفكري والنفسي والجسدي بحق كل من يخالفهم الرأي، وبحق كل من يحاول أن يكون له رأي؟ وبحق كل عربي مخلص لعروبته ووطنه وقومه وأهداف أمته في الوحدة والحرية والعيش الكريم؟ ألا يرى أولئك أنهم باتوا يتدخلون في أدق تفصيلات الشأن العربي الداخلي في كل ديار العروبة؟ فمن هو الذي فوضهم للقيام بذلك؟ ومن أين استمدوا الشرعية لممارسة ذلك؟ أم يظنون أنهم بشرائهم بعض الذمم، وبتجنيدهم بعض الأقلام، وباستقطابهم بعض الأقزام قد باتوا مؤهلين للتحكم بأمة العرب، مؤهلين للتحكم بكبارها وصغارها وعمالها وفلاحيها ومثقفيها وطلبتها وجيوشها، مؤهلين للتحكم بإعلامها وإعلامييها، وبتوجيه هذا الإعلام وتسخيره لخدمة أهدافهم، ولتضليل هذه الأمة وخداعها وإغراقها بالمال والمراتب والمناصب والرتب، وبالأسلحة التي يوجهونها إلى صدور من يرفضون التبعية لهم من شرفاء هذه الأمة العربية الذين سيظلون يعملون بكل الوسائل من أجل الحفاظ على راية المقاومة والممانعة والكرامة عالية مرفرفة خفاقة في سماء العروبة، وسيظلون يعملون بكل قوةٍ وعزمٍ وإصرارٍ على بث الشعور القومي، والعزة القومية العربية، والوعي القومي العربي، والفكر العربي التحرري في كل أجيال هذه الأمة حتى تحقق كل أهدافها في الحرية والتحرر والتحرير والخلاص من التبعية للغرب بشقيه، وحتى تقيم مشروعها العربي الوحدوي التحرري التقدمي على كل أرض العرب.

   ولكل هؤلاء الذين ربطوا مصيرهم بمصير أولئك الغربيين الغزاة الطامعين فينا المجترئين علينا، المستهترين بنا، إلى كل أولئك الذين خدعتهم المظاهر، وغرتهم المراكز والمكتسبات والرتب والمرتبات، وأعمت بصائرهم وأبصارهم الولاءات لكل أعداء هذه الأمة، فباتوا أدواتٍ طيعة في أيديهم، ينفذون رغباتهم، ويفعلون ما يأمرونهم به، حتى لو كان ذلك مما ينطوي على قطع الأرزاق، وإلحاق الظلم الفادح، والإساءة البالغة بأقرب المقربين إليهم من أبناء جلدتهم، ومن أبناء أمتهم وقضيتهم، بل ومن عشيرتهم الأقربين مع بالغ الأسى والأسف، وشديد الحزن الذي يعتصر منّا القلوب، ويدمي الأفئدة.. لكل هؤلاء الذين يعرفون جيدًا أنهم يسيرون في فلك أعداء هذه الأمة أو لا يعرفون نقول: كفاكم؛ فقد خرجتم على كل القيم.. كفاكم؛ فقد أسأتم لكل ثوابت هذا الشعب ومعتقداته ومرتكزاته.. كفاكم؛ فقد تنكرتم لأبسط حقوق المواطن في القول والتفكير والتعبير.. كفاكم؛ فقد أقصيتم وأحللتم كما تريدون، وكما يريد السيد الغربي؛ فمتى ستكفون عن كل هذه الإساءات؟ ومتى ستقفون عند حدكم؟ ومتى ستخجلون من كل هذا الذي تفعلون؟ ومتى سترفعون الحظر عن كل ما لا يصادف هوًى في نفس من رضيتم به وصيًّا على هذه الأمة في هذه الديار، وفي غير هذه الديار؟ أهذه هي حرية الرأي والفكر والتعبير والتفكير يا كل هؤلاء؟؟


المنافقون في غزوة الأحزاب

رمضانيات                                                                              

المنافقون في غزوة الأحزاب

                  بقلم عدنان السمان

 

قال تعالى :

  " وإذْ يقولُ المنافقونَ والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه إلا غُرورًا. وإذْ قالتْ طائفةٌ منهم يا أهلَ يثربَ لا مُقام لكم فارجعوا ، ويستأذنُ فريقٌ منهم النبيَّ يقولونَ إن بيوتَنا عورةٌ وما هي بعورةٍ  إن يريدونَ إلا فِرارًا . ولو دُخِلَتْ عليهم من أقطارِها ثم سُئلوا الفتنةَ لأَتَوْها ، وما تلبَّثوا بها إلا يَسيرًا ".

    الآيتان الحادية عشرة ، والثانية عشرة من سورة الأحزاب تشيران إلى ما قاله المنافقون وضعفاء الإيمان عندما اشتد حصار المشركين للمدينة في غزوة الأحزاب ، إذ راحوا يشكّكون في وعد محمد لهم بالنصر على أعدائهم ، ونشر الإسلام في الأقطار المجاورة .. لقد قال أولئك المنافقون إن وعود محمد إن هي إلا غرور وخداع ولا يمكن أن يتم ذلك ونحن محاصَرون  في المدينة لا نستطيع الخروج منها ، في الوقت الذي يتفوق فيه المحاصِرون على أهل المدينة من المسلمين في السلاح والرجال .

  ولقد تراجع فريق من هؤلاء المنافقين ( ممن خرجوا للقتال والدفاع عن المدينة ) وراحوا يعتذرون للرسول وللمسلمين عن تراجعهم هذا بأن بيوتهم مكشوفة ، وأنها ضعيفة لا تمنع اللصوص والأعداء من اقتحامها ، وليس فيها رجال يدافعون عنها ...هؤلاء المنافقون لم يكونوا صادقين في اعتذارهم ، ولم يكن هدفهم إلا الفرار من المعركة ( كما جاء في الآية الثالثة عشرة )  بدليل أنهم كانوا على استعداد تام للخروج من بيوتهم هذه للخوض في الفتنة ضد المسلمين ، ولما لبثوا فيها سوى وقت يسير جدًا يمكّنهم من أخذ أسلحتهم للخوض في هذه الفتنة ضد المسلمين .

  فالآية الثالثة عشرة :

 " ولو دُخلتْ عليهم من أقطارِها  ثم سُئلوا الفتنةَ لأتَوها وما تلبّثوا بها إلا يسيرًا " تشير إلى كذب هؤلاء المنافقين وتقول : لو أن المدينة دُخلت عليهم من جميع جهاتها ، ولو أن جنود الأحزاب قد دخلوا المدينة على هذه الصورة ، ثم طلبوا من هؤلاء المنافقين  أن يشاركوا في العدوان على المسلمين  وأن يخوضوا في فتنة عامة تهلك الحرث والنسل ضد المسلمين لما ترددوا ، ولما تأخروا عن المشاركة فيها ، ولما مكثوا في بيوتهم هذه التي يدعون خوفهم عليها إلا وقتًا خاطفًا يمكّنهم من حمل أسلحتهم ، والخروج إلى هذه الفتنة  ضد المسلمين .

  أما الآية  الرابعة عشرة " ولقد كانوا عاهدوا اللهَ من قبلُ  لا يُولُّونَ الأدبار َ ، وكان عهدُ اللهِ مسئولاً".   فقد بينت مقدار ما يتحمله هؤلاء المنافقون من المسئولية المترتبة على موقفهم هذا ، ذلك أن هؤلاء المنافقين كانوا قد عاهدوا الرسول الكريم أن يحاربوا معه ، وأن يثبتوا في مواجهة الأعداء ، ولكنهم نقضوا العهد ، وانسحبوا من المعركة ، ليس هذا فحسب ، بل راحوا يحرّضون  غيرهم على الفرار والانسحاب من المعركة ، وعدم التصدي للعدو ، وهذا موقف آخر يضاف إلى فرارهم وخذلانهم للمسلمين ، وهو موقف يتسم بالجبن والخسة ، وينطوي على قدْرٍ كبير من المسئولية .. لقد كان حرًّيا بهم  أن يراعوا عهدهم ، و كان حرًّيا بهم  أن يوفوا بوعدهم لو كانوا صادقين .

2/8/2012

الثلاثاء، ٣١ تموز ٢٠١٢

لولا اشتعال النار فيما جاورت!!

رمضانيات

لولا اشتعال النار فيما جاورت!!

                                      عدنان السمان

تأبى بعض النفوس المريضة إلاّ أن تعمل جاهدةً من أجل تخلف المجتمعات وتقهقرها، ونشر الرذائل والموبقات والفساد فيها، وكأن أيّ نجاح يحققه الناس في هذا المجتمع أو ذاك، هو طعنةُ نجلاء تصيب تلك النفوس في الصميم، ومن هنا يأتي حرصها على محاربة أسباب النجاح في المجتمع، وحرصها على محاربة الناجحين من الناس بشتى الوسائل والسبل، كي يبقى المجتمع مسرحًا لعبث هؤلاء الفاشلين، وتفاهتهم، وحماقاتهم، وعللهم، وأمراضهم، وتسلطهم، وتجبرهم وتحكمهم بالناس، واتجّارهم بمصائرهم، ومستقبل أبنائهم على هذه الأرض.. من على خشبته يمارسون بثّ سمومهم وأحقادهم، ومن على خشبته أيضًا يمارسون دورهم المشبوه في تحطيم المجتمع، وتدميره، وقديمًا قال العقلاء: "ألف عدو خارج البيت ولا عدو واحدٌ داخله" ... وإذا قُدر لك أن تحاور أحد هؤلاء الفاسدين المفسدين، وأن تطلع على حقيقة ما يضمره، وعلى حقيقة ما يعلنه أيضًا، تبين لك أنك أمام إنسان يبحث عما يستر به فشله، ويواري به خيبته، ويغطي به تفاهاته وحماقاته وانحرافاته، فلا يجد أمامه إلا هذا المجتمع الذي أنبته، وأحسن إليه، فيمعن فيه هدمًا وتحطيمًا، ولا يجد أمامه إلا الناجحين من الناس، فيمعن فيهم تسفيهًا وتجريحًا، ويصرّ على محاربتهم حتى يغيروا اتجاهاتهم، ويعدّلوا مساراتهم، ومداراتهم، لأنه ومعه كل من  هم على شاكلته من الضالين المضلين لن يسمحوا لهذا المجتمع أو ذاك أن يفلت من قبضتهم، ولن يسمحوا لهذا المجتمع أو ذاك أن يعرف طريقه نحو النجاح، ونحو النهضة والتقدم والازدهار والانعتاق من قيود الأسر والتخلف والتسلط؛ فالمعركة مصيريةٌ، وهي معركة حياة أو موت! وهي إما أن نكون، وإما أن لا نكون!! وإذا كان الأمر كذلك، فنحن مَن نكون، وغيرنا هو الذي لن يكون، ولدينا من الوسائل، ومن الحلفاء والأصدقاء والقوى ما يضمن لنا ذلك!! فإذا قال قائل لهؤلاء إنهم مخطئون، وإنهم واهمون، وإن الناس لا يحاربونهم، وإن لهم ما يريدون شريطة الكف عن الفساد والإفساد، وشريطة الكف عن العبث بالقيم والثوابت والأعراف ثارت ثائرتهم، وراحوا يرغون ويزبدون، وراحوا يتهددون ويتوعدون ويلوحون بالويل والثبور وعظائم الأمور كما يقولون، وراحوا يفتشون وينبشون، ويهرفون بما لا يعرفون، ويتوهمون، ويخمّسون، ويسدّسون، ويتهمون، وراحوا يؤلفون ما يؤلفون، ويدونون ما يدونون، من كل ما "تجود" به قرائحهم، وما توحي به أمزجتهم وأخيلتهم وأهواؤهم، وراحوا يسددون اللكمات، ويوجهون الضربات، ويشددون القبضات، ويكيلون الشتائم، ويطلقون التهديدات والإشاعات والافتراءات، ويمارسون كل أشكال البهلوانيات وألوانها في محاولات يائسة لتغيير كل هذه الحقائق الثابتة والأدلة الدامغة، وفي محاولات يائسة بائسة لحجب نور الشمس، وقرصها الملتهب بالغِربال.

        إن هؤلاء، ومن هم على شاكلتهم في هذه المجتمعات والتجمعات ممن يُرثى لحالهم هم الذين يقيمون الدليل على أنفسهم، وهم الذين يدينونها ويدمغونها بالفساد والإفساد والفشل والكذب والتزوير وخداع الآخرين وممارسة الافتراءات بكل أشكالها وصورها، وهم الذين يحكمون على أنفسهم، وعلى نفوسهم قبل أن يحكمَ غيرهم من عباد الله عليها، ومن عجب أن هؤلاء من حيث يشعرون أو لا يشعرون هم الذين ينشرون فضائل خصومهم، وهم الذين يشحنون الرأي العام، ويعبئونه، ويجندونه للوقوف في معسكر هؤلاء الخصوم، لقد صدق من قال: وإذا أراد اللهُ نشَر فضيلةٍ // طُوِيَتْ أتاح لها لسانَ حسودِ. لولا اشتعال النار فيما جاورتْ// ما كان يُعرف طيبُ عَرفِ العودِ. نفعنا الله بإيجابية الحسد هذه التي خلدها هذا الشاعر المجيد، ووقانا شرور الحسد، وشرور الحاسدين، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.  

31/7/2012                                       

الصوم عبادةٌ.. ورياضةٌ روحيةٌ.. وأخلاق

                                                                

رمضانيات

الصوم عبادةٌ.. ورياضةٌ روحيةٌ.. وأخلاق

                                 بقلم عدنان السمان

الصوم عبادة.. فهو ركنٌ من أركان الإسلام التي بُني عليها، ولا يكون الإسلام إلا بها مجتمعة، ولا يحسن إسلام أحد إلا بها، وبها مجتمعة، فليس لأحد أن يلغي الصوم، وليس لأحد أن يلغي الصلاة، وليس لأحد أن يلغي فريضة الحج، وليس لأحد أن يمتنع عن أداء الزكاة، وليس لأحد أن يمتنع مستكبرًا عن النطق بالشهادتين، ثم يأتي زاعمًا أنه مسلم!! الصوم عبادة، لأنه طاعة، ولأنه امتثالٌ لأمر الخالق، ولأنه فريضة لا بدّ من ممارستها، ولا بد من القيام بها، دون أدنى تهاون، أو تذمر، أو تقصير... على أنه من مسلَّمات هذا الدين، ومن ثوابته أيضًا أن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه، وهذا يعني أن المسلم مطالَبٌ بالصوم إذا كان قادرًا، أما إذا لم يكن، فهو غيرُ مطالبٍ به حتى يصبح قادرًا عليه، بزوال السبب من مرض أو سفر أو نحو ذلك، وهذا معناه أن هذه العبادة لا تجبُ إلا على القادر عليها، وأما غير القادر لسبب مؤقت طارئ فهو معفًى من ممارستها إعفاءً مؤقتًا حتى يزول السبب، وبعد ذلك ينبغي أن يصوم في غير رمضان أيامًا بعدد الأيام التي أفطر فيها، وأما غير القادر على الصيام بسبب الكبر، وما في حكمه كالمرض الشديد الذي لا يُرجى شفاؤه فهو معفًى، ولا ينبغي أن يرهق نفسه، أو يزيد من سوء حالته الصحية، أو تعريض نفسه لمخاطر صحية جديدة بممارسة الصيام (يريد الله بكم اليسر) على أن ينفذ ما تلزمه به الشريعة من كفارة مراعيًا أسبابها وأحكامها؛ فالله يحب أن تؤتى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وإذا كان الصوم عزيمة لأنه مما شُرِعَ من الأحكام ابتداءً؛ فإن الإفطار في رمضان رخصةٌ ينبغي أن يعمل بها المسلم؛ فالله الذي شرع الصيام، وأوجبه على المسلمين هو الذي خفف عنهم، وأعفاهم منه إعفاءً مؤقتًا أو دائمًا بحسب الظروف، ومقتضيات الأحوال.. أقول هذا مشيرًا إلى حلول شهر الصيام في هذه الأيام الشديدة الحرارة، موجهًا الكلام إلى المرضى، وإلى الأطفال بضرورة أخذ الحيطة والحذر، والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

والصوم رياضةٌ روحية تبني الأرواح المؤمنة الخيرة القوية القادرة على ممارسة فعل الخير، والقيام بأعمال البر، وكما أن الرياضة البدنية من شأنها أن تقوّيَ الأجسام، وأن تخلصها من كثير من أمراضها وآلامها في بعض الحالات التي تكاد أن تكون هذه الرياضة فيها هي الحل والعلاج، فإن الرياضة الروحية هي الأخرى تفعل في الأرواح ما تفعله الرياضة البدنية في الأجساد، وعليه، فإن الصوم بالإضافة إلى كونه عبادةً كالصلاة، فهو أيضًا رياضة روحية تهذب النفوس، وتسمو بها إلى عالم الفضيلة، وسماء النقاء والتألق والطُهر، وتقوي الإرادة، وتزيد الإنسان المؤمن إيمانًا مع إيمانه، وصبرًا على الصعاب، والمشاقّ لا يقوى عليه إلا أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجرٌ عظيم.

والصوم أخلاق، وإذا كان الخالق قد أثنى على نبيه ورسوله العظيم محمد صلوات الله وسلامه عليه بقوله "وإنك لعلى خلق عظيم" فإن من حقنا أن نقول إن الصوم عبادةٌ، وهو رياضةٌ روحيةٌ، وهو أيضًا أخلاق تزين الصائم، ويزدان بها المسلم في شهر رمضان بخاصةٍ، وعلى مدار العام بعامةٍ، ولا ينبغي لهذا المسلم أن يخلع عنه هذه الزينة بانتهاء شهر رمضان حتى لا يكون مَثَلهُ كمَثَل من قال فيه الشاعر "صلى وصام لأمر كان يقصده".

جعلنا الله جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته. 

31/7/2012

               

مزيدًا من البذل والعطاء في شهر الصيام!!

رمضانيات
مزيدًا من البذل والعطاء في شهر الصيام!!
 
           بقلم عدنان السمان
      تحت وطأة غلاء جديد غير مسوّغ ولا مستساغ.. وكوابيس آلام وأحزان جديدة على أرض هذا الوطن المنكوب يستقبل الناس في هذه الديار شهر الصيام... على أصداء الصراخ والبكاء والعويل يتناولون سحورهم.. وعلى دويّ القذائف، ورشقات الرصاص من كل نوع يتناولون فطورهم.. وسط جو من التوتر والترقب والمهانة يصبحون.. وعلى دوي المدافع، وهدير الطائرات والدبابات والجرافات يمسون.. وبنيران العداوة والخصومة والشتيمة والتنابذ والتقاطع والقطيعة والوقيعة يحترقون.
    يهل هلالك يا شهر البطولات والفتوحات على هذه الديار.. وأهل هذه الديار.. وكلهم شوق للقائك.. ورغبة في الاستزادة من معانيك وأسرارك... يهل هلالك يا شهر الصبر والإيمان والتضحيات على القدس وعرب القدس، وفلسطين أرض الصبر والرباط.. وأهل فلسطين.. هؤلاء الصابرون المرابطون إلى يوم الدين... وهم متلهفون للّقاء.. يحدوهم الأمل في أن تفيض عليهم من عطائك وسخائك.. وفي أن تُغدق عليهم من النعم والصفات والأسرار التي اختصتك بها العناية، وأسبغتها عليك الرعاية.
    يهل هلالك يا شهر الانتصارات يا رمضان على هذه الأمة، وهي في مسيس الحاجة لروح رمضان، وأخلاق رمضان، ومعاني رمضان، وفضائلك وكراماتك وانتصاراتك يا رمضان... فعلّمها يا هذا الشهر كيف يكون الصبر.. علمها كيف تكون التضحية والإيثار والتسامح والمحبة.. علمها كيف يكون الصدق.. وكيف يكون الثبات على المبدأ.. وكيف يكون التشبث بالحقوق، والتمسك بالثوابت، والمحافظة على الأرض والإنسان والقيم والمثل العليا والمقدسات.. علمها كيف تكون الرجولة.. وكيف يكون الرجال.. وكيف تكون الأخوّة.. وكيف يكون الأشقاء.. وكيف تكون الشقيقات أيضًا يا رمضان!!
    كثير من الصائمين القائمين لا يجدون ما يسدّون به الرمق.. وأسعار كل شيء في ارتفاع.. والطفولة لها متطلباتها واحتياجاتها.. والأطفال لا يرحمون.. والمدارس والمعاهد والجامعات والصيدليات والمشافي باتت أمورًا أكثر من مرهقة للمواطن الذي بات عاجزًا عن توفير ضروريات الحياة لأسرته.. هذا المواطن الذي يجد نفسه في كل يوم أمام مشكلة جديدة تضاف إلى مشكلاته المتراكمة منذ ايام الطفولة.. لقد أصبحت حياته سلسلة لا تنتهي من التنازلات أضحى معها المواطن العادي – في كثير من  الحالات – عاجزًا عن توفير أي شيء لبيته وأسرته.. فهذا المواطن الذي التهم الجدار أرضه الزراعية أو غير الزراعية، وتركه فريسة للعلل والوساوس والمخاوف والهذيان.. وهذا المواطن الذي أتى هذا الجدار على بيته ومزرعته ودواجنه وأغنامه.. أو فرّق بينه وبينها بحيث أصبحت على بُعد أميال!! وهذا المواطن الذي خسر عمله، وأضحى عاطلاً عن العمل عاجزًا عن ممارسة أي فعل يعود عليه بأدنى نفع.. وهذا الذي يفتح محله ويغلقه كما فتحه دون أن يعود عليه أي عائد... هؤلاء جميعًا، وكثير غيرهم أصبحوا من الشرائح التي سُحقت في هذا المجتمع.. هذه الشرائح والتكتلات التي كانت – ولا تزال – تشكِّل الغالبية الساحقة من المواطنين في هذه الديار.. كانت في الماضي الغالبية التي تعمل.. وهي اليوم الغالبية التي لا تعمل... ولمن يريد أرقامًا وإحصاءات ومعلومات مفصَّلة عن البطالة بمختلف أشكالها وصورها.. وعن الأراضي التي التهمها الجدار والاستيطان والمصادرات بمختلف أشكالها وصورها أيضًا.. وعن الفقر والفقراء في بلاد العجائب والغرائب هذه.. فإن عليه أن يتوجه إلى مراكز البحوث والدراسات والإحصاءات، وإلى ذوي الاختصاص في هذه المجالات حيث الأرقام المرعبة، والحقائق المذهلة التي تروي بأبلغ لسان، وأنصع بيان حكاية هذا الشعب من البداية، ولا أقول إلى النهاية.. إذ يُحظر على الناقد إصدار الحكم على قصّةٍ ما قبل أن يقرأ الكلمة الأخيرة منها.
    وكثير من الصائمين القائمين في هذه الديار ممن لا يجدون ما يقيمون به أودهم يتوقعون من  موسري هذه الأمة، وممن يعنيهم الأمر مزيدًا من التكافل والتعاطف معهم في شهر الصيام والقيام.. كما يتوقعون وقفة أولي النخوة من أبناء العروبة إلى جانبهم في هذه الأيام التي كثر فيها فقراء هذا الشعب العربي في فلسطين.. وكثر فيها مصابوه ومنكوبوه.. إن للشقيق حقًّا على شقيقه.. وإن أمة العرب أمة واحدة متكافلة متضامنة لا تفرّق بينها هذه الحدود التي أقامها المستعمرون الغزاة ذات يوم لتقطيع أوصال الأمة العربية الواحدة... وإن شعب فلسطين بمقيميه هنا على أرض الوطن، ومهجَّريه هنالك في المنافي وديار الغربة هو جزء لا يمكن أن يتجزأ من هذه الأمة العربية الواحدة المتكافلة المتضامنة.. فمزيدًا من البذل والعطاء يا أمة العرب.. ومزيدًا من الصبر والثبات والإيمان يا شعب الأضاحي.. ومزيدًا من التكافل والتضامن في شهر الصيام.. كان الله في عون هذا الشعب.. وكان الله في عون أسرانا.. وكل عام وأنتم بخير.
28/7/2012
 

الأربعاء، ٢٥ تموز ٢٠١٢

من كان مضطرًّا للعمل بالرخصة فليفعل!!

رمضانيات

من كان مضطرًّا للعمل بالرخصة فليفعل!!

أ/ عدنان السمان

    إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وإذا كانت العزيمة هي ما شُرع من الأحكام ابتداءً فإن الرخصة هي التخفيف.. وعليه يكون الصيام عزيمة ، ومعنى هذا أنه ينبغي على المكلف أن يصوم، وعليه أيضًا يكون الإفطار في رمضان يومًا أو يومين أو أكثر من ذلك أو أقل رخصة، ومعنى هذا أنه يجوز للمكلف أن يفطر للأسباب التي يعرفها الناس، وللأسباب التي أقرها جل جلاله في محكم التنزيل: " ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".

     ألا فليعلم الناس أن الدين يسر، وليعلموا أنه لا يشادّ الدين أحد إلا غلبه، وليعلموا أن رب العزة لا يريد بعباده العسر، وإنما يريد بهم اليسر، ولما كان المنبتّ لا أرضًا قطع ، ولا ظهرًا أبقى، ولما كان المسلم جزءًا من هذا المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه، يسري عليه ما يسري على غيره من الناس، ويطالَب بما يطالب به غيره من الناس، ويُثاب أو لا يُثاب، ويحاسَب أو لا يحاسَب تمامًا كغيره من الناس، وبموجب القوانين والأنظمة والأحكام التي تنتظم حياة الناس، وتنظم العلاقات فيما بينهم، وبين أنفسهم ومجتمعهم وخالقهم..  ولما كان المسلم أيضًا واحدًا من أفراد هذا المجتمع أو ذاك، له ما للناس، وعليه ما عليهم، فقد بات لزامًا عليه أن يراعي ذلك كله في سائر الأحكام والقوانين والتشريعات التي تنتظم حياة الناس وتنظمها في هذا المجتمع الذي يعيش فيه، وينتمي إليه.

      وليعلم الناس أيضًا أن الأصحاء ليسوا كالمرضى، وأن الأقوياء ليسوا كالضعفاء، وأن الشيوخ والعجزة وكبار السن ليسوا كالشباب، وليعلموا أيضًا أنهم ليسوا سواء في تحمل هذا الحر الشديد، وفي الصبر على العطش ، والحاجة إلى السوائل، وليعلموا أن الأخذ بالرخصة وبموجبات التخفيف ترضي رب العالمين، كما يرضيه صيام الصائمين، وقيام القائمين.. وليعلموا أيضًا أن الله تعالى لا يرضيه أن تسوء صحة مريض بسبب الصيام، ولا يرضيه أن يزداد هزال أحد، أو أن يتأخر شفاء أحد، أو أن تصيب أحدًا أمراض أخرى بسبب الصيام، لسبب بسيط هو أن الله سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر دائمًا، ولسبب بسيط أخر هو أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ولسبب بسيط أيضًا هو أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ولسبب بسيط كذلك هو أن الدين يسر، وأنه لا يشاد الدين أحد إلا غلبه، ولسبب ينبغي أن لا ينساه أحد  هو ان المنبتّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.. معنى هذا كله – يا عباد الله- أن لا تسرفوا على أنفسكم بتحميلها ما لا تطيق ، لأن الله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ومعنى هذا كله –يا عباد الله- أن لا نظلم أنفسنا، وأن لا نحملها فوق ما تطيق بسبب جهلنا في أحكام هذه الشريعة السمحة، وبسبب إصرارنا على التقيد بالصيام حتى لو لم نكن قادرين عليه، ولعل من الجدير بنا أن نتوجه بذلك كله، وكثير غيره إلا دور الفتوى، وإلى من أكرمهم الله بامتلاك الإجابة عن كل سؤال من أسئلتنا التي نرجو أن يجعل الله لنا منها مخرجًا، وأن يجعل لنا بعد كل ضيق يسرًا ، وبعد كل شدة فرجًا.. إنه سميع قدير ، وبالإجابة جدير.

26/7/2012

 

الاثنين، ٢٣ تموز ٢٠١٢

في تناقض الثورات.. وتباين الانتفاضات والانقلابات

في تناقض الثورات.. وتباين الانتفاضات والانقلابات

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    قبل الحديث عن عبد الناصر في هذا اليوم الثالث والعشرين من يوليو تموز، وقبل الحديث عن ثورة مصر، أو الانقلاب الأبيض الذي شهدته مصر في مثل هذا اليوم قبل ستين عامًا، وقبل إصدار الأحكام العامة القاسية عن بُعدٍ على مصر والمصريين منذ تلك الأيام، بل منذ ما سبق تلك الأيام من قرون، وما تبعها من عقود وصولاً إلى أيامنا هذه في أوطاننا هذه، وقبل إصدار الأحكام الجائرة على الشعوب وقياداتها في هذا البلد العربي أو ذاك، وفي تلك الحقبة من التاريخ أو تلك، ينبغي أن نخوض قليلاً أو كثيرًا في هذه الثورات التي شهدها عصرنا الحديث، وفي أخطائها وتناقضاتها، وأن نخوض قليلاً أو كثيرًا في هذه الانتفاضات والانقلابات البيضاء والحمراء التي شهدها الناس، وبخاصة في بلاد العرب على امتداد القرن الماضي، وحتى أيامنا هذه.. لا بد من الخوض في هذا كله، وفي كثير أو قليل  غيره لأن الحاضر – كما يقولون- هو ابن الماضي، ووالد المستقبل، ولأن الأحكام الصائبة هي التي تصدر بعد دراسة، ونقد، وتمحيص، واطلاع واسع، يتناول هذه الفترة أو تلك من فترات التاريخ، ومن مقاطعه، وأجزائه، وجزيئاته، وسائر مكوناته، ولأن من حق الأجيال أن تفهم، ولأن من حق الشعوب أن تلم إلمامًا كافيًا بتاريخها، وسير الحوادث والأحداث على أرضها بشكل يسمح لها أن تختار، ويمكّنها من شق طريقها نحو المستقبل بثقة وعزيمة وإصرار واقتدار.. علّنا بعد هذا أو قبله نجد عذرًا لمقصر، أو مخطئ، أو لهذا الذي خذلته الحسابات، واستعصى عليه فهم هذه الاعتبارات، وربط النتائج بالأسباب والمسببات.

    في الغرب الرأسمالي دول استعمارية عانت شعوب كثيرة في هذا العالم من بطشها واستبدادها، ومن أبرز هذه الدول بريطانيا التي تمكنت من احتلال مصر قبل مئة وثلاثين عامًا (1882م) لأسباب معينة منها حماية مصالحها التجارية، وتأمين طرق مواصلاتها واتصالها بجنوب شرق آسيا، ولا سيما الهند، بعد أربعةٍ وثمانين عامًا من غزو نابليون لمصر وفلسطين (1798م) أي قبل مئتين وأربعة عشر عامًا، هذا الغزو الفرنسي لمصر والذي استمر ثلاث سنوات، قبل أن يغادر نابليون إلى فرنسا لأسباب داخلية، بعد انتحار جيوشه على أسوار عكا، وهزيمتها البرية تحت وابل من الحجارة، وقطع الصخور الكبيرة التي ألقاها المقاتلون من جبال عزون إلى الوادي، عندما حاولت هذه الجيوش اقتحام تلك الجبال في طريقها إلى نابلس.

    لقد مكّنت الثورة الصناعية (التي شهدها الغرب، وتفوَّق من خلالها على الدولة العثمانية آنذاك) دولاً غربية كثيرة من احتلال مساحات واسعة من أراضي هذه الدولة، وممتلكاتها في أقطار إفريقيا وآسيا وأوروبا، فبالإضافة إلى بريطانيا وفرنسا كانت هنالك إيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال.. حتى إذا ما كانت الحرب العالمية الأولى في العام الرابع عشر من القرن الماضي وضع الغربيون أيديهم على كافة ممتلكات ( الرجل المريض) وتمكنوا من القضاء عليه في نهاية تلك الحرب التي استمرت خمس سنوات (1914-1919) وبهذا تمكن الغرب الرأسمالي بقيادة بريطانيا من إسقاط دولة الخلافة العثمانية، واقتسام ما كان قد تبقّى من ممتلكاتها، ولا سيما في بلاد الشام والعراق، حيث سيطر الفرنسيون على سوريا ولبنان، ووضع الإنجليز أيديهم على فلسطين، وشرق الأردن، والعراق.. وبهذا تمت سيطرة الغرب ممثلاً في بريطانيا وفرنسا على ما كان قد تبقى من أرض العرب في ذلك العام.

    وفي الشرق شهد العام السابع عشر من القرن الماضي قيام الاتحاد السوفياتي الذي ضم إليه عددًا من الأقطار الإسلامية، وبهذا تمت سيطرة المعسكرين الرأسمالي في الغرب، والاتحاد السوفياتي (الذي كان) في الشرق على كافة الأقطار العربية، والإسلامية في آسيا وإفريقيا وأوروبا أيضًا.. أما تركيا نفسها، وفي إطار حدودها الحالية، فقد اكتفى الغرب بما أُعلن فيها لاحقًا (1924م) من إلغاءٍ للخلافة، وانتهاج نظام علماني مُوالٍ للغرب فيها.

    بغض النظر عن كثير من التفصيلات، وبصرف النظر عن كثير من التواريخ، والأسباب، والأهداف، والغايات، والتسلسلات الزمنية، فإن هذا – وباختصار شديد- هو ما حدث.. ولقد أمعن المعسكران كلاهما في نشر ثقافتهما وأفكارهما، وفي فرض نظرتهما إلى الإنسان والكون والحياة، وفي فرض نظرياتهما في السياسة والاقتصاد والاجتماع على شعوب هذه الأمة في كافة أقطارها التي باتت خاضعة لهما.. ليس هذا فحسب، بل إنهما قد أخذا بالتصدي للثقافة العربية الإسلامية، وللعقيدة الإسلامية نفسها، وللتاريخ العربي الإسلامي، وكافة مقومات الشخصية العربية الإسلامية، وليس أدل على هذا كله مما فعلته فرنسا عندما ضمت إليها أرض الجزائر، معتبرةً إياها أرضًا فرنسية، شاطبةً بذلك تاريخ الجزائر، وعروبتها، وإسلامها.. ولما قال الجزائريون كلمتهم رافضين كل هذا العدوان، وكل هذا الطغيان، وكل هذا التزوير شن عليهم الفرنسيون ألوانًا من الحروب، كان آخرها تلك الحرب التي قدم الجزائريون خلالها مليون شهيد من أبنائهم خلال الثورة التي شنوها على فرنسا طيلة أعوام ثمانية (1954-1962) وانتهت باستقلال الجزائر بعد التوقيع على معاهدة (إميان) بعد احتلال دامَ مائة واثنين وثلاثين عامًا بالكمال والتمام.

    النظام السياسي والاقتصادي في الغرب الرأسمالي قائم على التناقض في الوقت الذي يُكثر مفكروه ومثقفوه وقياديوه من الحديث عن الحريات، وحقوق الإنسان، والأخلاق، ومبادئ العدل، والعدالة، والحرية، والإخاء، والمساواة.. وفي الوقت الذي لا يزال يتغنى فيه بمبادئ الثورة الفرنسية، وبتمثال الحرية، وبتاريخ مارتن لوثر كينغ، وبتعاليم السيد المسيح قبل ذلك كله.. لقد بنى هذا الغرب الرأسمالي نظامه السياسي والاقتصادي بازدواجية مرعبة: في الغرب بناءٌ، وتطوير، وتقدم، وحديث لا ينتهي عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والنظام، والمدنية، وفي الشرق العربي الإسلامي ممارسات غربية تقوم على احتلال الأرض، والتنكيل البشع بالناس، وتخريب بلدانهم، وتدميرها، ونهب ثرواتهم، ونشر الفوضى، والفساد، والتخلف، والهمجية في بلادهم، وبين صفوفهم.. فأي ازدواجية هذه؟ وأي انفصام هذا الذي أصاب شخصية الغرب ومسلكياته في كل ديار العروبة والإسلام؟ وأي تناقض بين هذا الذي تبشر به ثوراتهم من عدل وعدالة وسلام وبناء هناك لأوطانهم ومواطنيهم، وما تنادي به، وتمارسه جهارًا نهارًا هنا بحق أوطاننا ومواطنينا؟؟

    والاتحاد السوفياتي الذي قام قبل خمسةٍ وتسعين عامًا ليخلص الناس هناك من ظلم القياصرة، وليخلص البشرية من فساد الرأسمالية وعدوانها على الناس، وليحقق حلم الشعوب في السلام والعيش الكريم.. قام هو الآخر على التناقض، لقد انطوت الثورة البلشفية التي فجّرها الرفاق هناك على عدوان صارخ على كثير من الشعوب، وعلى مصادرةٍ لحقها في الحرية والاستقلال .. وعلى الرغم من كافة مواقف الاتحاد السوفياتي إلى جانب القضايا العربية فيما بعد، وعلى الرغم من تأييده لكثير من القادة العرب في تصديهم للامبريالية والاستعمار، وعلى الرغم من وقوفه إلى جانب عبد الناصر منذ قيام ثورة مصر في مثل هذا اليوم من عام اثنين وخمسين، وحتى رحيل عبد الناصر مسمومًا في الثامن والعشرين من أيلول من عام سبعين وتسعمائة وألف، وعلى الرغم من مواصلة الاتحاد السوفياتي بعد رحيل عبد الناصر تسليحه للجيش المصري والسوري والعراقي أيضًا، الأمر الذي مكّن المصريين بعد ذلك من عبور القناة في ظهيرة اليوم العاشر من رمضان من عام ثلاثة وسبعين، وعلى الرغم من مواصلة تأييد الاتحاد السوفياتي للقضايا العربية حتى اللحظة الأخيرة، بل وعلى الرغم من هذه العلاقة الخاصة التي تشد كثيرًا من الناس في كل ديار العروبة إلى ورثة ذلك الاتحاد في العاصمة الروسية موسكو، بسبب المواقف التاريخية المشار إليها، وبسبب وقوف هؤلاء من جديد إلى جانب كثير من العرب، وكثير من المسلمين ممن يرفضون التبعية للغرب.. إلا أن هذا كله لا يمنع من قول كلمة حق بشأن أمرين اثنين كانا قد حصلا ذات يوم وهما: أن الاتحاد السوفياتي قد ضم عددًا من الأقطار الإسلامية إليه دون وجه حق، وأن الاتحاد السوفياتي كان قد سبق غيره من دول الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن دول مجلس الأمن أيضًا إلى الاعتراف بالدولة العبرية التي أقيمت على أرض فلسطين في العام ثمانية وأربعين..  

    وإذا كان الاتحاد السوفياتي قد آل أمره إلى الزوال بعد حياة شابها كثير من التناقضات، وإذا كان ورثة ذلك الاتحاد في موسكو يحسنون صنعًا في مواقفهم تجاه قضايا العروبة والإسلام بشكل يسترعي الانتباه، ويستوجب الشكر، فإن ما يحدث في الصين ( على الرغم من كل إيجابيات بكّين) بشأن الإيغوريين من سكان تركستان الشرقية التي ضمتها الصين إليها عند قيام ثورتها في العام التاسع والأربعين من القرن الماضي لأمرٌ أكثر من مؤسف، وأكثر من مؤلم.. ألا يعيد هذا الأمر إلى الأذهان ما حدث في المجر، وما حدث في بكين نفسها ذات يوم؟ ألا يُعتبر كل هذا الذي حدث في منظومة الدول الاشتراكية مما يُقال، ومما لا يُقال دليلاً على تناقض الثورات، وازدواجية معاييرها ومقاييسها ومكاييلها؟؟

    ثم إن هذه الانتفاضات التي عشنا في هذه الديار واحدة من أشدها غرابة وشراسة، وشهدنا صورًا منها في هذا البلد أو ذاك.. هذه الانتفاضات يوحد بينها طابعها الاحتجاجي، وأسلوبها في العمل، وتشبثها بمواقفها، وجنوحها للعنف، وميلها إليه.. كما يوحّد بينها أيضًا فشلها - في معظم الأحوال- في تحقيق أهدافها، وربما عادت بالمنتفضين وطموحاتهم سنواتٍ طوالاً إلى الوراء، فباتوا نادمين على ما فعلوا، ولكن بعد فوات الأوان.. ليس هذا هو بيت القصيد هنا، وإنما المقصود أن هنالك تشابهًا بين انتفاضة وانتفاضة – كما سلف- في الوقت الذي نجد فيه تباينًا بين هذه وتلك.. وفي الوقت الذي نجد فيه اختلافًا في مواقف كثير من الناس من هذه الانتفاضات.

    الانتفاضة – بمعناها الدقيق- أن يتحرك الناس في هذه المنطقة أو تلك، أو في مناطق البلاد كلها للتعبير عن احتجاجهم، وغضبهم، أو للمجاهرة بمطالبهم السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية... والانتفاضة – في إطارها هذا – تحرُّكٌ يريد الناس من خلاله توجيه رسالة أو رسائل لقادتهم، وزعمائهم، وحكامهم، وليس إلى غزاة، أو محتلين.. الجنرال ديغول ومن معه من الفرنسيين لم "ينتفضوا" على الغزاة النازيين بعد أن احتلوا فرنسا.. ما فعله الجنرال لم يكن انتفاضة، بل مقاومة، وثورة مسلحة استهدفت إخراج النازي المحتل من البلد، وهكذا كان.. ثم إن مواقف كثير من الأفراد والدول تختلف من هذه الانتفاضات.. ففي الوقت الذي أيد فيه كثير من الأفراد، وأيدت فيه دول كثيرة كل مظاهر الاحتجاج في إيران على نتائج الانتخابات الأخيرة التي قال الخاسرون فيها إنها مزورة، لم نجد هناك من يبدي تعاطفًا مع الجياع، والمقموعين، أو مع سجناء الرأي، والمعتقد السياسي، أو الديني في كثير من بلدان هذا العالم.. بل لعل الأهواء، والمصالح الشخصية، والتبعية لكثير من الدول الغربية التي تحرك الأحداث في هذا العالم هي التي تحرك هؤلاء لتأييد تحرُّكٍ مشبوه في هذا البلد، وتجاهل تحرك آخر في ذاك.. على الرغم من أن تحرك الأول باطل، وينطوي على التدخل بأمن البلد، وأمان مواطنيه، والعبث بالسلم الأهلي والاجتماعي.. وعلى الرغم أيضًا من أن تحرك الثاني حقٌّ، وينطوي على رفع ضيم وظلم، وتوفير لقمة عيش، وحبة دواء، وإفراج عن سجناء رأي، ومعتقلين سياسيين.

    وما يقال في الانتفاضات والمنتفضين يقال أيضًا في الانقلابات والانقلابيين.. فليس كل انقلاب مصيبًا، وليس كل انقلاب خاطئًا..  الانقلاب الذي تقوم به مجموعة من الضباط، أو ينفذه حزب سياسي، أو ديني، أو حركة قومية، أو اجتماعية بهدف إنقاذ البلاد والعباد من خطر محدق، وشر مستطير له من يسمعه، ويتعاطف معه في هذا العالم.. والانقلاب الذي جاء على خلفية ضبط الأحوال، وإعادة النظام العام إلى البلد بعد أن عبثت به مجموعات من العابثين الضالين المضلين له مؤيدوه بين الناس، وله قاعدته الشعبية التي يرتكز إليها، ويستند عليها..

    في الثالث والعشرين من يوليو تموز شهدت القاهرة ثورة أو انقلابًا أبيض قاده جمال عبد الناصر الضابط الذي حارب في المنشية بفلسطين، وحوصر في الفالوجة.. غضب عبد الناصر لضياع فلسطين، وغضب للتمزق العربي، والضعف العربي، والعجز العربي، والتواطؤ العربي؛ فقرر الانتقام لفلسطين من كل أسباب الضعف والانقسام والتشرذم والهزيمة.. فكان ميلاد الجمهورية في مصر مؤذنًا ببداية عهد جديد يضع النقاط فوق الحروف، ويعيد ترتيب الأوراق بعد أن اختلطت، وبعد أن ضاع كثير منها، ويعود بالعرب إلى سابق مجدهم في عصور عزتهم وقوتهم وعنفوانهم... شحن عبد الناصر شعب مصر العربي، وشحن الشعب العربي في كافة أقطاره وأمصاره، وعلى كل أرض العرب، وقاد حركة إصلاحية ثورية عربية واسعة في مصر، وخاض معارك داخلية رهيبة ضد الإقطاع، والتبعية وسيطرة رأس المال، والتخلف والفساد.. كما خاض معارك ضارية ضد الثورة المضادة، وضد رموزها وعناصرها.. وحارب على كافة الجبهات العربية والإسلامية والعالمية لوضع مصر، ومعها كل العرب على خارطة العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وتصدّى للعدوان الثلاثي في التاسع والعشرين من أكتوبر تشرين الأول سنة ست وخمسين، وخرج منتصرًا على ذلك العدوان، وقام بسلسلة من الإصلاحات الداخلية معلنًا قناة السويس شركة عامة مصرية، كما كان قد قام بطرد القوات البريطانية التي احتلت قناة السويس لأكثر من سبعين عامًا، وكان قوامها ثمانين ألف جندي بريطاني.. وقد كان عبد الناصر من مؤسسي دول عدم الانحياز جنبًا إلى جنب مع تيتو ونهرو.. لقد بنى لمصر ولكل العرب قوة يُحسب لها ألف حساب... وتابع جمال عبد الناصر سيره على طريق النصر والتحرير وبناء الدولة الحديثة، وإقامة دولة الوحدة العربية الكبرى على كل أرض العرب حتى كان إعداد الغرب لحرب سبعة وستين بعد أن أقدم عبد الناصر على التخلص من أمر كان يزعجه منذ عام ستة وخمسين، وهو وجود قوات الأمم المتحدة في مضائق تيران... نعم لقد طرد عبد الناصر تلك القوات، فكانت فرصة الغرب التي استغلها أبشع استغلال ضد هذا القائد العربي الذي أبى إلاّ أن يقضي وهو يقارع أعداء العرب ببسالة وبرجولة لا تلين...

    كان من الطبيعي أن يتحالف الغرب ضد عبد الناصر، وكان من الطبيعي أن تتضافر جهود الغرب للتخلص من رجل بات يهدد الغرب ومصالحه في هذه الديار..فكان ما كان لأن عبد الناصر كان رجل الساعة، ولأن الغرب كل الغرب لا يريد أن يرى رجلاً قويًّا، أو دولة قوية على أرض العرب، فكيف إذا كان عبد الناصر يعمل جاهدًا من أجل إقامة المشروع العربي على كل أرض العرب، وكيف إذا كان عبد الناصر يتحرك بسرعة ونشاط في الدائرة الإسلامية التي تعتبر العالم الإسلامي كله وحدة سياسية واقتصادية، وجغرافيّة واحدة؟ وكيف إذا كان عبد الناصر يحلم في بناء عالم عربي إسلامي واحد موحّد تبلغ مساحته أكثر من ثلاثة وثلاثين مليونًا من الكيلومترات المربعة، وهي مساحة تزيد كثيرًا على مساحة الاتحاد السوفياتي الذي كان، وتبلغ نحو أربعة أضعاف مساحة الصين الشعبية،  ونحو أربعة أضعاف مساحة الولايات المتحدة نفسها.

    كان ما كان.. وكانت هزيمة العام سبعة وستين... وكان الموقف الشعبي المصري والعربي في التاسع والعاشر ( الجمعة والسبت) من حزيران...وكانت عودة الفارس بقرار من أمة العرب كلها، وكان قرار إعادة بناء الجيش المصري، وقرار إسناد رئاسة الأركان إلى عبد المنعم رياض لإعادة بناء الجيش، والشروع في حرب الاستنزاف بعد ذلك.. لقد أسس عبد الناصر لانتصار الجيش المصري في حرب العاشر من رمضان عام ثلاثة وسبعين، قبل أن تغتاله الأيدي الآثمة؛ فيقضي بالسمّ في الثامن والعشرين من أيلول من العام سبعين وتسعمائة وألف.

    وهكذا قضى عبد الناصر بعد حياة حافلة بالمجد، والعمل من أجل فلسطين، ومن أجل مصر، ومن أجل الأمة العربية الواحدة الموحدة من محيطها إلى خليجها.. قضى عبد الناصر، وهو يحمل الراية العربية، وعزاء هذه الأمة أن الراية لم تسقط، وأن العرب بخير، وأن دولة الوحدة العربية الكبرى التي حلم بها عبد الناصر، ونادى بها طوال فترة حكمه هي حقيقة قائمة على كل أرض العرب من المحيط إلى الخليج.. إنها حلم كل عربي مخلص لوطنه، مخلص لعروبته، مخلص لإسلامه، مخلص لثقافته العربية الإسلامية،  ولفلسطين أرضًا وشعبًا وقضيّة.

    واستخلاصًا للعبر والدروس المستفادة من هذه التجربة الفريدة في تاريخنا الحديث أقول إنه لا شيء يضيع القدرات، ويقضي على الكفاءات والإمكانات كالحماسة الزائدة والاندفاعات، ولا شيء ينمّيها، ويدفع بها إلى الأمام بخطًى ثابتة مدروسة راسخة، كالوعي، والتبصر، والاستفادة من دروس التاريخ، واستغلالها في استنهاض الواقع، على هدًى، وبينة، وبصيرة، وإصرار على مواصلة التقدم والبناء لتحقيق الهدف المنشود.. ولا شيء يقضي على العزائم كاليأس والقنوط والإحباط، ومن هنا كان من الضروري، بل من الواجب أن يبتعد القادة بشعوبهم عن عوامل هذه الآفات، وعن أسبابها ومسبباتها بقدْر المستطاع.. أما إذا كانت مفروضة فرْضًا من قوًى ودول ليس بالإمكان مواجهتها، أو مهادنتها ومسالمتها لأنها مصرّة على المواجهة، والتخلص من هذا الوليد قبل أن يبلغ أشده، ولأنها لا تريد أن ترى في هذه الديار جيلاً قويًّا، ونظامًا كفيًّا، وقوة فاعلة في التاريخ، وصنع الأحداث؛ فليس أقل من المصارحة، والمكاشفة، وأخذ رأي الناس في كل ما حدث، وفي كل ما سيحدث.. وليكن بعد ذلك ما يكون!!

    واستخلاصًا للعبر والدروس من تجاربنا الحزبية، ومنطلقاتنا الفكرية، ومن كل الانقلابات والثورات التي شهدتها أرض العرب في تاريخنا المعاصر، ومن كل ما رافقها وصاحبها من انتصارات وهزائم، وتفاؤل وتشاؤم، ومغانم ومغارم أقول مختتمًا هذا المقال:

    لقد شهد القرن الماضي انهيار دولة الخلافة العثمانية، كما شهد تمزق كل أرض العرب والمسلمين، وقيام دول عربية ومسلمة كثيرة قد يصل عددها اليوم إلى ستين دولة. ولا يزال العدد مرشحًا للزيادة بفعل هذا التوجه الذي يستهدف تجزئة الصحيح، وتفتيت المجزَّأ.. ومن يدري فقد يصبح للعرب والمسلمين ذات يوم مئة دولة، وقد يصبح لهم أكثر من ذلك، ومع هذا فهم غثاء كغثاء السيل، لا يملكون من أمر أنفسهم وأوطانهم شيئا... لقد شاركت القوى العربية، والأحزاب العربية، ولا سيما بعد نكبة عام ثمانية وأربعين في هذه التجارب السياسية، وخاضت تجارب الانقلابات والثورات في كثير من ديار العروبة والإسلام.. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن الحزب الوحيد (من هذه الأحزاب التي عرفتُها، وعرفها الناس قبل ستة عقود، أو يزيد) الذي لم يشارك في شيء من هذا هو حزب التحرير على الرغم من أن المجال كان ولا يزال متاحًا أمامه للخوص – كغيره- في هذه التجارب، وعلى الرغم من أن الشيوعيين، والقوميين، والبعثيين، وبعض الإسلاميين (وغيرهم ممن لم يحالفهم الحظ في الظهور) قد خاضوا غمراتها.

    هذا الحزب قد يكون الحزب الوحيد الذي امتنع عن دخول تجربة غير مضمونة، لأنه لا يؤمن بالانقلابات العسكرية، ولأنه يريد بناء دولة تقوم على اختيار الناس، واقتناعهم بها، والاستعداد للتضحية في سبيل بنائها وبقائها، ودخول معارك التحدي بكل أشكالها وصورها بوعي وبصيرة وتبصّر وإدراك.. فهل يتاح لهذا الحزب أن يحقق هدفًا يراوده منذ تسعة وخمسين عامًا؟ وهل يُتاح لهذه الأمة أن تبلور فكرًا سياسيًّا تحرريًّا لا تبعيَّة فيه لمشرق أو مغرب؟ وهل تتمكن هذه الأمة ذات يوم من تكريس وجودها، وصنع القوة الناعمة أو غير الناعمة التي تضمن لها وجودًا لائقًا بها تحت الشمس، ودورًا فاعلاً في التاريخ، بعيدًا عن الأخطاء والخطايا، وكل أسباب اليأس والتخبط والقنوط والإحباط؟

   بقي أن أقول إنني قد توقفت عند حدود هذه الذي يسمونه الربيع العربي، ولم أجد ما يغريني بالكتابة في هذا الذي لم أجد  فيه ما يغري، ولم أجد ما يدفعني للكتابة فيه سوى التشكك، والتحفظ، والحذر، ولم أجد فيه أيضًا سوى هذه المحاولات الجديدة لتمزيق العالم العربي وتفتيته وتقسيمه وتركيعه من جديد.