عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الخميس، ٨ كانون الأول ٢٠١١

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان.. وذكرى حق العودة

متابعات
في اليوم العالمي لحقوق الإنسان.. وذكرى حق العودة
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
    يصادف هذا اليوم العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ما اصطلح المجتمع  الدولي في أجندته السياسية والاجتماعية والإنسانية على تسميته باليوم العالمي لحقوق الإنسان.. ولعلّ من المناسب جدًّا هنا أن يُشار إلى أن هذا المجتمع الدولي كان موفقًا في اختيار هذا التوقيت قبل يوم واحد من ذكرى القرار (194) الصادر في الحادي عشر من شهرنا هذا، والقاضي بوجوب عودة اللاجئين والمهَّجرين الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم في العام ثمانية وأربعين  وتسعمائة وألف ليبلغ تعدادهم اليوم وبعد أكثر من ثلاثة وستين عامًا على النكبة  ستة ملايين لاجئ ومهجَّر تعيش غالبيتهم العظمى هنا على أرض الوطن، وأقطار الجوار، في محيط لا يتجاوز مداه عن مدنهم وقراهم مئة ميل بلغة الأبعاد والمسافات، ولا يستغرق أكثر من ساعة في حساب الزمن بلغة الدقائق والساعات!!
    في اليوم العالمي لحقوق الإنسان يُنكَّل بالبشرية، وتُذَلّ وتُهان في كثير من الأقطار والأمصار والبلدان.. وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان تطفو على السطح قضايا  اللاجئين والمهجَّرين والأسرى والمعتقلين السياسيين والإداريين.. كما تطفو على هذا السطح الأسود قضايا الهيمنة والاحتلال والاضطهاد، والتمييز العنصري، والفقر، والجوع، والأمية، والمرض، والتخلف، والرق، والاستبداد، والتحكم برقاب الناس، وأرزاقهم، وضرب رقابهم، ومصادرة قرارهم وإرادتهم.. وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان تُحتلُّ كثير من الأوطان، وتُقمع شعوب، وتُضطهد أمم، وتسود الكون، وتنتشر فيه مع الأسف الشديد مجتمعات الأسياد والعبيد!!
    وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان يستبد الفساد بهذا الكون الذي يتكاثر فيه الفاسدون والمفسدون بشكل غير مسبوق.. وتصرخ على لوحات إعلانات الحوادث وكبار الأحداث فيه صورٌ رهيبة تقشعرّ لهولها الأبدان من شتى ألوان الجريمة المنظمة، وتلك العشوائية.. مئات الأعمدة في الصحف اليومية والأسبوعية في هذا العالم تروي آلافَ الحوادث والجرائم والموبقات التي اقتُرفتْ في هذا الكون بحق أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وفقراء وضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا ولا نفعًا.. ومئات العناوين في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تتحدث يوميًّا عن القتل، والسلب، والنهب، والإحراق، والإغراق، والاغتصاب، وقضايا  التشرد والتمرد والعقوق والجنوح والمخدرات.. وقصص وحكايات لا يكاد يصدّقها العقل عن ألوان من الظلم والاستبداد والقهر والعدوان ما أنزل الله بها من سلطان!!
    وإذا كان المجتمع  الدولي في هذا اليوم يَحتفل بالإنسان وحقوقه، فقد احتفل قبل ذلك بيوم الأسرة العربية، وبيوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وباليوم العالمي للمعاقين، وباليوم العالمي لإلغاء الرق، وكان قد احتفل قبل ذلك باليوم الدَّولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وباليوم العالمي للطفل، وبيوم التصنيع في إفريقيا!! وسيحتفل بعد ذلك بكثير من المناسبات والعناوين المثيرة التي تشتمل عليها أجندته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية دون أن تحقق البشرية أدنى نفع من هذا كله!! بل إن الرياح قد جرت في تلك الأيام بما لا تشتهي السفن: ففي يوم الأسرة العربية تجري محاولات جادّة لتفكيكها، وإفقارها، ونشر المخدرات بين صفوف أبنائها... وفي يوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية سجّلت شعوب هذا العالم مزيدًا من البِطالة والفقر والتناحر والخصام... وفي اليوم العالمي للمعاقين أسمعناهم أحلى الكلام، وأبقينا على أوضاعهم النفسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أبقينا على معاناتهم وآلامهم وعذابهم دون أن نفعل شيئًا مذكورًا لتحسين أحوالهم على الرغم من أن الغالبية الساحقة منهم  هي من ضحايا الحروب والاعتداءات، ومن ضحايا التخلف والفقر والفساد، ومن ضحايا البيئة.. وفي هذه الحالات جميعها هم ضحايانا نحن بني البشر المخادعين المراوغين المعتدين.. ومع ذلك لم نفعل شيئًا من أجلهم!! وأغلب الظن أن  نصيب الشعوب المقموعة في هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان لن يكون أفضل من نصيبها فيما سبق من أيام!!
    وإذا كان هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان يأتي متزامنًا مع ذكرى القرار (194) أو بفارق يوم واحد، وإذا كان يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني قد حل محل ذكرى القرار (181) بشأن تقسيم فلسطين والذي صدر في (29/11/1947) قبل اربعة وستين عامًا، وإذا كان هذا القرار قد قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية، وعربية؛ فإن يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني في أحسن أحواله سيؤدي إلى وقوف كثير   من الدول إلى جانب الفلسطينيين في إقامة دويلة متواضعة على أقل من  نصف المساحة التي ضمنها القرار (181) هذا إذا وافق الإسرائيليون على ذلك، ولن يوافقوا: فالقدس الموحدة بمساحتها البالغة عشرة بالمئة من مساحة الضفة الغربية هي عاصمتهم الأبدية، واللاجئون الفلسطينيون لن يعودوا بحال من الأحوال، والمستوطنات هي المستوطنات.... وهذا باختصار شديد يعني أن شيئًا مما يريده الفلسطينيون لن يتحقق، وأن شيئًا مما يطالب به المجتمع الدولي أيضًا لن يتحقق، فلماذا كل هذا اللف والدوران؟ ولماذا كل هذه الحركات والتحركات؟ ولماذا كل هذه الأسماء والمسميات والمناسبات التي ما أدت في الماضي، ولن تؤدي في المستقبل إلا لمزيد من الخسارة، ومزيد من التشرد، ومزيد من الخيبة والفشل والتراجع والهوان؟!!
    إن في فلسطين متسعًا لكل من فيها، ولكل أبنائها الذين أُبعدوا عنها قسرًا في عام النكبة، وإن في القدس أيضًا متسعًا لكل من فيها من أبنائها المقيمين، ومن أبنائها الذين أُجبروا على النزوح عنها والخروج منها، ولا زالوا يُجبرون!! وإن دولاً في هذا العالم فيها من السكان أكثر مما في فلسطين التاريخية على الرغم  من أن مساحتها قد تكون  أقل.. فلماذا يختلف الوضع هنا كل هذا الاختلاف؟؟
    إن وضع القرار (194) موضع التنفيذ هو أولاً وقبل كل شيء حق تاريخيٌّ سياسيٌّ فرديٌّ أبديٌّ (لكل فلسطيني) لا يسقط بالتقادم، وهو ثانيًا حقٌّ ضمنه المجتمع الدولي، وهو أيضًا حقٌّ أخلاقيٌّ، وهو حقٌّ إنساني، وهو إلى جانب هذا كله وكثير غيره حق لا يمكن تجاوزه والقفز عنه إذا أُريدَ لهذه القضية الفلسطينية أن تُحَلّ... ومع ذلك فإن وضع هذا القرار موضع التنفيذ، والاعتراف المطلق بحق اللاجئين والمهّجرين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم لا يعني بالضرورة أن يعود هؤلاء جميعًا في يوم وليلة إلى بلادهم، ولكنه يعني أن لهؤلاء الحق في هذه العودة، ومن الممكن أن يعود هذا المواطن أو ذاك اليوم، ثم يعود إلى مكان عمله خارج البلاد،  وقد يعود  بعد ذلك، وقد لا يعود تمامًا مثل كثير من اللبنانيين المنتشرين في كل أرجاء هذا العالم.
     في لبنان قرابة خمسة ملايين لبناني، وفي هذا الكون خمسة وعشرون مليونًا من اللبنانيين.. هؤلاء جميعًا لهم كل الحق في أن يعودوا إلى وطنهم في أي وقت، ولكنهم لا يعودون لأسباب متعلقة بهم، وليس لأن القانون في لبنان يمنعهم من ذلك!! فهل مثل هذا المثال من شأنه أن يُقنع هؤلاء الذين يريدونها دولة يهودية نقية بخطأ رأيهم؟ وهل مثل هذا الحديث الصريح الواضح من شأنه أن يبدد المخاوف والهواجس التي قد تنأى بأصحابها عن الامتثال لمبادئ الحق والعدل والعدالة؟ وهل في مثل هذا العرض حافز للمتطرفين المتعصبين للتخلي عن التطرف والتعصب والمغالاة ونظرة الاستكبار والاستعلاء على الآخرين، ولا سيما إن كانوا أصحاب الحق المبين الذي لا حلّ لكل قضايا المنطقة بدون رضاهم واقتناعهم وموافقتهم بعد حصولهم على حقوقهم التاريخية والوطنية والإنسانية في بلادهم فلسطين؟؟       
    أليس من الضروري جدًّا في هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان أن يعمل الناس جميعًا في هذا الكون من أجل احترام  إنسانية الإنسان، ومن أجل حصول البشر جميعًا على حقوقهم كاملة غير منقوصة، ليُصار بعد ذلك لبناء مجتمع إنساني متحضر متطور متعاون متسامح ترفرف عليه رايات السلام العادل الشريف، ولا مكان فيه لجائع أو خائف أو مضطهد أو مظلوم؟؟ نرجو ذلك!!
(9/12/2010)

الاثنين، ٥ كانون الأول ٢٠١١

في يوم الأسرة العربية:الشعب يريد إغلاق ملف الأسرى!!

متابعات
في يوم الأسرة العربية:الشعب يريد إغلاق ملف الأسرى!!
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
   لئن كان للناس أفرادًا وقبائل وشعوبًا في هذا العالم طلباتهم ومطالبهم،ولئن كان للعرب أيضًا طلباتهم ومطالبهم التي قد تعجز الأقلام عن حصرها، والإحاطة بها، فإن للفلسطينيين (بصفتهم عربًا، وبصفتهم جزءًا من هؤلاء الناس الذين يعج بهم هذا الكون) طلباتٍ ومطالب أعدّ منها ولا أعددها!! طلبات ومطالب منها وعلى رأسها حلمهم في العيش الآمن الكريم، وقد تحققت الآمال والأمنيات والتمنيات في عودة حقوقهم، وعودة فردوسهم السليب.. ومنها وعلى رأسها عودة لاجئي هذا الشعب ومهجريه إلى ديارهم، ومنها وعلى رأسها ضمان حقه المشروع في سعادة الأسرة واستقرارها، ومنها وعلى رأسها عودة هذا الشعب إلى سابق عهده في الحياة الحرة الكريمة الآمنة، عندما كان شعبًا واحدًا موحدًا في فكره ومعتقده وتوجهاته وأنماط معيشته التي تغلب عليها البساطة والطيبة والمودة والإخاء والشهامة والإباء ورفض المذلة والهوان، وعندما كان جزءًا لا يتجزأ من أمة واحدة موحدةٍ لا فرق فيها بين مواطن ومواطن، ولا فرق فيها بين أحمر وأبيض وأصفر، ولا فرق فيها بين إنسان وإنسان بصرف النظر عن لونه وشكله ولسانه وثقافته ومعتقداته الخاصة به ما دام مخلصًا للدولة التي يعيش في رحابها، وللأمة التي يعيش في كنفها، وللوطن الذي يؤويه، والنظام الذي يحميه، والإسلام العظيم الذي يصون كرامته، ويضمن له كامل حقوقه في حياة حرة آمنة كريمة، وعيشٍ رغيد آمن كريم.
   ولئن كان للفلسطينيين كل هذه الطلبات والمطالب التي قد يرى فيها الرائي كثيرًا من المبالغة، وكثيرًا من الإسراف والتهويل، وكثيرًا من الإصرار المغلف طورًا بالشكوى، وطورًا بالبكاء والأنين، وطورًا بالبندقية والحجر والسكين، وأطوارًا أخرى بالعناد والتصلب ونفاد الصبر والتطرف في التفكير والتدبير والتعبير، فليس مرد ذلك إلى طبيعةٍ في الفلسطيني تختلف عن طبيعة غيره من الناس، وليس مرد ذلك إلى مطامع، أو معتقدات أو انحرافات، أو ميول عدوانية رُكِّبت فيه دون سواه من الناس، وإنما لأسبابٍ على رأسها أنه استُهدف في وطنه الذي جرده منه الآخرون، وفي عيشه في هذا الوطن الذي أصبح فيه غريب الوجه واليد واللسان لا يملك من أمر نفسه شيئًا، وأنه اقتلع من هذا الوطن، وهُجّر منه، وأرغم على العيش بعيدًا عنه، محرومًا من العودة إليه، بل محرومًا من مجرد زيارته دون عباد الله!! هذه الأوضاع الغريبة الشاذة التي يحياها الفلسطينيون منذ عقود، وهذا الظلم التاريخي الصارخ الذي حل بمقيمهم وظاعنهم، وهذه النكبات المتلاحقة التي عصفت بأجيالهم المتعاقبة هنا على أرض الوطن، وهناك في المنافي والفيافي وديار الغربة والتشرد واللجوء هي التي جعلت من حياة هؤلاء الناس جحيمًا لا يطاق، وهي التي ضربت الأسرة العربية الفلسطينية، وقلبت حياتها رأسًا على عقب، وهي التي جعلت الفلسطينيين على هذه الصورة التي قد يراها الرائي فيستغرب ما يرى، وقد يستغرب ما يسمع، وقد يظن أن مطالب هؤلاء الناس كثيرةٌ مبالَغ فيها لا تقف عند حد!! ولو كان هذا الرائي منصفًا، ولو كان مطلعًا على الحقائق، ولو كان على علم بشيء من المآسي التي حلت بهذا الشعب، ولو جرب يومًا بعض ما حل بهذا الشعب من ظلم وتنكيل وتقتيل وتهجير وتدمير، ولو كان يعلم أن مليونًا من أبناء هذا الشعب الصغير المسالم المستهدَف في أرضه وممتلكاته ووجوده قد تعرضوا لتجربة الاعتقال والسجن والمضايقة والتجويع منذ احتلال عام سبعةٍ وستين فقط، ولو كان يعلم أن الآلاف من أبناء هذا الشعب الصغير المسالم الأعزل بأطفاله وشيوخه ونسائه ومرضاه لا يزالون يقبعون في السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف والتحقيق دون ذنب اقترفوه، ولو كان يعلم أن معظم البيوت في هذه الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة تعيش الألم والأسى والتمزق والعذاب لوجود واحدٍ من أبنائها، وربما اثنين، أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك أو أقل في السجون والمعتقلات!! وعندما نقول هذا فإننا نعني الاعتقال السياسي لا الجنائي، وإنما نعني الاعتقال الإداري الذي ما أنزل الله به من سلطان!! وإنما نعني التحكم بالناس، والضغط عليهم لإجبارهم على تغيير أفكارهم ومعتقداتهم بالقوة والإكراه والسجن والتعذيب، ولإرغامهم على التنازل قسرًا عن مكونات شخصيتهم، وعلى التنازل قسرًا عن مقومات وجودهم، وعلى التنازل قسرًا عن كثيرٍ من حقوقهم وثوابتهم للغرباء الطامعين فينا المجترئين علينا الذين يتربصون بنا الدوائر!!
   لو علم هؤلاء مقدار ما يعانيه أبٌ من شوق وحنين إلى بيته وأسرته، ولو علم هؤلاء مقدار ما يعانيه الأبناء الذين لم يرَوا آباءهم أو إخوانهم منذ عقود، ولو علم هؤلاء مقدار ما تعانيه الأسرة العربية الفلسطينية، والمجتمع العربي الفلسطيني، من أسًى وألم وحزن وتمزق وشوق وحنين ودموع وعذاب لما أساءوا الظن بهذا الشعب، ولما ظلموه وتحاملوا عليه، ولما اتهموه بأنه شعب شكّاء بكّاء يبالغ في تصوير واقعه، ويبالغ في مطالبه وطلباته، ويبالغ في التنكيد على الآخرين والأخريات، وفي تنغيص عيشهم!! ولو علم هؤلاء مقدار ما يعانيه أسرانا في سجونهم ومعتقلاتهم من عذاب وحرمان وتوقٍ إلى الحرية لوقفوا جميعًا إلى جانبهم، ولعملوا جميعًا من أجل الإفراج عنهم، ولعملوا جميعًا من أجل خروجهم من هذه السجون والمعتقلات إلى بيوتهم، وإلى أسرهم التي طال انتظارها لعودتهم، وطال تلهفها وشوقها للقائهم والعيش معهم مثل كل الناس في هذا العالم!! ولو كان مَن يعنيهم الأمر من الفلسطينيين يقدرون حقيقة هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه الأسرى، وتعيشه أسرهم وعائلاتهم لاشترطوا الإفراج عنهم أولاً كشرطٍ مسبق لأية خطوة قد يعتبرونها الخطوة الأولى على طريق البحث عن حل لهذه القضية التي طال عليها الزمن!!
   في يوم الأسرة العربية نقول: إذا كانت الشعوب في هذه المنطقة العربية ترفع صوتها اليوم مطالبةً بالحرية، ومطالبةً بالعدل والعدالة الاجتماعية، ومطالبة بالتطوير والتقدم والتحديث والإصلاح والتغيير، فإن شعبنا العربي الفلسطيني في هذه الديار يريد إغلاق ملف الأسرى، ويريد وضع حد لهذا الفصل اللاأخلاقي واللاإنساني واللاقانوني الذي يعصف بحياة الناس في هذه الديار منذ أمدٍ بعيد.. شعبنا العربي الفلسطيني الذي يغني للحرية والتحرر والحياة الحرة الكريمة منذ عقود يهتف اليوم بملء فيه: الشعب يريد إغلاق ملف الأسرى!! فهل من مجيب؟ هل من يَسمع؟ هل هنالك من يلبي النداء؟ هل هناك من يستمع إلى صراخ هذا الشعب الذي لا يطالب اليوم إلا بما يمكن تحقيقه، لأنه من أبسط حقوق الناس في هذه الديار؟ وهل من حقنا بعد ذلك كله، أو قبل ذلك كله أن نتفاءل ونقول إن يوم الإفراج عن الأسرى قد بات قريبًا، وإن الشعب الذي قرر إغلاق ملف الأسرى لن يتراجع عن موقفه، ولن يتراجع عن هذا القرار؟
   وفي يوم الأسرة العربية الذي يصادف هذا اليوم السابع من شهرنا هذا، في وطننا هذا، في بلدنا هذا نقول: لقد آن الأوان لهذه الأسرة العربية في هذه الديار، وفي كل ديار العروبة، أن تعيش بأمنٍ وأمان ورِفاء وازدهار، وأن يُلغى من قاموسها كل أشكال التحكم والتدخل والاستبداد، وكل ألوان الاعتقال السياسي والإداري الذي ما أنزل الله به من سلطان.. فهل هذا كثير؟
5/12/2011

الخميس، ١ كانون الأول ٢٠١١

في اليومين العالميين للمعاقين وإلغاء الرق!!

متابعات
في اليومين العالميين للمعاقين وإلغاء الرق!!
                          أ.عدنان السمان
        لئن قرر المجتمع الدولي أن يكون اليوم الثاني من هذا الشهر الثاني عشر من كل عام يومًا مخصَّصًا ومكرّسًا لإلغاء الرقّ، وتحرير الرقيق في هذا العالم، فإن هذه الأمة العربية الإسلامية التي تعتبر بدورها جزءًا لا يتجزأ من هذا المجتمع الدولي، قد مارست ذلك بمختلف الوسائل والسبل، وأنها قد تصدت لهذه الظاهرة منذ فجر الإسلام، حين أصرت الشريعة الإسلامية على تحرير الرقيق كلما كان ذلك ممكنًا، على أن تراعى في ذلك دائمًا مصلحة هذا "العبد المملوك" وعلى أن تراعى أيضًا ظروفه وأحواله، وأن تؤخذ في الاعتبار مقدرته على الاستقلال بشأنه الخاص؛ فإن كان مسنًّا مريضًا عاجزًا عن تدبير أموره، وتوفير متطلبات معيشته، وإن كان البقاء في كنف ذلك السيد (الذي جمعت بينه وبين مملوكه أخوةُ الإسلام) ولو مؤقتًا هو في صالح هذا "العبد" فلا بأس من استمرار الحال على ما هي عليه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، ويكفي أن يشار هنا إلى أنه يترتب على السيد أن يعامل هذا "العبد" معاملة حسنة تليق بإنسانيته وآدميته، وأنه يترتب عليه أن يطعمه مما يأكل، وأن يلبسه مما يلبس، وأن لا يكلفه من الأعمال فوق ما يطيق، وأن لا يحول بينه وبين حريته إذا هو طلبها وأصرّ عليها.. صحيح أن هذه الشريعة لم تحرم الرق، ولم تحرر الرقيق في نص صريح مباشَر، وكل ما فعلته –كما يقولون- أنها فتحت الآفاق أمام المجتمع للتخلص من هذه الظاهرة بالتدريج، ومع مرور الوقت، وأنها قد شجعت الناس وحثتهم على التخلص منها، وإن كانت قد أبقت عليها في بعض الأحيان للأسباب التي قد مرّ ذكرها.
        ومما لا شك فيه أن هذه الأمة، وأن هذه الشريعة قد حرصت كل الحرص على كرامة الإنسان، وعلى صيانة حقوقه واحترامها، وأن الإسلام لم يفرق بين الناس من حيث اللون والجنس والدين والمعتقد والوضع الاجتماعي والاقتصادي، وأنه لم يفرق بين "سيد" و "عبد"، وحاكم ومحكوم، ورئيس ومرءوس، إذ كثيرًا ما حضر خليفة الإسلام إلى مجلس القضاء، للنظر في قضية رُفعت ضده، وكثيرًا ما كان حكم القاضي النزيه لصالح المواطن ضد رأس الدولة، وضد كثيرٍ من أركانها، دون محاباة، ودون التفاف على القانون، ودون انحياز لصالح المنصب والسلطان!! كل هذا، وكثير كثير غيره، يؤكد بما لا يدع أدنى مجال للشك على أن هذه الأمة كانت السباقة لبناء المجتمع الإنساني السليم المعافى العامل القائم على أسس العدل والعدالة والمحبة والتسامح والمساواة بين جميع فئاته، وجميع مستوياته، وجميع ألوانه وأطيافه وأديانه وأعراقه.. لا فرق بين كبير وصغير، وغني وفقير، وطويل وقصير، وأبيض وأسود، وأحمر وأصفر، إلاّ بالتقوى، وإلا بالعمل الصالح، وإلا بما يقدم هذا أو ذاك من خدمة للناس؛ فأحب الناس إلى الله أنفعهم لعباده.
ولئن قرر المجتمع الدولي أيضًا أن يكون اليوم الثالث من هذا الشهر الثاني عشر من كل عام يومًا لإنصاف المعاقين، والاهتمام بهم، وتلبية طلباتهم، واحتياجاتهم، فإن هذه الأمة التي جبلت على التعاطف، والمواساة، والشعور مع المصابين، وعيادة المرضى والمنكوبين، وحب الخير للآخرين، قد ضربت المثل الأعلى في القيام بهذا الواجب المقدس تجاه كل المعاقين من أبنائها، وبناتها، وما أكثر هؤلاء المعاقين! وما أكثر هذه الإعاقات، وما أشد وطأتها على النفس والشعور والوجدان! وما أشد حاجتنا للعمل من أجل هؤلاء المعاقين الذين هم جزء لا يتجزأ من هذه المجتمعات البشرية التي يفترض أن تعمل من أجل سعادة أبنائها، ومن أجل هنائهم، وطيب عيشهم ورِفائهم.
ولعل من هؤلاء المعاقين من يولد معاقًا، ولعل منهم المعاق حركيًّا، أو سمعيًّا، أو بصريًّا، أو عقليًّا.. ولعل منهم من كانت إعاقته ناجمة عن مرض ألمّ به، أو حادث سير تعرض له.. ولعل منهم من نجمت إعاقته عن إصابة أو اعتداء همجي أفقده بصره، أو يده، أو رجله، أو رجليه كلتيهما، أو اعتداء وحشي أصابه بالشلل الجزئي، أو النصفي، أو الكلي.. وها نحن في مجتمعنا هذا نشهد آلافًا من هذه الحالات التي أصيب فيها شباب في عمر الورود بهذه الإعاقات.. وسواء كانت الإعاقة طبيعية ولدت مع المعاق عندما رأت عيناه النور، وعند بداية عهده بالحياة إن لم تتمكن عيناه من رؤية النور، أو كانت بفعل فاعل، أو لهذا السبب أو ذاك؛ فإن المجتمع الإسلامي قد حرص منذ أقدم العصور على علاج هؤلاء المعاقين علاجًا جسديًّا ونفسيًّا، عندما كان هذا المجتمع في يومٍ من الأيام أكثر مجتمعات العالم تقدمًا وتطورًا، وأكثرها سبقًا في ميادين الطب وغير الطب، وأكثرها رأفةً بالإنسان، وحرصًا على حياته ومشاعره وكرامته، وعندما كان الإحسان إلى الناس أصحائهم ومعاقيهم من أفضل الأعمال التي يتقرب بها صاحبها من الله.. وعندما كان هذا المجتمع أيضًا أكثر مجتمعات الأرض رفقًا بالحيوان، وأشدها حرصًا على راحته وسلامته، وأكثر مجتمعات الأرض رفقًا بالشجر والزرع، وحرصًا على الطبيعة وجمالها... نعم لقد حرص المجتمع الإسلامي، وحرصت شريعة الإسلام على هذا كله، وعلى كثير غيره مذ كانت هذه الشريعة، ومذ كان هذا المجتمع، والأمر ليس بحاجة لضرب الأمثلة، والإتيان بالشواهد، فكل ذلك من الأمور المعروفة في تاريخ هذه الأمة، ومن الأمور التي يشهد بها العدو قبل الصديق.
بقي أن نقول في اليوم العالمي لإلغاء الرقّ الذي يصادف اليوم الثاني من هذا الشهر، وفي اليوم العالمي للمعاقين الذي يصادف اليوم الثالث منه: إن على هؤلاء الذين ما زالوا يتجرون بالرقيق الأسود والأبيض، والذين ما زالوا يتاجرون بالشعوب ويسترقّونها وينهبون ثرواتها ومقدَّراتها ويقصفونها بوابل من حمم الموت والدمار والإبادة في كثير من أقطارها، ويتسببون في إعاقات ومصائب لا تعد ولا تحصى لشيبها وشبابها أن يتعلموا من تاريخ الإسلام، وثقافته، وعدالته، وتسامحه، وحرصه على سعادة البشرية وأمنها وأمانها، وأن يتعلموا من مبادئ الإسلام وتعاليمه كيف تكون الحياة، وتصان الحريات والكرامات، وتلغى العبودية، وتصان كرامة المعاق وحقوقه.
1/12/2011

الاثنين، ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١١

في الذكرى الرابعة والستين لقرار تقسيم فلسطين

متابعات
في الذكرى الرابعة والستين لقرار تقسيم فلسطين
أ.عدنان السمان
في ذكرى صدور قرار التقسيم الذي يحمل الرقم (181) منذ أربعة وستين عامًا، وفي هذا اليوم الذي أسماه المجتمع الدولي فيما بعد يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني لا بد من تقديم بعض الحقائق التاريخية لهذه الأجيال العربية، ولهذه الأجيال الفلسطينية التي لا تكاد تعرف شيئًا مذكورًا عن هذه المناسبة التي حدثت في مثل هذا اليوم من عام سبعة وأربعين، وقبل ستة أشهر ونيف من قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين عام ثمانية وأربعين، لا بد لهذه الأجيال أن تعلم أنه في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف بذلت الولايات المتحدة الأمريكية قصارى جهدها لإقرار مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين.. وعلى الرغم من أن هذا القرار الذي حظي بأغلبية ثلاثة وثلاثين صوتاً ضد ثلاثة عشر, وامتناع عشر دول عن التصويت, هو قرار صادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة لا عن مجلس الأمن الدولي, إلاّ أنّ اليهود والصهيونية العالمية والولايات المتحدة قد اعتمدته أساسًا لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين على مساحة تبلغ (56.5%) تقريبًا من مساحة البلاد في الوقت الذي كانت فيه الجالية اليهودية آنذاك تملك نحو سبعة بالمئة من المساحة الإجمالية البالغة (27009) كيلو مترًا مربعًا.. وفي الوقت الذي كان فيه عدد السكان اليهود (560.000) خمسمائة وستين ألفًا من مجموع سكان البلاد البالغ آنذاك (1.690.000) مليونًا وستمائة وتسعين ألف ساكن, وفي هذا السياق يُشار إلى أن دافيد بن غوريون, كان يعتمد على عامل الزمن من أجل وضع اليد على ما تبقّى من فلسطين, وعلى ما يمكن الوصول إليه من أرض العرب... وهذا ما حدث قبيل إنهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين, وبعد خروجها منها عندما احتل اليهود بقوة السلاح مناطق واسعة من فلسطين كانت مخصصة للدولة العربية بموجب قرار التقسيم.. وأصبحوا يسيطرون على قرابة ثمانين بالمئة من أراضي البلاد يوم الخامس عشر من أيار عام ثمانية وأربعين, إضافة إلى افتعال عدد من المجازر بهدف تهجير الغالبية العظمى من العرب الفلسطينيين من ديارهم, والاستيلاء على ممتلكاتهم, وهذا ما حصل فعلاً بعد تهجير قرابة ثمانمائة ألف فلسطيني بقوة السلاح من مدنهم وقراهم.. ويشكل هذا العدد أكثر من سبعين بالمئة من عرب فلسطين آنذاك.. ويبلغ تعداد اللاجئين الفلسطينيين اليوم قرابة ستة ملايين لاجىء.
وعلى الرغم من أن الصهيونية العالمية كانت المستفيد الأول من قرار التقسيم.. وعلى الرغم من مؤازرة الولايات المتحدة لهذا القرار قبل التصويت عليه وبعد التصويت, إلا أنّ الولايات المتحدة قد اقترحت في آذار من عام ثمانية وأربعين وضع فلسطين تحت وصاية دولية بدلاً من تنفيذ قرار التقسيم.. وذلك بسبب رفض المسلمين والعرب وكثير من الفلسطينيين لهذا القرار, والمقاومة الشرسة التي خاضوها منذ صدوره ضد القوات البريطانية المنتدبة على فلسطين, والقوات اليهودية التي تنسّق مع بريطانيا لتنفيذ هذا القرار.. وبسبب خوف الولايات المتحدة من تعرّض مصالحها في المنطقة للخطر.. ولكنّ الحركة الصهيونية ظلت تضغط حتى تراجعت أمريكا عن هذا الاقتراح.. وعادت لتؤيد من جديد قرار التقسيم.
إنّ هذه الدولة التي أقامها اليهود عام ثمانية وأربعين قد توسعت عام سبعة وستين لتشمل فلسطين كلها ومناطق واسعة من أرض العرب.. وهكذا وقعت فلسطين كلّها لأول مرة في تاريخها تحت احتلال يهودي استيطاني يطلق على المدن والقرى والجبال والأنهار والسهول والوديان والمواقع الأثرية والدينية والتاريخيّة أسماء قديمة يقول هو إنها عبريّة, ويقول الفلسطينيون إنها كنعانية أو يبوسيّة (عربيّة قديمة).. ويذهب معهم هذا المذهب كثير من المؤرخين وعلماء الآثار المحايدين المنصفين.. وكانت حكايتنا مع ضم القدس الشرقية, عام سبعة وستين إلى الشطر المحتل عام ثمانية وأربعين.. وحكايتنا مع: الاستيطان.. ومصادرة الأراضي.. وهدم البيوت.. واقتلاع الأشجار.. وتلويث البيئة.. ونهب المياه.. وغلاء الأسعار.. وغسل أدمغة الناس ولا سيّما الشباب.. والسّجون, والتعذيب.. والاعتقال الإداري.. واعتقال الأطفال.. والأحكام العسكرية.. وقوانين الطوارىء.. ونشر الفساد.. وقلب الحقائق.. والتلاعب بالتاريخ والجغرافيا والحصار بكل أشكاله وصوره.. لقد بات واضحًا أن الهدف هو تهويد الأرض المحتلة عام سبعة وستين, والقضاء على الإنسان العربي الفلسطيني وتصفيته نفسيًّا وجسديًّا وفكريًّا.. وشلّ طاقاته وقدراته.. وقهره.. وحصر همه في الحصول على لقمة العيش في أحسن الأحوال.
لقد رفض كثير من الفلسطينيين قرار التقسيم عام سبعة وأربعين, كما رفضوا قيام "إسرائيل" على الجزء الأكبر من فلسطين عام ثمانية وأربعين.. وعبّروا عن رفضهم هذا بالمقاومة المسلحة الشرسة التي خاضوها ضد القوات البريطانية واليهودية على أرض فلسطين.. كما رفضت ذلك شعوب العالمين العربي والإسلامي.. وكثير من الأنظمة التي كانت قائمة آنذاك.. وقد ظلت المنطقة كلّها مسرحًا للحروب والمعارك والأحداث الدامية منذ تلك الأيام وحتى أيامنا هذه..
ومع أن كل أطراف الصراع كانت ولا تزال تعلم جيدًا أن شعب فلسطين كان ضحية مؤامرة رهيبة منذ صدور وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام سبعة عشر وتسعمائة وألف.. وأنه استُهدف للاقتلاع والتهجير من أرض آبائه وأجداده.. وأُجبر على النزوح عن وطنه والعيش في المنافي وديار الغربة منذ أكثر من ثلاثة وستين عامًا.. أقول على الرغم من معرفة الدنيا كلها بما جرى لشعب فلسطين, إلا أن أحدًا لم يفعل شيئًا حتى الآن من أجل إعادة الأمور إلى نصابها والحق إلى أصحابه.. وعلى الرغم مما يفعله هؤلاء المحتلون بمن بقي من الفلسطينيين على أرض الوطن من تقتيل وتعذيب وتجويع وعزل وإهانة واعتقال واعتداء وإذلال وحصار.. وما ينتج عن ذلك كله وكثير غيره مما لا يُرى ولا يُقال من تدمير كامل للاقتصاد, وتشويه للأوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية.. وتعهير لكل المبادىء والقيم والمثل العليا.. وتحطيم للأطفال الذين كثيرًا ما رأوا آباءهم يضربون ويهانون وأصبح زادهم اليومي آباء يُضربون ويُهانون وأحيانًا يُقتلون أمامهم بدم بارد.. وكثيرًا ما رأوا أمهاتهم وهن يتعرضن لكل ألوان الإهانة والعري والجوع والموت عند الحواجز وغير الحواجز.. وكثيرًا ما رأوا زملاء وأقرانًا تتناثر أشلاؤهم لتملأ الدنيا دمًا وهلعًا وفزعًا وخوفًا ورعبًا وحقدًا أسود تكفي شحنة منه لتدمير الحياة على هذا الكوكب.. نقول: على الرغم من هذا كله إلاّ أن أحدًا لم يتقدم حتى الآن لإنقاذ هذا الشعب: شبابه, وشيبه, ونسائه, وأطفاله, ومصالحه, وحرياته, وكل أوجه حياته اليومية من الانهيار والتلاشي والزوال.. وردود الفعل اليائسة كلما كان ذلك ممكنًا !!!
وبعد,
فإلى متى سيظل هذا الشعب يرسف في أغلال العبودية والذل والهوان والجوع والفقر والمرض.. وإلى متى سيبقى هكذا بنصفيه: المقيم هنا على جمر الوطن, والمحترق هناك بنيران اللجوء والاغتراب؟؟ ألا يرى المجتمع الدولي كل هذا؟ ألا يسمع؟ أما آن لهذا الشعب أن يعيش في وطنه مثل شعوب هذا العالم؟
لقد جُنّت أمريكا وطار صوابها ولم يعد إليها العقل حتى الآن نتيجة بضع ضربات هدمت عددًا من المباني, وأودت بحياة بضعة آلاف من الناس.. فماذا يقول شعبنا الذي يتعرض للتهجير والاقتلاع والإبادة منذ عقود؟
وفي هذه الذكرى أيضًا لا بد من القول إن هذه القضية الفلسطينية التي تريد لها أطراف كثيرة أن تتلاشى وتزول دون أن يحصل الفلسطينيون على شيء من حقوقهم لن تتلاشى، ولن تزول، ولن ينسى شعب فلسطين العربي شيئًا من حقه في بلاده فلسطين، وسوف يظل كثير من العرب، وكثير من الناس في هذا العالم يعملون إلى جانب الفلسطينيين الذين يصرون كل الإصرار على عودة حقوقهم المشروعة في بلادهم فلسطين إلى أن تعود تلك الحقوق كاملة غير منقوصة.
 
 (29/11/2011)

السبت، ٢٦ تشرين الثاني ٢٠١١

في هذا العام الهجري الجديد!!

متابعات
في هذا العام الهجري الجديد!!
أ/عدنان السمان
www.samman.co.nr.
    في عيد الهجرة لا بد للناس أن يتذكّروا الدعوة، وما واجهه الرسول الكريم في سبيلها من الصعاب، وإصراره (عليه السلام) على تبليغ هذه الرسالة، وأداء هذه الأمانة حتى كان له ما أراد... وفي عيد الهجرة لا بد للناس أن يعرفوا أسبابها، وأن يقفوا على مضامينها ومعانيها، ولا بد لهم أن يربطوا بين هذه الهجرة التي يحتفل بذكراها المسلمون اليوم، وقيام دولة الإسلام في المدينة المنوّرة لأول مرة في تاريخ العرب، ولأول مرة أيضًا في تاريخ هذا الكون... وفي عيد الهجرة لا بد للناس أن يوازنوا بين تلك الدولة التي أقامت العدل، وحكمت بالعدل، وأرست دعائم العدل، والعدالة، والإخاء، والمساواة بين الناس على اختلاف ألوانهم، وأديانهم، وألسنتهم.. وهذه الدول التي تستبيح دماء الناس، وأموالهم، وأوطانهم في هذا الزمن الذي يسمونه زورًا وبهتانًا زمنَ الحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة أيضًا!! لا بد للناس أن يوازنوا بين دول النظام الرأسمالي هذه التي تمتصّ – أول ما تمتص – دماء شعوبها، وتقذف بهذه الشعوب إلى جحيم أهوائها وأطماعها، وتضحّي بهم على مذابح التحالفات والاعتداءات الغاشمة على الشعوب الضعيفة المسالمة في هذا العالم!!
    لا بد لنا – ونحن نستقبل هذه الذكرى – أن نحسن الموازنة بين عدالة الإسلام، وتسامح المسلمين من جهة، وهؤلاء الذين يستبيحون اليوم كل ديار الإسلام، فينهبون، ويحرقون، ويعتدون... وأمرّ من ذلك وأدهى أنهم بعد كل ممارساتهم المدانة في ديار العروبة والإسلام يتهمون المسلمين والعرب بالتطرف والتعصب والإرهاب!!
    إن هذه الأمة الإسلامية التي تحتفل في الأول من شهر محرم من كل عام بعامٍ هجري جديد تخليدًا لهذه الذكرى العطرة، وتمجيدًا لهذه المناسبة التي يهل هلالها اليوم على أمة الإسلام إنما تفعل ذلك وهي في حال من التشرذم والتمزق والضَّياع ليس من السهل وصفها، وليس من السهل تصديقها..فهذه الأمة رغم الوفرة والكثرة، ورغم أنها لم تغادر ديارها وأوطانها، إلا أنها لا تملك هذه الأوطان والديار، بل لا تملك شيئًَا من قرارها، وأمر نفسها.. وتلك الأمة، بل ذاك النفر الذي ارتحل "سرًّا " من بلدٍ ترك فيه كل ما يملك، إلى بلد ليس له فيه إلا إخوة المعتقَد.. ذاك النفر، أو تلك الأمة كانت تملك كل شيء!! كانت تملك سلاح الحق والإيمان.. كانت تملك مكة التي غادرتْها، والمدينة التي ذهبت تستقري أهلَها، وتحلُّ بين ظهرانيهم، وكانت تملك شبه الجزيرة العربية كلها، بل كانت تملك كل بلاد العرب، وما وراء تلك البلاد منذ اللحظة التي تركتْ فيها كل شيء هنا، وهاجرتْ لتقيم دولتها هناك.. أصبحت تملك كل شيء منذ اللحظة التي اعتنقتْ فيها هذا الدين، واتبعت فيها تعليمات هذا النبي الأميّ العربيّ القائد المعلم صلوات الله وسلامه عليه.. هذا النبي الذي إنما جاء ليصنع مجد هذه الأمة، ويعلي من شأنها بين الأمم، وليضمن لها – صلاة الله وسلامه عليه- سعادة الدارين، وليخرجها من الظلمات إلى النور.
    إننا – ونحن نستقبل هذه الذكرى – نقول : إن أحدًا في شبه الجزيرة لم يكن يتوقع أن يكون للعرب في يوم من الأيام كل هذا الشأن، وكل  هذه الأمجاد.. بل لم يكن ليخطر على بال أحد في هذا الكون أن يخرج العرب من شبه جزيرتهم بهذه القوة، وأن تنطلق أمة الصحراء بكل هذا العنفوان، وأن تتوحد تلك القبائل العربية المتخاصمة المتحاربة لتبني للناس هذه الحضارة العربية الإسلامية في شرق الدنيا وغربها، لتصبح الحواضر العربية الإسلامية، والمدن العربية الإسلامية مشاعل نور وهداية للبشرية.. ولتصبح دمشق عاصمة الدنيا كلها، وكذلك – واحر قلباه – بغداد العروبة والإسلام.. ولتصبح كل المدن العربية، والمدن الإسلامية في بلاد الشام، والعراق ، ومصر، وشبه الجزيرة، والمغرب العربي، والأندلس، وفي بلاد المشرق الإسلامي التي لا تكاد تُحصى عددًا مراكز علم وحضارة يقصدها طلاب العلم والمعرفة من سائر أقطار الدنيا... إن أحدًا لم يكن يتوقع أن يحدث كل هذا لولا هذا الإسلام الذي وحّد العرب.. ولولا هذه الهجرة التي أقامت دولة الإسلام في مدينة الرسول الأعظم.. ولولا أولئك الرجال الأباة الذين ما انحنت هاماتهم إلا لله، فكانت لهم الغلبة، وكانت لهم العزة، وكانت لهم الدنيا التي عمروها ونشروا في ربوعها رسالة الحق والعدل والسلام.
    في هذا العام الهجري الجديد لا بد من وضع وحدة الهدف والموقف والمصير على رأس سلّم الأولويّات في سائر أقطار العروبة والإسلام.. ولا بد من العمل الفوريّ الجاد لتحقيق التكافل والتضامن والتعاون بين شعوب العرب والمسلمين في محاولة جَسورة لوضع شعار التضامن الإسلامي موضع التنفيذ العملي.. وضرورة التزام سائر أقطار العروبة والإسلام بالمواقف والقرارات النابعة من مصالح هذه الأقطار في الحرية، والتحرر ، والسيادة، والتقدم، والرِّفاء، والبناء، والإعمار...لابد أن يعود المسلمون كما كانوا أمة كريمة عزيزة مرهوبة الجانب حرة أبية.
    وفي هذا العام الهجري الجديد لا نريد أن تكون هذه الذكرى العطرة – كغيرها من مناسباتنا العظيمة – مجرد يوم عطلة رسمية تغلق فيه مدارسنا ودوائرنا أبوابها؛ فقد كره الناس هذه العطل التي لم تعد عليهم إلا بالضرر والخسران... في عيد الهجرة – وفي غيره من أعيادنا – نريد عملاً، وجهدًا مضاعفًا.. نريد علمًا ومعرفة..  نريد رجولة وصلابة في المواقف.. نريد تشبُّثًا بالحقوق .. نريد عزّةً وكرامة.. نريد وحدة في المواقف والمشاعر وفي الغايات والأهداف.
وفي هذا العام الهجري الجديد لا ننسى أن نشد على أيدي كافة الأُباة الأحرار الكرام في سائر ديار العروبة والإسلام، ولا ننسى أن نشيد بمواقف أنصار الحق والعدل والحرية في كافة أنحاء هذا العالم.وكل عام وانتم بخير
 
(26/11/2011(
   
  

الخميس، ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١١

قادرون على إنهاء الانقسام.. وحماية اتفاق المصالحة!!

متابعات
قادرون على إنهاء الانقسام.. وحماية اتفاق المصالحة!!
أ. عدنان السمان
www.samman.co.nr
    في حرب عام ثمانية وأربعين شهدت أرض فلسطين كثيرًا من المتطوعين الذين توافدوا عليها من مختلف أقطار العروبة والإسلام.. لقد رأينا في فلسطين آنذاك كثيرًا من المقاتلين المصريين والسوريين واللبنانيين والعراقيين والهنود واليوغسلاف... صحيح أنهم لم يستطيعوا إسقاط المؤامرة، لكن صحيح أيضًا أن أرض فلسطين كانت عربية إسلامية بكل المقاييس، وأن واجب الدفاع عنها كان مسئولية عربية إسلامية لا يستطيع أحد إنكارها.. وفي أعقاب النكبة قالوا إن تحرير فلسطين هو مسئولية عربية، وإن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى والمركزية، ولقد سمع الناس في هذه الديار خلال تلك الحرب، وعلى امتداد أشهر العذاب والجوع والموت والتهجير التي أعقبتها مقولات وجملاً منها: فلسطين هي بؤبؤ عيني، الهول الهول.. المدفع يتكلم، والقول المغنّى المشهور الذي كان يصمّ الآذان: خلي السيف يقول، ويمشي عرض وطول... ثم قالوا لنا بعد ذلك إنه لا يحرث الأرض إلا عجولها، وإن قضية فلسطين ليست قضية العرب، وإنما هي قضية الفلسطينيين.. أما دور العرب فمحصور في دعم أشقائهم الفلسطينيين، وفي مؤازرتهم، وعليه، فقد قالوا في الرباط عام أربعة وسبعين إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وإن هذه المنظمة هي المسئولة عن تحرير فلسطين، وحلّ هذه القضية الفلسطينية.
   وبعد توقيع اتفاقات أوسلو قالوا إن الفلسطينيين قد حققوا آمالهم، وإنهم قاب قوسين أو أدنى من استرداد   حقوقهم، وإنْ هي إلا طرْفة عين حتى يغير الله من حال إلى حال، وحتى يحصل شعبنا على الاستقلال، ويعود اللاجئون والمهجرون إلى ديارهم، والأسرى إلى بيوتهم.. فلقد حلّ عهد السلام والأمن والأمان والحرية... ثم قالوا إن المسألة ستستغرق بعض الوقت لأن الطرف الآخر في المفاوضات الجارية مُتعنت بعض الشيء، وبعد أن ازداد تعنت الطرف الآخر قالوا إن الحياة مفاوضات!! ولما توقفت المفاوضات، وتوقفت معها عملية السلام، ولما ازداد صلف الطرف الآخر، وتعنّته... ولما أمعن هذا الطرف في استفزازاته، واعتقالاته، ومصادراته، ومداهماته، واستيطانه، واستيلائه على بيوت الناس، وأراضيهم... ولما أيقن الفلسطينيون أن هذا الطرف غير جادٍّ في تنفيذ شيء مما يريدون، وغير جادٍّ في "التنازل" لهم عن شيء من حقوقهم الثابتة في وطنهم فلسطين، ولما أيقنوا أيضًا أن الاستيطان لن يتوقف، وأن القدس لن تعود كما كانت يوم الرابع من حزيران، وأن حق العودة قد استُبدل منذ أمد بعيد بحق عودة الآخر، وأنه لا فرق عند هذا الآخر بين هذه المنطقة أو تلك من أرض الآباء والأجداد، وأن البيض "كما قال رئيس دولتهم يومها لوفد المعزين بوفاة والده" قد يصبح عُجة، ولكن العُجة لن تصبح بيضًا بحال، في إشارة إلى الضفة الغربية التي لن تعود إلى سابق عهدها، تمامًا كالعجة التي ليس من الممكن أن تصبح بيضًا من جديد!!... ولما أيقن الفلسطينيون أنه ليس أمامهم إلا التصافي والتصالح والتفاهم من جديد، وليس أمامهم إلا إنهاء الانقسام، والعودة إلى سابق عهدهم، وإلى سابق وحدتهم، وإلى سابق مواقفهم، وإيمانهم بثوابتهم، وإلى سابق العلاقات الأخوية الوثيقة بين الفلسطينيين جميعًا في فلسطين كل فلسطين، والفلسطينيين في كل أرجاء الكون، وإلى سابق العلاقات الأخوية الوثيقة مع كل أحرار العرب، ومع كل أحرار المسلمين وشرفائهم، ومع كل أحرار العالم الذين آزروا شعب فلسطين، ولا زالوا يؤازرونه، فقد أصبح واضحًا كل الوضوح لهذا الشعب العربي الفلسطيني، ولكل أحرار العرب، ولكل أحرار العالم أنه ليس أمام الفلسطينيين إلا إنهاء الانقسام، وتوقيع اتفاق المصالحة الذي تم التوصل إليه في الرابع من أيار الماضي، وليس أمامهم إلا العودة إلى وحدة الكلمة، ووحدة الصف، ووحدة الهدف، ووحد المصير.. وليس أمامهم سوى إقامة علاقاتهم مع الناس في هذا العالم بناءً على مواقف هؤلاء الناس من قضيتهم الفلسطينية العادلة.
   إن الشعب العربي الفلسطيني، وهو يرقب لقاء القاهرة في هذا اليوم الخميس، ليرجو ويأمُل أن يشهد هذا اليوم ميلاد وحدة فلسطينية شاملة تحقق للفلسطينيين ما يطمحون إليه من عزة وكرامة ومنعة واستقرار وحرية وأمن وأمان وسلام، وتحق لهذا الشعب العربي الفلسطيني حقًّا، وتزهق باطلاً، وترفع حصارًا، وتعيد لُحمةً وأمنًا وأمانًا وسلامًا يتوق إليه الفلسطينيون جميعًا منذ أمد بعيد.
   وإن الفصائل والقوى والأحزاب والحركات والتنظيمات والاتحادات والنقابات والمؤسسات والجمعيات، وإن الأكاديميين والمفكرين والكتّاب والإعلاميين، وكافة الشخصيات الوطنية والقومية والدينية والعلمانية في فلسطين، وعلى رأس كل هؤلاء وأولئك فتح الشهداء.. فتح المقاومة.. فتح الأسرى.. فتح النضال الوطني قادرون جميعًا على إغلاق هذا الملف، والعودة بشعبنا إلى سابق عهده، وقادرون على حماية اتفاق المصالحة، وتحويله إلى اتفاق دائم ثابت ليس بإمكان أحد أن ينال منه تحت أي ظرف، ولأي سبب كان.. وقادرون جميعًا على تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وقادرون جميعًا على وضع أهداف هذا الشعب وطموحاته موضع التنفيذ.. وإن غدًا لناظره قريب!!
24/11/2011
  

السبت، ١٩ تشرين الثاني ٢٠١١

من أعلام الإسلام.. عز الدين القسام

اعادة
من أعلام الإسلام.. عز الدين القسام
 
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
 
هو عز الدين بن عبد القادر بن مصطفى القسّام، وأمه حليمة قصّاب، وكان أبوه قد تزوج من امرأتين: حليمة (وأنجب منها فخر الدين، وعز الدين، ونبيهة) والثانية آمنة جلّول (وأنجب منها أحمد، ومصطفى,وكامل,وشريف) وهو من مواليد بلدة جبلة في محافظة اللاذقية على الساحل الشمالي لسورية في اليوم العشرين من تشرين الثاني من العام اثنين وثمانين وثمانمائة وألف. أتم دراسته الابتدائية في كتاتيب بلدته جبلة، وفي زاوية الإمام الغزالي.. ومن ثم ارتحل إلى مصر عام 1896 مع عدد من فتيان منطقته، حيث درس في الأزهر الشريف عشر سنوات نال بعدها شهادة الأهلية الأزهرية... لقد نشأ عز الدين نشأة إسلامية، وكان أستاذه في الكتّاب شديد الإعجاب بذكائه وأخلاقه واستقامته.. كما كان قوي الشخصية عصاميًّا شديد الثقة بنفسه.. ففي الأزهر الشريف، وبعد تأخر المصاريف من الأهل مدة طويلة، ونفاد ما في الجيب واليد صنع القسام الهريسة، وباعها للطلاب أمام الأزهر الشريف، وهو ينادي بأعلى صوته على بضاعته، بينما زميله عز الدين التنوخي يقف إلى جانبه في حال من الخجل الشديد.. وهكذا خرج الصديقان من أزمتهما.. ومما يُذكر في هذا السياق أن التنوخي والد عز الدين قد توجه في تلك الأثناء لزيارة ابنه فوجده مع القسام على هذه الحال أمام باب الأزهر، ولما حاول التنوخي أن يوضح لأبيه –وهو يشعر بالحرج- أن الأمر من تدبير صديقه القسام لمواجهة الوضع الصعب، قال له أبوه: لقد علَّمك القسام معنى الحياة يا ولدي... وزوجته بنت عمته أمينة نعنوع التي أنجب منها ثلاث بنات: خديجة، وعائشة، وميمنة، ثم ابنه الوحيد محمد عام 1929خاضت إلى جانبه ثورته ضد الفرنسيين... آما أبوه فكان يدرّس أبناء القرية أصول القراءة، وحفظ القرآن في الكتّاب، ثم اشتغل لفترة مستنطقًا في المحكمة الشرعية.
وفي الأزهر الشريف تتلمذ القسام على الشيخ محمد عبده، وأحب دروسه، كما تتلمذ على الشيخ محمد أحمد الطوخي.. وفي الأزهر الشريف تأثر القسام أيما تأثر بروح العداء للاحتلال البريطاني الذي جثم على صدر مصر منذ العام 1882، كما تأثر بموقف الأزهر من الحملة الفرنسية على مصر قبل الغزو البريطاني بزمن طويل (1798) كما تأثر تأثّرًا كبيرًا بفكر الشيخ جمال الدين الأفغاني، ودعوته المستمرة للثورة على الغزاة الذين يستهدفون ديار العروبة والإسلام.. ولعل القسام قد تأثر أيضًا برشيد رضا وبمقالاته التي كان ينشرها منذ مطلع القرن الماضي في مجلته الأسبوعية "المنار" حول الدولة اليهودية التي تعتزم الصهيونية إقامتها في فلسطين.. وفي الأزهر الشريف جمع القسام بين علوم العربية، وعلوم الشريعة، وتفاعل أيما تفاعل مع كل ما يجري على الساحة العربية الإسلامية من كبار الحوادث والأحداث على امتداد سنوات دراسته التي بلغت عشر سنوات تمكن القسام خلالها من بناء شخصيته الإسلامية الثائرة الملتزمة المتسلحة بالعلم والوعي والعزيمة والإيمان.
ويعود عز الدين إلى جبلة بعد التخرج، ويعرض عليه أبوه أن يذهبا معًا إلى قصر الآغا ليسلّما عليه، ولكن عز الدين يرفض ذلك مبتسمًا، وهو يقول: المقيم – يا أبي- هو الذي يسلّم على العائد من السفر.. وعليه فإنه يجدر بالآغا أن يأتي لزيارتنا. وما إن عاد حتى راح يمارس التدريس في زاوية والده، وفي جامع السلطان إبراهيم بن أدهم، كما تولى خطابة الجمعة في مسجد المنصوري وسط البلدة.. وارتفع بهذا شأن عز الدين، ولم يتمكن حاسدوه من النيل منه شعبيًّا أو رسميًّا، بل إنه وبعد عمله موظفًا في مسجد المنصوري رفع من شأن أسرته، ومنع أمه وأخواته من العمل في بيت الآغا.
وتدخل جيوش الحلفاء دمشق في مطلع تشرين الأول 1918، ويكون القسام أول ثائر في وجه هذه الجيوش، ومعه تلاميذه ومريدوه ومحبوه من شبان المنطقة، وقد استشهدت غالبيتهم في تلك المواجهات التي استمرت دون توقف مدة عام كامل (1919 – 1920)  ويخوض تلك الثورة المبكرة ضد الاحتلال الفرنسي أيضًا كل من إبراهيم هنانو، والشيخ الثائر صالح العلي، وعمر البيطار.. وتستمر هذه الثورة حتى آذار 1921... ويحاول الفرنسيون استمالة القسام بتوليته القضاء، ولكنه يرفض ذلك محرّمًا كل أشكال التعامل مع الاحتلال، ويحكم عليه الديوان العرفي الفرنسي في اللاذقية بالإعدام غيابيًّا.
وفي النصف الثاني من العام 1920 (وتحديدًا ما بين شهر آب حتى نهاية ذلك العام) يدخل القسام فلسطين (التي كانت تسمى آنذاك جنوب سوريا) ومعه أتباعه الستة: أحمد إدريس، الحاج علي عبيد، الشيخ محمد الحنفي، الحاج خالد، ظافر القسام، عبد المالك القسام.. وفي عكا قرر الشيخ أحمد إدريس العودة، وانتقلت المجموعة من عكا إلى حيفا المدينة الجميلة ذات الخليج البحري الهام، المتصلة بحرًا بالمدن اللبنانية والسورية الساحلية، وذات العلاقة التاريخية الوثيقة بهذه الموانئ، وبدمشق عاصمة بلاد الشام، وفوق ذلك فإن حيفا بعيدة عن نفوذ العائلات الفلسطينية المتصارعة آنذاك، ثم إن في حيفا القديمة – حيث استقر الشيخ القسام ورفاقه- أحد عشر ألف فقير فلسطيني (نزحوا إلى حيفا القديمة من القرى المجاورة بعد أن فقدوا بيوتهم) يعيشون في بيوت من الصفيح، ثم إن الانتداب البريطاني – وهذا هو الأهم- قد اتخذ من حيفا قاعدة لأسطوله.. لهذه الأسباب، وربما لأسباب أخرى، أتخذ القسام مدينة حيفا مقرًّا لإقامته، ومنطلقًا لثورته في فلسطين.
جاء في كتاب "الوعي والثورة" لسميح حمودة عن الصحافي العربي الفلسطيني عبد الغني الكرمي أن القسام رآه بعد أسبوع من إعدام الثوار الثلاثة على المشانق في 17/6/1930 يلعب النرد في جمعية الشبان المسلمين، وسمعه وهو يسخر من قروي جاء للعلاج في عيادة الجمعية الإسلامية إذ أشكل عليه التفريق بين الاسمين: "الجمعية الإسلامية" وجمعية الشبان المسلمين" لتقاربهما في التسمية، فانتهره القسّام، وأخذ بيد القروي إلى العيادة، ولم يتركه حتى اشترى له الدواء. وهذه واحدة من القصص الكثيرة التي تناقلها الناس عن حب القسام للفلاحين والعمال، ويكفي أن نذكر أن غالبية مؤيدي القسام كانوا من عمال سلطة القطارات في حيفا ومن موظفي هذه السلطة، ويكفي أن نذكر أيضًا أن عمال الحجارة في الكبابير وعددهم سبعمائة حجّار كانوا من القساميين..
ولا بد هنا من الإشارة السريعة إلى عدد من رجال القسام وعلى رأسهم الشيخ فرحان السعدي، وهو من قرية المزار قضاء جنين، وكان على علاقة وثيقة بالقسام. ومنهم حسن الباير من قرية برقين قضاء جنين، ومحمود سالم من الرملة وكان يعمل حارسًا في محطة القطار بحيفا، والشيخ نمر السعدي من غابة شفا عمرو، وهو ابن عم فرحان السعدي، والشيخ عبد الله يوسف زيباوي من قرية الزيب قضاء عكا، وعبد قاسم وهو فلاح كان يبيع الكاز في شوارع حيفا، ومحمد زعرورة وكان يبيع الكاز أيضًا، ومحمد الصالح حمد "أبو خالد" من سيلة الظهر، وكان عاملاً في حيفا، وخليل محمد عيسى "أبو إبراهيم الكبير" من قرية المزرعة الشرقية قضاء رام الله، وأحمد الغلاييني وكان يعمل سمكريًّا في حيفا، وعطيفة أحمد المصري، وهو عامل سفن من مصر، وأحمد الطيب أبو منصور، وكان من أوائل من عملوا في تهريب الأسلحة وتخزينها بعد أن تبناه القسام وقوّم اعوجاجه، وألحقه بالحركة الجهادية، ومحمد أبو قاسم خلف من حلحول قضاء الخليل.
استشهد الشيخ عز الدين القسام في أحراش يعبد في اليوم العشرين من تشرين الثاني من العام خمسة وثلاثين وتسعمئة وألف بعد أن حوصر هناك مع عدد من أصحابه المجاهدين.. ولقد أورد الدكتور عبد الستار قاسم في كتابه " الشهيد الشيخ عز الدين القسام" وصفًا مثيرًا لوقائع تلك المعركة، ولمقدماتها ونتائجها، كما أورد في هذا الكتاب تعليقًا وتحليلاً سياسيًّا يجدر بكل متابع للحركة الوطنية في فلسطين أن يقرأه.. كما وردت في كتاب "الوعي والثورة" لمؤلفه سميح حمودة تفصيلات وتحليلات ومعلومات جمعها المؤلف مما كُتب عن القسام وعن هذه المعركة تحديدًا، ومما تناقله رفاق القسام، وبعض المجاهدين الذين شاركوا في معركة الأحراش... ويجدر بكل دارس، وبكل مهتم بحركة التاريخ في هذه الديار أن يقرأه ليطّلع على سيرة مجاهد كبير، وعلم من أعلام الإسلام جاهد بعلمه ولسانه وماله، وضحى بدمه ملبّيًا داعي الجهاد في سبيل الله على أرض البطولات ومهد الرسالات أرض فلسطين.
وقبل أن أنهي هذا المقال ينبغي أن أشير إلى عدد ممن كتبوا في استشهاد هذا الشيخ المجاهد شعرًا ونثرًا.. أما المراثي الشعرية فمنها: 1- قصيدة قتلوك لليعقوبي. 2- قصيدة شهيد فلسطين للصارخ. 3- قصيدة إلى روح شهيد الوطن الخالد لواصف عبد الرحمن. 4- قصيدة سموك زورًا  بالشقي للشيخ نديم الملاح. 5- قصيدة يا رحمتنا للشاعر ابن خلدون. 6- مرثيّة الشاعر فؤاد الخطيب. 7- قصيدة الشهيد عز الدين القسام للشاعر صادق عرنوس. 8- قصيدة يا خسارة يا عز الدين للشاعر الشعبي نوح إبراهيم. 9- قصيدة الشهيد للشاعر إبراهيم طوقان ومنها هذه الأبيات:
عبس الخطبُ فابتَسَمْ            وطغى الهولُ فاقتَحَمْ
رابط الجأش والنهى            ثابت القلب والقَدَم
لم يبـالِ الأذى ولمْ             يثنه طارئُ الألـمْ
نفسُـه طَوعُ همـةٍ            وجمتْ دونها الهممْ
تلتقي في مزاجهـا             بالأعاصير والحممْ
تجمع الهائج الخضمَّ            إلى الراسخ الأشمّ
وهي من عنصر الفدا           ء ومن جوهر الكرمْ
سار في منهج العلا             يطرق الخلدَ منزلا
لا يبـالي مكبّـَلا               نالـه أم مجنـدَلا
فهو رَهْنٌ بما عزمْ    (جريدة فلسطين – يافا 24/11/1935 ص7.)
وأما المراثي النثرية فمنها: ليس من صانوا الحمى بالأشقياء. بقلم الأستاذ أكرم زعيتر.(الجامعة الإسلامية 22/11/1935) . ومنها بررة أتقياء ، لا فجرة أشقياء.. لا تظلموا الموتى بعد أن ظلمتم الأحياء للفاروقي (سليمان التاجي الفاروقي/ رئيس تحرير الجامعة الإسلامية- يافا 22/11/1935) هذه عصابة الحق فمجّدوها. بقلم الشيخ حسين حسونة – اللد. الشيخ عز الدين القسام وصحبه ماتوا شهداء في سبيل الله والوطن. بقلم الشيخ أسعد الشقيري- عكا (جريدة فلسطين- يافا 24/11/1935، ص3) الشهيد الجليل والعالم الكبير فضيلة الشيخ عز الدين القسام. بقلم بدر الدين الخطيب- دمشق (الجامعة العربية. 26/11/1935) أيها الشاهد الخالد.. حياك الله. لطفي ريال (جريدة الدفاع 28/11/1935) خذوا العبرة من استشهاد القسام. حلمي الإدريسي (الجامعة الإسلامية 28/11/1935) الشيخ عز الدين القسام المجاهد والشهيد الفلسطيني الخالد. محمد مجذوب – طرطوس (جريدة الجامعة العربية/ القدس 20/12/1935).
كلمة جميل مردم بك في حفل تأبين الشيخ القسام (الجمعة 3/1/1936) كلمة نائب حماة الدكتور توفيق الشيشكلي (نشرت في جريدة الجامعة العربية 7/1/1936). خطاب جمال الحسيني رئيس الحزب العربي الفلسطيني في حفل تأبين القسام (نشر في جريدة الجامعة العربية 7/1/1936). أحب من الناس المجانين بقلم عيسى السفري (كتاب رسالتي لعيسى السفري – يافا 1936).
كلمة الأستاذ إبراهيم الشنطي رئيس تحرير جريدة الدفاع – يافا، والتي نشرت في جريدة الدفاع بتاريخ 7/1/1936، ومنها هذه السطور:
في يعبد لنا ثأر .. لنا حسين .. لنا كربلاء
في يعبد لنا جامعة .. لنا أساتذة .. لنا شهداء
أيها الناقدون .. كفى انتقادا
أيها القاعدون .. حسبكم اقتعادا
أشرف الممات.. ما اقتحم المذلَّ الظالم
وأرذل الحياة. أن تكون المذعن المسالم


 
لو لم يُستشهد القسام على ذلك الوجه، لما زحفت البلاد إلى سكنه.. رحم الله شهيد يعبد.. أيّنا يتحدث عن الشجاعة بعد الشيخ الشجاع؟ أيّنا يقول بالتضحية بعد الذي شرى وباع؟! سخفت الحياة ، وذلّت الرجولة، وتلك يعبد لمن قال: أنا فتى في الرجال.
طال حسابنا مع الإنجليز. منذ أول الاحتلال، ونحن ندفع الثمن، عدًّا ونقدًا، كوارث ومحنًا. آلام تسعة عشر عامًا ضاقت بها جسومنا، فمتى التصفية؟
رحمك الله يا شيخنا رحمة واسعة، وجزاك عن فلسطين، وعن كل ديار العروبة والإسلام خير الجزاء.
 
مصادر البحث:
 
1_ الوعي والثورة، لسميح حمودة.
2_ الشيخ المجاهد للدكتور عبد الستار قاسم.
3_ أرشيف الصحافة الفلسطينية في مكتبة بلدية نابلس العامة.
 
 

الخميس، ١٧ تشرين الثاني ٢٠١١

كم مرة سقط النصيف ؟!

متابعات
كم مرة سقط النصيف ؟!
أ.عدنان السمان
    هؤلاء الذين يصرّون على إذلال هذه الأمة مخطئون ، وهؤلاء الذين يراهنون على خضوع هذه الأمة واستكانتها واهمون ، وهؤلاء الذين لا يحسنون قراءة التاريخ ، ولا يستوعبون شيئًا من عبره ودروسه أكثر من مخطئين ، وأولئك الذين يحلمون بالسيطرة على هذه الأمة من أبنائها الطامعين فيها ، ويمنّون أنفسهم بالتحكم بأجيالها ، وبنهب ثرواتها ومقدراتها ، وخداع شعوبها بالتعاون مع ألدّ أعدائها أكثر من واهمين ، وأكثر من حمقى لا يثيرون في نفوسنا إلا الشفقة ، ولا يستثيرون فينا إلا الرثاء ، ولا نملك لهم إلا الدعاء بالهداية والاستقامة واستخلاص الدروس والجمل المفيدة من تجاربهم ، وتجارب من سبقوهم بالتبعية للأجنبي ، والعمل تحت رايته ، والتعاون معه لقاء عرض زائل ، ومتاع حقير لا يسمن ولا يغني من جوع ، ولقاء مناصب ورواتب ورتب ومرتبات لا تُبدد شيئًا من مخاوفهم ، ولا تطفئ شيئًا من عطش نفوسهم وتعطشها لشربة تطفئ جذوة النيران المستعرة في أعماقها ، وفي أحشائها ، وهل هنالك ما هو أشد إيلامًا من عملية الاحتراق الداخلي عندما يخلو الشقي بنفسه ، ويستعرض ما كان من مخازي يومه وأمسه ، في لحظاتٍ من ثورة خلق ، وصحوة ضمير ؟؟ وهل هنالك ما هو أسوأ في هذا الوجود ممن يناصب نفسه وقومه وعشيرته ألوانًا من العداء تفرضها عليه تبعيةٌ عمياء لقومٍ بل أقوامٍ غير قومه ، وثقافة بل ثقافات غير ثقافته ، فيمشي مشية الغراب ، ويضحي مسخًا فاقدًا الصلة  بجذور قومه الضاربة في أعماق التاريخ ؟ وهل هنالك ما هو أسوأ ممن ارتضى لنفسه أن يكون رأس حربة يغمدها الخصوم في قلب أمه وأبيه وعشيرته التي تؤويه ؟ وهل هنالك ما هو أسوأ ممن كان ريحًا سمومًا أصابت حرث قومه ، وحرث شعبه ، وحرث أمته فأهلكته ؟ وأصابت كل أخضر يانع في وطنه فأحرقته ؟ وتقولون لي ولغيري من عباد الله إن هؤلاء لا يريدون إلا الإصلاح ، ولا يبتغون إلا وضع النقاط على الحروف !! وأنا أقول لكم غير ذلك ، فليس من طبيعة الإصلاح أن يُبنى على الجماجم والأشلاء ، وليس من طبيعة النقاط التي يضعها الحكماء على الحروف أن تكون نقاطًا من دم ، وشلالات من دم ، وبركًا من دم تسبح فيها الحروف ، وتغرق في وحلها الكلمات والجمل والدروس ، ويبحر فيها التاريخ شاكيًا باكيًا داميًا حزينًا يلعن الغزاة المعتدين ، ويلعن حلفاءهم وأعوانهم وأتباعهم ممن كانوا حربًا على أبنائهم وإخوانهم وشعوبهم ، وممن كانوا لعنةً على هذه الأمة ، ووصمة عارٍ في جبينها لا تزول إلا بزوالهم ، ولا يمحوها إلا حد السيف الذي تنتصر به هذه الأمة على كل أعدائها خارج كل أوطان العروبة والإسلام ، وداخل كل هذه الأوطان .
   كم مرةً قال الناس في هذا العالم للغزاة أن يكفوا عن عدوانهم ؟ وكم مرةً قالت الشعوب للغزاة مثل ذلك ؟ وكم مرة اعتدى فيها الغزاة على هذا البلد أو ذاك ، ثم خرجوا منه يجررون أذيال الخيبة والهزيمة ؟ وكم مرةً أباد فيها الغزاة هذا الشعب أو ذاك ، ثم اضطروا بعد ذلك لدفع ثمن فعلتهم ؟ وكم مرةً أشعل فيها المعتدون نيران العداوة والحروب ، ودمروا ، وأحرقوا ، وأغرقوا من أجل أمورٍ تافهةٍ حينًا ، ومن أجل لا شيء أحيانًا ، ومن أجل عظمةٍ زائفةٍ أحيانًا أخرى ؟ لماذا لا يكف المعتدون عن عدوانهم ؟ ولماذا لا يثوب المعتدون إلى رشدهم ؟ ولماذا لا توجه الجهود في هذا العالم نحو الإعمار والبناء وتخليص البشرية من عللها وأمراضها وآلامها وخوفها وجوعها وجهلها ؟ لماذا لا يعمل الناس جميعًا في هذا العالم من أجل خير الإنسان وسعادته وأمنه وطمأنينته ؟ لماذا لا يسود سلطان الحق والعدل والعدالة كل ربوع هذا العالم ؟ ولماذا لا ينتصر الخلق ، ولماذا لا يصحو الضمير ؟؟
      وإذا كانت القوى الشريرة في هذا العالم تأبى إلا أن تكون مصدر دمارٍ وخرابٍ وإزعاجٍ للناس وعدوانٍ عليهم ، فلماذا لا تتحالف كل قوى الخير ، وكل القوى المحبة للحق والعدل والعدالة والسلام من أجل التصدي لأولئك الأشرار ، ومن أجل تخليص البشرية من شرورهم وآثامهم ؟ لماذا لا تقيم كل هذا القوى و الدول والأحزاب والتجمعات والمنظمات والتنظيمات والأفراد تحالفًا قويًّا مؤثّرًا يعمل من أجل خلاص البشرية مما هي فيه من حروب وكروب وعذاب واضطراب ؟؟ وكم مرةً قالت الشعوب لذوي النفوس المريضة من أبنائها أن يكفوا عن التبعية للأجنبي ، وأن يتوقفوا عن الارتباط به ، والتعاون معه ؟؟ كم مرةً قالت الشعوب لحكامها أن يكونوا كرامًا شرفاء راشدين عادلين مصلحين يتقون الله في أوطانهم وإنسانهم وأديانهم ؟ كم مرةً قالت الشعوب العربية الإسلامية لحكامها بأكثر من لغة ، وبأكثر من لهجة، وبأكثر من أسلوب ، إن عليهم أن يتوحدوا ، لأن هذه الأمة هي أمة واحدة !! وإن عليهم أن يعملوا من أجل كرامة هذه الأمة وعزتها ، لأن هذه الأمة يجب أن تكون عزيزةً مرهوبةً الجانب !! وإن عليهم أن يعدوا لهم ، لأن الإعداد شرطٌ لبناء القوة التي من شأنها أن تصون حقوق الأمة ، وتبقي عليها عزيزةًً مرهوبة الجانب !! لا يجرؤ أحدٌ على أن يمسها بسوء !!
    وكم مرةً قالت الشعوب لبعض أبنائها الذين يستعينون بالأجنبي كي يوصلهم إلى الكراسي التي يحلمون بها ، ولو كان ذلك على حساب وحدة شعب ، ووحدة وطن ، ولو كان ذلك  على حساب تجزئة المجزأ وتفتيت المفتت ، ولو كان ذلك أيضًا على حساب الفتن والاضطرابات التي ستظل تعصف بالأمة وتقوض أركانها وتهدم بنيانها لعشرات السنين القادمة .. كم قالت الشعوب لبعض هؤلاء المارقين من أبنائها أن يكفوا عن ولائهم للأجنبي ، وارتباطهم به ، وأن يكفوا عن ادعاء الغيرة على الشعوب والأوطان ، وأن يكفوا عن التظاهر بممارسة دور الإصلاح والمصلحين ، وهم الفاسدون المفسدون الضالون المضلون الذين لا يبغون إلا خدمة الأجنبي وتنفيذ تعليماته وأوامره الجديدة ، ولو كان ذلك على حساب الشعوب والأوطان وقضايا الأمة وثوابتها وقيمها ومثلها العليا ومكونات شخصيتها ، ولو كان ذلك أيضًا على حساب ما تبقى لها من عروبة ، وما تبقّى لها في الصدور من إسلام!!
كم مرًة سقطت فيها ورقة التوت ، بل أوراق التوت ، وكم مرةً ضُبط فيها هؤلاء وهم يتصلون بسادتهم ومعلميهم وكم مرةً سقط النصيف ، وبان المستور !! وكم مرةً دفع فيها كثيرٌ من هؤلاء ثمن ما يقدمون عليه ، ويُغذّون الخطى إليه ، ولكن هذا – مع الأسف- لم يردعهم ، ولم يردع من شاهدوا نهايتهم بأم أعينهم عن السير على خطاهم .. ولو قدر لهؤلاء أن يعودوا إلى الحياة لعادوا إلى ما كانوا عليه من تبعيةٍ وولاء لأسيادهم .. هذا هو مربط الفرس كما يقولون ، وهذا هو أيضًا بيت القصيد كما يقول نقاد الأدب ، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان !! فأمّا سر الارتباط إلى هذا الحد بالأجنبي فهو اليأس والخوف والجوع والحقد والشعور بالظلم ، وقد يكون شيءٌ من ذلك أو كله ، أو غير ذلك من أطماع وطموحات أو أوهام تملأ كثيرًا من رؤوس أصحابها .. وإذا كان الأمر كذلك وهو في تقديري كذلك ، فإن علاج هذه الظاهرة المدمرة التي يتحول فيها كثير من أبناء الأمة إلى مؤيدين للأجنبي ، قد أصبح حاجة وطنية قومية دينية ملحةً لوضع حد لهذه الظاهرة الموغلة في الخطورة والسوء .. على الأمة أن تعالج هذه الظاهرة في الحال عن طريق إزالة كل أسبابها بالتعاون الوثيق مع كل أنظمة الحكم الراغبة في الإصلاح والعمل الوطني الجماهيري : فمزيدًا من العدل ، ومزيدًا من العدالة .. ومزيدًا من الحرية .. ومزيدًا من هدم الحواجز والأسوار بين نظام الحكم والناس .. ومزيدًا من التوجه الجاد نحو الإصلاح السياسي ،والاقتصادي ،  والاجتماعي .. ومزيدًا من المرونة في الاتصال بموجهي الرأي العام وقادة الحركات الشعبية المطالبة بالإصلاح وإطلاق الحريات العامة ، وتقريب المعروفين بانتمائهم الوطني والقومي ، واستشارتهم والأخذ بأرائهم ووجهات نظرهم ، وتقريب المعروفين بالنزاهة والغيرة والشفافية والولاء للبلد وثوابته وقضاياه ... كل ذلك في إطارٍ من الرؤية الشاملة ، والروح الإيجابية ، والمواطنة الصادقة المسئولة ، والحرص كل الحرص على مصلحة البلاد والعباد ، والبعد كل البعد عن التبعية للأجنبي ، والأجندات الخارجية على اختلاف ألوانها وأشكالها .
      إن اولئك الذين يناصبوننا العداء في أفغانستان والعراق وباكستان ، وفي كثيرٍ من ديار العروبة والإسلام .. ثم يُهزمون .. ثم يُفكرون بالعودة إلى فعل ما فعلوه في هذا البلد العربي أو ذاك لهو أكبر دليل على أن هذا العدوّ لا يمكن أن يكف عن عدوانه إلاّ بمزيد من الحزم ، ومزيد من الردع ، ومزيد من التلاحم والتعاضد، ومزيد من العمل العربي الإسلامي المشترك الذي من شأنه أن يوقفه عند حده ... فالأجنبي لا يقوى على اختراق جبهة موحدة ، والأجنبي لا يغامر بالعدوان على أمة حية قويةٍ واثقةٍ من نفسها عرفت حدها فوقفت عنده ، وعرفت حدود الآخرين فأوقفتهم عندها ، ولم تسمح لهم بتجاوزها .. تلك هي المعادلة ، وتلك هي النظرية .. وما بين النظرية والتطبيق ما يستوجب شيئًا من العمل ، وشيئًا من الدعاء ، وشيئًا من القطران يا أمة العرب .
17/11/2011
 
 
    
 

الأحد، ١٣ تشرين الثاني ٢٠١١

عزيزي القارئ .. أو قارئي العزيز .. وكذلك عزيزتي القارئة :

متابعات
عزيزي القارئ .. أو قارئي العزيز .. وكذلك عزيزتي القارئة :
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
       كل عام وأنت بخير .. بل كل العام وأنت بخير .. على مدار العام أتمنى لك الخير ، لا في يوم واحد هو يوم العيد .. وأتمنى كذلك أن تكون أيامك كلها أعيادًا .. لكن في فرحتها وبهجتها ، لا في ما يرافق الأعياد من إغلاق وتعطيل للمدارس والمعاهد والجامعات والعيادات والدوائر والمؤسسات .. وثقي عزيزتي القارئة ، وثق أنت عزيزي القارئ  أنه وعلى الرغم من بهجة العيد ، فقد كنتُ حزينًا لأنني لم أكتب لك شيئًا على مدى أحد عشر يومًا ، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعتُ عنك يومًا واحدًا ، ولكن الأمر بيد الأخ الناشر ، والأخت التي تتولى أمر كل جديد أكتبه لتضعه بين يديك على مدوّنتي ، والسيدة ( الراقدة الآن على سرير الشفاء ) التي تتكرم بنقل ذلك إلى صفحة التواصل الاجتماعي ، هذه الصفحة التي عملت تلك السيدة على تأسيسها منذ بضعة أشهر  ، وعلى تحديثها ، وعلى محاورة الأصدقاء والزوار الذين يقصدونها ، جزاها الله عني وعنهم جميعًا خير الجزاء ، وكتب لها الشفاء ، وجزى الله تلك الأخت التي تتولى أمر تحديث المدونة منذ تأسيسها قبل أكثر قليلاً من ثلاث سنوات ، ووضع كل جديد أكتبه بين يديك – عزيزي القارئ – على هذه المدونة التي أفخر بزوارها وأفاخر في كل قارات الدنيا .. آه كم أنا فخورٌ بكم يا كل زواري !! وكم أنا مشتاقٌ للتعرف عليكم واحدًا واحدُا ، والتحدث إليكم واحدًا واحدًا ، وثقوا أيها الزوار الكرام ، وثقوا أيها الأصدقاء الأعزاء والصديقات أنكم بسمة الأمل التي تنير لي طريقي ، وتغريني بالكتابة والبحث ، وتشجعني على العيش رغم كل صعوبات هذه الحياة ، وعلى الرغم من كل أثقالها وأحمالها وتكاليفها ومشاقها .. فإليكم جميعًا في فلسطين الحبيبة كلِّ فلسطين ، وإليكم جميعُا في سوريا الحبيبة ولبنان والأردن وكل بلاد الشام ، وفي عراق العرب ، والمغرب العربيّ الكبير ، ومصر وكلٍّ أقطار الخليج وشبه الجزيرة ، وفي كلٍّ شبر من الوطن العربيّ الكبير ، وإليكم جميعًا في كل أقطار الدنيا : في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا واليونان و سويسرا والسويد وسلوفينيا وأندونيسيا وأستراليا ، وفي أكثر من ستين بلدًا تزدان بها مدونتي على حداثتها .. لو كنت أمتلك الجهاز وأمتلك المقدرة على الكتابة الإلكترونية ، والتعامل مع " تكنووجيا " هذا العصر ، ولو كنت أمتلك الأدوات لكتبت لك في كل يوم ، ولكنني لا أمتلك سوى هذا القلم ، وهذه الأوراق التي أكتب عليها منذ أكثر من خمسين عامًا ، ومع تطور الحياة أصبحت أتوجه بها إلى من تعيد كتابتها على حاسوبها ، لأدققها وأدققها ، ومن ثمّ لأحتفظ بها على هذا الوميض "الفلاش" الذي أحتفظ به في جيبي منذ أربع سنوات ، فكل الشكر لك يا رولا وأنت تعيدين كتابة ما أكتب ... ولترسل السيدة زين بعد ذلك نسخة إلى جريدتها ، ونسخًا إلى عناوين كثيرة ، و نسخة إلى " المدوّنة " .
       عزيزي القارئ ! في إجازة هذا العيد التي أغلقت فيها هذه البلاد أبوابها تحدثتُ إلى عدد من الطلبة الذين قالوا إنهم لا يكادون يألفون جو المدرسة وغرفة التدريس حتى يبتعدوا عنهما ، ولا يكاد بعضهم يعرف بعضُا أو يألف بعضهم بعضًا ، حتى يغيب عنه ، ويوشك أن ينساه ، ويعود بعد ذلك للتعرف عليه من جديد !! ولا يكادون يلمون بشيءِ مما جاء في الصفحات الأولى من الكتاب حتى يفقدوا صلتهم بها بعد انقطاع يومين كاملين عن المدرسة قد يعقبهما يومٌ أو يومان مَرَضيّان ، وقد يعقبهما يومان لقطاف الزيتون ، والاحتفال بهذا العرس الاقتصادي الزراعي ، ويومان آخران بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أيام للاحتفال بالأسرى المحررين ، وللتضامن معهم ، ويومان بعد ذلك بيومين أو قبل ذلك بيومين للمطالبة بقبول فلسطين عضوًا كامل العضوية في الجمعية العامة للأمم المتحدة .. ثم يعودون إلى المدارس بضعة أيام يراجعون فيها ماكانوا قد تعلموه ، ويجرون بعض الامتحانات ، وقد يتعلمون شيئًا مما جاء في تلك الصفحات الأولى التي تعلموها لتشرق على الأمة شمس العيد التي بلغ مجمل إجازته في هذا العام عشرة أيام ، وهاهم يتحدثون اليوم عن عطلة يوم الثلاثاء القادم وهي عطلة عيد الاستقلال ، ليأتي بعد ذلك يوم جمعة ، ولتأتي بعدها عطلة نهاية الأسبوع يوم السبت ، وليبلغ عدد الأيام التي زار فيها طلبتنا الأحباء مدارسهم منذ بداية هذا العام الدراسي وحتى الخامس عشر من تشرين الثاني ، أي بعد انقضاء شهرين ونصف من هذا العام الدراسي أكثر قليلاً من أربعين يومًا ، فكم يومًا سيداوم هؤلاء الطلبة فيما تبقى لهذا الفصل الدراسي الأول من أيام ؟ كم يومًا سيداومون خلال شهر ونصف هي كل ما تبقى أمامهم لتشرق عليهم بعد ذلك شمس أعياد الميلاد ، وعطلة نصف السنة ، وما ستجود به الدنيا على هذه الأمة من مناسبات ؟؟
      عزيزي القارئ ! من الخير لطلبة هذا الوطن ولهذا الشعب في هذا الوطن أن يتعلم أبناء هذا الوطن ، وأن تختفي من حياتهم ثقافة الكسل ، وثقافة التشرد والتسكع في الشوارع والطرقات ، ومن الخير لأولياء الأمور في هذا الوطن أن يتداركوا أبناءهم قبل فوات الأوان ، وأن ينقذوهم من الجهل والتسكع والعنف الذي يمارسونه في مدارسهم وشوارعهم وأحيائهم مما ينذر بشر مستطير يتهدد البلاد والعباد ، ويتهدد مستقبل الطلبة وأولياء أمورهم في هذه البلاد .
      عزيزي القارئ ! قال لي أحد الأصدقاء أنه قد توجه إلى إحدى عيادات وكالة الغوث في نابلس للعلاج يوم الأربعاء التاسع من هذا الشهر وقد كان سعيدًا بذلك .. كان سعيدًا لأن عيادات وكالة الغوث في نابلس ، وفي غير نابلس بطبيعة الحال ، كانت قد خرجت إلى العمل بعد انتهاء إجازة اعيد التي م تكن أكثر من يوم الوقفة يضاف إليه يوم العيد ، ويومان اثنين بعده فقط لا غير .. شكرت إدارة الوكالة وأكبرت حرصها على مصلحة جمهورها في هذه الديار !! .
       عزيزي القارئ ! كنت قد أعتدت لك كثيرًا من العناوين ، وكثيرًا من القضايا التي سأطرحها بين يديك ، وكثيرًا من مشكلات هذا الوطن وقضاياه ، ىومن مشكلات أوطان العروبة وقضايا أيضًا ، وكثيرًا من مشكلات المال والأهمال في أوروبا وأمريكا ، وكثيرًا من المشكلات السياسية في أوروبا وأمريكا أيضًا .. وكنت قد أعتدت كثيرًا من الأخبار والبشائر التي تزفها الدنيا اليوم لأبناء هذا الوطن العربيّ الكبير بقرب انتصاره على نفسه ، وانتصاره على  كسله ، وعلى أمراضه  وتخلفه وجهله وانتصاره على تبعيته للغربى، وانتصاره على الاقطاع الاقتصادي والسياسيّ والاجتماعي الذي يدمر وجوده على خارطة الدنيا ويشوه وجهه العربيّ الأصيل الذي عُرف به على مر الأزمان والعصور، لينتصر بعد ذلك كله على أعدائه الطامعين في أرضه ، الطامعين في السيطرة على مقدراته وخيراته وثمراته هذه شاءت جامعة العرب أم أبت ، وشاء أمينها العام أم أبى ، وشاء اؤلائك الذين قرروا استدعء الغرب للتدخل بالشأن الداخليّ العربيّ ، ولكن خاب فألهم وطاش سهمهم  وردّ كيدهم إلى نحرهم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون !! ولكنني – عزيزي القارئ – لم أستطع أن أطرح بين يديك كل ما كنت قد أعدته لك ، بسبب سيطرة قضية الطلبة على اهتمامه ، وسيطرتها على يراعي ، وسيطرتها على حسامي ،وسيطرتها علي في يقظتي وفي منامي !!
       عزيزي القارئ ! عندما تفوق الاتحاد السوفياتي على الولايات المتحدة في أبحاث الفضاء قبل أربعين عامًا وجه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان رسالةً إلى الاكاديميين والتربوين إلى الولايات المتحدة قال فيها إن خللاً في المناهج المدرسية والعملية التربوية يكمن وراء ذلك ، وطالبهم بالعمل لإصلاح ذلك الخلل ، وهذا ما كان !!
     وعندما كانت لندن تُقصف خلال الحرب العالمية الثانية  كان رئيس اوزراء البريطاني ونستون تشرتشل حريصًا أن لا يخسر الطلبة الإنجليز يومًا دراسيّ .. لقد وزع الخيام على المدارس ، وأحاطها بكل وسائل الحماية ، وكان يقول : أهون عندي أن تخسر بريطانيا الحرب من أن يخسر طلبة بريطانيا يومًا دراسيّ ... وغنيٌ عن البيان قوله وهو يستمع لتقرير مدير التعليم في لندن عن سير العملية التربوية التعليمية : إن بريطانيا ستخرج من هذه الحرب منتصرةً ما دام طلبتها يتعلمون ... فمتى سنكف أيدينا عن طلبتنا ! متى نتوقف عن التحكم بهم ، والتدخل في كل أمور حياتهم ! متى نتوقف عن إفسادهم ! متى نترك أمر رعايتهم وتعليمهم وتربيتهم لذوي الكفاءة والاختصاص والغيرة من مربي هذا الشعب ومعلميه وتربويه ؟؟
13/11/2011

الخميس، ٣ تشرين الثاني ٢٠١١

متابعات
ألوانُ الحظر الغربية .. في كل الأرض العربية
          أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr                                                                                             
    سأكتب في هذا الصباح  المظلم عن ألوانٍ من الحظر الذي يمارسه الغربيون في بلاد العرب ، وعندما نقول الغربيون ، فإننا – بالطبع – لا نعني شعوب الغرب ، وإنما نعني كثيرًا من دوله ، وكثيرًا من أنظمته التي تحرص كل الحرص على بقاء هذا الوطن العربي الكبير ، وهذا العالم الإسلاميّ المترامي الأطراف تحت سيطرتها بكل ثرواته وإمكاناته ، وبكل مواطنيه أيضًا .. فهذه الأنظمة الغربية التي تريد لنفسها كل ثروات العرب والمسلمين ، وتريد لصناعتها وتجارتها أن تغزو كل أسواق العرب والمسلمين ، وتريد أن يكون العرب والمسلمون في كل ديار العروبة والإسلام مجرد أفواهٍ تستهلك ما يصدّره الغربيون ، ومجرد أجسادٍ ترتدي مايصنعون ، وتزدان بما يبتكرون وينتجون .. هذه الأنظمة الغربية التي تحرص على بقاء هذا العالم الإسلامي الكبير ، أو هذا الشرق الأوسط الجديد أسواقًا لمنتجاتها ، تحرص أيضًا على أن يصدع العرب والمسلمون بما يؤمرون ، فلا يترددون ، ولا يتذمرون ، ولا يخالفون ، وإنمّا ينفذون ، ويرقصون ، ويمرحون ، ويفرحون ، ويطربون ، ويسكرون ، وينتشون وهم يهتفون لحرية الغرب ،  وإباحية الغرب ، وديموقراطية الغرب ، والتبعية للغرب ، والتسبيح بحمد الغرب ، كأن الله لم يخلق إلاّ الغرب ، وكأن الله الذي خلق العرب والمسلمين إنما خلقهم لخدمة الغرب ، وقد أوصاهم خيرًا بالغرب ، وبخفض الجناح للغرب ، وباستعذاب الموت في سبيل الغرب .. وكأن رسوله الكريم قد لفظ آخر أنفاسه الطيبة وهو يوصيهم بلين الجانب للغربيين ، وكأنه وهو يوصيهم بسابع جار ، قد أوصاهم خيرًا بالغرب بعد سبعة بحار  .. ولكي تدوم للغرب سيطرته على كل ديار العروبة والإسلام ، ولكي تدوم هذه العلاقة الحميمة بين الغرب وأتباعه وأحبابه وأنصاره والموالين له في كل ديار العروبة والإسلام ، فإنه يوصيهم بدوره بضرورة المحافظة على تعليماته ووصاياه ، وبضرورة الحفاظ على كافة خطوط الغرب الحمراء ، وعلى كل ألوان الحظر الغربية في كل الأرض العربية .. إنه ، ولكي تنتصر ثقافة الغرب ، ولكي تشرق شمس الغرب غلى كل أرض العرب ، ولكي تغيب شمس العرب إلى الأبد ، ولكي يولد الإنسان العربي الجديد ، ولكي تكون الحياة العربية الجديدة ، ومن أجل أن تُلحق أرض العرب جغرافيًّا وفكريًّأ وثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا بالغرب ، فإنه ينبغي مراعاة التقيد بما هو آت ..
·     تُحلُّ الجيوش في الوطن العربي ، ويُلغى دورها التقليدي ، لتحلَّ محلها قوى الأمن والشرطة التي تُناط بها مهمة حفظ الأمن الداخلي في البلدان العربية ، أمّا سلامة الكيانات العربية ، وحماية استقلالها ، أو تجزئتها بما يناسب مصالح المجتمع الدولي فهي من مسئوليات حلف الناتو الذي قرّر أن يتولاها بمعرفته وتجربته ، وينبغي أن تعمل كافة الشعوب العربية ، ممثلةً في كل أجسامها وهياكلها وعناوينها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والثقافية على تنمية علاقاتها بحلف الناتو عن طريق الاتصال المباشَر بممثليه في كل مناطق الشرق الأوسط .
·      يُحظر على وسائل الإعلام العربي أن تمارس التحريض ، ويُحظر عليها أن تشجع العنف الديني ، أو القومي ، أو الوطني ، ويُحظر عليها تشجيع الإرهاب بشكل مباشَر أو غير مباشَر .. وينبغي أن يتقيّد الإعلاميون والمعلقون والمحلّلون السياسيون والمشرفون على وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بالتعليمات الصادرة إلى حكوماتهم ، ووزارات الثقافة والإعلام فيها ، وإلى إدارات المطبوعات العامة في مناطقهم .. كما ينبغي التشديد على التيارات المناوئة للسلام ، والتشديد على الإعلاميين الذين يمثلون هذه التيارات المعادية للسلام ، والمؤيدة للإرهاب والإرهابيين ، أو المتعاطفة معهم .. كما يُحظر على كل وسائل الإعلام الصادرة في البلاد العربية أو الغربية أن تنشر مقالات وأفكارًا لكتّابٍ عرب متطرفين ، وأن تستبدلهم بكتابٍ معتدلين يؤيدون التوجهات الجديدة ، والثورات الجديدة التي يباركها الغرب ، وينسق معها لتحقيق الأهداف الغربية العربية المشتركة .
·     يُحظر على الصحافة العربية الحليفة أن تبرز في تقاريرها وأخبارها ومقالاتها " مساوئ " الأنظمة الحليفة للغرب، أو الإشارة  إلى عيوبها الاجتماعية ، أو السياسية ، أو الثقافية ، أو الاقتصادية ، كما يُحظر عليها تسليط الضوء على فساد الأسر الحاكمة ، أو المجالس الانتقالية ، وكافة الرموز المعروفة باعتدالها ، وولائها للغرب ، وتبعيتها له إلا أن يكون ذلك بكثير من الرفق ، وبكثير من الكذب والخداع الذي يضمن شراء القارئ أو السامع أو المشاهد وتضليله ، وبالتالي انحيازه إلى جانبنا .. كما يحظر على وسائل الإعلام أن تعالج  قضايا الزراعة والصناعة في بلاد العرب ، أو أن تدعو إلى تطويرها وإخراجها من أزماتها ، ومن واقعها الذي فرضناه عليها ، ونحرص بالتالي أن يكون مفروضًا لأن مصالحنا كغربيين تقتضي ذلك .. كما يحظر على الصحافة ، وعلى كافة وسائل الإعلام الصديقة أن تثير القضايا التربوية والتعليمية ، وأن لا تحاول العمل لإخراجها من أزماتها ، لأن في ذلك خطرًا كبيرًا على مصالح الغرب ، وخطرًا كبيرًا على مصالح أتباعه وحلفائه وأنصاره في كل بلاد العرب .
 
3/11/2011