عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الجمعة، ٢٠ نيسان ٢٠١٢

في مساوئ الانتخابات وتناقضاتها.. وفي نزاهة الحكم أيضًا!!

متابعات

في مساوئ الانتخابات وتناقضاتها.. وفي نزاهة الحكم أيضًا!!

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

   يخطئ من يعتقد أن كل الانتخابات جيدة، وأن كل الانتخابات تؤدي إلى نتائج إيجابية، وأن كل الانتخابات تأتي بالضرورة والحتمية بالأفضل، أو الأحسن، أو الأصلح من بين سائر المرشحين لهذا المنصب أو ذاك، ولهذه الهيئة أو المؤسسة أو الدائرة أو تلك، ويخطئ من يعتقد أن كل الانتخابات، وكل ما تسفر عنه من نتائج هي من الأمور المقدسة التي لا يرقى إليها الشك، ولا يجوز أن يعترض عليها معترض، أو يحتج محتج.. وفي الوقت نفسه، فإنه يخطئ من يعتقد أن كل الانتخابات سيئة، وأنها باطلة باطلة، وأن كل نتائجها تؤدي بأصحابها إلى الهاوية.. وكذلك فإنه يخطئ من يعتقد أن كل التعيينات سيئة، وأن كل الأنظمة التي لا تعطي كبير وزنٍ أو اهتمامٍ بالانتخابات هي أنظمة فاسدة استبدادية قمعية إلى آخر ما هنالك من صفاتٍ ونعوت.. فالعبرة بالمضمون لا بالشكل، والعبرة بالتطبيق والممارسة لا بالتنظير، والعبرة بالنتائج والنوايا والتطلعات والأهداف والغايات والممارسات والمتابعات، وليست بالتبعية والتقليد والمحاكاة، وليست بالشكليات والصياغات والفبركات والترويجات والتأويلات والحذلقات والتفسيرات.. والعبرة قبل هذا كله، أو بعد هذا كله في الحفاظ على سلامة الوطن وسلامه وعزته، وعلى أمن المواطن وأمانه ورفائه ورفعته.. والعبرة أيضًا بقوة الأوطان، وسلامة البنيان، وعزة الإنسان، وتفوقه ثقافيًّا، وفكريًّا، واقتصاديًّا، وسياسيًّا.. والعبرة في تماسك المجتمعات والتجمعات كبيرها وصغيرها، وفي ترابط هذه المجتمعات والتجمعات وتعاونها على البر والتقوى والصلاح والفلاح والتطور والتقدم والمحبة والمودة والإحسان، لا على الفساد والبغي والإفساد والخداع والانحراف والسلب والنهب والتزوير والكذب وارتكاب الكبائر والصغائر والعدوان.

   كثيرةٌ هي الانتخابات التي أتت بالفاسدين والمفسدين في الأرض، وكثيرةٌ هي الانتخابات التي وجهتها الرشاوى، وتحكمت فيها الضغوطات السياسية والتهديدات، وكثيرةٌ هي الانتخابات التي واكبتها ورافقتها كل ألوان الغش والخداع والتزوير، وكثيرةٌ هي الانتخابات التي فشل فيها الأحرار الشرفاء الأوفياء الأكفياء من الناس، وتلك التي فاز فيها أولئك الأحرار الشرفاء، ولكن دون أن يتمكنوا من جني ثمار فوزهم، ودون أن يحترم أحدٌ رغبة الناخبين، أو يصغي أحدٌ لإرادة صندوق الانتخاب.. ليست كل الانتخابات سيئة، وليست كلها جيدة، ولم تأت الانتخابات كلها بالأحسن، ولم تأت كلها بالأسوأ، والانتخابات ليست كلها مقدسة، بل إن كثيرًا منها مزورة، وإن كثيرًا منها قد أتت بغير ما يريده ضمير الأمة، وإن كثيرًا من نتائجها ما اشتُريَ بالمال وصنوف الإغراء والإغواء، وأشكال الوعيد والتهديد، وألوان الضغوطات والتأثيرات والمؤثرات الداخلية والخارجية، وإن كثيرًا منها ما يُجرى تحت تأثير اللوبيات، ومراكز القوى والتحكم والتدخل والتنفذ ودفع رسوم الترشح، وتمويل المعارك الانتخابية لقاء تأييد الفائز في النهاية لسياسة هذه المجموعات والجماعات والهيئات واللوبيات.. فما معنى مثل هذه الانتخابات؟ وما معنى محاولات فرضها وتعميمها على الناس في هذا العالم؟ ولماذا يُصر هؤلاء وأولئك على إجرائها دائمًا تحت الضغط الاقتصادي والسياسي والأمني والنفسي؟ ولماذا لا يعترف أحدٌ بنتائج انتخاباتٍ قد تأتي بالأخيار الكرام ملبيةً رغبة الناخبين؟ ولماذا يصر هؤلاء وأولئك على أن يأتي صندوق الانتخاب بمن يريدون؟ ألا تكون الانتخابات نزيهةً وشفافةً ومعترفًا بها إلا إذا أتت بمن يريده الغربيون، ودعاة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ودعاة العولمة والتنفذ والنفوذ الغربي الامبريالي في هذا الوطن العربي والعالم الإسلامي؟؟ إن انتخاباتٍ كهذه لا يمكن أن تكون انتخاباتٍ ديمقراطية ًكما يدَّعون، ولكنها مزورةٌ تنطوي على المكر والخداع والتزييف، واستغلال هذه "الديمقراطية" أسوأ استغلال كي تأتي بمن يريده أولئك وهؤلاء.. ولكن الشعوب، رغم كل ما يحل بها من مهانةٍ وإهانةٍ وتجويعٍ وتركيع، ورغم كل ما تتعرض له من تنكيلٍ وتقتيل، إلا أنها تعرف جيدًا ما يريدون، وتُدرك جيدًا ما يريده المخططون والمنفذون والمتلاعبون بالقيم الإنسانية، وبحق الشعوب المقدس في العيش بأمنٍ وأمان ومحبةٍ واستقرارٍ واطمئنان، في أوطانٍ حرةٍ سيدةٍ عزيزةٍ كريمةٍ مستقلةٍ مستقرةٍ بعيدًا عن التبعية لكل هؤلاء وأولئك، وبعيدًا عن الهيمنة والسيطرة ومناطق النفوذ والأحلاف العسكرية وغير العسكرية، وبعيدًا عن سياسات السلب والنهب، وتجويع الشعوب وتركيعها وترهيبها.

   قد ترى عائلةٌ، أو قبيلةٌ، أو مدينةٌ، أو تجمعٌ، أو مجتمعٌ، أو شعبٌ، أو أمةٌ أن فلانًا من الناس هو أفضل أبنائها، وأقواهم على النهوض بأمورها، وأشدهم حرصًا وغيرةً على مصالحها، فتختاره بطريقتها، وتسلمه زمام أمرها.. لم يتوجه الناس إلى صندوق انتخاب عندما اختاروا أبا بكر، وعندما اختاروا عمر، ولم يتوجهوا إلى صندوق انتخاب لاختيار بني أمية بفرعيهم السفياني والمرواني، ولم ينتخبوا أحدًا من خلفاء العباسيين في المشرق العربي، والأمويين وغير الأمويين في المغرب العربي، وفي قلب أوروبا أيضًا!! لقد كان العلماء والفقهاء والوجهاء والقادة والمفكرون والأعيان والمستشارون يقولون دائمًا كلمتهم، ويجمعون أمرهم، ويقررون من هو أفضل أبناء الأسرة، أو القبيلة، أو المدينة، أو الدولة، فيتولى من وقع عليه الاختيار مقاليد الأمور.. ويذكر التاريخ العربي أنه في الوقت الذي يخطئ فيه هذا الوالي أو الخليفة، أو الحاكم، فإن ذوي الاختصاص من حوله ينبهونه إلى خطئه، فإن كثرت الأخطاء رغم التوجيهات والتنبيهات قاموا بعزله، وتعيين آخر بدلاً منه، حدث هذا في تاريخ العرب منذ أن عرفوا الحكم، وأقاموا الدول، ولا مجال لذكر الأمثلة، ففي كتب التاريخ كثيرٌ منها مما يمكن الرجوع إليه.

   أبو بكرٍ يقول: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حى آخذ الحق منه". وعمر يرفض أن يتولى ابنه عبد الله الخلافة بعده، عندما أراد الناس في المسجد أن يعينوه مكان أبيه الذي ينزف دمًا في المسجد بعد أن طعنه أبو لؤلؤة.. يرفض عمر ذلك، ويقول: "يكفي أن يكون واحدٌ من آل الخطاب مسئولاً أمام الله عن هذه الأمة"!! عمر الذي أعطى كل وقته وجهده لهذه الأمة على مدى اثني عشر عامًا أو يزيد يبكي، ولا يريد أن يكون ابنه خليفةً من بعده، لأنه يعتقد أنه قصَّر في تطبيق العدل المطلق في الحكم، ويخشى أن يكون ابنه كذلك!! عمر الذي يعتبره كثيرٌ من المؤرخين العرب وغير العرب المؤسس الحقيقي للدولة العربية الإسلامية، صاحب المواقف المشهورة التي لا زال صداها يملأ جنبات هذا الكون يخشى أن يكون قد قصّر، ويرفض أن يتولى ابنه الخلافة بعده، ولو وافق لاختاره الناس فورًا، ولعينوه عليهم قبل وفاة أبيه!!.

   تاريخ العرب حافلٌ بقوافل العظماء من الخلفاء والقادة والمفكرين والمبدعين والعلماء والأدباء والشعراء والفلاسفة والكتاب والمؤلفين في كافة فروع العلم والمعرفة.. وتاريخ العرب، وعظماء أمة العرب، بل تاريخ الدنيا بأسرها يقف شاهدًا على عزة العرب، وشهامتهم، وعلى حضارة العرب وازدهارها، وثقافة العرب وانتشارها، وعدالة العرب، وتسامح العرب وكرامة العرب، وبطولة العرب.. فلماذا نغمض أعيننا عن كل ذلك؟ ولماذا نجري وراء هؤلاء وأولئك في التبعية والولاء والمحاكاة والتقليد واقتفاء أثر هؤلاء المتربصين بنا، الطامعين في أرضنا؟ أنتوسم خيرًا فيهم ونحن نرى ونسمع ما عليه شعوبهم من جوع وخوف واضطراب؟ أنكون عونًا لكل طامعٍ فينا، مجترئٍ علينا، يسعى لهدم مجتمعاتنا وتفكيكها، لتسهل عليه السيطرة عليها وعلينا، لنهب خيراتنا، وإذلال إنساننا، واحتلال أوطاننا، وهدم بنياننا؟ لماذا كل هذا التهافت أيها المتهافتون؟ ولماذا كل هذا النفاق أيها المنافقون؟ ولماذا كل هذه التبعية لهؤلاء يا من تنكرتم لعروبتكم وإسلامكم وثقافتكم وتاريخكم وإنجازاتكم عبر التاريخ؟؟.

   وبعد، فإن هذه الانتخابات التي تقرعون بها رؤوسنا صباح مساء في كل أوطان العروبة ليست من العروبة والإسلام في شيء، وإنها وإن انطوت أحيانًا على شيءٍ من النزاهة في بعض المجتمعات الغربية إلا أنها ليست خيرًا كلها، وكفى دليلاً على زيفها وفسادها خضوعها لتلك القوى التي تتحكم بالناس، وتسخرهم لتنفيذ أهدافها ومآربها.... وكفى دليلاً على زيفها وفسادها مواقف من تأتي بهم تلك الانتخابات، ومواقفها العدائية من كافة قضايا الشعوب المناضلة من أجل حريتها وكرامتها، ويكفي دليلاً على ذلك أيضًا عمليات الغزو الممنهج لكثيرٍ من بلاد العرب والمسلمين، ثم إشعال النيران في كل بلاد العرب والمسلمين، كي يتمكن كل أعداء العروبة والإسلام من السيطرة عليها.. ألا يشكل هذا دليلاً على فساد انتخاباتهم، وعلى فساد ديمقراطيتهم، ومبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي يتبجحون بها صباح مساء؟؟ ألا يحق لنا أن نبرأ من تلك الانتخابات الزائفة المزورة التي لم نر فيها على امتداد العقود الماضية سوى الكذب والنفاق والتزوير والخداع والتبعية كل أعداء هذه الأوطان؟ أليس من حقنا أن نلتفت إلى ماضينا لنأخذ منه العبرة والموعظة، ولنأخذ منه ما يعيننا على مواجهة واقعنا، وحسم أمرنا، والاستفادة من تجاربنا، والبناء على ما بناه أسلافنا وأجدادنا عندما كانوا رجالاً أضاءوا للدنيا كلها سبل الهداية والعدالة والمودة والرشاد؟ أليس من حقنا أن نغذَّ الخطى، ونشحذ الهمم، ونمضي بكل قوةٍ وعزمٍ وعزيمةٍ وإيمانٍ لبناء نظامٍ سياسيٍّ عربيٍّ يأخذ أحسن ما في نظام الانتخابات، وأحسن ما في نظم التعيينات، وأحسن ما في أنظمة الرقابة، والمتابعة، وبناء الهياكل والأجسام التي تأخذ من كل أنظمة هذا الكون خير ما فيها، إضافةً إلى ما عندنا من منهجٍ أخرج البشرية كلها ذات يوم من الظلمات إلى النور؟ أليس من حقنا أيها الكرام أن نتوقف عند كل هذه الحقائق كي نضع برنامجنا المتزن المتوازن الصادر عن كل ما في الانتخاب من فضائل، وعن كل فضائل التعيين ومحاسنه، وعن كل الممارسات والأساليب والوسائل المؤدية إلى نزاهة الحكم أيضًا.

(21/4/2012)      

الثلاثاء، ١٧ نيسان ٢٠١٢

نيسان.. يا ثورةَ السجونِ على السجان!!

متابعات

نيسان.. يا ثورةَ السجونِ على السجان!!

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   الاعتقال الإداري، والاعتقال السياسي، والاعتقال العشوائي التعسفي، وكافة أنواع التوقيف والاعتقال، وكافة أنواع الحبس والسجن والتضييق على الناس ومصادرة حرياتهم، وسائر أنواع الكبت والقمع والتدخل في حياة الناس، وحشر الأنوف والآذان في خصوصياتهم، وكل أنواع الترغيب والترهيب والإغراء والرشوة لشراء الناس، والتحكم بهم، وفرض السيطرة عليهم، وعلى أوطانهم، كل هذه وتلك، وكل هذه الموبقات وتلك، وكل هذه الكبائر وتلك، وكل هذا الاستخفاف بالأوطان والإنسان، وكل هذه الأساليب التي يتبعها هؤلاء وأولئك ضد الوطن والمواطن، وضد الأخلاق الحميدة، والقوانين الراقية الرشيدة يجب أن تتوقف، ويجب أن يتعاون الناس جميعًا من أجل إنهائها، ووضع حدٍّ لها، ويجب أن يعمل كل من يعنيهم الأمر في كل بقاع الدنيا على إلغائها، واستبدالها بأحكامٍ عادلة، وقوانين رشيدةٍ سديدةٍ تحترم حياة الإنسان، وتحترم حرياته، وتحترم إرادته، وتحترم إنسانيته، وتحترم سائر حقوقه في القول والتفكير والتعبير والعمل واختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يريد، مع احترام حقه في الدعوة لفكره، والترويج لفكرته ضمن الأعراف والوسائل المشروعة المتفق عليها في كل أقطار العالم التي تحترم الإنسان، وتحترم إنسانية الإنسان، وتحترم كافة حقوقه التي ضمنتها له القوانين، ونصت عليها الدساتير المكتوبة وغير المكتوبة، وسائر الأعراف، دون أن يكون من حق أحدٍ أن يتعرض له، أو أن يضايقه، أو أن يحاول منعه من إبداء رأيه تحت أية ذريعة من الذرائع التي يتذرع بها المفلسون الفاشلون الذين لا يؤمنون بحرية الإنسان وبحقه المقدس في القول والتفكير والتعبير.

   لقد نُكبت شعوبٌ كثيرةٌ في هذا العالم على مر العصور والدهور، ولا تزال، بأنظمةٍ قمعيةٍ استبداديةٍ تسلطيةٍ لا تقيم وزنًا للإنسان، ولا تحترم له رغبةً، أو إرادةً، أو رأيًا، ولقد تسلط على كثيرٍ من الشعوب في هذا العالم طغاةٌ عُتاةٌ جناةٌ أذلوها، وساموها سوء العذاب، وأحالوا حياة أبنائها جحيمًا وأي جحيم!! ولقد ابتليت البشرية خلال تاريخها القديم والوسيط والحديث بألوانٍ من المعارك والحروب المدمرة التي فُرضت عليها فرضًا دون أن يكون لها يدٌ فيها في كثيرٍ من الأحيان، وقد جنى على البشر والبشرية عبر تاريخها الطويل مغامرون كثيرون، وأشقياء كثيرون ممن جعلوا من الناس، ومن حياة الناس وقودًا لمغامراتهم وحروبهم التي لم يبتغوا منها إلا بناء أمجادٍ شخصية باطلةٍ ليس فيها أدنى مصلحةٍ لأحد، وليس فيها أدنى نفعٍ لأحد، ولا تنطوي على أدنى قيمةٍ من القيم التي عرفتها هذه الأمة، وعالجتها بأساليب مختلفةٍ راقيةٍ من الحكمة، والحوار، والموعظة الحسنة، قبل أن تلجأ إلى الكي، وهو آخر العلاج كما قالت العرب، وحتى في لجوء أولئك الناس إليه كانوا كارهين له مجبرين عليه، وقد اتخذوا منه وسيلةً لأمن الشعوب وأمانها وتقدمها وازدهارها وعيشها الكريم، ولم يتخذوا منه وسيلةً لقهر الشعوب، والتحكم بها، ومصادرة أراضيها، والتنكيل بأبنائها، وتجويع الناس وإذلالهم، بل فإن عكس ذلك تمامًا هو الصحيح، بدليل أن كل الشعوب في هذا العالم قد أحبت أولئك الناس، وبدليل أن كل الشعوب في ذلك العالم قد أصبحت جزءًا لا يمكن أن يتجزأ من تلك الأمة التي جاءت بالقيم والمُثل العليا والكتاب المنير، وكرست مبادئ الحق والعدل والمساواة، بعيدًا عن الاستبداد، وبعيدًا عن الظلم والبغي والفساد، وبعيدًا عن العدوان والطغيان والقهر والتنكيل والسلب والنهب، وكل أشكال التعسف والبغي والاستعباد والاستبداد.

   إن شعبنا العربي الفلسطيني الذي يعاني منذ مطلع تاريخه الحديث من سلسلةٍ تكاد حلقاتها لا تنتهي، ويكاد بعضها يؤدي إلى بعضها الآخر، ولا نقول إنها كانت كذلك يقينًا، وإنها كانت مدروسةً جيدًا ومخططًا لها جيدًا، حتى لا نُتهم بأننا من أصحاب نظرية "المؤامرة" التي يتحدثون عنها، ويحذرون منها، لأنه لا وجود لها إلا في عقولنا ورؤوسنا نحن الفاشلين الخائفين الفزعين من الناس!! ولأنه لا وجود لها في الواقع، ولا وجود لمخططين، أو مخططات، أو أجنداتٍ خارجيةٍ أو أجنبيةٍ، ولأن الأمور في هذا الكون تسير سيرًا طبيعيًا بحيب قوانين النشوء والارتقاء والتطور، والقوة والضعف، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والعلم والجهل، والنضج والفجاجة، وبحسب قانون العرض والطلب بلغة الاقتصاد والاقتصاديين، وبحسب قوانين "العولمة" ومقتضياتها بحسب ادعاءات كثيرٍ من المثقفين والكتاب الذين باتوا يقومون بما يريده الغربيون نيابةً عنهم، وإيمانًا منهم بطهر الغرب وعفته ونضجه وطيبته وكرم أخلاقه، وإيمانًا منهم أيضًا بأن العالم اليوم قد أصبح قريةً صغيرةً، وهو ملك لجميع أبنائه وبناته، لا فرق بين غربي وشرقي، وعربي وغير عربي، ومسلم وغير مسلم إلا بمقدار ما يقدم لهذا العالم من نفع، وبمقدار ما يؤثر فيه، ويتأثر به، وصولاً إلى عالمٍ جميل، وعيشٍ هانئٍ هادئٍ كريم.. فإذا قلت إن هذا القول مبالغ فيه، وإنه وسيلة الغرب الجديدة لحكمنا والتحكم بنا، فإن حصل فبها ونِعْمَ، وإلا كان الغزو، وكانت الحروب، وكان الدمار، وكان الخراب، وكان كل ما لا تُحمد عقباه، وكانت السجون والمعتقلات التي يُحشر فيها حشرًا كالأغنام كلُّ خارجٍ عن القطيع، وكل من يغرد خارج السرب، وكان في هذه السجون والمعتقلات ما فيها من عدوانٍ وتقتيلٍ وتنكيلٍ وتجويعٍ وتركيعٍ واغتصابٍ وإذلالٍ وامتهانٍ للإنسانية والإنسان، وما نبأ تلك المعتقلات عنا ببعيد.

   وإن شعبنا العربي الفلسطيني هذا الذي يعاني منذ مطلع تاريخه الحديث مما تنوء بحمله الجبال، شعبنا هذا يقف اليوم شامخًا منتصبًا عملاقًا يرفض الضيم، ويرفض السجن، ويرفض الهوان، ويرفض العدوان، ويتمرد على السجان، ويُسمع الدنيا كلها صوته المطالب بالحرية، ويصرخ في وجه الدنيا كلها: لقد آن لنا أن نتحرر، وآن لنا أن نخرج من قبور الأحياء التي دفنونا فيها ظلمًا وعدوانًا، وآن لنا أن نحيا كما يحيا البشر، وأن نعيش حياتنا كما يعيش الناس في هذا العالم.. شعبنا العربي الفلسطيني يقف اليوم إلى جانب أسرى الحرية في ثورتهم وتمردهم على الظلم والعدوان، وتحديهم للسجن والسجان، وفي مطالبتهم بالتحرر من القيد.. أسرانا يثورون على حياة المذلة والهوان.. يثورون على الاعتقال الإداري والسياسي، ويثورون على الاعتقال التعسفي الاستبدادي العشوائي، وعلى سائر أنواع الاعتقال والتضييق والحصار والتحكم والإذلال.. كل أسرانا اليوم يحتجون على هذا الظلم الصارخ الذي ما أنزل الله به من سلطان.. إنهم لا يطالبون بتحسين ظروف اعتقالهم!! بل يطالبون بالحرية، والتحرر، وبكسر القيد، وإغلاق هذه السجون والمعتقلات التي دأبت على إذلال الأحرار منذ عهد هذه الديار بأول احتلالٍ في تاريخها الحديث.. ولئن كان الإنجليز المحتلون هم أول من أتى ببدعة الاعتقال الإداري، فإننا سنلغيه نحن اليوم بإصرارنا وإرادتنا، وبأمعائنا الخاوية، وصدورنا العارية، وبمواقف الشرفاء من الناس، والقوى التقدمية، وأنصار الحق والحرية والعدل والعدالة والسلام في هذا العالم، وسنلغي معه الاعتقال السياسي البغيض أيضًا.

(17/4/2012)

الاثنين، ١٦ نيسان ٢٠١٢

في ذكرى استقلال سوريا

(إعادة)

متابعات

في ذكرى استقلال سوريا

أ‌. عدنان السمان

www.samman.co.nr

   كان من أبرز نتائج انهيار الخلافة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن وقعت بلاد الشام تحت انتدابين أو احتلالين غربيين سمّهما ما شئت.. أما سوريا ولبنان فقد وقعا تحت الاحتلال الفرنسي، وأما فلسطين وشرقي الأردن فقد وقعا – كالعراق- تحت الاحتلال البريطاني، أو الانتداب البريطاني كما قالوا في تلك الحقبة من التاريخ... ولا يخفى على دارس أو متتبع لسير الأحداث في هذه الديار أن هذه الاحتلالات قد جاءت نتيجة لاتفاق سايكس بيكو الذي أصر فيه الرجلان على تمزيق ممتلكات الخلافة العثمانية لضمان عدم قيامها من جديد، وكذلك تمزيق سوريا ، وتقسيمها إلى أربع دويلات كما تعهدت بذلك قيادة جيش الاحتلال الفرنسي آنذاك... ولا ينسى مراقب أو متتبع لأحداث هذه الديار في تلك الفترة أن القوات البريطانية قد أخذت على عاتقها وضع وعد بلفور الصادر في الثاني من تشرين الثاني من عام سبعة عشر وتسعمئة وألف موضع التنفيذ ، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين .. وهذا ما حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعد ثمانية وعشرين عامًا من الاحتلال البريطاني لفلسطين، عندما أعلن الإنجليز في الرابع عشر من أيار من عام ثمانية وأربعين انسحابهم من فلسطين في الوقت الذي كانت فيه القيادات اليهودية تجتمع عصر ذلك اليوم في تل أبيب محددة اليوم التالي – يوم الخامس عشر من أيار- موعدًا لقيام إسرائيل التي أسماها بن غوريون بهذا الاسم.

    ولئن تمكنت بريطانيا من تحقيق أهدافها في فلسطين ، ولا تزال تواصل جهودها من أجل استكمال خططها ومخططاتها في حسم الصراع العربي الإسرائيلي لصالح الرؤية اليهودية، والتصور اليهودي لهذا الصراع على أرض فلسطين، وعلى الأرض العربية دون استثناء، ولئن تمكنت بريطانيا مجددًا تحت راية الأمريكان من العودة إلى العراق بعد خروجها منه في الرابع عشر من تموز من عام ثمانية وخمسين، وبعد انهيار حلف بغداد في ذلك اليوم ، ثم خروجها منه مع أمريكا مهزومةً تجرر أذيال الخيبة والفشل، فإن فرنسا لم تتمكن من تحقيق أهدافها في سوريا، بل اضطرت للخروج منها ليصبح اليوم السابع عشر من نيسان من عام ستة وأربعين وتسعمئمة وألف عيدًا للجلاء يحتفل به السوريون في كل عام، وليصبح هذا اليوم السابع عشر من نيسان عيدًا وطنيًّا، وعيدًا للاستقلال السوري، ورمزًا لانتصار المقاومة المسلحة في سوريا على الاحتلال الفرنسي الذي جثم  على صدرها نحو ستة وعشرين عامًا.. دون أن يتمكن الفرنسيون من العودة إلى سوريا تحت أي غطاء أو ستار، ودون أن تتمكن فرنسا الحديثة من العودة إلى أي من مستعمراتها في بلاد العرب لأكثر من عامل، ولأكثر من سبب .

    إنه، وفي هذه الأيام التي تعصف فيها الحوادث والأحداث بهذا الوطن العربي المفتت والمجزَّأ، وفي الوقت الذي تستبيح فيه جيوش الغزاة كثيرًا من الأقطار العربية والأرض العربية، وتهدد باجتياح ما تبقى من هذه الأقطار، وهذه الأرض العربية من المحيط إلى الخليج، وفي الوقت الذي تصدر فيه الأوامر والتعليمات من تلك القيادات المتغطرسة المستكبرة إلى القيادات العربية والحكومات العربية بضرورة تنفيذ رغبة تلك القيادات ، وبضرورة تمرير خططها ومخططاتها في كل أرض العرب، وبضرورة ابتعادها عن "التطرف" العربي، و"المتطرفين " العرب.. وفي الوقت الذي لا تخفي فيه تلك القيادات رغبتها في السيطرة المطلقة على كل الأرض العربية بهذه الوسيلة أو تلك، وبهذا الأٍسلوب أو ذاك؛ وفي الوقت الذي يواصل فيه المعتدون عدوانهم اليائس على القطر العربي السوري منذ أكثر من عام، بهدف تغيير النظام القائم في دمشق بقوة السلاح،  فإنه يحسن بنا، ويجدر بكل مراقب ومتتبع  لسير كل هذه الحوادث ، والأحداث، والأوامر، والنواهي، والتوجيهات، والاعتداءات، والتعليمات، والتهديدات أن يعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، وتحديدًا إلى العام السادس والأربعين من القرن الماضي، وإلى السابع عشر من نيسان من ذلك العام ليقرأ صفحات مشرقة من تلك الثورة المسلحة التي انطلقت من جبل العرب في العشرين من تموز من عام خمسة وعشرين وتسعمئة وألف بقيادة سلطان باشا الأطرش.. تلك الثورة المسلحة التي استمرت وتواصلت لتوصل السوريين إلى الاستقلال التام.. يجدر بنا أن نعرف أن تلك الثورة قد تفجّرت عندما قام عدد من المسلحين السوريين بمهاجمة المركز الفرنسي في بلدة صلخد في جبل العرب، وحرقه مع دار البعثة الفرنسية بمكاتبها وأوراقها كما يقول الكاتب العربي السوري أحمد القضماني.. ثم تقدم المقاتلون نحو بلدة الكَفر مشاةً وخيّالة متسلحين بالأسلحة الخفيفة، والسلاح الأبيض، وهاجموا الموقع الذي تعسكر فيه الحملة الفرنسية التي أُبيدت بفعل عنصر المباغتة ، وبفضل شجاعة المجاهدين، وكان من نتيجة ذلك أن اندلعت الثورة في كافة قرى جبل العرب، واهتزت لتلك الأحداث سائر المدن والقرى العربية السورية.. ومن أبرز المعارك في تلك الحقبة معركة المزرعة التي زار موقعها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر القائد السياسي الوطني الكبير بعد أيام من وقوعها، ووصفها في مذكراته بأنها ملحمة بالسلاح الأبيض لم يجرِ مثلها في بلاد الشام من قبل.. وقد غنم المقاتلون كثيرًا من أسلحة الفرنسيين بما في ذلك عدد لا بأس به من المدافع والرشاشات والقنابل اليدوية والعتاد.. وامتدت الثورة المسلحة تلك إلى المناطق السورية الأخرى ومنها منطقة غوطة دمشق، والمنطقة الممتدة قرب جبل الشيخ وصولاً إلى مجدل شمس، وعين قنية، ومسعدة، وبقعاتا.. ثم امتدت إلى كثير من البلدات والقرى اللبنانية الواقعة ما بين راشيا الوادي شمالاً، وحاصبيّا جنوبًا، وقد انتقل زعماء الحركة الوطنية من دمشق إلى جبل العرب مطالبين الجماهير العربية السورية برفض تقسيم سوريا إلى دويلات أربع، داعين إلى استعادة الوحدة السياسية السورية... ولقد جرت في جبل العرب معارك كثيرة آنذاك منها معركة المسيفرة في يومي السادس عشر والسابع عشر من أيلول من عام خمسة وعشرين وتسعمئة وألف.

    تجمع مقاتلو هضبة الجولان (قرابة أربعمئة مقاتل) في بلدة مجدل شمس في الأشهر الأخيرة من عام 1925، وحاولت القوات الفرنسية احتلال تلك القرى، وعليه فقد بدأ الثوار يقاومون تقدم الجيش الفرنسي وهو على بعد ثلاثة كيلومترات من بقعاتا، واستطاع الوصول إلى مسعدة في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني تقدم الجيش الفرنسي محاولاً احتلال مجدل شمس فواجهه الثوار ببسالة مدهشة، والتحموا معه، وفي موقع "السكّرة" قرب البلدة تمكن الثوار من تعطيل عدد من المصفحات، وتدمير بعضها الآخر، وهزم الفرنسيون هناك هزيمة نكراء... وبعد تلك المعركة جهز الفرنسيون حملة عسكرية لاحتلال مجدل شمس، وتألفت الحملة – بحسب الكتاب الذهبي الفرنسي المترجم إلى العربية - من جيشين بقيادة الجنرال كليمان غرانكو أحد قُواد الحملات العسكرية الفرنسية لقمع الثورة التي تزعمها الشيخ صالح العلي في منطقة الساحل السوري، والثورة التي قادها الزعيم السياسي ابراهيم هنانو في منطقة حلب وشمال سوريا. انطلق الجيش الأول من جديّدة مرجعيون الواقعة جنوب لبنان، وانطلق الجيش الثاني من مدينة القنيطرة السورية الواقعة على بعد خمسة وعشرين كيلومترًا من مجدل شمس..وقد هاجم الجيش الأول المجدل من الغرب عن طريق بانياس والحدود الفلسطينية، أما الجيش الثاني فقد هاجم من جهة الجنوب والشرق، وكان الهجوم شرسًا استعمل فيه الفرنسيون الطائرات مما اضطر المقاومين إلى النزوح بعائلاتهم إلى جبل الشيخ، وقرى الجليل الفلسطينية، وجبل العرب، وتابعوا المشاركة في المعارك من هناك، وهكذا استمرت الثورة في سوريا حتى تم للشعب العربي السوري تحرير وطنه من الغزاة الفرنسيين، وانتزاع حريته واستقلاله منهم في مثل هذه الأيام من عام ستة وأربعين وتسعمئة وألف.. وهكذا يستمر تصدي سوريا اليوم لهذه المحاولات اليائسة التي تريد إسقاط النظام العربي التقدمي التحرري في سوريا، وتقسيم سوريا إلى أربع دويلات كما كان مخططًا لذلك في إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا، وإخضاع سوريا من جديد لهيمنة الغرب عن طريق أدوات الغرب وعملائه في بعض بلدان العرب.. وهكذا أيضًا سيستمر تصدي السوريين لكل محاولات هؤلاء وأولئك حتى تخرج سوريا من هذه الفتنة المؤامرة أشد قوةً، وأشد صلابةً، وأكثر تأثيرًا في السياسة العربية والدولية، وأكثر إصرارًا على تحرير الإنسان العربي، والوطن العربي من طغيان الطغاة، وعدوان المعتدين، وأطماع الطامعين.

   

 

الأحد، ١٥ نيسان ٢٠١٢

من مستلزمات الحياة اليومية للمواطن - المواصلات

متابعات

من مستلزمات الحياة اليومية للمواطن - المواصلات

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   كثيرةٌ جدًّا هي احتياجات المواطن العادي في حياته اليومية، وكثيرةٌ جدًّا هي احتياجات الأسرة، وبالتالي احتياجات المجتمع من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ ومسكنٍ وعلاجٍ ودواءٍ وتعليمٍ واتصالاتٍ ومواصلاتٍ ونفقاتٍ أخرى قد يكون لها أول، ومن الصعب أن يكون لها آخر.. ولما كان من الصعب جدًّا أن نحيط بهذا كله في مقالةٍ أو اثنتين أو ثلاثةٍ، أو حتى في سلسلةٍ من المقالات التي قد تشكِّل كتابًا يعجز من هو في مثل حالنا عن طباعته ونشره، بل قد تشكل سلسلة من الكتب إذا وضعنا في الاعتبار أن نلم بكل تفصيلات ما سبق ذكره، وبكل حيثياته، الأمر الذي يستدعي أن يشرف على موضوع كهذا مجموعة من الباحثين المختصين في كافة أوجه الحياة للناس وللمجتمعات، وأن يتولى أمر الطباعة والنشر في موضوع كهذا وزارة أو دائرة أو منظمة أو هيئة تعنى كل العناية بالإنسان واحتياجاته، وبالمجتمعات واحتياجاتها ومتطلباتها، في ظل نظام أو أنظمة تحترم نفسها، وتحترم الإنسان، وتحرص الحرص كله على سلامة المجتمع وعلى سلامة صحته الجسدية والنفسية، وعلى أمنه، وأمانه، وحريته ،ورِفائه، وتطوره، وخلوه من العاهات والعلل والأمراض، وعلى رأسها التخلف والجهل والتسيب والفوضى والعدوان على الناس في ممتلكاتهم الخاصة والعامة، وفي كل ما يتعلق بحياتهم اليومية، ومكتسباتهم في هذه الحياة التي ينبغي أن يحقق المواطن فيها ذاته، ويجد فيها نفسه، ويرى فيها الأجيال وهي تسير من خلفه على هدًى، وعلى بينةٍ، وعلى بصيرةٍ وتبصرٍ من أمرها، راشدةً عاقلةً مدركَةً أبعاد حقوقها، وكل أبعاد واجباتها، فتحصل على هذه، وتؤدي تلك، وهكذا تسير الحياة على ما يرام، ويحظى المواطن والوطن بالعزة والرفعة والتقدم والرِفاء والاحترام.

   ولما كان الأمر كذلك، فإننا نجتزئ في هذه العجالة موضوعًا قد يراه كثيرٌ من الناس هامشيًّا لا يستحق كل هذا الكلام والاهتمام، نظرًا لأن حياة مثل هؤلاء الناس تختلف عن حياة غيرهم من المواطنين المهمشين الذين لا يحصلون على احتياجاتهم – إن حصلوا عليها- إلا بشق الأنفس.. مثل هؤلاء الناس – وهم كثرٌ- تشكل المواصلات العامة بالنسبة لهم مشكلةً، ويا لها من مشكلة!! لأن رب الأسرة مضطرٌّ للخروج من بيته حتى لو كان عاطلاً عن العمل، ليرى الناس، وليسمع ما يقولون، علَّه يجد فرصة عمل، وعلَّه يجد عملاً إضافيًّا يعينه على توفير احتياجات أسرته التي لا تقف عند حد إن كان عاملاً، ولأن أفراد الأسرة أيضًا مضطرون للخروج إلى مدارسهم وجامعاتهم أو منتدياتهم وأماكن لقائهم بأصدقائهم وأقرانهم، لأن هذه هي طبيعة الحياة التي فُطر الناس عليها، ولأن هذه هي سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.. إن أسرةً متوسطةً مكونةً من خمسة أفرادٍ أو ستةٍ تحتاج في كل يوم كحدِّ أدنى لستة دنانير كي تخرج من البيت وتعود إليه، إن المواصلات وحدها، وفي حدها الأدنى الذي لا يمكن الاستغناء عنه تتطلب مثل هذا المبلغ في اليوم الواحد، فماذا يقول رب الأسرة إن كان بلا عمل، أو كان من ذوي الدخل المحدود جدًّا، أو المحدود، ماذا يقول معيلٌ كهذا في باقي احتياجات أسرته؟ وكيف سيوفر كل هذه الاحتياجات إذا كان عاجزًا عن توفير المواصلات؟ وإذا كان عاجزًا عن توفير أبسط وسائل الاتصالات التي أضحت من مستلزمات الحياة اليومية هي الأخرى، ماذا يقول رب أسرة وهو يرى نفسه عاجزًا عن توفير تحركات أبنائه وبناته من بيتهم إلى مدارسهم وجامعاتهم، وعاجزًا عن متابعتهم والاطمئنان عليهم كما يفعل كثير من الناس، وكما يجب أن يفعل رب الأسرة من أجل المحافظة على أبنائه وبناته؟ وماذا يقول وهو يرى نفسه عاجزًا عن دفع الأقساط وشراء الكتب، ووضع المصروف اليومي لأبنائه في أيديهم، وهم يخرجون من البيت متوجهين من وُكناتهم إلى ثكناتهم؟؟ وكيف تكون أحوال مجتمع بلا وكنات أو ثكنات؟ ليس مجتمعًا هذا الذي لا يملك الناس فيه بيوتًا تؤويهم، وليس مجتمعًا هذا الذي ليس له من أبنائه جنودٌ يتوجهون إلى ثكناتهم ينهلون منها العزة والكرامة والحرية والفروسية والعلم والمعرفة والأخلاق والانتماء وحب الوطن والأرض والتاريخ والتراث!! وليس مجتمعًا هذا الذي لا يملك فيه رب الأسرة ما ينفق منه على أبنائه وبناته في تحركاتهم وتنقلاتهم، وليس مجتمعًا هذا الذي لا يجد فيه المقموعون من الناس وسائل مواصلاتٍ تعينهم على التوجه إلى بيوتهم، أو أعمالهم، أو مدارسهم، أو جامعاتهم، أو قراهم، أو أحيائهم، أو الأماكن التي يرغبون في زيارتها، أو يرغبون في رؤيتها.. وإذا كانت مثل هذه الوسائل مؤمَّنةً للناس جميعًا أو لكل راغبٍ في اللجوء إليها من الناس في البلدان التي تحترم نفسها، وتحترم إنسانية الإنسان، وأبسط حقوقه في الحياة، فإنها ليست كذلك في البلدان التي ليس لها هدف سوى استغلال المواطن وابتزازه وإذلاله، فإما أن يكون المواطن قادرًا على خدمة الأسياد، وإما أن لا يكون، ولله في خلقه شؤون!! وللحديث أيضًا شجونٌ وشجون.

   المواصلات - على الأقل - يجب أن تكون مؤمنةً لكل الناس في البلدان النامية المتخلفة، والأمر ليس كذلك – بالطبع – في البلدان التي يتجاوز فيها معدل الدخل السنوي للفرد ثلاثين ألفًا من الدولارات في العام، إضافةً إلى سلسلة من الضمانات الاجتماعية، والتأمينات الصحية وغير الصحية مما يعود على "المواطن" هناك بثلاثين ألف دولارٍ أخرى على شكل خدمات وضمانات وتأمينات.. فإما أن يكون الناس فقراء وإما أن لا يكونوا.. فإن كانوا فقراء توجب على أولي الأمر أن يوفروا لهم ما يحتاجون إليه، وإن كانوا أغنياء قادرين على شراء حاجياتهم واحتياجاتهم فعلوا، وهذه المعادلات ليست بحاجة إلى كثير من الشرح والتوضيح.. أما أن يكون هنالك فقراء معوزون شحاذون معدمون مقموعون بائسون، ثم نطلب منهم ما تطلبه الدول المتقدمة الصناعية المتطورة من شعوبها ذات الدخل المرتفع فهذا كثير، وهذا هو الشر المستطير!! ورب قائلٍ: وإذا كان أولي الأمر غير قادرين على الإنفاق؟ قلنا إن هذا غير صحيح على الإطلاق.. فالطبقية البغيضة تؤدي إلى مثل هذا الخلل، وكذلك البطالة.. وسوء الإدارة، والفساد المالي والإداري، وتفشي العلل والعاهات الاجتماعية هي الأخرى تؤدي إلى مثل هذا الخلل.. ويجدر بنا أن نحاسِب أنفسنا قبل أن نحاسَب، ويجدر بنا أن نعتبر من حوادث التاريخ وأحداثه، ومما يجري ويدور من حولنا في هذه المنطقة من العالم، قبل أن نكون عبرة لغيرنا، وقبل أن نكون عبرةً لمن يعتبر، وقديمًا قالوا إن السعيد من وُعظ بغيره، وإن الشقي هو من وُعظ بنفسه!!.

   ينبغي – وتحت كافة الظروف والأحوال- أن تكون المواصلات مؤمنةً لكل الناس، وأن يكون هنالك ما يسمى بالنقل العام، وأن يكون هنالك من يقدم الدعم والعون لمن يقدمون مثل هذه الخدمة الجليلة للناس، وينبغي أن يقف الناس جميعًا إلى جانب من يقدم إليهم مثل هذه الخدمة الجلى، وينبغي أيضًا أن يكف من يعنيهم الأمر أيديهم عن مثل هؤلاء إن لم يقدموا لهم العون والدعم، وإن لم يعينوهم على النهوض بسئولياتهم، ومهماتهم التي نذروا أنفسهم لها منذ أزمانٍ بعيدة!!.

   وينبغي أن نتقي الله في أوطاننا وأجيالنا وأطفالنا وأماناتنا، وأن نكون في عون مواطنينا، فإن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وينبغي أن لا نضايق الكرام الذين يخدمون الناس ويمدون إليهم يد العون، فإن لم نستطع مساعدتهم لنعينهم على ما أخذوا به أنفسهم، وإن لم نكن راغبين في تقديم مثل هذه المساعدة، فلا أقل من الصمت، ولا أقل من الكلمة الطيبة، ورحم الله من قال: لا خيل عندك تهديها ولا مالُ// فليُسعد النطق إن لم تُسعد الحالُ!! وللحديث صلة.

(15/4/2012)

الخميس، ١٢ نيسان ٢٠١٢

موسكو.. هل تستضيف المتحاورين السوريين؟؟

متابعات

موسكو.. هل تستضيف المتحاورين السوريين؟؟

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   المتحاورون السوريون، أو المتحاربون السوريون، والمقتتلون السوريون يبدو أنهم لن يكفوا عن الاقتتال والاحتراب، وعن كل أعمال العنف والتخريب والإرهاب، وكل أشكال الرعب والموت والتمثيل بالقتلى، والتنكيل بالأحياء حتى يموتوا، وتضم أشلاءهم تلك القبور الجماعية التي تملأ الرحب على أرض سوريا الحبيبة.. وهذه المجموعات والجماعات التي لا تريد إصلاحًا، بل تريد حكمًا وتحكمًا بالبلاد والعباد ولو على جماجم الأبراياء الضعفاء من الرجال والأطفال والنساء، وعلى جماجم المدنيين والعسكريين، وعلى حساب الزراعة والصناعة والتجارة والعمل والبناء والإعمار ولقمة عيش المواطن، وعلى حساب الطلبة في مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم.. كل أعمال العنف والتخريب والدمار، وكل أعمال القتل والنهب والسلب آن لها أن تتوقف، وكل الضالعين في الفتنة والعدوان، الوالغين في الدماء، الذين لم يتقنوا سوى أعمال العنف، وسفك الدماء، يجب أن يكفوا عن كل ممارساتهم التي تستهدف الوطن السوري، والمواطن السوري بقدْر ما تستهدف كل أوطان العروبة والعرب على كل أرض العرب، وكل قضايا العروبة والعرب المصيرية، وغير المصيرية، من أقصى الوطن العربي غربًا إلى أقصاه شرقًا.. لقد آن لكل أعداء هذه الأمة العربية أن يفهموا أن هذه الأمة، وإرادة هذه الأمة هي أقوى من عدوانهم، وأقوى من خططهم ومخططاتهم ومؤامراتهم، وأقوى من غرورهم واستكبارهم وطغيانهم.. ولقد آن لكل هؤلاء الأعراب الذين لا يبتغون سوى رضوان أولئك الأغراب لأسبابٍ نعلمها، ويعلمونها، وتعلمها الدنيا بأسرها، آن لهم أن يكفوا عن تبعيتهم للأسياد، وتفانيهم في خدمتهم، وإراقة ماء الوجه على أعتابهم.. لقد آن لهؤلاء الأذلة أن يعلموا أن الأسياد لا يحترمون إلا الكبار الأعزة الشرفاء الأقوياء الكرام الذين يناصبونهم العداء من الناس، ولا يُصغون في النهاية إلا لصوتهم، ولا يستمعون في النهاية إلا لرأيهم، لعلمهم ويقينهم أنهم الصادقون إن حاربوا، وإن سالموا، وأنهم الصادقون فيما يقولون ويفعلون، وفيما يعقدون ويعاهدون.. أما الأذلة التابعون المستسلمون الكاذبون اللاعبون على الحبال فلا يحترمهم أحد، ولا يأخذ برأيهم أحد، ولا يعتَد بعددهم وعُددهم وعديدهم أحد، ويومئذٍ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، "يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي".

   قيل إن العاشر من نيسان سيكون يومًا لوقف القتال، وسحب الآليات العسكرية، والمظاهر المسلحة من الشارع، وقيل إن الثاني عشر منه هو الموعد النهائي لذلك، ففهم أولئك أنهم بحلول العاشر والثاني عشر سيحلون محل المنسحبين، وسيملأون الفراغ، وتؤول إليهم مقاليد الأمور، فلما طولبوا بتوقيع تعهد خطي بوقف العدوان، ووقف إطلاق النار، والالتزام بوقف كل مظاهر الفتنة، والأعمال المسلحة رفضوا، وأصروا على متابعة أعمالهم، والتمادي في عدوانهم، والاستمرار في تنفيذ رغبة أسيادهم.. ولما كان هذا الأمر مرفوضًا كل الرفض، ولما كانت الدولة هي المسئولة عن أمن المواطن والوطن، فإن ما سيجري بعد العاشر والثاني عشر على الأرض سيكون أمرًا مرعبًا، وبداية حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ قد لا تبقي ولا تذر، إن لم يستجب هؤلاء لرغبة الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وإن لم يستجيبوا لرغبة المجتمع الدولي في إشاعة الأمن، ووقف القتال، وأعمال العنف، ووضع حدٍّ لكل المظاهر المسلحة من كافة الأطراف المشاركة فيها.. إن استمرار أعمال العنف، واستمرار المظاهر المسلحة، واستمرار حالة الفوضى والاضطراب، وتغذية هذه الجماعات والمجموعات ورفدَها بالمال والسلاح والرجال من كل جانب، وتطويرها لتأخذ شكلاً بشعًا من أشكال حربٍ أهليةٍ لا يعلم مدى ما ستلحقه بالوطن والمواطن من كوارث ونكبات إلا الله.. تلك الأمور جميعها، وتلك الحماقات جميعها، وتلك الجرائم جميعها، لا مصلحة فيها لسوري، ولا مصلحة فيها لفلسطيني، ولا مصلحة فيها للبناني، ولا مصلحة فيها لأردني، ولا مصلحة فيها لعراقي، ولا مصلحة فيها لعربي، ولا مصلحة فيها لمسلم، ولا مصلحة فيها لمسيحي، ولا مصلحة فيها لأحدٍ في هذا الكون إلا أن يكون عدوًّا لسوريا، وعدوًّا للشام، وعدوًًّا لفلسطين ولبنان والأردن والعراق، وعدوًّا لكل أمة العرب، ولكل أمة الإسلام، وعدوًّا للأمن والسلم الدوليين، وعدوًّا للإنسان والإنسانية في هذا الكون.

   ولما كانت روسيا صديقةً لسوريا، ولكثيرٍ من أقطار العرب منذ عقود، ولما كانت روسيا على صلةٍ وثيقةٍ بسوريا تحديدًا منذ مطلع تاريخها الحديث، ومنذ الجلاء ، والاستقلال، وحتى يومنا هذا، ولما كانت روسيا على صلة وثيقة بكل السوريين، وبكافة ألوان الطيف السوري، ولما كانت روسيا هي من وقف إلى جانب سوريا في مجلس الأمن، ولما كانت روسيا هي من استعمل حق النقد "الفيتو" مع الصين ضد الرغبة الغربية الجامحة في اجتياح سوريا، ولما كانت روسيا، ولا تزال، وستبقى إلى جانب سوريا، وإلى جانب حل الأزمة فيها حلاًّ سلميًّا يضم كافة المتحاورين السوريين حول مائدةٍ مستديرةٍ للخروج بحلٍّ عمليٍّ سلميٍّ يُنهي حالة الفوضى والاضطراب، ويحقن الدماء، ويفتح الطريق أمام عهدٍ جديد تخرج معه سوريا أشد قوةً، وأشد تأثيرًا في السياسة العربية، وصنع النظام العربي الرسمي الذي يبني ولا يهدم، يُوحد ولا يفرق، وتعود معه أمة العرب إلى سابق عهدها من القوة والرفعة والمنعة والاحترام بين أمم العالم أجمع.. وإذا كان الأمر كذلك، وهو فعلاً كذلك، فإن ما ينبغي فعله اليوم هو أن تستضيف روسيا – بما لديها من نفوذ، وبما تتمتع به من علاقات مع كافة الأطراف- مؤتمرًا سوريًّا في موسكو لوضع الحل العملي السلمي للأزمة السورية، حقنًا للدماء، وإنهاءً للخلاف، وحسمًا للأمور، وتفويتًا للفرصة على المتربصين الحاقدين الواهمين الطامعين في وضع أيديهم على سوريا، ليضعوها بعد ذلك على كل أقطار بلاد الشام، وعلى العراق، وعلى كل ديار العروبة!!

   روسيا اليوم مطالبةٌ بفعل ذلك في الحال، ومطالبةٌ بجمع كافة أطراف النزاع السوري، وكافة المتحاورين السوريين حول مائدة حوارٍ ترعاها هي، وترعاها أيضًا كافة القوى والدول والأحزاب والاتحادات والتكتلات الشعبية التي تُكِنّ الحب والوداد لسوريا، ولشعوب الأمة العربية.. إن الروس قادرون على فعل ذلك، وإن كافة الدول والقوى والأحزاب التقدمية قادرة على ذلك، وإن السوريين جميعًا مستعدون لذلك، وإن المراقبين والمحللين السياسيين في شرق الدنيا وغربها يعتقدون أن حلاًّ كهذا من الممكن أن يضع حدًّا للخلافات، وأن يضع حدًّا لنزيف الدم، ومن الممكن أن يصنع حلاًّ للأزمة ترضى به سائر الأطراف.. أما إن كان هنالك فئة أو شرذمة لا تقبل به، ولا توافق عليه لأسبابٍ لم تعد خافية على أحد، فإن مؤتمرًا عامًّا كهذا الذي نتحدث عنه لن يعدم الحيلة، ولن يعدم الوسيلة التي يتمكن معها من التعامل مع فئة كهذه، ووضع حدٍّ لشرذمةٍ أو شراذم لا وزن لها في حياة الأمم والشعوب، وفي موازينها.

(12/4/2012)

الأحد، ٨ نيسان ٢٠١٢

وماذا بعد العاشر من نيسان؟

متابعات                                   

وماذا بعد العاشر من نيسان؟

                                                                                                                           أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

      الأمين العام السابق للأمم المتحدة قال إن سوريا وافقت على سحب آلياتها من المدن، ووافقت على وقف المظاهر المسلحة، والالتزام بوقف إطلاق النار.. سوريا تقول إن هذا صحيح شريطة أن يلقي المسلحون أسلحتهم، ويكفّوا عن ممارسة أعمال العنف والعدوان على المدنيين والعسكريين.. أطراف التحالف ضد سوريا يشككون في صدق نوايا النظام السوري، وكثير منهم يصر على إسقاط النظام، ورحيل رأس الدولة.. وبعض أطراف هذا التحالف من العرب يصرون على تسليح هذه "المعارضة" السورية التي تعتزم مواصلة "القتال".. روسيا لا زالت كما كانت منذ اليوم الأول لنشوء الأزمة، وكذلك الصين، وكثير من دول هذا العالم.. والعراق لا يزال هو الآخر على موقفه، بل إنه يزداد صلابة في كل يوم، وكذلك لبنان الذي يقوم مواطنوه وقواته المسلحة بملاحقة المتاجرين بالسلاح الذين يعبرون "الحدود" في الاتجاهين، بل إنه يزداد صلابة في كل يوم.. والأردن الرسمي والشعبي أدار ظهره لمن يريدون توريطه في هذه الفتنة العمياء التي استهدفت سوريا منذ أكثر من عام.. وتركيا بيسارها وأحرارها ونقاباتها وعقلائها تقف بالمرصاد لأركان الحزب الحاكم، وتؤكد لهم حرص الأتراك على علاقات حسن الجوار مع سوريا، بل، وعلى التعاون معها بما فيه مصلحة الشعبين في البلدين الجارين اللذين تربط بينها أواصر القربى، والتاريخ، والمصالح المشتركة، والاتفاقات التجارية، وغير التجارية التي وقعها أركان الحزب الحاكم نفسه قبل فترة وجيزة من هذه الفتنة العمياء التي اجتاحت الديار السورية.

      لقد باشرت سوريا من جانبها في تنفيذ ما اتفقت عليه مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ولقد بدأت في الحال بسحب آلياتها، وكثير من قواتها من مراكز المدن، ومن الأحياء والبلدات نزولاً عند رغبة الأمين العام، ونزولاً عند رغبة حلفائها وأصدقائها، ونزولاً عند رغبة الشعب العربي السوري في إعادة الأمن والأمان والهدوء في سوريا إلى سابق عهده، ورغبة هذا الشعب العربي السوري في مواصلة مسيرة الإصلاح التي ستخرج بسوريا الجديدة المتجددة إلى آفاق أوسع، وعالم أرحب، وفضاءات جديدة من شأنها أن تزيد سوريا قوة ومنعة ومقدرة على التكيف، وعلى التأثير في الحوادث والأحداث ومجريات الأمور من حولها.. كما باشرت سوريا من جانبها بناء ما دمرته تلك الفتنة، وخصصت الموارد والميزانيات لتأمين سائر احتياجات الشعب العربي السوري، ولتعويض سائر فئات هذا الشعب عما أصابه خلال تلك الأحداث المؤلمة التي تجاوزها السوريون، وتمكنوا من وأدها بعد أقل من عام على بدايتها.

       يوم الثلاثاء العاشر من نيسان من عامنا هذا هو الموعد المتفق عليه إذن لوقف كل أعمال العنف، ولسحب كل المظاهر المسلحة، وللعودة بالأمور إلى سابق عهدها، تمهيدًا لبدء الحوار السلمي الإيجابي بين كافة الفئات والشرائح السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية في سوريا، ومن الطبيعي أيضًا أن هذا يعني من جانب آخر أن تتوقف أعمال العنف من جانب بعض "المعارضين" الذين يمارسونه نزولاً عند رغبة من يوجهونهم، فإذا أصر هؤلاء وأولئك على الاستمرار في أعمالهم إنطلاقاً من الحدود مع تركيا، وإنطلاقاً من الحدود مع غير تركيا أحيانًا كلبنان والعراق، على الرغم من حرص لبنان والعراق على مقاومة ذلك، والحرص على عدم حدوثه، وبذل كل جهد مستطاع لضبط "حدود" تبلغ الألف من الكيلومترات، وإذا لم يمتثل هؤلاء وأولئك لرغبة الأمم المتحدة، ولرغبة شعب سوريا، وشعوب الأمة العربية، ولرغبة كثير من دول هذا العالم، وعلى رأسها الاتحاد الروسي والصين، فإن هذا اليوم العاشر من نيسان لن يكون اليوم المحدد لوقف أعمال العنف، ولن يكون اليوم المحدد لعودة الأمن والأمان والهدوء، ولن يكون اليوم المحدد لحلول السلام المنشود في ربوع سوريا الحبيبة، ولكن هذا لا يمنع تكثيف اللقاءات وتطويرها بين الموالاة والمعارضة الداخلية الوطنية في سوريا، ولا يمنع الارتقاء بها إلى مرحلة الحسم، وإلى مرحلة الوفاق والاتفاق إنقاذًا لسوريا، وحماية لها من عدوان المعتدين، وطمع الطامعين، وتربص الأعداء الحاقدين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعمال التصدي لأولئك الذين يصرون على التسلل من بعض أقطار الجوار ستستمر لفترة قد تقصر وقد تطول، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن كل الشركاء في هذا الوطن السوري من موالين ومعارضين سيكونون يدًا واحدة موحدة لدرء العدوان، والتصدي للأخطار ، أو هكذا يجب أن يكونوا، إلى أن يقتنع دعاة الفتنة وأدواتها بأن ما يقومون به لن يجر عليهم إلا مزيدًا من الخسائر، ومزيدًا من الفضائح، ومزيدًا من غضب الله وملائكته والناس أجماعين، ومزيدًا من سخط الشعوب وغضبها وإصرارها على التصدي لهم، وملاحقتهم، ووقفهم عند حدهم، ومما لا شك فيه أن هذا الغضب سيستمر على هذا النحو أو ذاك، وعلى هذه الصورة أو تلك، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

     إننا في فلسطين، وفي غير فلسطين من بلاد العروبة والإسلام لنشعر بأكثر من الأسى، ونحن نرى العربي يقاتل العربي، ويقتل العربي، ونشعر بأكثر من العار، ونحن نرى كل هذا الإصرار من جانب هؤلاء وأولئك على التبعية المطلقة العمياء لكل أعداء العروبة والإسلام، وإصرارهم على هدم آخر معاقل العروبة، وآخر قلاعها، وإصرارهم على التخلي عن لبنان، وعن فلسطين، وعن العراق، وعن كل بلاد العرب في نهاية الأمر لأولئك الذين لا يحلمون بأكثر من ذلك من ألد أعداء هذه الأمة العربية الإسلامية في شتى مراحل تاريخها القديم والوسيط والحديث..وأغلب الظن أن ذلك لن يكون، وأغلب الظن أيضًا أن هؤلاء وأولئك لن يكون لهم ما يريدون وما يشتهون، وأغلب الظن أيضًا أن أمة العرب ستخرج من كل هذه الأزمات والمحن التي يفتعلها ضدها الأعراب والأغراب.. هذا هو منطق التاريخ، وهذه  مسيرته منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها.. وإننا في فلسطين وفي غير فلسطين، وفي سوريا، وفي غير سوريا من بلاد العروبة والإسلام نثمن عاليًا مواقف الاتحاد الروسي، والصين الشعبية، ومواقف كل الأصدقاء الشرفاء الأوفياء في هذا العالم لوقفتهم الصادقة إلى جانب أصدقائهم العرب في سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، والعراق، وفي سائر أقطار العروبة، ولموقفهم الأخلاقي المبدئي الثابت المشرف من كل ما تتعرض له بلاد الشام من مؤامرات خبيثة لتفتيتها وتجزئتها وبيعها لألد أعدائها الطامعين فيها،وإخضاعها لهيمنتهم وتحكمهم وتسلطهم وعدوانهم لقاء ثمن بخس، وتبعية ذليلة لعدو يحتقر التابعين الأذلاء، ولا يحترم إلا الأعزة الأباة الشرفاء من الناس.

(8/4/2012)

السبت، ٧ نيسان ٢٠١٢

في يوم الصحة العالمي

متابعات

في يوم الصحة العالمي

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   يصادف هذا اليوم السابع من نيسان ما أسمَوه منذ عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف يومَ الصحة العالمي.. ومما لا شك فيه أنه يومٌ جديرٌ بالاهتمام، على الرغم من كثرة الهموم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإدارية والثقافية والمعيشية التي يئنُّ تحت وقعها المواطن العادي في هذه الديار، وفي غير هذه الديار من بلاد العروبة والإسلام، وفي غير ديار العروبة والإسلام من أقطار العالم الثالث، وأقطار آسيا وإفريقيا وغيرها من أقطار هذا العالم أجمع.

   إنه يوم جدير بالاهتمام على الرغم من كثرة الأمور والحوادث والأحداث الجسام التي ترقى إلى درجة الأرزاء والكوارث والنكبات والحروب التي تفتك بالإنسان في كثيرٍ من البلدان.. وهو يومٌ جديرٌ بالاهتمام نظرًا لتردي الأوضاع الصحية في كثيرٍ من الأقطار، ونظرًا لانتشار الجوع، ونظرًا لتلوث البيئة، ونظرًا لتلوث المياه، ونظرًا للإهمال الذي يلاقيه المسنّون، ونظرًا لقة الموارد، والنقص المستمر في مساحات الأراضي الزراعية بسبب التصحر، وانتشار البناء لمواجهة هذه الأعداد المتزايدة من الناس في مختلف بلدان هذا الكون، ونظرًا للقيود التي يفرضها الكبار على الصغار، لمنعهم من استثمار أرضهم الزراعية، ومنعهم من استصلاحها، وزراعتها، كي يعتمدوا في غذائهم ومعيشتهم على أولئك الكبار، وكي تظل بلادهم أسواقًا، ويظل مواطنوهم أفواهًا لإنتاج الكبار الذين باتوا يسيطرون على الغالبية الساحقة من أقطار هذا الكون، وباتوا يعاقبون كل "صغيرٍ" يتمرد على قوانينهم، ويحاول الخروج على تعليماتهم وتوجيهاتهم، ويحاول أن يزرع أرضه، وينمي موارده، ويصنّع بلاده ويطورها، حتى يحصل على أعلى قدْرٍ من الاكتفاء الذاتي، وحتى يحقق لشعبه الأمن الغذائي والاقتصادي، وحتى يحقق لشعبه أعلى المستويات الصحية والتعليمية والخدماتية وأفضلها.

   نقف في يوم الصحة العالمي هذا لنؤكد على أن الجوع هو ألد أعداء الصحة الجسدية والنفسية للناس كبارًا وصغارًا في هذا العالم، ولنؤكد على حق الناس جميعًا في الغذاء الصحي المتوازن المتكامل، ونقف في هذا اليوم لنؤكد على حق الناس جميعًا في هذا العالم بالعيش في بيئةٍ صحيةٍ نظيفةٍ خاليةٍ من كل أسباب التلوث، ومن كل ألوانه وأشكاله التي لا تستثني الطعام والشراب، ولنؤكد على وجوب الاهتمام بالمسنين، ورعايتهم، ومراعاة احتياجاتهم المادية والمعنوية، وضرورة حصولهم على حقهم الطبيعي المشروع في الغذاء والكساء والدواء والعيش الآمن الكريم.. ونقف في هذا اليوم لنؤكد على ضرورة تنمية الموارد للشعوب، وعلى ضرورة مكافحة التصحر، وضرورة العمل الجاد من أجل استصلاح الأرض، وإنقاذها من زحف البناء الذي يجب أن لا يكون بحالٍ على حساب الأرض الزراعية، وضرورة أن يزرع الناس أرضهم، وأن لا يعتمدوا في غذائهم وحياتهم على ما ينتجه الكبار.. ونقف في هذا اليوم لنؤكد على أن الاستقلال الاقتصادي هو المقدمة الأولى والطبيعية للاستقلال السياسي، وهما يسيران معًا، وجنبًا إلى جنب نحو تحقيق المستوى الصحي المطلوب لشعبٍ من الشعوب.

   إن اعتماد كثيرٍ من الناس في هذا العالم على "المساعدات" الخارجية، وعلى أموال "المانحين"، وإحسان المحسنين أمرٌ يدعو إلى أكثر من الاستهجان، وأكثر من الدهشة والاستغراب، وإذا كان هذا المبدأ مقبولاً في أحوالٍ معينةٍ، وظروفٍ خاصةٍ قد يمر بها هذا البلد أو ذاك، نظرًا لكارثةٍ، أو نكبةٍ، أو عاصفةٍ، أو إعصارٍ، أو انتشار أوبئةٍ، أو مجاعةٍ، أو نشوب حربٍ مدمرةٍ أو غير مدمرة، وإذا كان هذا المبدأ مقبولاً لفترات محدودة تنتهي عادة بانتهاء الأسباب التي أدت إليها، فإن استمراره يصبح أمرًا مرفوضًا بعد زول أسبابه.. أما إذا لم تتوقف تلك الأسباب، فإنه ينبغي على المجتمع الدولي أن يعمل على معالجة الأمر، لوقف الأسباب، ووضع الحلول العملية الكفيلة بمعالجة الأوضاع التي أدت إلى هذا الخلل الشنيع الذي تحول معه شعبٌ من الشعوب إلى لاجئين ومهجرين ومنكوبين، ومشاريع نكبات بشكلٍ مستمر، الأمر الذي يجعلهم خاضعين لهذه "المساعدات" الخارجية، ومعتمدين على أموال "المانحين"، وإحسان المحسنين إلى أجلٍ غير معلوم، وإلى أمدٍ لا يعلم مداه إلا الله.

   في يوم الصحة العالمي ندعو لكل الناس في هذا العالم، و لكل الشعوب فيه أن تكون حياتهم ربيعًا دائمًا، لا صقيعًا، وسعادةً مستمرةً، لا شقاءً، وعملاً ناجحًا، لا فاشلاً، وعيشًا آمنًا كريمًا بعيدًا عن الأمراض والعلل، وبعيدًا عن كل أسباب المرارة والتوتر والفقر والحاجة.. وفي يوم الصحة العالمي نتمنى الأمن والأمان والصحة والرِّفاء والشفاء لكل منكوبي شعبنا العربي الفلسطيني، ولكل أسراه، ومعذَّبيه، ومبعديه، ومرضاه.. وفي يوم الصحة العالمي نتمنى لغيرنا من شعوب هذه المنطقة العربية الإسلامية ما تمنيناه لأنفسنا، مع تمنياتنا ودعائنا لكل شعوب العالم وأممه بحياةٍ رغدةٍ هادئةٍ هانئة، وصحةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ لا تشوبها شائبة.. إنه سميع قدير، وبالإجابة جدير.

7/4/2012

الأربعاء، ٤ نيسان ٢٠١٢

ماذا يعني تسليح هذه المعارضة؟؟

متابعات

ماذا يعني تسليح هذه المعارضة؟؟

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   لمن لا يعرفون تاريخ هذه الديار السورية، ولمن لم يسمعوا بمحبة رسولنا الكريم لبلاد الشام، ودعائه لها، ووصاياه خيرًا بها، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن هذه الوحدة الروحية الجغرافية السياسية العسكرية بين الشعبين العربيين في القطرين الشقيقين سوريا والعراق منذ الفتح العربي الإسلامي، وقبل هذا الفتح العربي الإسلامي، ولمن لم يروا خيول خالد، وجِمال خالد، وجنود خالد، وهو يخترق المسافة بين القطرين في زمنٍ قياسيٍّ نزولاً عند أمر أبي بكر بضرورة أن يتوجه ابن الوليد إلى الشام بنصف جيش العراق الذي كان أبو بكرٍ قد أرسله إلى هناك ليؤازر المثنى بن حارثة، ولمن لم يروا ابن الوليد وهو يوحد الجيش الذي قدم به من العراق مع الجيوش الأربعة التي كان أبو بكرٍ قد أرسلها لفتح الشام، ولمن لم يروا خالدًا وهو ينظم الجيش الواحد، ولمن لم يسمعوا خالدًا وهو يطلب من القادة الأربعة أن يكون كلٌّ منهم قائدًا للجيش يومًا واحدًا، ويطلب منهم أن يكون هو القائد في اليوم الأول (لأن أبا بكر عينه قائدًا لهذه الجيوش ساعة أمره بالتوجه من العراق إلى الشام)، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن معركة اليرموك، وانتصار جيش الفتح، وتحرير بلاد الشام، ولمن لم يسمعوا قول ابن الخطاب بعد ذلك، وهو يقوم بزيارته الأولى إلى سوريا: "رحم الله أبا بكر، فقد كان أعلم مني بالرجال"، ولمن لم يقرأوا شيئًا مذكورًا، أو شبه مذكور عن تاريخ الحجاج الثقفي، وما فعله في شبه الجزيرة العربية، وفي العراق، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن تاريخ زياد بن أبي سفيان وهو يحكم العراقين العربي والعجمي، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن فتوحات بني أمية في شرق الدنيا وغربها، ولمن لا يريدون أن يعرفوا شيئًا عن دمشق، وتاريخ دمشق، وأمجاد دمشق ومخططات دمشق لدرء المخاطر، والتصدي للمعتدين الطامعين في كل ديار العروبة والإسلام، ولمن لا يريدون خيرًا بدمشق، وأحرار دمشق، وحرائر دمشق، وأطفالها، ولمن لا يريدون خيرًا بأحد من مواطني دمشق، ومن ساكنيها، والمقيمين فيها من بقايا العرب الذين أحبتهم وأحبوها، فآثروا العيش فيها، وفضلوا الموت في خنادقها على العيش في فنادق أعدائها، ولمن يصرون بعد هذا كله، أو قبل هذا كله على إحراق دمشق، وإغراقها في بحورٍ من الدماء، ولمن يصرون على اقتحام آخر قلاع العروبة بأي ثمن، وعلى إسقاط آخر قلاع العروبة لإلحاقها بهذه المشاريع المشبوهة التي أقيمت وتقام على أرض العرب، ولضرب آخر معقلٍ من معاقل العروبة، دمشق العروبة والإسلام والتاريخ والحضارة والثقافة والتراث، حتى لا تقوم لفلسطين قائمة، وحتى لا تقوم للبنان قائمة، وحتى لا تقوم للعروبة قائمة، وحتى لا تقوم للإسلام والمسلمين قائمة، وحتى يصبح الوطن العربي من طنجة إلى مضيق هرمز، والعالم الإسلامي، من مراكش إلى ما وراء أندونيسيا مستعمراتٍ ذليلةً، ومناطق نفوذ لكل أعداء هذه الأمة العربية الإسلامية في هذا العالم الإسلامي الذي لن يكون يومًا إلا لأبنائه، ولن يكون إلا لأجياله المتعاقبة على أرضه، ولو كره الكارهون، ولمن قاموا بتغذية هذه "المعارضة"، وبتسليحها، ودعمها منذ اليوم الاول لانطلاقة هذه الفتنة العمياء، ولمن يُعلنون اليوم إصرارهم على تسليح هذه "المعارضة" .. إلى كل هؤلاء وأولئك نقول إن ما تريدون لباطل، وإن ما تنادون به لهو الوهم القاتل، فدمشق وسوريا وبلاد الشام والعراق هي اللظى والحنظل، والعلقم المُرُ المذاق، وبلاد الشام والعراق قادرةٌ على التصدي، وقادرةٌ على التحدي، وقادرةٌ على مواجهة أوهامكم وأحلامكم وأطماعكم، وقادرةٌ على مواجهة المخدوعين الأشقياء الذين تسخرونهم لإذكاء نار هذه الفتنة العمياء، واعلموا أن الأردن لن يكون إلا للأردنيين الشرفاء، ولن يكون إلا ممرًّا لا مقرًّا للفلسطينيين الشرفاء، ولن يكون إلا نصيرًا للحق وظهيرًا للعروبيين الأحرار في سوريا ولبنان وفلسطين، وسندًا لكل عراقيٍّ أبيٍّ شريف، وسندًا لكل عربيٍّ وفيٍّ في كل ديار العروبة.. الأردنيون وسائر العرب ممن يقيمون على أرض الأردن أعلنوا تضامنهم مع سوريا العروبة منذ اليوم الأول لانطلاقة الفتنة، والأردنيون هم الذين يحرسون الحدود، ويتصدون للمتسللين من المخدوعين المضللين الذين استغل الأشرار في وسائل الإعلام الكاذبة سذاجتهم وطيبتهم، والأردنيون هم الذين يقومون بالزيارات التضامنية مع العروبيين في سوريا، وهم الذين يتظاهرون على أرض الأردن ضد التدخل الأجنبي الخارجي في سوريا.. الأردن لن يكون أداةً في أيدي هؤلاء الذين أسفروا عن أهدافهم وغاياتهم، وسقطت الأقنعة، أو أُسقِطَت عن وجوههم، فبانت الأهداف، وظهرت النوايا ماثلةً للعيان، فاطمئنوا يا دعاة الفتنة، فلن يكون ما تريدون، ولن يكون للمؤتمرين في اسطنبول من أعداء سوريا والطامعين فيها مايريدون!!

   وإذا كان الأردنيون، ومعهم كل العرب ممن يقيمون على الأرض الأردنية على هذه الصورة من شرف الوفاء للعروبة في سوريا، وفي كل أرض العرب، فإن اللبنانيين لا يقلون في هذا الشرف عن إخوانهم الأردنيين، فاللبنانيون هم من يحرسون "حدودهم" مع سوريا، وهم من يتصدون للعابثين المتسللين المتاجرين بالسلاح، وبالدم السوري، والدم العربي، وهم من يعلنون وقوفهم إلى جانب الشقيقة الكبرى سوريا العروبة جهارًا نهارًا، وسرًّا وإعلانًا، وليلاً نهارًا، وهم من يحافظون على امتداد نحو ألفٍ من الكيلومترات هي "حدود" لبنان مع سوريا، وهم من يتوجهون في كل يوم إلى دمشق للتضامن مع العروبيين الأحرار الداعمين للمقاومة والممانعة في لبنان، وفي كل أرض العرب، واللبنانيون هم من يحرصون على أمن سوريا وأمانها حرصهم على أمن لبنان وأمانه.. مرةَ ثانيةً نقول لأولئك الذين يتحدثون عن تسليح هذه "المقاومة" إنهم قد فعلوا كل ما بوسعهم أن يفعلوه، ولكنهم فشلوا، وسوف يلازمهم الفشل في كل خططهم ومخططاتهم التي يحاولون من خلالها النيل من سوريا العروبة والإسلام.. فهذه هي سوريا، وهذا هو الشعب العربي في سوريا، وهذا هو الأردن، وهذا هو الشعب العربي في الأردن، وهذا هو لبنان، وهذا هو الشعب العربي في لبنان.. اما العراق، فمواقفه من سوريا معروفة، ووقوفه إلى جانب أشقائه السوريين أمرٌ ليس بحاجة إلى توضيح أو إثبات أو برهان.. فالعراق شقيق سوريا منذ فجر التاريخ، والعراق حليف وجارٌ لسوريا، ورديفٌ وظهيرٌ ومؤازرٌ لها، وشريكٌ معها، وأخٌ شقيقٌ لسوريا والسوريين في السراء والضراء، وهو الذي يشكل مع سوريا وحدةً جغرافيةً ثقافيةً سياسيةً عربيةً إسلاميةً واحدةً موحدةً رغم أنوف من لا يريدون هذا، ولا يرتاحون إليه، ورغم أنوف من يعارضونه ويحرضون عليه.. وإذا كان هذا هو شأن الأردن ولبنان والعراق، فإن شأن الفلسطينيين لا يختلف في كثيرٍ أو قليلٍ عن موقف أشقائه العرب الأوفياء لعروبتهم في كل هذه الأقطار، وفي غيرها من أقطار العروبة، فالفلسطينيون يعتبرون ديارهم جزءًا لا يمكن أن يتجزأ من سوريا، وهم يسمون بلادهم فلسطين برَّ الشام أو جنوب سوريا، وهم يسمون نابلس دمشق الصُغرى، وإن العادات والتقاليد في هذه الديار الفلسطينية تكاد تكون نفسها في سوريا، يعرف هذا جيدًا كل من يعرف القدس والخليل ونابلس وغزة والجليل، ويعرف في الوقت نفسه دمشق وسوريا كلّها.. وإن من يعرف حقيقة هذا التلاحم القائم بين أقطار بلاد الشام يُذهله هذا التشابه بين أهل المدن فيها، كما يُذهله هذا التشابه القائم بين الفلاحين في كل أقطار بلاد الشام، وهذا التشابه الذي يكاد يصل حد التطابق بين العشائر البدوية في كل هذه الديار، رغم كل هذه السنوات الطوال من القطيعة الكاملة أو شبه الكاملة بين هذه الأقطار من جهة، وبين القطر العربي السوري من الجهة الثانية بسبب الحدود والحواجز، وبسبب الصعوبات والعقبات، واضطراب الأحوال السياسية، وبسبب الاحتلال الذي يحرص على تغيير أوجه الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية لكل العرب الخاضعين لهذا الاحتلال، ولكل العرب المتأثرين بثقافته وتوجهاته وأهدافه من خلال هذه العلاقات مع بعض العرب، ومن خلال هذه المشاريع التي يقيمها بالتنسيق والاتفاق مع بعض العرب، ومن خلال هذه الحالة النفسية التي تصيب بعض العرب نتيجة تأثرهم بهذا "التفوق" الاقتصادي والسياسي والعسكري والاجتماعي لهذا الاحتلال الذي يسعى جاهدًا لكسب ودِّ كثيرٍ من العرب، وكثيرٍ من الفلسطينيين، وكثيرٍ من المسلمين بأساليب متعددةٍ، وصورٍ وأشكالٍ لا تكاد تُحصى عددًا.

   وإذا كان هذا هو الواقع المنظور في كل هذه البلاد الشامية، وفي العراق أيضًا، وإذا كانت هذه الاحوال – على الرغم مما بينها من تفاوت – لا تسمح لأولئك الحالمين بتسليح "المعارضة" من تنفيذ أحلامهم، وإذا كانت الأحوال أيضًا في العراق لا تسمح بذلك مطلقًا، فهل يراهن هؤلاء الواهمون على الجبهة التركية؟ وهل يراهنون على أردوغان وأوغلو والحزب الذي ينتميان إليه؟ إن كان هؤلاء هم من يراهن أولئك عليهم، فإن الخيبة ستلازم أوهامهم وأحلامهم هناك أيضًا، لسببٍ بسيط هو أن الشعب التركي بمختلف أطيافه وألوانه وتوجهاته ومكوناته لا يوافق هؤلاء على ما يذهبون إليه، وهو يعارض عداءهم لسوريا، ويعارض استضافتهم لبعض السوريين، ولهذا المؤتمر الذي يسمي نفسه أصدقاء سوريا.. ولسببٍ بسيطٍ آخر هو أن أردوغان وأحمد داوود أوغلو كليهما قد عرفا عن قرب طبيعة السوريين، وإصرارهم على وأد الفتنة، وإصرارهم أيضًا على الحوار الداخلي فقط وسيلةً لوضع حدٍّ لكل هذا الذي يجري من أحداثٍ وحوادث مؤسفةٍ مؤلمةٍ تثير في النفس أكثر من الحزن، وأكثر من الغضب.. أردوغان الذي زار سوريا قبل أيامٍ من بدء هذه الفتنة العمياء، والذي وقّع مع السوريين كثيرًا من الاتفاقات التجارية وغير التجارية.. أردوغان نفسه هو الذي قال يومها إن العلاقات التركية السورية قد أصبحت علاقات استراتيجيةً لا تراجع عنها، ولا يمكن الخلاص منها بأية حالٍ من الأحوال!! وأحمد داوود أوغلو الذي زار سوريا بعد بضعة أسابيع من نشوب هذه الفتنة، واجتمع إلى الرئيس السوري، واستمع منه إلى ما نشرته الصحف، وتناقلته وسائل الإعلام في حينه، أوغلو هذا يعرف يقينًا ما تريد سوريا، وما يريده السوريون، ويعلم علم اليقين أن سوريا لن ترضخ لتهديد، ولن ترضخ لعدوان، ولن ترضخ لوعيد، ولن تُصغي إلا لمعارضةٍ سوريةٍ داخليةٍ وطنيةٍ عربيةٍ شريفةٍ لا علاقة لها بالجهات الأجنبية، وبالتمويل الأجنبي، ولا علاقة لها بالسلاح، وإراقة الدماء، على أن تكون لغة الحوار والتفاهم والاتفاق والوفاق هي اللغة الوحيدة التي يجب أن تسود الموقف، وتؤدي إلى الإصلاحات المطلوبة والتي بدأها السوريون منذ سنوات، وحال احتلال العراق دون تقدمها وبلوغها المستوى المطلوب.. ثم كانت الفتنة الدموية العمياء التي أعلنت أنها لا تريد إصلاحًا على يد النظام، وأنها لا تطالب إلا بإسقاطه واستبداله بنظام آخر مختلف مغاير لهذا النظام الذي يرعى المقاومة والممانعة، ويقيم أقوى العلاقات وأمتنهامع إيران وحزب الله والرافضين الفلسطينيين للاحتلال والتطبيع.... قيل كل هذا، وقيل ما هو أكثر منه، ولا زال أولئك "المعارضون" ومحرّضوهم سادرين في أوهامهم، حتى بعد أن خرجت سوريا من هذه الأزمة المفتعلة، وبعد أن أصبحت الفتنة وراءها، وبعد أن رأى العالم كله أن السوريين أكبر من كل أولئك الذين استهدفوا دولتهم وحريتهم وعروبتهم وثباتهم على مبادئهم ووحدتهم الوطنية، وعلاقاتهم الداخلية، والعربية، والإسلامية، والأممية، وعلاقاتهم بكثيرٍ من الأصدقاء في هذا العالم.. ومادام الحديث هنا عن الإصلاح فلا بد من القول إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المتردية في تلك البلدان (التي تدعو إلى تسليح "المعارضة" السورية بهدف إنقاذ الشعب السوري) هي الأوضاع التي تتطلب إصلاحًا عاجلاً، وإن الأوضاع العامة في سوريا على الرغم من الحصار، والمقاطعة، وكل مظاهر العداء والعداوة التي يكنها لها كثيرٌ من العرب هي أفضل بكثير مما هي عليه في تلك البلدان، ولا حاجة بنا لضرب الأمثلة على ذلك.. إن القضية ليست الإصلاح، وليست مصلحة شعب سوريا، وليست حماية هذا الشعب من نظام جائر، وإنما هي تبعية عمياء للغرب الذي لا يريد مقاومةً، ولا يريد ممانعةً، ولا يريد تنسيقًا سوريًّا مع حزب الله، ومع العروبيين في لبنان، ومع فلسطين والفلسطينيين، ومع إيران، ومع كل الأنظمة العربية والإسلامية التقدمية التحررية الرافضة للخضوع للغرب وأدواته وحلفائه في كل هذه المنطقة، وفي كل ديار العروبة والإسلام.

   وإذا كانت هذه هي الحقيقة باختصار، وبدون لفًّ أو دوران، وإذا كان هذا هو الموقف السوري المعلن، والرفض السوري الصريح لكل ألوان التبعية والخضوع، والرفض السوري الصريح للتخلي عن المبادئ والثوابت والعلاقات مع الأشقاء والأصدقاء، والتحالف السوري الصريح مع الأصدقاء في هذه المنطقة من العالم، فعلامَ يُراهن أولئك الذين يطالبون اليوم علنًا بتسليح هذه "المعارضة" إذا كانت الغالبية في الأردن والعراق ولبنان وفلسطين وتركيا ترفض ذلك، وترفض الخوض فيه؟؟

   وإذا كان الغرب بشقيه قد أدرك أن السلاح لن يكون وسيلةً للحل، وإنما هو – يقينًا – وسيلةٌ لإحراق المنطقة ودمارها، وإذا كان هذا الغرب وكثيرٌ من أتباعه وحلفائه قد أدركوا هذه الحقيقة، ولجأوا إلى وسائل سلمية تفاوضية لحل المشكلات، وإذا كان الاتحاد الروسي يقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التدخل في الشأن السوري، وإذا كانت الصين كذلك، وإذا كانت كثيرٌ من الدول والقوى والهيئات والأحزاب والتنظيمات في هذه المنطقة، وفي مناطق شتى من هذا العالم تقف إلى جانب سوريا والسوريين ضد هذه الفتنة العمياء، وضد التدخل الخارجي في الشأن السوري،وإذا كان كثيرٌ من السوريين الذين خُدِعوا وغُرر بهم في أوقاتٍ سابقةٍ قد أدركوا خطورة ما يحدث فتراجعوا، وسلموا أسلحتهم إلى الدولة، وإذا كان العرب في أقطار الجوار هم من يحرسون "الحدود" مع سوريا في أغلب الأحوال، وإذا كان الأتراك ضد حكومة أردوغان في تطرفها واستضافتها لأفرادٍ أو مؤتمراتٍ تستهدف سوريا، فإلى من سيلجأ هؤلاء الذين يعلنون في صراحةٍ أنهم سيسلحون تلك "المعارضة"؟؟

   أغلب الظن أن دعواتهم تلك لم تكن أكثر من ردود فعلٍ عصبيةٍ للخيبة التي لازمتهم، والتي مُني بها أولئك المخدوعون في المواجهة مع الشعب السوري، ومع الجيش السوري، ومع قوى الأمن السورية، ولم تكن أكثر من ردود فعلٍ عصبيةٍ لعودة الأمور في سوريا إلى سابق عهدها، ولم تكن أكثر من حالة غضبٍ لالتفاف معظم السوريين حول حكومتهم، ولاستجابة هذه الحكومة لكل مطالب الشعب السوري في الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي.

    وأغلب الظن أن أولئك الذين يدعون إلى تسليح هذه "المعارضة" سيدركون يومًا أنه من الخير لهم ولسوريا وللعرب أجمعين أن يتخلوا عن هذه الدعوة التي لن تجلب إلا مزيدًا من الأحقاد ومزيدًا من الدماء، ومزيدًا من التوتر في العلاقات العربية العربية، وأنه من الخير لهم أن يعودوا إلى سابق عهدهم عندما كانوا يقضون الصيف في ربوع سوريا ولبنان في أحضان هذا الشعب الطيب هنا وهناك.. وأنه من الخير لهم أن يخوضوا غمار وحدة الهدف والمصير، وغمار تطوير هذا الوطن العربي وإعماره، والقضاء على الأمية والجهل الفقر والمرض في ربوعه، وغمار الوقوف بشجاعةٍ وجرأةٍ وإخلاصٍ إلى جانب أشقائهم الفلسطينيين في حربهم المستمرة لتحرير القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، وإلى جانب أشقائهم المخلصين العرب العروبيين في لبنان لحمايته من أطماع الطامعين، وعدوان المعتدين.

   وأغلب الظن أنه من الخير لشيخنا صاحب الفتاوى الغريبة ضد سوريا وحزب الله وإيران أن يثوب إلى رشده، وأن يعود إلى سابق عهده عندما حل ضيفًا مكرمًا معززًا في سوريا قبل زمنٍ قصير من تلك الفتنة العمياء التي أصبحت اليوم وراء السوريين، وقال يومها ما قاله من ثناءٍ على سوريا، وكال ما كاله من مديحٍ للسوريين، وأعرب يومها عن ارتياحه الشديد لمسيرة الخير والبناء في سوريا.. أليس من الخير أن نثوب جميعًا إلى رشدنا، وأن نعود إلى سابق عهدنا كي نفوز بالرضى، وكي نحظى بسعادة الدارين يا شيخَنا، ولكي نكون ممن وصفهم رب العزة في كتابه الكريم: "كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله"؟.   

 (4/4/2012)

 

الاثنين، ٢ نيسان ٢٠١٢

سوريا تصنع التاريخ..لأقوامٍ خارج التاريخ!!

(إعادة)

متابعات

                        سوريا تصنع التاريخ..لأقوامٍ خارج التاريخ!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    قد لا يكون مخطئًا من يقول إن مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في تونس في مثل هذه الأيام من الشهر الماضي لم يحقق شيئًا مذكورًا أو غير مذكور من أهدافه وغاياته التي عقد من أجلها، وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الغرب بشقيه بات مقتنعًا بأن هذا الذي يجري في سوريا أمر خطير، قد يحرق المنطقة كلها إذا صعّد الغرب من تدخله في سوريا، أو إذا حاول الغرب هنا تكرار ما فعله من قبل في ليبيا التي لم تُحسم الأمور فيها بعد، وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الغرب مع قناعاته هذه ، ومع اقتناعه بعدم التدخل العسكري في سوريا، إلا أنه لا يمانع بالطبع في استمرار أعمال العنف والتخريب وسفك الدماء في سوريا ، لأنه هو المستفيد من ذلك كله، ولأن حلفاءه أيضًا يستفيدون من ذلك كله.. الغرب وحلفاؤه يستفيدون يقينًا عندما يُقتل من يُقتل من المسلحين الذين يحاربون النظام السوري، وهم يستفيدون يقينًا عندما يُقتل من يُقتل من أفراد الجيش السوري، والأمن السوري، وعندما يُشتّت هذا الجيش، وعندما تضطرب البلاد، وترتبك، ويتراجع اقتصادها، وتُدمر مرافقها، ويزيد عدد فقرائها ومعوزيها، وهم يستفيدون يقينًا عندما تسود البلاد والعباد حالة الرعب والفوضى، وعندما تُستهدف هذه الوحدة الوطنية بفعل هذا الاقتتال، وبفعل هذه المواجهات، وبفعل هذه الحملات الإعلامية التي تستهدف البلاد والعباد في كل يوم.

   وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن نصيب مؤتمر أصدقاء سوريا الذي يُعقد اليوم في تركيا لن يكون بأفضل من نصيب ذلك المؤتمر الذي عقد في تونس، ولن ينجح فيما فشل فيه ذلك المؤتمر، بل على العكس من ذلك، فقد لا يكون مخطئًا من يقول إن هذا المؤتمر سيدعو السوريين إلى مزيد من التلاحم، وسيدعوهم إلى مزيد من اليقظة، وسيدعوهم إلى مزيد من التصدي لكل محاولات النيل من سوريا، وسيدعوهم إلى مزيد من الإصرار على مقاومة كل أشكال التدخل الخارجي في الشأن العربي السوري، وإلى مزيد من الإصرار على الحوار السوري للخروج من هذه الأزمة التي لا بد من الخروج منها لمصلحة البلاد، ولمصلحة العباد في سوريا، وفي لبنان، وفي فلسطين، وفي الأردن، وفي العراق، وفي كل ديار العروبة والإسلام في المشرق والمغرب.. إن هذا المؤتمر الذي يعقد اليوم في تركيا قد فتح أعين كثير من السوريين على الحقيقة، وقد أزال الغشاوة عن أعين كثير من السوريين، وكثير من غير السوريين، وقد حرر كثيرًا من السوريين من زيف ادعاءات كثير من وسائل الإعلام، ومن فبركاتها، وادعاءاتها، وحملاتها التي استهدفت، ولا تزال تستهدف هذا القطر العربي السوري، واستهدفت، ولا تزال تستهدف عروبة لبنان، وقوته، ومقاومته، واستهدفت، ولا تزال تستهدف عروبة فلسطين، وإصرار الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم التاريخية الثابتة في وطنهم فلسطين، واستهدفت، ولا تزال تستهدف وحدة العرب على كل أرض العرب.

   وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الحلف المقدس الذي ألّف بين الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين، وغيرهم من العرب المقيمين في سوريا منذ عقود، ولأسباب مُختلفة، وألّف في الوقت نفسه بين كل هؤلاء من جهة، وبين إخوانهم السوريين بكل ألوانهم، وأديانهم، وأعراقهم، وأطيافهم، ومذاهبهم السياسية والاجتماعية.. هذا الحلف المقدس الذي ألّف بين كل هؤلاء، ووحّد صفهم قد ازداد قوة ومنعةً وإصرارًا على مواجهة كافة أشكال التدخل الخارجي في الشأن الداخلي السوري، وقد ازداد معه السوريون والعرب إصرارًا على حسم الأمور لصالح سوريا، ولصالح السوريين، ولصالح العرب المقيمين على الأرض السورية، ولصالح العرب المقيمين في أقطارهم وبلدانهم ممن تربطهم بسوريا وبالسوريين أواصر القربى والدم والتاريخ واللغة والهدف والمصير الواحد، وروابط العروبة والثقافة والأحلام والأمال والتطلعات والأماني والأهداف المشتركة، ولصالح الوحدة العربية الكبرى، والمشروع العربي الواحد الموحد على كل أرض العرب من المحيط إلى الخليج، ولصالح المشروع الإسلامي الحر المتحرر الرافض للتدخل الأجنبي، والهيمنة الأجنبية، والتبعية للغرب وأعوانه وحلفائه في كل ديار الإسلام في غرب الدنيا وشرقها.

    وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن تركيا كانت ذات يوم مقرًّا للخلافة في عهد سلاطين بني عثمان، فأحببناها، ثم كثرت أخطاؤها، وأساءت التطبيق فعاتبناها، وعاقبتنا، وعاقبناها، وعاقبنا بذلك أنفسنا، وجنينا على ثوابتنا وعقائدنا، وعلى كثير من قناعاتنا، وحاولنا الإصلاح ما استطعنا... ثم كان ما كان من الأمور المؤلمة التي لا نحب أن نتوقف عندها، ثم دار الزمن دورته، وبدأت الأمور بالانفراج، وكان التحول الذي دخل معه الأمل قلوب كثير من الناس في هذه الديار، وفي كثير من ديار العروبة والإسلام.. ثم كانت زيارة أردوغان التي لا تنسى لسوريا قبل أيام من بداية الأحداث المؤلمة، وكان ما ترتب عليها من علاقات تجارية وغير تجارية،وكان ما أسفرت عنه من نتائج وإيجابيات وصفها أردوغان نفسه بأنها استراتيجية ثابتة متينة لا انفصام لها، ولقد فرحنا لذلك، وسررنا به، وفرح معنا أيضًا كثير من العرب، وكثير من المسلمين، وكثير من الأصدقاء والمحبين في هذا العالم.. ثم كان ما كان، وليت هذا الذي كان ما كان.. كانت الفتنة، وكانت الدماء، وكان العنف ، وكان العنف المضاد، وكانت الحرائق، وكان التخريب، وكان الخطف،وكان التنكيل، وكان التمثيل، وكانت الأحقاد، وكانت الفوضى، وكانت بحار الدم، وكان الرعب، وكان الخوف، وكان الجوع، وكانت الكوارث والمصائب والنوازل التي لم تدع أحدًا وشأنه، ولم تدع قرية وشأنها، أو أسرة وشأنها، أو حيًّا وشأنه.. لقد دفع السوريون من دمائهم وأعصابهم ثمن هذا كله، كما دفعت سوريا من زراعتها وصناعتها وتجارتها ومشاريعها ونفطها وخبز أبنائها ومدارسهم ثمن هذه الفتنة العمياء التي رماها بها الأغراب والأعراب على حد سواء.  

   واليوم، وبعد كل ما شهدته، وتشهده الديار السورية من تطورات وإيجابيات تبشر بانحسار الفتنة، وبعودة الأمور إلى نصابها،وتبشر بعهد جديد من الاستقرار والبناء والإعمار والإصلاح الذي تتوق إليه النفوس، وتهفو إليه الأفئدة، ينعقد هذا المؤتمر الذي يقول منظموه إنهم أصدقاء سوريا.. فمن هم أصدقاء سوريا؟ سؤال لا بد من الإجابة عنه حتى نكون جميعًا على بينة من أمرنا، وحتى لا نزيد من متاعب سوريا والسوريين، وحتى لا نزيد من متاعب لبنان وفلسطين، وحتى لا نزيد من متاعب كل العرب، وكل المسلمين الذين لا يريدون أكثر من عيش آمن كريم شريف، ولا يبحثون إلا عن استقلال ديارهم وعزتها، وحرية شعوبهم، ولا يفكرون بأكثر من السيادة على أرضهم، وحمايتها من طمع الطامعين، وعدوان المعتدين، ولا يحلمون بأكثر من وقف التدخل الغربي بشأنهم الداخلي، وبشأنهم العربي العربي، والعربي الإسلامي، والإسلامي الإسلامي.. إن كان هؤلاء الذين يشاركون اليوم في هذا المؤتمر هم أصدقاء لسوريا فليعملوا في الحال على وقف نزيف الدم، وليعملوا في الحال على عودة الأمور إلى نصابها، وليعملوا في الحال على كف أيديهم عن شعبنا العربي في سوريا، وليرفعوا أيديهم عن سوريا، وليعملوا من أجل حوار سوري سوري يتوصل من خلاله السوريون إلى حل عادل شامل لكل قضاياهم، ويتوصل من خلاله السوريون إلى سلم أهلي، ووحدة وطنية حقيقية يعمل السوريون جميعًا من خلالها لإعادة إعمار سوريا، وإعادة بنائها من جديد.. وإن كان هؤلاء المؤتمرون من أصدقاء سوريا والسوريين، ومن أصدقاء لبنان واللبنانيين، وفلسطين والفلسطينيين، وإن كانوا من أصدقاء العروبة والإسلام، والساعين لعزة العروبة والإسلام في كل ديار العروبة والإسلام فليقفوا إلى جانب العروبيين في سوريا، وليقفوا إلى جانب السوريين الذين يؤازرون لبنان وفلسطين والعراق وكل أحرار العرب، وليعملوا على كف أيدي هؤلاء وأولئك عن التدخل في الشأن العربي السوري، وليعلنوا من هناك، من اسطنبول، أنهم مع سوريا والسوريين، ومع وحدة الشعب العربي في سوريا، ووحدة الشعب العربي في بلاد الشام، ومع ثوابت هذا الشعب العربي وأمنياته وتطلعاته وتوجهاته في كل بلاد الشام، وليعلنوا بكل شجاعة أنهم قد أخطأوا بحق سوريا، وبحق بلاد الشام، وأنهم نادمون على ما فعلت أيديهم، وقالت ألسنتهم، وليطلبوا المغفرة من سوريا، فخير الخطائين التوابون، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

   إن الأوضاع في سوريا قد استقرت أو كادت، أو هي في طريقها إلى الاستقرار، وما على منظمي هذا المؤتمر من أتراك وغير أتراك إلا أن يثوبوا إلى رشدهم، ليكونوا أصدقاء حقيقيين لسوريا والسوريين، ولكل العرب الشرفاء على كل أرض العرب، عليهم أن يكفوا في الحال عن التدخل في الشأن السوري، لأنه لا يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح، ولأنه ليس من حق أحد أن يتدخل بهذه الطرق التي لا يقرها عقل أو تشريع أو خلق أو ضمير في الشأن الداخلي لسوريا، ولغير سوريا.. ليس من حق أحد في أقطار الجوار، وفي غير أقطار الجوار أن يتوهم أنه قادر على حصار سوريا، وإرغامها على السير في فلك التبعية لأعداء العروبة والإسلام من أغراب وأعراب.. خيرٍ لأردوغان ولحزبه أن يعود إلى صوابه، وأن يعمل من أجل بناء علاقة حسن الجوار التي كان قد بدأها مع القطر العربي السوري، وليعلم أردوغان أن كثيرًا من الأحزاب والقوى والحركات والجمعيات والشخصيات في تركيا لا ترى ما يراه، وهي تخالفه الرأي، وهي ليست مع هذا المؤتمر الذي يستضيفه على أرض تركيا، ويشارك فيه، وليعلم أردوغان أن أصدقاء سوريا لا يمكن أن يقفوا في معسكر أعدائها، وأن أصدقاء سوريا هم الذين يقيمون معها أحسن العلاقات، وأقوى الصلات، وأن أصدقاء سوريا هم أصدقاء لبنان العربي الحر المقاوم، وأصدقاء فلسطين، وأصدقاء كل بلاد الشام التي كانت ولاية في دولة الخلافة العثمانية ذات يوم.. وليعلم أردوغان أن العثمانيين لا يمكن أن يوافقوا على تقسيم هذه الولاية إلى مزيد من الدويلات والكيانات الهزيلة التي لا يحلم بها إلا أعداء تركيا، وأعداء سوريا، وأعداء العرب والمسلمين.. وليعلم أن العثمانيين أيضًا غاضبون ساخطون لما جرى في بلاد الشام على أيدي الغربيين الأوروبيين في أعقاب الحرب العالمية الأولى.. فما الذي يفعله أردوغان اليوم؟ ولماذا كل هذا التجييش على الحدود التركية السورية؟ ولماذا كل هذا الزيت والحطب على نار الفتنة التي يريدون بها إحراق وجه العروبة والإسلام في سوريا؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هدم آخر قلاع العروبة يا أردوغان؟ لماذا، ولمصلحة من كل هذه الفتاوى الصادرة عن بعض من يقال إنهم من علماء المسلمين بشأن سوريا والسوريين؟؟

    وبعد، فإن سوريا أولاً عصية على الكسر، وهي بمن فيها من سوريين ولبنانيين وعراقيين وفلسطينيين قادرة على التصدي لكل عناصر الفتنة ، وهي بمحبيها ومؤيديها والمؤمنين بسياستها في كل أقطار الجوار، وفي كل ديار العروبة والإسلام، وهي أيضًا بكل مؤيدي سياستها من القوى والدول الصديقة في هذا العالم قادرة على الخروج من كل هذه الأزمات التي يفتعلها كثير من الأعراب لخدمة الأغراب في هذه المنطقة من العالم.. وعليه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وإن الرجوع إلى الحق في حد ذاته فضيلة، وإن الحوار هو أفضل السبل وأقصرها لتحقيق الأهداف والغايات، والخروج من الأزمات، ووضع حد لكل هذه المآزق والتوترات والتشنجات التي لا يفيد منها إلا كل أعداء العروبة، ولا يشعل فتيلها إلا الطامعون الحالمون الواهمون المتحالفون مع ألد أعدائها، وكما انتصرت سوريا عبر التاريخ في كل مواجهاتها وحروبها ومعاركها، فإنها ستنتصر اليوم، وستمضي بقوة وعزة وعزيمة وثبات تصنع التاريخ لأقوام يراد لها أن تكون خارج التاريخ.