عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأربعاء، ٤ نيسان ٢٠١٢

ماذا يعني تسليح هذه المعارضة؟؟

متابعات

ماذا يعني تسليح هذه المعارضة؟؟

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   لمن لا يعرفون تاريخ هذه الديار السورية، ولمن لم يسمعوا بمحبة رسولنا الكريم لبلاد الشام، ودعائه لها، ووصاياه خيرًا بها، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن هذه الوحدة الروحية الجغرافية السياسية العسكرية بين الشعبين العربيين في القطرين الشقيقين سوريا والعراق منذ الفتح العربي الإسلامي، وقبل هذا الفتح العربي الإسلامي، ولمن لم يروا خيول خالد، وجِمال خالد، وجنود خالد، وهو يخترق المسافة بين القطرين في زمنٍ قياسيٍّ نزولاً عند أمر أبي بكر بضرورة أن يتوجه ابن الوليد إلى الشام بنصف جيش العراق الذي كان أبو بكرٍ قد أرسله إلى هناك ليؤازر المثنى بن حارثة، ولمن لم يروا ابن الوليد وهو يوحد الجيش الذي قدم به من العراق مع الجيوش الأربعة التي كان أبو بكرٍ قد أرسلها لفتح الشام، ولمن لم يروا خالدًا وهو ينظم الجيش الواحد، ولمن لم يسمعوا خالدًا وهو يطلب من القادة الأربعة أن يكون كلٌّ منهم قائدًا للجيش يومًا واحدًا، ويطلب منهم أن يكون هو القائد في اليوم الأول (لأن أبا بكر عينه قائدًا لهذه الجيوش ساعة أمره بالتوجه من العراق إلى الشام)، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن معركة اليرموك، وانتصار جيش الفتح، وتحرير بلاد الشام، ولمن لم يسمعوا قول ابن الخطاب بعد ذلك، وهو يقوم بزيارته الأولى إلى سوريا: "رحم الله أبا بكر، فقد كان أعلم مني بالرجال"، ولمن لم يقرأوا شيئًا مذكورًا، أو شبه مذكور عن تاريخ الحجاج الثقفي، وما فعله في شبه الجزيرة العربية، وفي العراق، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن تاريخ زياد بن أبي سفيان وهو يحكم العراقين العربي والعجمي، ولمن لم يقرأوا شيئًا عن فتوحات بني أمية في شرق الدنيا وغربها، ولمن لا يريدون أن يعرفوا شيئًا عن دمشق، وتاريخ دمشق، وأمجاد دمشق ومخططات دمشق لدرء المخاطر، والتصدي للمعتدين الطامعين في كل ديار العروبة والإسلام، ولمن لا يريدون خيرًا بدمشق، وأحرار دمشق، وحرائر دمشق، وأطفالها، ولمن لا يريدون خيرًا بأحد من مواطني دمشق، ومن ساكنيها، والمقيمين فيها من بقايا العرب الذين أحبتهم وأحبوها، فآثروا العيش فيها، وفضلوا الموت في خنادقها على العيش في فنادق أعدائها، ولمن يصرون بعد هذا كله، أو قبل هذا كله على إحراق دمشق، وإغراقها في بحورٍ من الدماء، ولمن يصرون على اقتحام آخر قلاع العروبة بأي ثمن، وعلى إسقاط آخر قلاع العروبة لإلحاقها بهذه المشاريع المشبوهة التي أقيمت وتقام على أرض العرب، ولضرب آخر معقلٍ من معاقل العروبة، دمشق العروبة والإسلام والتاريخ والحضارة والثقافة والتراث، حتى لا تقوم لفلسطين قائمة، وحتى لا تقوم للبنان قائمة، وحتى لا تقوم للعروبة قائمة، وحتى لا تقوم للإسلام والمسلمين قائمة، وحتى يصبح الوطن العربي من طنجة إلى مضيق هرمز، والعالم الإسلامي، من مراكش إلى ما وراء أندونيسيا مستعمراتٍ ذليلةً، ومناطق نفوذ لكل أعداء هذه الأمة العربية الإسلامية في هذا العالم الإسلامي الذي لن يكون يومًا إلا لأبنائه، ولن يكون إلا لأجياله المتعاقبة على أرضه، ولو كره الكارهون، ولمن قاموا بتغذية هذه "المعارضة"، وبتسليحها، ودعمها منذ اليوم الاول لانطلاقة هذه الفتنة العمياء، ولمن يُعلنون اليوم إصرارهم على تسليح هذه "المعارضة" .. إلى كل هؤلاء وأولئك نقول إن ما تريدون لباطل، وإن ما تنادون به لهو الوهم القاتل، فدمشق وسوريا وبلاد الشام والعراق هي اللظى والحنظل، والعلقم المُرُ المذاق، وبلاد الشام والعراق قادرةٌ على التصدي، وقادرةٌ على التحدي، وقادرةٌ على مواجهة أوهامكم وأحلامكم وأطماعكم، وقادرةٌ على مواجهة المخدوعين الأشقياء الذين تسخرونهم لإذكاء نار هذه الفتنة العمياء، واعلموا أن الأردن لن يكون إلا للأردنيين الشرفاء، ولن يكون إلا ممرًّا لا مقرًّا للفلسطينيين الشرفاء، ولن يكون إلا نصيرًا للحق وظهيرًا للعروبيين الأحرار في سوريا ولبنان وفلسطين، وسندًا لكل عراقيٍّ أبيٍّ شريف، وسندًا لكل عربيٍّ وفيٍّ في كل ديار العروبة.. الأردنيون وسائر العرب ممن يقيمون على أرض الأردن أعلنوا تضامنهم مع سوريا العروبة منذ اليوم الأول لانطلاقة الفتنة، والأردنيون هم الذين يحرسون الحدود، ويتصدون للمتسللين من المخدوعين المضللين الذين استغل الأشرار في وسائل الإعلام الكاذبة سذاجتهم وطيبتهم، والأردنيون هم الذين يقومون بالزيارات التضامنية مع العروبيين في سوريا، وهم الذين يتظاهرون على أرض الأردن ضد التدخل الأجنبي الخارجي في سوريا.. الأردن لن يكون أداةً في أيدي هؤلاء الذين أسفروا عن أهدافهم وغاياتهم، وسقطت الأقنعة، أو أُسقِطَت عن وجوههم، فبانت الأهداف، وظهرت النوايا ماثلةً للعيان، فاطمئنوا يا دعاة الفتنة، فلن يكون ما تريدون، ولن يكون للمؤتمرين في اسطنبول من أعداء سوريا والطامعين فيها مايريدون!!

   وإذا كان الأردنيون، ومعهم كل العرب ممن يقيمون على الأرض الأردنية على هذه الصورة من شرف الوفاء للعروبة في سوريا، وفي كل أرض العرب، فإن اللبنانيين لا يقلون في هذا الشرف عن إخوانهم الأردنيين، فاللبنانيون هم من يحرسون "حدودهم" مع سوريا، وهم من يتصدون للعابثين المتسللين المتاجرين بالسلاح، وبالدم السوري، والدم العربي، وهم من يعلنون وقوفهم إلى جانب الشقيقة الكبرى سوريا العروبة جهارًا نهارًا، وسرًّا وإعلانًا، وليلاً نهارًا، وهم من يحافظون على امتداد نحو ألفٍ من الكيلومترات هي "حدود" لبنان مع سوريا، وهم من يتوجهون في كل يوم إلى دمشق للتضامن مع العروبيين الأحرار الداعمين للمقاومة والممانعة في لبنان، وفي كل أرض العرب، واللبنانيون هم من يحرصون على أمن سوريا وأمانها حرصهم على أمن لبنان وأمانه.. مرةَ ثانيةً نقول لأولئك الذين يتحدثون عن تسليح هذه "المقاومة" إنهم قد فعلوا كل ما بوسعهم أن يفعلوه، ولكنهم فشلوا، وسوف يلازمهم الفشل في كل خططهم ومخططاتهم التي يحاولون من خلالها النيل من سوريا العروبة والإسلام.. فهذه هي سوريا، وهذا هو الشعب العربي في سوريا، وهذا هو الأردن، وهذا هو الشعب العربي في الأردن، وهذا هو لبنان، وهذا هو الشعب العربي في لبنان.. اما العراق، فمواقفه من سوريا معروفة، ووقوفه إلى جانب أشقائه السوريين أمرٌ ليس بحاجة إلى توضيح أو إثبات أو برهان.. فالعراق شقيق سوريا منذ فجر التاريخ، والعراق حليف وجارٌ لسوريا، ورديفٌ وظهيرٌ ومؤازرٌ لها، وشريكٌ معها، وأخٌ شقيقٌ لسوريا والسوريين في السراء والضراء، وهو الذي يشكل مع سوريا وحدةً جغرافيةً ثقافيةً سياسيةً عربيةً إسلاميةً واحدةً موحدةً رغم أنوف من لا يريدون هذا، ولا يرتاحون إليه، ورغم أنوف من يعارضونه ويحرضون عليه.. وإذا كان هذا هو شأن الأردن ولبنان والعراق، فإن شأن الفلسطينيين لا يختلف في كثيرٍ أو قليلٍ عن موقف أشقائه العرب الأوفياء لعروبتهم في كل هذه الأقطار، وفي غيرها من أقطار العروبة، فالفلسطينيون يعتبرون ديارهم جزءًا لا يمكن أن يتجزأ من سوريا، وهم يسمون بلادهم فلسطين برَّ الشام أو جنوب سوريا، وهم يسمون نابلس دمشق الصُغرى، وإن العادات والتقاليد في هذه الديار الفلسطينية تكاد تكون نفسها في سوريا، يعرف هذا جيدًا كل من يعرف القدس والخليل ونابلس وغزة والجليل، ويعرف في الوقت نفسه دمشق وسوريا كلّها.. وإن من يعرف حقيقة هذا التلاحم القائم بين أقطار بلاد الشام يُذهله هذا التشابه بين أهل المدن فيها، كما يُذهله هذا التشابه القائم بين الفلاحين في كل أقطار بلاد الشام، وهذا التشابه الذي يكاد يصل حد التطابق بين العشائر البدوية في كل هذه الديار، رغم كل هذه السنوات الطوال من القطيعة الكاملة أو شبه الكاملة بين هذه الأقطار من جهة، وبين القطر العربي السوري من الجهة الثانية بسبب الحدود والحواجز، وبسبب الصعوبات والعقبات، واضطراب الأحوال السياسية، وبسبب الاحتلال الذي يحرص على تغيير أوجه الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية لكل العرب الخاضعين لهذا الاحتلال، ولكل العرب المتأثرين بثقافته وتوجهاته وأهدافه من خلال هذه العلاقات مع بعض العرب، ومن خلال هذه المشاريع التي يقيمها بالتنسيق والاتفاق مع بعض العرب، ومن خلال هذه الحالة النفسية التي تصيب بعض العرب نتيجة تأثرهم بهذا "التفوق" الاقتصادي والسياسي والعسكري والاجتماعي لهذا الاحتلال الذي يسعى جاهدًا لكسب ودِّ كثيرٍ من العرب، وكثيرٍ من الفلسطينيين، وكثيرٍ من المسلمين بأساليب متعددةٍ، وصورٍ وأشكالٍ لا تكاد تُحصى عددًا.

   وإذا كان هذا هو الواقع المنظور في كل هذه البلاد الشامية، وفي العراق أيضًا، وإذا كانت هذه الاحوال – على الرغم مما بينها من تفاوت – لا تسمح لأولئك الحالمين بتسليح "المعارضة" من تنفيذ أحلامهم، وإذا كانت الأحوال أيضًا في العراق لا تسمح بذلك مطلقًا، فهل يراهن هؤلاء الواهمون على الجبهة التركية؟ وهل يراهنون على أردوغان وأوغلو والحزب الذي ينتميان إليه؟ إن كان هؤلاء هم من يراهن أولئك عليهم، فإن الخيبة ستلازم أوهامهم وأحلامهم هناك أيضًا، لسببٍ بسيط هو أن الشعب التركي بمختلف أطيافه وألوانه وتوجهاته ومكوناته لا يوافق هؤلاء على ما يذهبون إليه، وهو يعارض عداءهم لسوريا، ويعارض استضافتهم لبعض السوريين، ولهذا المؤتمر الذي يسمي نفسه أصدقاء سوريا.. ولسببٍ بسيطٍ آخر هو أن أردوغان وأحمد داوود أوغلو كليهما قد عرفا عن قرب طبيعة السوريين، وإصرارهم على وأد الفتنة، وإصرارهم أيضًا على الحوار الداخلي فقط وسيلةً لوضع حدٍّ لكل هذا الذي يجري من أحداثٍ وحوادث مؤسفةٍ مؤلمةٍ تثير في النفس أكثر من الحزن، وأكثر من الغضب.. أردوغان الذي زار سوريا قبل أيامٍ من بدء هذه الفتنة العمياء، والذي وقّع مع السوريين كثيرًا من الاتفاقات التجارية وغير التجارية.. أردوغان نفسه هو الذي قال يومها إن العلاقات التركية السورية قد أصبحت علاقات استراتيجيةً لا تراجع عنها، ولا يمكن الخلاص منها بأية حالٍ من الأحوال!! وأحمد داوود أوغلو الذي زار سوريا بعد بضعة أسابيع من نشوب هذه الفتنة، واجتمع إلى الرئيس السوري، واستمع منه إلى ما نشرته الصحف، وتناقلته وسائل الإعلام في حينه، أوغلو هذا يعرف يقينًا ما تريد سوريا، وما يريده السوريون، ويعلم علم اليقين أن سوريا لن ترضخ لتهديد، ولن ترضخ لعدوان، ولن ترضخ لوعيد، ولن تُصغي إلا لمعارضةٍ سوريةٍ داخليةٍ وطنيةٍ عربيةٍ شريفةٍ لا علاقة لها بالجهات الأجنبية، وبالتمويل الأجنبي، ولا علاقة لها بالسلاح، وإراقة الدماء، على أن تكون لغة الحوار والتفاهم والاتفاق والوفاق هي اللغة الوحيدة التي يجب أن تسود الموقف، وتؤدي إلى الإصلاحات المطلوبة والتي بدأها السوريون منذ سنوات، وحال احتلال العراق دون تقدمها وبلوغها المستوى المطلوب.. ثم كانت الفتنة الدموية العمياء التي أعلنت أنها لا تريد إصلاحًا على يد النظام، وأنها لا تطالب إلا بإسقاطه واستبداله بنظام آخر مختلف مغاير لهذا النظام الذي يرعى المقاومة والممانعة، ويقيم أقوى العلاقات وأمتنهامع إيران وحزب الله والرافضين الفلسطينيين للاحتلال والتطبيع.... قيل كل هذا، وقيل ما هو أكثر منه، ولا زال أولئك "المعارضون" ومحرّضوهم سادرين في أوهامهم، حتى بعد أن خرجت سوريا من هذه الأزمة المفتعلة، وبعد أن أصبحت الفتنة وراءها، وبعد أن رأى العالم كله أن السوريين أكبر من كل أولئك الذين استهدفوا دولتهم وحريتهم وعروبتهم وثباتهم على مبادئهم ووحدتهم الوطنية، وعلاقاتهم الداخلية، والعربية، والإسلامية، والأممية، وعلاقاتهم بكثيرٍ من الأصدقاء في هذا العالم.. ومادام الحديث هنا عن الإصلاح فلا بد من القول إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المتردية في تلك البلدان (التي تدعو إلى تسليح "المعارضة" السورية بهدف إنقاذ الشعب السوري) هي الأوضاع التي تتطلب إصلاحًا عاجلاً، وإن الأوضاع العامة في سوريا على الرغم من الحصار، والمقاطعة، وكل مظاهر العداء والعداوة التي يكنها لها كثيرٌ من العرب هي أفضل بكثير مما هي عليه في تلك البلدان، ولا حاجة بنا لضرب الأمثلة على ذلك.. إن القضية ليست الإصلاح، وليست مصلحة شعب سوريا، وليست حماية هذا الشعب من نظام جائر، وإنما هي تبعية عمياء للغرب الذي لا يريد مقاومةً، ولا يريد ممانعةً، ولا يريد تنسيقًا سوريًّا مع حزب الله، ومع العروبيين في لبنان، ومع فلسطين والفلسطينيين، ومع إيران، ومع كل الأنظمة العربية والإسلامية التقدمية التحررية الرافضة للخضوع للغرب وأدواته وحلفائه في كل هذه المنطقة، وفي كل ديار العروبة والإسلام.

   وإذا كانت هذه هي الحقيقة باختصار، وبدون لفًّ أو دوران، وإذا كان هذا هو الموقف السوري المعلن، والرفض السوري الصريح لكل ألوان التبعية والخضوع، والرفض السوري الصريح للتخلي عن المبادئ والثوابت والعلاقات مع الأشقاء والأصدقاء، والتحالف السوري الصريح مع الأصدقاء في هذه المنطقة من العالم، فعلامَ يُراهن أولئك الذين يطالبون اليوم علنًا بتسليح هذه "المعارضة" إذا كانت الغالبية في الأردن والعراق ولبنان وفلسطين وتركيا ترفض ذلك، وترفض الخوض فيه؟؟

   وإذا كان الغرب بشقيه قد أدرك أن السلاح لن يكون وسيلةً للحل، وإنما هو – يقينًا – وسيلةٌ لإحراق المنطقة ودمارها، وإذا كان هذا الغرب وكثيرٌ من أتباعه وحلفائه قد أدركوا هذه الحقيقة، ولجأوا إلى وسائل سلمية تفاوضية لحل المشكلات، وإذا كان الاتحاد الروسي يقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التدخل في الشأن السوري، وإذا كانت الصين كذلك، وإذا كانت كثيرٌ من الدول والقوى والهيئات والأحزاب والتنظيمات في هذه المنطقة، وفي مناطق شتى من هذا العالم تقف إلى جانب سوريا والسوريين ضد هذه الفتنة العمياء، وضد التدخل الخارجي في الشأن السوري،وإذا كان كثيرٌ من السوريين الذين خُدِعوا وغُرر بهم في أوقاتٍ سابقةٍ قد أدركوا خطورة ما يحدث فتراجعوا، وسلموا أسلحتهم إلى الدولة، وإذا كان العرب في أقطار الجوار هم من يحرسون "الحدود" مع سوريا في أغلب الأحوال، وإذا كان الأتراك ضد حكومة أردوغان في تطرفها واستضافتها لأفرادٍ أو مؤتمراتٍ تستهدف سوريا، فإلى من سيلجأ هؤلاء الذين يعلنون في صراحةٍ أنهم سيسلحون تلك "المعارضة"؟؟

   أغلب الظن أن دعواتهم تلك لم تكن أكثر من ردود فعلٍ عصبيةٍ للخيبة التي لازمتهم، والتي مُني بها أولئك المخدوعون في المواجهة مع الشعب السوري، ومع الجيش السوري، ومع قوى الأمن السورية، ولم تكن أكثر من ردود فعلٍ عصبيةٍ لعودة الأمور في سوريا إلى سابق عهدها، ولم تكن أكثر من حالة غضبٍ لالتفاف معظم السوريين حول حكومتهم، ولاستجابة هذه الحكومة لكل مطالب الشعب السوري في الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي.

    وأغلب الظن أن أولئك الذين يدعون إلى تسليح هذه "المعارضة" سيدركون يومًا أنه من الخير لهم ولسوريا وللعرب أجمعين أن يتخلوا عن هذه الدعوة التي لن تجلب إلا مزيدًا من الأحقاد ومزيدًا من الدماء، ومزيدًا من التوتر في العلاقات العربية العربية، وأنه من الخير لهم أن يعودوا إلى سابق عهدهم عندما كانوا يقضون الصيف في ربوع سوريا ولبنان في أحضان هذا الشعب الطيب هنا وهناك.. وأنه من الخير لهم أن يخوضوا غمار وحدة الهدف والمصير، وغمار تطوير هذا الوطن العربي وإعماره، والقضاء على الأمية والجهل الفقر والمرض في ربوعه، وغمار الوقوف بشجاعةٍ وجرأةٍ وإخلاصٍ إلى جانب أشقائهم الفلسطينيين في حربهم المستمرة لتحرير القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، وإلى جانب أشقائهم المخلصين العرب العروبيين في لبنان لحمايته من أطماع الطامعين، وعدوان المعتدين.

   وأغلب الظن أنه من الخير لشيخنا صاحب الفتاوى الغريبة ضد سوريا وحزب الله وإيران أن يثوب إلى رشده، وأن يعود إلى سابق عهده عندما حل ضيفًا مكرمًا معززًا في سوريا قبل زمنٍ قصير من تلك الفتنة العمياء التي أصبحت اليوم وراء السوريين، وقال يومها ما قاله من ثناءٍ على سوريا، وكال ما كاله من مديحٍ للسوريين، وأعرب يومها عن ارتياحه الشديد لمسيرة الخير والبناء في سوريا.. أليس من الخير أن نثوب جميعًا إلى رشدنا، وأن نعود إلى سابق عهدنا كي نفوز بالرضى، وكي نحظى بسعادة الدارين يا شيخَنا، ولكي نكون ممن وصفهم رب العزة في كتابه الكريم: "كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله"؟.   

 (4/4/2012)

 

الاثنين، ٢ نيسان ٢٠١٢

سوريا تصنع التاريخ..لأقوامٍ خارج التاريخ!!

(إعادة)

متابعات

                        سوريا تصنع التاريخ..لأقوامٍ خارج التاريخ!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    قد لا يكون مخطئًا من يقول إن مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في تونس في مثل هذه الأيام من الشهر الماضي لم يحقق شيئًا مذكورًا أو غير مذكور من أهدافه وغاياته التي عقد من أجلها، وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الغرب بشقيه بات مقتنعًا بأن هذا الذي يجري في سوريا أمر خطير، قد يحرق المنطقة كلها إذا صعّد الغرب من تدخله في سوريا، أو إذا حاول الغرب هنا تكرار ما فعله من قبل في ليبيا التي لم تُحسم الأمور فيها بعد، وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الغرب مع قناعاته هذه ، ومع اقتناعه بعدم التدخل العسكري في سوريا، إلا أنه لا يمانع بالطبع في استمرار أعمال العنف والتخريب وسفك الدماء في سوريا ، لأنه هو المستفيد من ذلك كله، ولأن حلفاءه أيضًا يستفيدون من ذلك كله.. الغرب وحلفاؤه يستفيدون يقينًا عندما يُقتل من يُقتل من المسلحين الذين يحاربون النظام السوري، وهم يستفيدون يقينًا عندما يُقتل من يُقتل من أفراد الجيش السوري، والأمن السوري، وعندما يُشتّت هذا الجيش، وعندما تضطرب البلاد، وترتبك، ويتراجع اقتصادها، وتُدمر مرافقها، ويزيد عدد فقرائها ومعوزيها، وهم يستفيدون يقينًا عندما تسود البلاد والعباد حالة الرعب والفوضى، وعندما تُستهدف هذه الوحدة الوطنية بفعل هذا الاقتتال، وبفعل هذه المواجهات، وبفعل هذه الحملات الإعلامية التي تستهدف البلاد والعباد في كل يوم.

   وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن نصيب مؤتمر أصدقاء سوريا الذي يُعقد اليوم في تركيا لن يكون بأفضل من نصيب ذلك المؤتمر الذي عقد في تونس، ولن ينجح فيما فشل فيه ذلك المؤتمر، بل على العكس من ذلك، فقد لا يكون مخطئًا من يقول إن هذا المؤتمر سيدعو السوريين إلى مزيد من التلاحم، وسيدعوهم إلى مزيد من اليقظة، وسيدعوهم إلى مزيد من التصدي لكل محاولات النيل من سوريا، وسيدعوهم إلى مزيد من الإصرار على مقاومة كل أشكال التدخل الخارجي في الشأن العربي السوري، وإلى مزيد من الإصرار على الحوار السوري للخروج من هذه الأزمة التي لا بد من الخروج منها لمصلحة البلاد، ولمصلحة العباد في سوريا، وفي لبنان، وفي فلسطين، وفي الأردن، وفي العراق، وفي كل ديار العروبة والإسلام في المشرق والمغرب.. إن هذا المؤتمر الذي يعقد اليوم في تركيا قد فتح أعين كثير من السوريين على الحقيقة، وقد أزال الغشاوة عن أعين كثير من السوريين، وكثير من غير السوريين، وقد حرر كثيرًا من السوريين من زيف ادعاءات كثير من وسائل الإعلام، ومن فبركاتها، وادعاءاتها، وحملاتها التي استهدفت، ولا تزال تستهدف هذا القطر العربي السوري، واستهدفت، ولا تزال تستهدف عروبة لبنان، وقوته، ومقاومته، واستهدفت، ولا تزال تستهدف عروبة فلسطين، وإصرار الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم التاريخية الثابتة في وطنهم فلسطين، واستهدفت، ولا تزال تستهدف وحدة العرب على كل أرض العرب.

   وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الحلف المقدس الذي ألّف بين الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين، وغيرهم من العرب المقيمين في سوريا منذ عقود، ولأسباب مُختلفة، وألّف في الوقت نفسه بين كل هؤلاء من جهة، وبين إخوانهم السوريين بكل ألوانهم، وأديانهم، وأعراقهم، وأطيافهم، ومذاهبهم السياسية والاجتماعية.. هذا الحلف المقدس الذي ألّف بين كل هؤلاء، ووحّد صفهم قد ازداد قوة ومنعةً وإصرارًا على مواجهة كافة أشكال التدخل الخارجي في الشأن الداخلي السوري، وقد ازداد معه السوريون والعرب إصرارًا على حسم الأمور لصالح سوريا، ولصالح السوريين، ولصالح العرب المقيمين على الأرض السورية، ولصالح العرب المقيمين في أقطارهم وبلدانهم ممن تربطهم بسوريا وبالسوريين أواصر القربى والدم والتاريخ واللغة والهدف والمصير الواحد، وروابط العروبة والثقافة والأحلام والأمال والتطلعات والأماني والأهداف المشتركة، ولصالح الوحدة العربية الكبرى، والمشروع العربي الواحد الموحد على كل أرض العرب من المحيط إلى الخليج، ولصالح المشروع الإسلامي الحر المتحرر الرافض للتدخل الأجنبي، والهيمنة الأجنبية، والتبعية للغرب وأعوانه وحلفائه في كل ديار الإسلام في غرب الدنيا وشرقها.

    وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن تركيا كانت ذات يوم مقرًّا للخلافة في عهد سلاطين بني عثمان، فأحببناها، ثم كثرت أخطاؤها، وأساءت التطبيق فعاتبناها، وعاقبتنا، وعاقبناها، وعاقبنا بذلك أنفسنا، وجنينا على ثوابتنا وعقائدنا، وعلى كثير من قناعاتنا، وحاولنا الإصلاح ما استطعنا... ثم كان ما كان من الأمور المؤلمة التي لا نحب أن نتوقف عندها، ثم دار الزمن دورته، وبدأت الأمور بالانفراج، وكان التحول الذي دخل معه الأمل قلوب كثير من الناس في هذه الديار، وفي كثير من ديار العروبة والإسلام.. ثم كانت زيارة أردوغان التي لا تنسى لسوريا قبل أيام من بداية الأحداث المؤلمة، وكان ما ترتب عليها من علاقات تجارية وغير تجارية،وكان ما أسفرت عنه من نتائج وإيجابيات وصفها أردوغان نفسه بأنها استراتيجية ثابتة متينة لا انفصام لها، ولقد فرحنا لذلك، وسررنا به، وفرح معنا أيضًا كثير من العرب، وكثير من المسلمين، وكثير من الأصدقاء والمحبين في هذا العالم.. ثم كان ما كان، وليت هذا الذي كان ما كان.. كانت الفتنة، وكانت الدماء، وكان العنف ، وكان العنف المضاد، وكانت الحرائق، وكان التخريب، وكان الخطف،وكان التنكيل، وكان التمثيل، وكانت الأحقاد، وكانت الفوضى، وكانت بحار الدم، وكان الرعب، وكان الخوف، وكان الجوع، وكانت الكوارث والمصائب والنوازل التي لم تدع أحدًا وشأنه، ولم تدع قرية وشأنها، أو أسرة وشأنها، أو حيًّا وشأنه.. لقد دفع السوريون من دمائهم وأعصابهم ثمن هذا كله، كما دفعت سوريا من زراعتها وصناعتها وتجارتها ومشاريعها ونفطها وخبز أبنائها ومدارسهم ثمن هذه الفتنة العمياء التي رماها بها الأغراب والأعراب على حد سواء.  

   واليوم، وبعد كل ما شهدته، وتشهده الديار السورية من تطورات وإيجابيات تبشر بانحسار الفتنة، وبعودة الأمور إلى نصابها،وتبشر بعهد جديد من الاستقرار والبناء والإعمار والإصلاح الذي تتوق إليه النفوس، وتهفو إليه الأفئدة، ينعقد هذا المؤتمر الذي يقول منظموه إنهم أصدقاء سوريا.. فمن هم أصدقاء سوريا؟ سؤال لا بد من الإجابة عنه حتى نكون جميعًا على بينة من أمرنا، وحتى لا نزيد من متاعب سوريا والسوريين، وحتى لا نزيد من متاعب لبنان وفلسطين، وحتى لا نزيد من متاعب كل العرب، وكل المسلمين الذين لا يريدون أكثر من عيش آمن كريم شريف، ولا يبحثون إلا عن استقلال ديارهم وعزتها، وحرية شعوبهم، ولا يفكرون بأكثر من السيادة على أرضهم، وحمايتها من طمع الطامعين، وعدوان المعتدين، ولا يحلمون بأكثر من وقف التدخل الغربي بشأنهم الداخلي، وبشأنهم العربي العربي، والعربي الإسلامي، والإسلامي الإسلامي.. إن كان هؤلاء الذين يشاركون اليوم في هذا المؤتمر هم أصدقاء لسوريا فليعملوا في الحال على وقف نزيف الدم، وليعملوا في الحال على عودة الأمور إلى نصابها، وليعملوا في الحال على كف أيديهم عن شعبنا العربي في سوريا، وليرفعوا أيديهم عن سوريا، وليعملوا من أجل حوار سوري سوري يتوصل من خلاله السوريون إلى حل عادل شامل لكل قضاياهم، ويتوصل من خلاله السوريون إلى سلم أهلي، ووحدة وطنية حقيقية يعمل السوريون جميعًا من خلالها لإعادة إعمار سوريا، وإعادة بنائها من جديد.. وإن كان هؤلاء المؤتمرون من أصدقاء سوريا والسوريين، ومن أصدقاء لبنان واللبنانيين، وفلسطين والفلسطينيين، وإن كانوا من أصدقاء العروبة والإسلام، والساعين لعزة العروبة والإسلام في كل ديار العروبة والإسلام فليقفوا إلى جانب العروبيين في سوريا، وليقفوا إلى جانب السوريين الذين يؤازرون لبنان وفلسطين والعراق وكل أحرار العرب، وليعملوا على كف أيدي هؤلاء وأولئك عن التدخل في الشأن العربي السوري، وليعلنوا من هناك، من اسطنبول، أنهم مع سوريا والسوريين، ومع وحدة الشعب العربي في سوريا، ووحدة الشعب العربي في بلاد الشام، ومع ثوابت هذا الشعب العربي وأمنياته وتطلعاته وتوجهاته في كل بلاد الشام، وليعلنوا بكل شجاعة أنهم قد أخطأوا بحق سوريا، وبحق بلاد الشام، وأنهم نادمون على ما فعلت أيديهم، وقالت ألسنتهم، وليطلبوا المغفرة من سوريا، فخير الخطائين التوابون، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

   إن الأوضاع في سوريا قد استقرت أو كادت، أو هي في طريقها إلى الاستقرار، وما على منظمي هذا المؤتمر من أتراك وغير أتراك إلا أن يثوبوا إلى رشدهم، ليكونوا أصدقاء حقيقيين لسوريا والسوريين، ولكل العرب الشرفاء على كل أرض العرب، عليهم أن يكفوا في الحال عن التدخل في الشأن السوري، لأنه لا يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح، ولأنه ليس من حق أحد أن يتدخل بهذه الطرق التي لا يقرها عقل أو تشريع أو خلق أو ضمير في الشأن الداخلي لسوريا، ولغير سوريا.. ليس من حق أحد في أقطار الجوار، وفي غير أقطار الجوار أن يتوهم أنه قادر على حصار سوريا، وإرغامها على السير في فلك التبعية لأعداء العروبة والإسلام من أغراب وأعراب.. خيرٍ لأردوغان ولحزبه أن يعود إلى صوابه، وأن يعمل من أجل بناء علاقة حسن الجوار التي كان قد بدأها مع القطر العربي السوري، وليعلم أردوغان أن كثيرًا من الأحزاب والقوى والحركات والجمعيات والشخصيات في تركيا لا ترى ما يراه، وهي تخالفه الرأي، وهي ليست مع هذا المؤتمر الذي يستضيفه على أرض تركيا، ويشارك فيه، وليعلم أردوغان أن أصدقاء سوريا لا يمكن أن يقفوا في معسكر أعدائها، وأن أصدقاء سوريا هم الذين يقيمون معها أحسن العلاقات، وأقوى الصلات، وأن أصدقاء سوريا هم أصدقاء لبنان العربي الحر المقاوم، وأصدقاء فلسطين، وأصدقاء كل بلاد الشام التي كانت ولاية في دولة الخلافة العثمانية ذات يوم.. وليعلم أردوغان أن العثمانيين لا يمكن أن يوافقوا على تقسيم هذه الولاية إلى مزيد من الدويلات والكيانات الهزيلة التي لا يحلم بها إلا أعداء تركيا، وأعداء سوريا، وأعداء العرب والمسلمين.. وليعلم أن العثمانيين أيضًا غاضبون ساخطون لما جرى في بلاد الشام على أيدي الغربيين الأوروبيين في أعقاب الحرب العالمية الأولى.. فما الذي يفعله أردوغان اليوم؟ ولماذا كل هذا التجييش على الحدود التركية السورية؟ ولماذا كل هذا الزيت والحطب على نار الفتنة التي يريدون بها إحراق وجه العروبة والإسلام في سوريا؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هدم آخر قلاع العروبة يا أردوغان؟ لماذا، ولمصلحة من كل هذه الفتاوى الصادرة عن بعض من يقال إنهم من علماء المسلمين بشأن سوريا والسوريين؟؟

    وبعد، فإن سوريا أولاً عصية على الكسر، وهي بمن فيها من سوريين ولبنانيين وعراقيين وفلسطينيين قادرة على التصدي لكل عناصر الفتنة ، وهي بمحبيها ومؤيديها والمؤمنين بسياستها في كل أقطار الجوار، وفي كل ديار العروبة والإسلام، وهي أيضًا بكل مؤيدي سياستها من القوى والدول الصديقة في هذا العالم قادرة على الخروج من كل هذه الأزمات التي يفتعلها كثير من الأعراب لخدمة الأغراب في هذه المنطقة من العالم.. وعليه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وإن الرجوع إلى الحق في حد ذاته فضيلة، وإن الحوار هو أفضل السبل وأقصرها لتحقيق الأهداف والغايات، والخروج من الأزمات، ووضع حد لكل هذه المآزق والتوترات والتشنجات التي لا يفيد منها إلا كل أعداء العروبة، ولا يشعل فتيلها إلا الطامعون الحالمون الواهمون المتحالفون مع ألد أعدائها، وكما انتصرت سوريا عبر التاريخ في كل مواجهاتها وحروبها ومعاركها، فإنها ستنتصر اليوم، وستمضي بقوة وعزة وعزيمة وثبات تصنع التاريخ لأقوام يراد لها أن تكون خارج التاريخ.

       

السبت، ٣١ آذار ٢٠١٢

في يوم الأرض

متابعات

في يوم الأرض

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

 


(1)

في يوم الأرض تلاقَينا

في هذا اليوم توحَّدنا

وتآخَينا وتواصينا:

ازرع قمحًا وازرع لوزًا

أو زيتونًا وازرع مجدًا

وازرع وردًا أو ليمونًا

وازرع تينًا وازرع حُبًّا

واصنع أملاً أو تاريخًا

للأجيالِ

(2)

في يوم الأرض تلاقَينا

نبني بيتًا ومؤسَّسةً

أو مدرسةً أو مستشفًى

أو جامعةً أو صومعةً

نبني وطنًا حرًّا حرًّا

للأنجالِ

(3)

في يوم الأرض بني وطني

نسمو عزًّا نزهو فخرًا

نرنو فجرًا نهفو عصرًا

نبني مجدًا نعلي شأنًا

للأوطانِ

..............

(4)

نبني جيلاً يهوى العملا

يغذو الأملا

ينفي الكسلا

عن وادينا

حب الأرضِ أبدًا فينا

هو حاضرنا هو ماضينا

ومحبتها لا تروينا

دمها القاني يغلي فينا

يغلي فينا

(5)

وأنا أشدو في التسعين

حبي حبي لفلسطينِ

هذا قسَمي هذا ديني

حب الأقصى في تكويني

يشكو يبكي ويناديني

(6)

يوم الأرض لا أنساهُ

صاح الجرحُ في ذكراهُ

وطني وطني ما أغلاهُ

أنا أهواه أنا أهواهُ

وسأبنيهِ

(7)

يوم الأرض في وجداني

نصرٌ عزٌّ للأوطانِ

مجدٌ فخرٌ للإنسانِ

أنا أفديه يا إخواني

أنا أفديهِ

(8)

أرضي أرضي

أنا أفديها

وبإيماني

أنا أحميها

أنا أزرعها

أنا أرويها

وإذا مِتُّ

هي

تؤويني

وبذا عدتُ

لفلسطين

 

                               

                                                                                                                    

الخميس، ٢٩ آذار ٢٠١٢

سوريا تصنع التاريخ..لأقوامٍ خارج التاريخ!!

متابعات 

                        سوريا تصنع التاريخ..لأقوامٍ خارج التاريخ!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    قد لا يكون مخطئًا من يقول إن مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في تونس في مثل هذه الأيام من الشهر الماضي لم يحقق شيئًا مذكورًا أو غير مذكور من أهدافه وغاياته التي عقد من أجلها، وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الغرب بشقيه بات مقتنعًا بأن هذا الذي يجري في سوريا أمر خطير، قد يحرق المنطقة كلها إذا صعّد الغرب من تدخله في سوريا، أو إذا حاول الغرب هنا تكرار ما فعله من قبل في ليبيا التي لم تُحسم الأمور فيها بعد، وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الغرب مع قناعاته هذه ، ومع اقتناعه بعدم التدخل العسكري في سوريا، إلا أنه لا يمانع بالطبع في استمرار أعمال العنف والتخريب وسفك الدماء في سوريا ، لأنه هو المستفيد من ذلك كله، ولأن حلفاءه أيضًا يستفيدون من ذلك كله.. الغرب وحلفاؤه يستفيدون يقينًا عندما يُقتل من يُقتل من المسلحين الذين يحاربون النظام السوري، وهم يستفيدون يقينًا عندما يُقتل من يُقتل من أفراد الجيش السوري، والأمن السوري، وعندما يُشتّت هذا الجيش، وعندما تضطرب البلاد، وترتبك، ويتراجع اقتصادها، وتُدمر مرافقها، ويزيد عدد فقرائها ومعوزيها، وهم يستفيدون يقينًا عندما تسود البلاد والعباد حالة الرعب والفوضى، وعندما تُستهدف هذه الوحدة الوطنية بفعل هذا الاقتتال، وبفعل هذه المواجهات، وبفعل هذه الحملات الإعلامية التي تستهدف البلاد والعباد في كل يوم.

   وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن نصيب مؤتمر أصدقاء سوريا الذي يُعقد اليوم في تركيا لن يكون بأفضل من نصيب ذلك المؤتمر الذي عقد في تونس، ولن ينجح فيما فشل فيه ذلك المؤتمر، بل على العكس من ذلك، فقد لا يكون مخطئًا من يقول إن هذا المؤتمر سيدعو السوريين إلى مزيد من التلاحم، وسيدعوهم إلى مزيد من اليقظة، وسيدعوهم إلى مزيد من التصدي لكل محاولات النيل من سوريا، وسيدعوهم إلى مزيد من الإصرار على مقاومة كل أشكال التدخل الخارجي في الشأن العربي السوري، وإلى مزيد من الإصرار على الحوار السوري للخروج من هذه الأزمة التي لا بد من الخروج منها لمصلحة البلاد، ولمصلحة العباد في سوريا، وفي لبنان، وفي فلسطين، وفي الأردن، وفي العراق، وفي كل ديار العروبة والإسلام في المشرق والمغرب.. إن هذا المؤتمر الذي يعقد اليوم في تركيا قد فتح أعين كثير من السوريين على الحقيقة، وقد أزال الغشاوة عن أعين كثير من السوريين، وكثير من غير السوريين، وقد حرر كثيرًا من السوريين من زيف ادعاءات كثير من وسائل الإعلام، ومن فبركاتها، وادعاءاتها، وحملاتها التي استهدفت، ولا تزال تستهدف هذا القطر العربي السوري، واستهدفت، ولا تزال تستهدف عروبة لبنان، وقوته، ومقاومته، واستهدفت، ولا تزال تستهدف عروبة فلسطين، وإصرار الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم التاريخية الثابتة في وطنهم فلسطين، واستهدفت، ولا تزال تستهدف وحدة العرب على كل أرض العرب.

   وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن الحلف المقدس الذي ألّف بين الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين، وغيرهم من العرب المقيمين في سوريا منذ عقود، ولأسباب مُختلفة، وألّف في الوقت نفسه بين كل هؤلاء من جهة، وبين إخوانهم السوريين بكل ألوانهم، وأديانهم، وأعراقهم، وأطيافهم، ومذاهبهم السياسية والاجتماعية.. هذا الحلف المقدس الذي ألّف بين كل هؤلاء، ووحّد صفهم قد ازداد قوة ومنعةً وإصرارًا على مواجهة كافة أشكال التدخل الخارجي في الشأن الداخلي السوري، وقد ازداد معه السوريون والعرب إصرارًا على حسم الأمور لصالح سوريا، ولصالح السوريين، ولصالح العرب المقيمين على الأرض السورية، ولصالح العرب المقيمين في أقطارهم وبلدانهم ممن تربطهم بسوريا وبالسوريين أواصر القربى والدم والتاريخ واللغة والهدف والمصير الواحد، وروابط العروبة والثقافة والأحلام والأمال والتطلعات والأماني والأهداف المشتركة، ولصالح الوحدة العربية الكبرى، والمشروع العربي الواحد الموحد على كل أرض العرب من المحيط إلى الخليج، ولصالح المشروع الإسلامي الحر المتحرر الرافض للتدخل الأجنبي، والهيمنة الأجنبية، والتبعية للغرب وأعوانه وحلفائه في كل ديار الإسلام في غرب الدنيا وشرقها.

    وقد لا يكون مخطئًا من يقول إن تركيا كانت ذات يوم مقرًّا للخلافة في عهد سلاطين بني عثمان، فأحببناها، ثم كثرت أخطاؤها، وأساءت التطبيق فعاتبناها، وعاقبتنا، وعاقبناها، وعاقبنا بذلك أنفسنا، وجنينا على ثوابتنا وعقائدنا، وعلى كثير من قناعاتنا، وحاولنا الإصلاح ما استطعنا... ثم كان ما كان من الأمور المؤلمة التي لا نحب أن نتوقف عندها، ثم دار الزمن دورته، وبدأت الأمور بالانفراج، وكان التحول الذي دخل معه الأمل قلوب كثير من الناس في هذه الديار، وفي كثير من ديار العروبة والإسلام.. ثم كانت زيارة أردوغان التي لا تنسى لسوريا قبل أيام من بداية الأحداث المؤلمة، وكان ما ترتب عليها من علاقات تجارية وغير تجارية،وكان ما أسفرت عنه من نتائج وإيجابيات وصفها أردوغان نفسه بأنها استراتيجية ثابتة متينة لا انفصام لها، ولقد فرحنا لذلك، وسررنا به، وفرح معنا أيضًا كثير من العرب، وكثير من المسلمين، وكثير من الأصدقاء والمحبين في هذا العالم.. ثم كان ما كان، وليت هذا الذي كان ما كان.. كانت الفتنة، وكانت الدماء، وكان العنف ، وكان العنف المضاد، وكانت الحرائق، وكان التخريب، وكان الخطف،وكان التنكيل، وكان التمثيل، وكانت الأحقاد، وكانت الفوضى، وكانت بحار الدم، وكان الرعب، وكان الخوف، وكان الجوع، وكانت الكوارث والمصائب والنوازل التي لم تدع أحدًا وشأنه، ولم تدع قرية وشأنها، أو أسرة وشأنها، أو حيًّا وشأنه.. لقد دفع السوريون من دمائهم وأعصابهم ثمن هذا كله، كما دفعت سوريا من زراعتها وصناعتها وتجارتها ومشاريعها ونفطها وخبز أبنائها ومدارسهم ثمن هذه الفتنة العمياء التي رماها بها الأغراب والأعراب على حد سواء.  

   واليوم، وبعد كل ما شهدته، وتشهده الديار السورية من تطورات وإيجابيات تبشر بانحسار الفتنة، وبعودة الأمور إلى نصابها،وتبشر بعهد جديد من الاستقرار والبناء والإعمار والإصلاح الذي تتوق إليه النفوس، وتهفو إليه الأفئدة، ينعقد هذا المؤتمر الذي يقول منظموه إنهم أصدقاء سوريا.. فمن هم أصدقاء سوريا؟ سؤال لا بد من الإجابة عنه حتى نكون جميعًا على بينة من أمرنا، وحتى لا نزيد من متاعب سوريا والسوريين، وحتى لا نزيد من متاعب لبنان وفلسطين، وحتى لا نزيد من متاعب كل العرب، وكل المسلمين الذين لا يريدون أكثر من عيش آمن كريم شريف، ولا يبحثون إلا عن استقلال ديارهم وعزتها، وحرية شعوبهم، ولا يفكرون بأكثر من السيادة على أرضهم، وحمايتها من طمع الطامعين، وعدوان المعتدين، ولا يحلمون بأكثر من وقف التدخل الغربي بشأنهم الداخلي، وبشأنهم العربي العربي، والعربي الإسلامي، والإسلامي الإسلامي.. إن كان هؤلاء الذين يشاركون اليوم في هذا المؤتمر هم أصدقاء لسوريا فليعملوا في الحال على وقف نزيف الدم، وليعملوا في الحال على عودة الأمور إلى نصابها، وليعملوا في الحال على كف أيديهم عن شعبنا العربي في سوريا، وليرفعوا أيديهم عن سوريا، وليعملوا من أجل حوار سوري سوري يتوصل من خلاله السوريون إلى حل عادل شامل لكل قضاياهم، ويتوصل من خلاله السوريون إلى سلم أهلي، ووحدة وطنية حقيقية يعمل السوريون جميعًا من خلالها لإعادة إعمار سوريا، وإعادة بنائها من جديد.. وإن كان هؤلاء المؤتمرون من أصدقاء سوريا والسوريين، ومن أصدقاء لبنان واللبنانيين، وفلسطين والفلسطينيين، وإن كانوا من أصدقاء العروبة والإسلام، والساعين لعزة العروبة والإسلام في كل ديار العروبة والإسلام فليقفوا إلى جانب العروبيين في سوريا، وليقفوا إلى جانب السوريين الذين يؤازرون لبنان وفلسطين والعراق وكل أحرار العرب، وليعملوا على كف أيدي هؤلاء وأولئك عن التدخل في الشأن العربي السوري، وليعلنوا من هناك، من اسطنبول، أنهم مع سوريا والسوريين، ومع وحدة الشعب العربي في سوريا، ووحدة الشعب العربي في بلاد الشام، ومع ثوابت هذا الشعب العربي وأمنياته وتطلعاته وتوجهاته في كل بلاد الشام، وليعلنوا بكل شجاعة أنهم قد أخطأوا بحق سوريا، وبحق بلاد الشام، وأنهم نادمون على ما فعلت أيديهم، وقالت ألسنتهم، وليطلبوا المغفرة من سوريا، فخير الخطائين التوابون، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

   إن الأوضاع في سوريا قد استقرت أو كادت، أو هي في طريقها إلى الاستقرار، وما على منظمي هذا المؤتمر من أتراك وغير أتراك إلا أن يثوبوا إلى رشدهم، ليكونوا أصدقاء حقيقيين لسوريا والسوريين، ولكل العرب الشرفاء على كل أرض العرب، عليهم أن يكفوا في الحال عن التدخل في الشأن السوري، لأنه لا يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح، ولأنه ليس من حق أحد أن يتدخل بهذه الطرق التي لا يقرها عقل أو تشريع أو خلق أو ضمير في الشأن الداخلي لسوريا، ولغير سوريا.. ليس من حق أحد في أقطار الجوار، وفي غير أقطار الجوار أن يتوهم أنه قادر على حصار سوريا، وإرغامها على السير في فلك التبعية لأعداء العروبة والإسلام من أغراب وأعراب.. خيرٍ لأردوغان ولحزبه أن يعود إلى صوابه، وأن يعمل من أجل بناء علاقة حسن الجوار التي كان قد بدأها مع القطر العربي السوري، وليعلم أردوغان أن كثيرًا من الأحزاب والقوى والحركات والجمعيات والشخصيات في تركيا لا ترى ما يراه، وهي تخالفه الرأي، وهي ليست مع هذا المؤتمر الذي يستضيفه على أرض تركيا، ويشارك فيه، وليعلم أردوغان أن أصدقاء سوريا لا يمكن أن يقفوا في معسكر أعدائها، وأن أصدقاء سوريا هم الذين يقيمون معها أحسن العلاقات، وأقوى الصلات، وأن أصدقاء سوريا هم أصدقاء لبنان العربي الحر المقاوم، وأصدقاء فلسطين، وأصدقاء كل بلاد الشام التي كانت ولاية في دولة الخلافة العثمانية ذات يوم.. وليعلم أردوغان أن العثمانيين لا يمكن أن يوافقوا على تقسيم هذه الولاية إلى مزيد من الدويلات والكيانات الهزيلة التي لا يحلم بها إلا أعداء تركيا، وأعداء سوريا، وأعداء العرب والمسلمين.. وليعلم أن العثمانيين أيضًا غاضبون ساخطون لما جرى في بلاد الشام على أيدي الغربيين الأوروبيين في أعقاب الحرب العالمية الأولى.. فما الذي يفعله أردوغان اليوم؟ ولماذا كل هذا التجييش على الحدود التركية السورية؟ ولماذا كل هذا الزيت والحطب على نار الفتنة التي يريدون بها إحراق وجه العروبة والإسلام في سوريا؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هدم آخر قلاع العروبة يا أردوغان؟ لماذا، ولمصلحة من كل هذه الفتاوى الصادرة عن بعض من يقال إنهم من علماء المسلمين بشأن سوريا والسوريين؟؟

    وبعد، فإن سوريا أولاً عصية على الكسر، وهي بمن فيها من سوريين ولبنانيين وعراقيين وفلسطينيين قادرة على التصدي لكل عناصر الفتنة ، وهي بمحبيها ومؤيديها والمؤمنين بسياستها في كل أقطار الجوار، وفي كل ديار العروبة والإسلام، وهي أيضًا بكل مؤيدي سياستها من القوى والدول الصديقة في هذا العالم قادرة على الخروج من كل هذه الأزمات التي يفتعلها كثير من الأعراب لخدمة الأغراب في هذه المنطقة من العالم.. وعليه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وإن الرجوع إلى الحق في حد ذاته فضيلة، وإن الحوار هو أفضل السبل وأقصرها لتحقيق الأهداف والغايات، والخروج من الأزمات، ووضع حد لكل هذه المآزق والتوترات والتشنجات التي لا يفيد منها إلا كل أعداء العروبة، ولا يشعل فتيلها إلا الطامعون الحالمون الواهمون المتحالفون مع ألد أعدائها، وكما انتصرت سوريا عبر التاريخ في كل مواجهاتها وحروبها ومعاركها، فإنها ستنتصر اليوم، وستمضي بقوة وعزة وعزيمة وثبات تصنع التاريخ لأقوام يراد لها أن تكون خارج التاريخ.

29/3/2012

       

السبت، ٢٤ آذار ٢٠١٢

لا.. يا شيخَنا..!!

متابعات

لا.. يا شيخَنا..!!

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

   عرفناك طالبًا جادًّا متفوقًّا، وإنسانًا عصاميًّا شق طريقه في هذه الحياة بقوة وثقةٍ وإصرار.. عرفناك مثقّفًا يهوى المعرفة، ومدرِّسًا ومعلمًا ناجحًا، وعالمًا عاملاً أفنى عمره في خدمة الأجيال.. عرفنا فيك كل هذه المزايا فأكبرناك.. وعرفنا فيك غيرتك وحرصك على هذه الأمة، وعلى هذا الدين فاحترمنا فيك هذه الغيرة، وأكبرنا فيك هذا الحرص.. وكنت سندًا ونصيرًا لقضايا العروبة والإسلام، ولمبادئ الحق والخير والعدل، ففزت بمحبة العرب والمسلمين، وأصبحت رمزًا من رموز هذه الأمة، وقلعةً حصينةً من قلاعها، وكنت صوتًا مجلجلاً يدعو إلى الله بإذنه، وينادي هذه الأمة ويستنهضها لتستفيق من غفلتها، وتنهض من مرقدها، وتصحو من سباتها، فكان لك في قلوبنا وعقولنا موقعٌ وأي موقع، وكان لك، مع صحبك، في قلوبنا مكانةٌ لا تدانيها مكانة، ولا عجب، فعامة الناس، والمنصفون منهم، يعرفون لذوي الفضل فضلهم، وعامة الناس، والمنصفون منهم، لا ينسوْن بل يذكرون.. وعامة الناس أيضًا يغفرون ويسامحون ويغمضون العيون على القذى.. ولكنهم يحاسبون بعد ذلك، وقد يكون الحساب يسيرًا، وقد لا يكون.. وعامة الناس تقول كلمتها في العالِم الذي تكثر أخطاؤه أو تقل إلى أن يتراجع عنها، ويعود إليه رشده وتوازنه واتزانه، كما تقول كلمتها في السلطان الجائر حتى يعود إلى جادة الحق والعدل والصواب.. وعامة الناس، أو القاعدة الشعبية في مصطلح هذا الزمان هي التي تحاسب الحكام، وهي التي تحاسب العلماء إن لم يحاسبوا الحكام، وإن لم يلزموهم بالاستقامة والنزاهة في الحكم، والشفافية التي تميز العلاقة بين الراعي والرعية.. وعامة الناس، أو القاعدة الشعبية ممثلةً فيما يسمى اليوم "مجلس الشعب" أو غير ذلك من الأسماء والمسميات هي صوت الأمة، وهي سوطها الذي تجلد به ظهور خصوم الحق والعدل من حكام الأمة، ومن علمائها الذين يهادنونهم ويمالئونهم ويساعدونهم على باطلهم، ويسوغون لهم ارتكاب الآثام والمعاصي، واقتراف الذنوب، وممارسة الأخطاء والخطايا بحق الأمة، مهما كان شكل هذه الأخطاء، وحجم هذه الخطايا.. فالسلطة في الإسلام للشعب، والسيادة فيه للشرع، وأنتم أدرى بهذا كله من غيركم يا شيخنا.

   حج هشام بن عبد الملك، فقال ائتوني بصحابيٍ أو تابعي، فأتوه بطاووس اليماني.. دخل طاووس، وجلس إلى جانب الخليفة الأموي الذي ظهر عليه الغضب، ثم نظر إلى طاووس معاتبًا، وهو يقول: لقد خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلّم علي بأمير المؤمنين، ولم تكنّني، بل قلت كيف أنت يا هشام.. قال طاووس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أردتم أن تروا رجلاً من أهل النار فانظروا إلى رجلٍ جالس، وحوله قومٌ قيام".. وأما خلع نعليَّ بحاشية بساطك، فإنني أخلعهما بين يدي رب العزة يوميًّا خمس مرات، ولا يغضب مني، ولا يعاتبني!! وأما قولك إنني لم أسلم عليك بأمير المؤمنين، فليس كل المؤمنين راضيًا عن إمارتك، وقولك: "لم تكنّني، فإن الله تعالى كنّى أعداءه، ونادى رسله بأسمائهم... فبكى هشام، وقال: عِظني يا طاووس!! فقال طاووس: إنني سمعت عليّاً بن أبي طالب يقول: إن في جهنم حيّاتٍ وعقارب كالجمال تلدغ كل راعٍ لا يعدل في رعيته... هذا ملخص ما جرى بين هشام الخليفة الأموي وطاووس اليماني، وليعذرني القارئ إن وجد شيئًا من خلافٍ في النص، وفي الحوار الذي جرى بين الرجلين، فالعبرة في المعنى، والعبرة في إبراز الجرأة التي تحلى بها طاووس، والعبرة في مواقف علماء السلف الصالح من الحكام، وكيف كانوا سيوفًا مشرعةً على رقابهم، لا سياطًا وسيوفًا في أيديهم يجلدون بها الرعية، ويجِزّون بها رؤوس من يخالفهم الرأي من الناس.. وإذا كان هذا ملخص ما جرى هنا، فإن تاريخ هذه الأمة حافلٌ بالمواقف التي تشهد لأولئك العلماء بالنزاهة والاستقامة والجرأة والحرص على قول كلمة الحق عند السلطان الجائر.. وإن تاريخ هذه الأمة يشهد على حرص علمائها على قول كلمة الحق.. وتاريخها يشهد على أن فترات الضعف والمذلة والهوان التي كانت تنتاب هذه الأمة من حينٍ لآخر كانت بسبب انحراف الحكام، وتقصير العلماء، واستكانة الأمة.

   من المؤلم - يا شيخنا- أن يحل بهذه الأمة في هذه الأيام كل هذا الهوان، وكل هذا الضعف والتشرذم والانقسام.. ومن المؤلم – يا شيخنا- أن تحل بهذه الأمة في هذه الأيام كل هذه المآسي، وأن تجري أنهار الدماء في ساحاتها وأحيائها، وفي مدنها وقراها ومضارب خيامها، ومن المؤلم – يا شيخنا- أن يكون في هذه الأمة كل هؤلاء الفقراء والجياع والمرضى والأميين والمشردين والمنحرفين الضالين الأشقياء الهائمين على وجوههم في مهامه الجهل والجهالة والضلالة والبطالة والضياع، ومن المؤلم – يا شيخنا- أن تعصف بهذه الأمة في مختلف أقطارها وأمصارها هذه الطبقية البغيضة، وأن تتجمع الثروة في كل بلاد العرب في يد قلة قليلة لا تحسن استعمالها، ومن المؤلم – يا شيخنا- أن نجد الغالبية الساحقة من أقطار العروبة والإسلام رازحةً تحت نير الاستعمار والاستعباد والتبعية لكل أعداء هذه الأمة الوالغين في دماء أبنائها، ومن أكثر من مؤلم – يا شيخنا- أن يهادن كثيرٌ من علماء هذه الأمة قادة هذه الأقطار ممن يفتحون بلادهم بدون أدنى تحفظ أو تردد أمام الشركات الأجنبية، والاستثمارات الأجنبية، والنفوذ الأجنبي، وكافة أشكال التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي العربي، وفي الشأن الخارجي العربي، وفي الشأن العربي العربي بكل أبعاده وأشكاله ومضامينه، حتى غدا هؤلاء الأجانب وكأنهم أصحاب البلاد الشرعيون، فهم الذين يقررون سياساتها، ويرسمون هذه السياسات في كافة المجالات والاتجاهات والتوجهات، ومن المؤلم – ياشيخنا- أن تتركز جهود هؤلاء السياسيين في كثيرٍ من أقطار العروبة على شن الحرب الظالمة على بعض أقطار العروبة ممن تعرفون ونعرف ويعرف العالم بأسره أنها – على علاتها- أفضل بكثير من هذه الأقطار التي تناصبها العداء، وتشُنُّ عليها كل هذه الحرب الظالمة المدمرة.. من المؤلم – يا شيخنا- أن يقف كثيرٌ من علماء المسلمين إلى جانب هؤلاء الحكام الفاسدين المفسدين، وإلى جانب أجهزة الإعلام الكاذبة التي تروج لتوجهات هؤلاء الحكام في عدوانهم وتجنيهم وافتراءاتهم وممارساتهم التي لا تخدم إلا ألدّ أعداء العروبة، وألدّ أعداء الإسلام، وألدّ أعداء لبنان وفلسطين والعراق.. من المؤلم – يا شيخنا- أن يقف بعض علماء المسلمين إلى جانب هذه الفتنة الكبرى التي تستهدف بلدًا عربيًّا يدعم المقاومة ويدعم الممانعة، ويعلم كل أبناء العرب المقيمين على أرضه تعليمًا مجانيًّا حتى الحصول على الدكتوراة، ويعالج كل العرب المقيمين فيه مجانًا حتى زراعة الأعضاء.. من المؤلم – يا شيخنا- أن نسمع كل ما نسمع عن تغذية كل هذه الفتن الطائفية والمذهبية التي ستحرق الأخضر واليابس في كل بلاد العرب إن هي انفلتت من عقالها، وإن لم يبادر العقلاء من أبناء هذه الأمة، ومن علمائها، ومن قادتها إلى لجمها ووأدها، وإن لم تبادر هذه الأمة إلى ردع هؤلاء المعتدين، والضرب على أيديهم للكف عن فسادهم وإفسادهم وتآمرهم على هذه الأمة.

   كنا ننتظر منكم، يا شيخنا، ولا نزال، أن تقفوا إلى جانب الحق والعدل، وإلى جانب كافة القوى العربية المساندة للعروبيين الشرفاء المطالبين بالوحدة العربية، وبالتحرر العربي، وبالمحافظة على أقطار هذا الوطن العربي من طمع الطامعين، وعبث العابثين، وعدوان المعتدين.. كنا ننتظر منكم – يا شيخنا- أن تقفوا إلى جانب الحق العربي في فلسطين، وإلى جانب كل العاملين من أجل نصرة الأقصى والقدس، ومن أجل ثوابت الفلسطينيين، ووضعها موضع التنفيذ، وكنا ننتظر منكم أن تؤازروا كل العاملين في لبنان من أجل عزة هذا القطر العربي الذي لا يمكن أن تكون له حياة إذا فصل عن أمه، ولا يمكن أن يحميه من أطماع الطامعين وعبث العابثين إلا التصاقه العضوي بالأم التي فصلوه عنها ذات يوم!! إن هذا البلد الذي تحاربونه يا شيخنا هو البلد العربي الوحيد الذي يقف إلى جانب لبنان، ويقف إلى جانب فلسطين، وأنتم تعرفون هذا جيدًا يا شيخنا.. فلماذا الانحياز، ولماذا التحامل، ولماذا الوقوف في صفوف المعتدين على حقنا العربي في فلسطين؟ ولماذا الوقوف في صفوف المعتدين على لبنان والطامعين فيه؟ لماذا كل هذه الفتاوى التي لن تجرَّ على هذا الوطن العربي سوى مزيدٍ من الويلات والكوارث والانقسامات وشلالات الدماء والحروب الأهلية؟ لماذا هذه الفتاوى التي نحن في غنًى عنها، لأننا لا نريد مزيدًا من الانقسام، ولا نريد مزيدًا من الحروب الأهلية، ولا نريد مزيدًا من التمزق والتفتت والتشرذم، ولا نريد مزيدًا من التبعية للأجنبي.. لماذا هذه الفتاوى التي ليس لها أدنى سند من كتابٍ أو سُنة؟؟ وليس لها أدنى سند من فكرٍ قويم، أو عقلٍ سليم، أو أدنى تدبرٍ في عواقب الأمور؟؟

   كنا ننتظر منكم، يا شيخنا، ولا نزال أن تسارعوا إلى عقد راية الصلح والإصلاح بين كل الأشقاء المحتربين على الساحة العربية، وكل الأشقاء المقتتلين على الساحة الإسلامية.. كنا، ولا نزال، ننتظر منكم أن تقفوا إلى جانب وحدة الصف، ووحدة الهدف، وأن تقفوا إلى جانب التقريب بين وجهات النظر بهدف احتواء الأزمات، وإطفاء الحرائق، وتجنيب البلاد والعباد حروبًا طاحنةً قد لا تبقي، وقد لا تذر.. ليس من مصلحة أحدٍ في هذه الديار العزف على وتر سني وشيعي، فهذه نغمة نشاز مجها الذوق العربي، وكرهها المسلمون الشرفاء الذين يدعون إلى وحدة المسلمين، وإلى قوتهم، وإلى خلاصهم من ربقة الأجنبي، ومن احتلاله وتدخلاته في الشأن الإسلامي، وفي الشأن العربي.. فهل بعد ذلك كله نسمع في هذا الوطن من يدعو إلى إذكاء نار الفتنة؟ وهل نسمع بعد كل هذا من يعزف على نغمة سني وشيعي؟ لا يا شيخنا.. فليس من هذه الأمة من يعمل على هلاكها، وبيعها للأجنبي.. كلنا عرب، وكلنا مسلمون، وكلنا مواطنون صالحون أحرار وحدويون مقاومون في كل ديار العروبة والإسلام.

21/3/2012

 

 

الخميس، ٢٢ آذار ٢٠١٢

الجامعة العربية .. في عامها السابع والستين!!

 

متابعات

الجامعة العربية .. في عامها السابع والستين!!

أ‌.      عدنان السمان

    www.samman.co.nr

    في الوقت الذي تبحث فيه الأمم والشعوب في هذا العالم عن وسائل تحقق بها وبوساطتها أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي الوقت الذي تقوم فيه التكتلات والتحالفات سرًّا وعلانية بين كثير من الدول في هذا العالم، وفي الوقت الذي تُعقد فيه الاتفاقات بين هذه الدول لتحقيق مزيد من الأهداف المادية والمعنوية لشعوبها ورعاياها على المستويات المحلية والإقليمية والدَّولية، وفي الوقت الذي أصبحت فيه كل دول العالم تبحث عن مصالحها وأهداف شعوبها في التقدم، والرِّفاء، والازدهار، والخلاص، من المشكلات والأزمات والتحديات، نجد كثيرًا من الدول في هذا العالم تعيش أحوالاً سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية متردية.. في الوقت الذي تعاني فيه الغالبية العظمى من شعوب هذه الدول صنوفًا من الفقر والجهل والمرض والتخلف والضَّياع، وفي الوقت الذي تخضع فيه تلك الشعوب لألوان شتى من التعسف والظلم والاضطهاد، وصور لا تكاد تُحصى من التحكم والاستعباد والاستبداد.

    ليس من السهل أن تلمّ مراكز الدراسات والبحوث بآلام الأمة العربية، ومشكلات شعوبها، على الرغم من كل هذه الثروات الطائلة التي تحظى بها كل أرض العرب.. والسبب أولاً وقبل كل شيء يكمن في تمزق العرب وانقساماتهم وتشرذمهم وخصوماتهم وتبعيتهم للأجنبي الذي ينهب ثرواتهم، ويتحكم في اقتصادياتهم، الأمر الذي انعكس سلبًا على العرب والعروبة والشعوب العربية ودول العرب، بل وعلى المسلمين والعرب الذين يبلغ تعداد دولهم نحو ستين دولة! وتبلغ مساحة أرضهم أكثر من عشرين مليون ميل مربع يعيش عليها نحو مليار ونصف المليار من البشر، ولكن هذا كله لم يشفع لشعوب هذه الأمة، وَلم يَحُلْ دون تبعيتها للغرب بطرق مختلفة منها الاحتلال، ومنها هذه المنظمات والجمعيات والتنظيمات التي أقامها الاستعمار الغربي ليحكم بها وعن طريقها شعوب هذه الأمة ودولها... ومن  هذا على سبيل المثال لا الحصر هذه الجامعة العربية التي تأسست في الثاني والعشرين من آذار من عام خمسة وأربعين وتسعمئة وألف، وهي - كما جاء في ميثاقها – منظمة دولية مقرها القاهرة، وغايتها: " توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية تحقيقًا للتعاون فيما بينها، وصيانةً لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد ومصالحها" و" التعاون في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية"، والتي وقعت ميثاقها  كل من مصر والعراق والأردن واليمن وسوريا ولبنان والسعودية، وانضمت إليها ليبيا عام ثلاثة وخمسين وتسعمئة وألف، كما انضم إليها السودان عام ستة وخمسين، أما المغرب وتونس فقد انضما عام ثمانية وخمسين ، وانضم إليها الكويت عام واحد وستين، والجزائر عام اثنين وستين، وجمهورية جنوب اليمن الشعبية (التي توحدت مع اليمن لاحقًا) عام ثمانية وستين ، والبحرين (مملكة البحرين) وقطر وعُمان واتحاد الإمارات العربية عام واحد وسبعين.

    ولهذه الجامعة ميثاق يشتمل على عشرين مادة، وثلاثة ملاحق يتعلق أولها بفلسطين، والثاني بالدول غير المشتركة في هذه المنظمة، والثالث بالأمين العام وتعيينه.. وتتكون الجامعة من "مجلس الجامعة" المؤلف من جميع البلدان العربية المشتركة، و"اللجان الدائمة"، و"الأمانة العامة".. ولقد ساعدت الجامعة بلدانًا عربية كثيرة لنيل "استقلالها" مثل ليبيا، ومراكش، وتونس والجزائر. ولا أدري يقينًا كم يبلغ عدد الدول الأعضاء في هذه الجامعة العربية، وإن كنت أسمع ممن يعنيهم الأمر أن عددها اليوم هو اثنتان وعشرون دولة.

    لا بد – ونحن نستعرض تاريخ الجامعة العربية – من القول إن هذه الجامعة التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي كان لبريطانيا، وللسير أنتوني إيدن بالذات الدور الأكبر في تشكيلها، إنما أقيمت لضرب الوحدة العربية، وتكريس القطيعة والانقسام على الساحة العربية، وتعميق الانقسامات والخلافات بين العرب في مختلف أقطارهم وأمصارهم.

    إن اسم هذه الجامعة – جامعة الدول العربية – يدل دلالة قاطعة على افتراض وجود دول كثيرة على الأرض العربية في الوقت الذي كانت فيه بلاد العرب لا تشكّل أكثر من بضع ولايات في دولة الخلافة العثمانية، ولم تكن أكثر من جزء من دولة الإسلام في زمن الخلافة العباسية التي اتخذت من بغداد عاصمة لها، وكذلك في زمن بني أمية عندما كانت دمشق عاصمة الدنيا بأسرها... هذه الجامعة العربية التي تضم اليوم اثنتين وعشرين دولة إنما أقيمت عام خمسة وأربعين من القرن الماضي لتمزيق البلاد العربية، وإقامة كيانات سياسية كثيرة في بلاد العرب يجمع بينها أنها تابعة للغرب، وأنها كيانات هزيلة لا تملك من أمر نفسها شيئًا إلا بمقدار ما يسمح به السادة الكبار في عواصم الغرب... وإن اسم  هذه الجامعة – جامعة الدول العربية- يشير صراحة إلى أن عدد هذه الدول المشتركة فيها قابل للزيادة مع الأيام، فدول العرب يمكن أن يزداد عددها بالفوضى الخلاّقة والاحتلال والانقسامات التي تشهدها الأرض العربية، والمنطقة العربية.. وهذا منوط برغبة الدول الأعضاء فيها، وهو عائد إلى طبيعة اتخاذ القرار فيها وهو الإجماع، هذا القرار الذي تحاول دول عربية كثيرة استبداله بالأكثرية بعد أن فشلت في تحقيق الإجماع على بعض مطالب الغرب، ثم سكتت تلك الأصوات المطالبة باعتماد الأكثرية بعد أن أوجد الغرب حلاًّ لهذه المشكلة باللجوء إلى احتلال هذا البلد أو ذاك، وتشكيل حكومة أو حكومات موالية لسياسته فيه، وبهذه الطريقة يمكن حل المشكلة، ويمكن توفير غطاء قانوني لمطالب الغرب في ديار العرب، ويمكن اعتبار جامعة الدول العربية في نهاية المطاف جامعة لكل دول المنطقة التي لا بد من توحيدها باسم دول الغرب، ولا بد من تجنيدها لخدمة أهداف تلك الدول ومصالحها.

    ولئن فعل الغرب ما فعله بهذه الديار انطلاقًا من مصالحه في بلاد العرب، وبعد مؤتمرات واتفاقات منها مؤتمر سان ريمو الذي عُقد في هذا المرفأ الإيطالي في الخامس من أيار من عام عشرين وتسعمئة وألف لدرس قضايا الانتداب والبترول في الشرق الأوسط، وتقرر فيه تقسيم البلاد العربية، ووضعها تحت الانتداب على أن يكون لبنان وسوريا لفرنسا،  والعراق وفلسطين لبريطانيا... ومنها اتفاق سايكس بيكو سيء الصيت؛ فإن الغرب مستمر في سياساته الرامية إلى الإمعان في فرض السيطرة على الوطن العربي، والإمعان في تقسيمه، وتفتيته، وتجزئته بقدر المستطاع، والإمعان في إخضاع جامعة الدول العربية لرغبة الغرب ومخططاته الرامية إلى مزيد من السيطرة على أرض العرب...

   إننا في هذه الأيام التي تصادف ذكرى تأسيس الجامعة العربية لنسأل: إلى متى ستبقى هذه الجامعة أداة في يد الغرب؟ وإلى متى ستبقى رمز قطيعة وتفكك؟ وعنوان تبعية وتمزّق وانهيار؟ وإلى متى ستبقى الدعوة إلى وحدة العرب، وقيام الدولة العربية الكبرى على كل الأرض العربية دعوة يحاسب عليها القانون؟؟ إلى متى ستبقى هذه الجامعة وسيلة من وسائل خضوع هذه الأمة العربية للأجنبي في الوقت الذي يستطيع فيه العرب أن يتخذوا من هذه الجامعة نفسها وسيلة قوة، ووسيلة عزة، ووسيلة وحدة، ووسيلة تقدم وازدهار وبناء لكافة شعوب الأمة العربية؟؟

    وإننا في هذه الأيام التي تصادف الذكرى السابعة والستين لميلاد هذه الجامعة العربية لنؤكد أن العرب قادرون على تحويل هذه الجامعة العربية إلى جامعة حقيقية للعرب، توحّد ولا تفرّق، تبني ولا تهدم.. جامعة تعمل من أجل إعمار الوطن العربي وازدهاره ورفعته وتقدمه واستقلاله وتطويره .. جامعة حقيقية فاعلة تصنع الإنسان العربي الجديد، والنظام العربي السياسي الجديد الذي يحترم نفسه، ويحترم الإنسان، ويحترم حق هذه الأمة العربية العظيمة في العيش باحترام، وكرامة، وعلى قدم المساواة بين أمم هذا العالم.

  بعد سبعةٍ وستين عامًا على تأسيس هذه الجامعة العربية نجدُ أنها قد أخذت تُسفر عن وجهها، ولا تكاد تخفي تبعيتها للغرب بعد أن تمكّنت هذه الأنظمة المتخلفة التابعة صراحةً للغرب من حسم الأمور لصالحها، وبعد أن سيطرت هذه الأنظمة على مجلس هذه الجامعة.

   وبعد سبعةٍ وستين عامًا على تأسيسها نقول: بإمكان هذه الجامعة أن تكون عامل وحدة وبناء وإعمار وتقدم لأمة العرب على كل أرض العرب إذا هي أخذت العبرة والدرس المستفاد من هذه الهبّات الشعبية، وموجات الغضب والاستنكار التي تجتاح كثيرًا من أوطان العروبة، وإذا استوعب من يعنيهم الأمر فيها أن الاستجابة لرغبات الشعوب في التحرر والوحدة والعيش الكريم خيرٌ من التمادي في الباطل، وخير من الاستمرار في سياسة الغش والخداع، وركوب الأمواج، وخلط الأوراق، ودفن الرؤوس في الرمال، وإغراق هذا الوطن العربي _راغمًا_ في بحور من الدم،  والقذف به وبالعرب أجمعين في غياهب المجهول، وظلمات تجارب رهيبة قد لا تُبقي وقد لا تذَر.

22/3/2012

الأربعاء، ٢١ آذار ٢٠١٢

تحية إلى الأمهات في عيدهنّ...

متابعات       

تحية إلى الأمهات في عيدهنّ...

أ/ عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لا يكفي أن يكون الإنسان أبًا أو أمًّا كي ينحني له الناس إجلالاً واحترامًا، بل لا بد لهؤلاء الآباء والأمهات من بذل كل جهد مستطاع في سبيل تربية أبنائهم، وتعليمهم، وتهذيبهم، والدفاع عن مكتسباتهم وحقوقهم الاجتماعية، والسياسية، والإنسانية.. لا بد من حماية هذه الحقوق التي نصت عليها كل شرائع السماء، وكل قوانين العدل، وكافة تشريعات المجتمع الدولي، وعلى رأسها حقوق الأطفال في العيش والأمن والاطمئنان والحرية والعلم والمعرفة والعلاج والرعاية الجسدية والنفسية.. هذه الحقوق التي ينبغي أن توفرها الحكومات كاملة غير منقوصة؛ فإن لم تفعل أصبح من واجب الآباء والأمهات أن يكافحوا من أجل توفيرها، وأن يناضلوا من أجل وضعها موضع التنفيذ... كل الاحترام لمسيرة تطالب باحترام حق الأطفال في الحياة، وكل التحية لخيمة اعتصام يطالب منظّموها بتوفير الغذاء والألعاب والأمان للأطفال، وكل المساندة والمؤازرة لمؤتمر يطالب فيه الآباء والأمهات باحترام حق أبنائهم المقدس في التحصيل العلمي والمعرفي والثقافي، وفي حقهم المقدس أيضًا في الرعاية الصحية، وفي العلاج بكل أشكاله وصوره، وفي الحماية بكل مضامينها ومعانيها ... أقول هذا وأقول غيره في عيد الأمهات كي نفعل شيئًا من أجل أطفال هذا الوطن، وكي تبذل الأمهات مزيدًا من الجهد من أجل حاضر أطفالهنّ ومستقبلهم الذي لا يمكن أن ينفصل عن حاضر الوطن ومستقبله.. وكي يبذل الآباء أيضًا مزيدًا من الجهد في هذا الاتجاه حمايةً لأطفالهم، ورعايةً لحقهم المقدس في الأمن والأمان والحرية.

    ليس شرطًا أن تدافع الأمهات عن حقوق أطفالهن الذين أنجبنهم فقط، بل ينبغي أن يدافعن عن حقوق الأطفال الذين لم ينجبنهم، بمعنى أن يحظى الأطفال كافة برعاية الأمهات واهتمامهنّ كافة، لا أن تهتم الأم بأطفالها وتنسى الآخرين، لأن هذا يعني أن لا نجد من يهتم بهؤلاء الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم وآباءهم، وأطفال الأسيرات والأسرى، والشهداء يُضاف إليهم  هؤلاء الأطفال الذين لا تقوى أمهاتهم على القيام بالواجب تجاههم لهذا السبب أو ذاك... إن أحدًا لا يطالب الأمهات بالحلول محل أمهات أولئك الأطفال، ولكن المقصود بالكلام هنا أن يحظى هؤلاء الأطفال باهتمام الأمهات في جمعياتهنّ ومؤتمراتهن وأنشطتهن وهنّ يعالجن قضايا مجتمعهنّ ومشكلاته، المقصود أن تحظى الطفولة باهتمامنا ورعايتنا، وأن يحظى الأطفال دون استثناء بالرعاية الاجتماعية والمجتمعية في إطار من التضامن والتعاون والتكافل الاجتماعي والأسري... صحيح أن هنالك وزارات ودوائر متخصصة لتوفير الرعاية لهؤلاء الأطفال موضوع الحديث هنا، وصحيح أن لهم مدارسهم وجمعياتهم وعائلاتهم التي تهتم بهم، وترعى مصالحهم وأحوالهم، أو هكذا يجب أن يكون، ولكن صحيح أيضًا أن مجال العمل التطوعي، وفعل الخير، والخدمة الاجتماعية والمجتمعية، والسهر على الأطفال والاهتمام بهم لا حدود له... وعليه فقد بات من الضروري بذل مزيد من الجهد والعمل في هذا الاتجاه، ولا سيما في هذه المرحلة البالغة الصعوبة التي يعيشها مجتمعنا وشعبنا منذ أمد بعيد.

    إننا، ونحن نحيي في هذا اليوم عيد الأمهات، لنعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء لنقول إن هذا اليوم في مضامينه ومحتوياته هو أقرب إلى يوم عيد للأسرة بكل أفرادها، وعلى رأسهم الأم التي يعترف بفضلها أفراد الأسرة كافة، لقد كان هذا اليوم فيما مضى من أيام يسمى عيد الأسرة، هذه النواة الصلبة التي يقوم عليها هذا المجتمع في تماسكه وتعاطفه وتعاضده وتكافله.. وإذا كانت الأم نصف المجتمع؛ فإن الأسرة هي أساسه وعماده الذي لا يكون هنالك مجتمع بدونها.. وهذه هي المجتمعات الغربية التي انهار فيها كيان الأسرة تشهد من الانهيار الاجتماعي، والتحلل القيمي والأخلاقي ، والتشرد والضَّياع والانحرافات والأمراض ما تعجز الأقلام عن وصفه.. فلنعتبر، ولنتمسك - رغم كل المعاناة والقهر والجوع – بأسرتنا التي هي سرّ قوتنا وبقائنا.

    وإذا كان عيد الأمهات هذا أقرب في مضامينه ومحتوياته ومعانيه إلى يوم عيد للأسرة التي هي نواة المجتمع فإن عيد الأمهات هذا هو إلى الديني أقرب منه إلى سواه؛ ففي الاجتماعي مثلاً قد ينتهي الأمر بإدخال هذه الأم أو تلك أحد ملاجئ العجزة إن قررت كنّتها ذلك، وقد ينتهي الأمر أيضًا إلى ما هو أسوأ من هذا.. ولكن في الديني تختلف الحال حيث الأمر الإلهي الصريح " وبالوالدين إحسانا" وحيث الأمر الإلهي الصريح " فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما" وحيث الأمر " وقل لهما قولاً كريمًا" وحيث الأمر " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" وحيث الأمر بذكر فضلهما، والترحم عليهما " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا" في الديني لا تكون نهاية الأم بأي شكل من الأشكال في ملجأ للعجزة، ولا تكون نهايتها في أيام ضعفها كما نرى ونسمع من الإهانات والاعتداءات التي تقشعر لها الأبدان.. في الديني هي مسئولية الدولة أولاً، وهي في كنف أبنائها وحماهم.. وهي في كنف أبناء أبنائها مهما بلغت من العمر، ومهما طال بها الأجل.

    بقي أن أقول في عيد الأمهات هذا إننا ملزمون باحترام الأمهات، وبالقيام بواجباتهن ليس فقط في هذا اليوم الحادي والعشرين من آذار من كل عام، بل على مدار العام... وبقي أن أقول أيضًا إن من بين الأمهات اللواتي نحتفل بهن في هذا اليوم، ونتقدم منهن بأسمى آيات المحبة والتقدير والعرفان والامتنان أمهات لم يتزوجن، ولم ينجبن، وأمهات تزوجن ولم ينجبن ، ولكنهنّ أمهات بأعمالهنّ الرائدة، وخدماتهن العظيمة التي قدمنها للأمة، وللأجيال، ولطلبة العلم، ولأسر الشهداء، وللجمعيات الخيرية، وللمشافي، ولليتيمات والأيتام، إنهن أمهات بكل ما تحمله هذه الكلمة من عظيم المعاني... الأم في كثير من الأحيان ليست هي التي تنجب، ولكنها التي تربي، وتخدم، وتصنع الإنسان العظيم... قد تنجب الأم طفلاً أو أطفالاً تجني عليهم بقصد أو بدون قصد، عن وعي أو بدون وعي.. وقد تتبنى هذه السيدة طفلاً أو أطفالاً لم تنجبهم، وتصنع منهم قادة ومعلمين وأعلامًا يشار إليهم بالبنان.. وقد تتبنّى هذه السيدة أو تلك مجتمعًا أو مجتمعات بما تقدمه من خدمات ومعلومات ومعارف ... تحية إلى هذه الفئة من الأمهات.. وتحية إلى كل الأمهات في عيد الأمهات.

(12/3/2012)