عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأحد، ١٦ تشرين الأول ٢٠١١

في تمزيق الممزَّق .. وتفتيت المفتّت

متابعات
في تمزيق الممزَّق .. وتفتيت المفتّت
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
    لم يكتف الغرب بما فعله في كل ديار العروبة والإسلام، منذ عهد الثورة الصناعية في أوروبا، واختلال موازين القوى بين الغرب والشرق العربي الإسلامي  من غزو مسلح لكثير من أقطار العروبة ، ولكثير من بلدان المسلمين ، ولم يكتف بتجريد الدولة العثمانية من كثير من أملاكها وممتلكاتها في أوروبا وإفريقيا وآسيا ، ولم يكتف بالسيطرة المسلحة على كل هذه الأقطار التي سيطر عليها حتى راح يغزوها فكريًّا وثقافيًّا ، ويعبث بعقائدها ومعتقداتها ومناهجها المدرسية ، بل راح يعد العدة لإعلان حرب عالمية شاملة على الدولة العثمانية ، بهدف تقاسم ما تبقى من ممتلكاتها بين تلك الدول الغازية من غرب الدنيا وشرقها ، وبهدف إسقاط نظام الخلافة الإسلامية ، وغزو تركيا العثمانية في عقر دارها ، حتى إذا ما تم له ذلك ، راح يحكم سيطرته على تركيا العلمانية الجديدة التي ربطها بعجلته ، وجعل منها بلدًا تابعًا يسير في فلكه ، وراح يحكم سيطرته على ماجاورها من أقطار، ويقيم فيها كثيرًا من الدول والدويلات وأشباه الدول ليسهل عليه حكمها ، وليسهل عليه التحكم بمواطنيها ، بعد أن تقاسمتها دول الغرب فيما بينها بحسب ما جاء في اتفاق سايكس- بيكو .. لقد أصبح كثيرٌ من أقطار العالم العربي الإسلامي مستعمرات غربيًّة منذ البدايات الأولى للقرن الثامن عشر ، ثم  تبعتها أقطارٌ عربية وإسلامية أخرى على امتداد القرن التاسع عشر ، وبحلول القرن العشرين وسّع الغرب من دائرة سيطرته وعدوانه ، فكان احتلال العراق وبلاد الشام وغيرهما من أقطار العروبة ، وكانت المقدمات الأولى التي مهدت لوضع وعد بلفور موضع التنفيذ ، وإقامة الدولة العبرية على الجزء الأكبر من أرض فلسطين بعد انتداب بريطاني دام أكثر من ثمانية وعشرين عامًا على هذه الديار.
   ولئن تكمن الغرب من إخضاع الوطن العربي لسيطرته، على الرغم من الثورات الكثيرة التي فجرتها الشعوب ضده في كل أقطار العروبة والإسلام ، وعلى الرغم من أعمال العنف والعنف المضاد التي طبعت الحياة اليومية بطابعها في كثير من الأقطار .. ولئن تمكن الغرب من تمزيق هذا العالم العربي الإسلامي شر ممزّق على امتداد القرن الماضي ، ولئن تمكن الغرب على امتداد العقود الكثيرة الماضية من نهب ثروات هذا العالم العربي الإسلامي أيضًا ، وبسط سيطرته المطلقة ، أو شبه المطلقة على الغالبية الساحقة من الأقطار في ديار العروبة والإسلام ، ولئن تمكن من إقامة أنظمة حكم موالية له في معظم هذه الأقطار إلا أن المحاولات للانقضاض على أتباعه وأزلامه في كثير من ديار العروبه لم تتوقف ، والمحاولات الجادة للخلاص من نفوذه وسيطرته وتحكمه وعبثه ونهبه وسلبه وعدوانه على البلاد والعباد في كثير من هذه البلاد لم تتوقف هي الأخرى ، والمحاولات الجادة لتشكيل الأحزاب والجمعيات والجماعات والحركات والاتحادات واللجان والهياكل والأجسام الشعبية ، وكافة الأسماء والمسميات والعناوين الكبيرة والصغيرة ، والفلسفات والأفكار المتمردة على كل أشكال العدوان والاستعمار والامبريالية قد استمرت في عناد وإصرار منذ أن وضع الغربيون أرجلهم على ثرى العروبة ، ولقد أتيح لبعضها أن ينجح ، ولقد أتيح لبعضها أن يقيم دولاً حرّة في بعض أقطار العروبة ، ولقد أتيح لبعضها الآخر أن يعلن هذا الشكل أو ذاك من أشكال الوحدة بين بعض أقطار العروبة قبل أن يتحرك الغرب لإحباط مثل هذه المشاريع العربية لإقامة دولة العرب الواحدة الموحدة على كل أرض العرب.
   ولئن تناوب الغرب على غزو هذا العالم العربي الإسلامي منذ عهد الثورة الصناعية في أوروبا بعد موجات الحروب الصليبية التي غزت ديارنا في القرون الوسطى ، ولئن لعبت جمهورية نابليون بونابرت دورًا لا يمكن لآثاره أن تمحى في مصر ولبنان وسوريا والجزائر والمغرب وتونس ، وفي كثير ن أقطار إفريقيا ، ولئن كانت فرنسا حتى اليوم تحاول استعادة شيء من " أمجاد" الامبراطورية الفرنسية تلك .. ولئن كانت بريطانيا هي سيدة الموقف في معظم أقطار العالم العربي الإسلامي ، والامبراطورية التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها على امتداد قرنين متتاليين من الزمان ، فإن خروج الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة من الحرب العالمية الثانية بُعيد إلقائها القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكي في السادس والتاسع من آب  خمسة  وأربعين قد شكل بداية وجودها الثقافي والسياسي الفاعل ، ثم وجودها العسكري في كثير من أقطار العروبة .. لقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية  من تعقب بريطانيا في كثير من أقطار هذا الشرق العربي الإسلامي ، وتمكنت من هزيمتها في كثير من هذه الأقطار ، الأمر الذي أقنع بريطانيا ومعها فرنسا وبعض دول أوروبا بضرورة العمل تحت لواء الولايات المتحدة الأمريكية في هذا العالم العربي ، لأن شيئًا خيرٌ من لا شيء ، ولأن هذه هي طبيعة المعسكر الراسمالي الغربي منذ أن كان ، وحتى يومنا هذا .
   الولايات المتحدة الأمريكية التي تقربت من الشعوب ، وحاولت إرضاءها  وهي تدخل هذه المنطقة من العالم في منتصف القرن الماضي، والولايات المتحدة الأمريكية التي حاولت جاهدًة أن تقف موقفُا وسطًا من الصراع العربي الإسرائيلي عند قيام الدولة العبرية، وبُعيد قيامها، والولايات المتحدة الأمريكية التي حاولت التقرب من الشعب العربي الفلسطيني في أثناء نكبته ، وخلال الأعوام التي تلت عام النكبة ، وقدمت له كثيرًا من المساعدات التموينية والغذائية والدوائية والصحية والمالية ، وقدمت كثيرًا من هذه  المساعدات أيضًا لكثير من شعوب هذه المنطقة هي نفسها الولايات المتحدة التي أدركت أن عليها أن تستبدل الجزرة بالعصا في مرحلة لاحقة ، وأن عليها أن تثبت وجودها - كما ينبغي – في هذه المنطقة ، وهي تتصدى للاتحاد السوفياتي ، ولليسار العربي المتحالف معه ، وللمد الإسلامي المتصاعد بعد ذلك في كثير من ديار العروبة والإسلام .. ولئن تمكنت الولايات المتحدة من احتواء هذا المد الإسلامي في البدايات الأولى لتناميه في هذه المنطقة من العالم ، ولئن تمكنت من تسخير المشاعر الدينية لخدمة أهدافها وغاياتها في حربها ضد الاتحاد السوفياتي ، وفي حربها على اليسار العربي منذ منتصف القرن الماضي ، وضد المد الشيوعي في بعض ديار الإسلام ، وفي حربها على الحكم الشيوعي في بعض ديار المسلمين ، إلا أن الولايات المتحدة قد ألفت نفسها أمام قوًى  وتيارات فكرية عربية إسلامية أنضجتها التجارب ، وعركتها الأيام بعد تمرسها بالعمل العسكري ، وممارساتها السياسية الثقافية النقابية الفكرية التي ارتفعت بها إلى مصافّ كثير من الأنظمة الحاكمة في شرق الدنيا ، وإلى مصافّ كثير  من الأنظمة في هذا العالم ، لقد أدركت الولايات المتحدة عندها أن السحر قد انقلب على الساحر ، وكان عليها آنذاك أن تكتفي بانهيار الاتحاد السوفياتي ، وانحسار مد اليسار العربي ، وأن تاخد العبر والدروس المستفادة من التاريخ ، وأن تدرس الوقائع والأحداث والتطورات  في العالم العربي الإسلامي على ضوء الواقع ، وعلى ضوء الرؤية التاريخية ، وضوء مصباحها  الذي لا ينطفئ ، وعلى ضوء فلسفة الرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور وهو يشرح نظريته في ملء الفراغ .. وبدلاً من ذلك ، وبدلاً من استخلاص الدروس والعبر ، وبدلاً من التوجّه إلى هذا العالم العربي الإسلامي الواسع بروح جديدة ، ورغبة صادقة في بناء علاقات استراتيجية مع شعوبه وأممه ودوله تقوم على التعاون المثمر ، وتبادل المنافع والخبرات ، وتنمية الأوطان والإنسان ، والعمل على التطوير وتحقيق الرِّفاء والتقدم ومكافحة الفقر والجهل والمرض ،  ومحاربة اليأس والقنوط والتخلف والكسل ، ونشر ثقافة العمل والأمل ، وبدلاً من الجهود المشتركة لبناء عالم جديد خال من كل أسباب التوتر والحروب والخلافات والمنازعات ، وبدلاً من العمل المشترك لمكافحة الظلم والتشرد والجريمة ، ومناصرة الحق والعدل ، ونشر رايات السلام العادل الدائم الشريف المقنع فوق ربوع هذا العالم .. إنه ، وبدلاً من هذا ، وكثير غيره مما يمكن فعله من أجل خير البشرية وسعادتها وهدوئها وأمنها وأمانها واستقرارها ، وبدلا من التوجه لصنع مستقبل مشرق سعيد لكل الناس في هذا العالم رأينا الولايات المتحدة تعرض عن هذا كله لتعيد إلى الأذهان " أمجاد " الامبراطورية الفرنسية ، وأمجاد الامبراطورية التي لا تغرب الشمس عن ممتلكاتها ، وأمجاد الغرب الأوروبي الذي لم يرحم في يوم من الأيام حجرًا أو شجرًا أو بشرًا ، ولم يتورع عن ممارسة أبشع ألوان القصف الجويّ والبريّ والبحريّ ، وعن ممارسة أبشع أنواع المجازر ضد الناس في كثير من ديار العروبة والإسلام ، ولم يتورع عن قتل المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ ومرضى في سبيل تحقيق أهدافه وغاياته في فرض سيطرته ، ورفع راياته على أشلاء رايات العروبة ، وعلى أشلاء رايات الإسلام .. وعلى أشلاء رايات الحق والعدل والسلام ، مزهوًّا بقوته العسكرية ، وامتلاكه آلات القتل والدمار التي مكنته من امتلاكها ثورته الصناعية التي كانت في كثير من أشكالها وصورها وتطبيقاتها العملية على الأرض وبالاً على البشرية ، ودمارًا شاملاً حل بكثير من أقطار هذا الكون .
    رأينا الولايات المتحدة الأمريكية - مع  بالغ الأسف – تجتاح أفغانستان .. وتجتاح العراق .. ورأينا الولايات المتحدة الأمريكية تناصب العرب العداء ، وتقلب ظهر المجن لكل قضاياهم العادلة ، وتتنكر بشكل غير مسبوق لكل آمالهم وتطلعاتهم في الحرية والتحرر والتقدم والنهوض ، وتحكم السيطرة على أوطانهم وثروات بلادهم .. ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، ولم تكتف الولايات المتحده بكل هذا ، ولم تكتف بالخروج على كثير من مبادئ العدل والحق التي تضمنها الدستور الأمريكي ، ولم تكتف بكل هذه المخالفات الصريحة  لمبادئها  ، ولكل هذه المخالفات الصريحة لكثير من القيم والمثاليات والجماليات التي حاولت إبرازها في أدبياتها ، وفي خطابها للشعوب منذ منتصف القرن الماضي ، وفي مسلكياتها وتظاهرها بالحرص الشديد على  مشاعر الشعوب ، وهي تدخل بلادها كي " تساعدها " على الخلاص من وحشية الاستعمار القديم ، والدخول  في عهد السلام والأمن الدوليين برعاية الولايات المتحدة الأمريكية " صديقة  " الشعوب ، وضمانتها لتحقيق غد أفضل، وحياة  مثلى ، واستقرار يمكنها من تحقيق أهدافها وطموحاتها وعيشها الكريم ! ! ولو أن الولايات المتحدة اكتفت بما فعلته في بلاد الأفغان ، وبما فعلته في العراق العربي ، ولو أنها اعترفت بخطئها ، ولو أنها حاولت إصلاح هذا الخطأ ، بل هذه الأخطاء ، ولو أنها اعتذرت وخرجت ، ودفعت التعويضات ، وتركت الناس وشأنهم ، وتفرغت لحل مشكلاتها ، وانصرفت لشأنها الداخلي ، ومدت يد العون والمساعدة للناس الراغبين في ذلك ، وللشعوب التي تطلب العون والمساعدة ، ولو أنها غيرت نهج العدوان ، واستبدلته بنهج  قائم على المحبة والتعاون والشراكة الحقيقية القائمة على خير الشعوب في علاقاتها الخارجية مع شعوب هذا العالم ودوله ، لو أنها فعلت هذا لقال كثير من الناس إن أمريكا  قد أخطأت ، وإنها قد اعتذرت ، وإن خير الخطائين التوابون !! وقد يعفو الله عما سلف ... ولكن أمريكا لم تفعل ذلك  ، ولم تفكر بفعل ذلك ، بما إنها على العكس من ذلك راحت تمعن في سياستها العدوانية التي تثبت بما لا يدع أدنى مجال للشك أنها أسوأ سياسة  قد تتبعُ ، وأنها أسوأ خلف لأسوأ سلف ، فإذا كانت السياسة البريطانية قد احتلت العراق ، ثم خرجت منه راغمةً بعد نيّف وثلاثين عامًا فإن الولايات المتحدة قد احتلت العراق ، ودمرت العراق ، وهجّرت كفاءات العراق ، ونهبت نفط العراق ، وهدمت حضارة العراق ، وقتلت علماء العراق ، ونهبت آثار العراق ، ونسفت جسور العراق ، وخربت مزارع العراق ، وهدمت مساجد العراق ومدارسه وجامعاته وداراته الجميلة ، وقسّمت العراق ، ومزّقت وحدته الوطنية ، وأبادت من شعبه كثيرًا من الأبرياء ، وأذلت العراقيين والعراقيات بشكل غير مسبوق ، وعليه فإن أمريكا قد فعلت ما لم تفعله سابقتها ، بل سابقوها ، وإن أمريكا قد فعلت  في بلاد الأفغان مالم يفعله سابقوها ، ولو أن أمريكا قد أخذت العبرة لما كررت ما كرروه ، ولو أنها رأت بعين اليقين هزيمة بريطانيا وهي تتجرع كوؤس الهزيمة والمذلة والهوان هناك في بلاد الأفغان بعد تسعة وتسعين عامًا من القتال لما كررت أخطاء غيرها ، وحماقات غيرها ، ولما تمادت في عدوانها ، ولما فعلت مافعلته في بلاد الأفغان .
   لم يتوقف الأمر  عند ذلك،  ولم تتوقف أمريكا عند هذا كله ، بل إنها على العكس من ذلك تمامًا تجري اليوم وراء مغامرات جديدة  ، وتبحث عن بلاد جديدة  تمارس فيها بطشها وعدوانها ، وتستعرض عليها عضلاتها ، وكأنها صاحبة الوصاية على هذا الكون ، وكأنها الذي يعز من يشاء ، ويذل من يشاء  ، وكأنها الذي ينصّب الملوك  ، ويعين الرؤساء ، وكانها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في كل بلدان هذا الكون ، فهي التي صنعت صندوق الانتخاب ، وهي التي فرضته على الأمم ، وهي التي فرضت على هذه الأمم والشعوب أن تاتي عن طريقه بمن تريد هي ، لا بمن تريد الأمم والشعوب أن تاتي بهم .. صندوق الانتخاب يجب أن يأتي بمن تريدهم الولايات المتحدة ، لا بمن تريد الشعوب أن تأتي بهم .. فإن جاء صندوق  الانتخاب  بمن لا تريدهم أمريكا فالانتخابات باطلة ، وإن صندوق الانتخاب قد أصبح أداةً في يد الإرهاب و الإرهابيين !! وعلى صندوق الانتخاب أن يتراجع عن ذلك ، وأن يأتي بمن تريدهم أمريكا حتى تأكل الشعوب لقمة الخبز ، وحتى تحصل الشعوب على حبة الدواء !! وإن من لا يمتثل لرغبة أمريكا ومشيئتها فسوف يدفع الثمن .. سوف تغري به أمريكا أتباعها وسفهاءها ومؤيدي سياستها ، ومحبي ثقافتها ، وأعوانها ، وأدواتها من أهل البلد ، وسوف ترغمه -عن كل هذه الطرق - على تنفيذ ما تريد ، وسوف تغري به أمريكا كافة المتحالفين معها من جيرانه  وأقربائه  وبني جلدته  وسوف تفتح عليه أمريكا أبواب الجحيم ، وعليه أن يدافع عن نفسه ، وعليه أن يدفع هذا العدوان الأمريكي الأوروبي، وعدوان المتحالفين معه من كل أعداء العروبة ،إن استطاع !! .
    فبلاد الشام التي كانت ولايةً في جسد دولة الخلافة العثمانية ، وتبلغ مساحتها إن لم تخني الذاكرة  (315409) كم مربع قد انتُزعت من خاصرتها اليمنى ( 10400) كم مربع هي مساحة لبنان ،    و( 27009) كم مربع هي مساحة فلسطين التاريخية ، و( 98000) كم مربع هي مساحة الأردن ، والباقي وهو( 180000) كم مربع وهو سوريا ، أو الجمهورية العربية السورية ، مرشح اليوم ليصبح أربع دول بعد حرب أهلية ضروس نُسجت خيوطها خارج هذا البلد ، لأن أمريكا تريد ذلك ، ولأن أمريكا تريد اليوم أن تمزّق الممزَّق وتفتّت المفتّت ، ولأن أمريكا اليوم تريد لهذا البلد أن يوافق على الحل الأمريكي ، وأن ينحّي جانبًا سياسة الممانعة والمقاومة ، ووضع العصي في الدواليب ، والتحريض على الحلول الأمريكية لكل قضايا العروبة ، وعلى رأسها قضية فلسطين التي كانت قضية العرب الأولى .. فإن لم تفعل سوريا ذلك ، وإن لم تتنازل عن هذه السياسة التي تتبناها ، وإن لم تنقد لمشيئة الولايات المتحدة ، فإن على الرئيس أن يتنازل عن الرئاسة ، وإن عليه أن يترك المجال واسعًا أمام " الثوار "  كي يُحكموا قبضتهم على البلد ، ولكي ينفذوا السياسات التي تجعل البلد أكثر انسجامًا مع محيطه ، وأكثر انسجامًا مع أصدقاء الغرب وأتباعه وأعوانه من حوله .. وكأن أمريكا لا تعلم أن الوضع في سوريا مختلف ، لأن الحكم فيها ليس بيد فرد أو أسرة ، بل هو حكم حزب  عمره أكثر من خمسة وستين عامًا ، يشاركه في الحكم ستة أحزاب سورية ، وتؤازره كل المؤازرة قوًى كثيرة ، وفلسطينيون كثر داخل سوريا وخارجها ، ولبنانيون عروبيون داخل سوريا وخارجها ، وأردنيون نشامى داخل سوريا وخارجها ، وعراقيون شرفاء داخل سوريا وخارجها ، ومسيحيون عرب داخل سوريا وخارجها ، وباختصار فإن الحكم في سوريا قويٌّ بشكل يكفي لاستمراره ، ثم إن ما يحلم به الغرب بشقيه من استصدار قرار من مجلس الأمن للتدخل المباشر فيه ، أو للقيام بأعمال عسكرية غربية مباشرة ضده ، أو لفرض منطقة حظر جوي عليه هو أمر غير ممكن ، لأنه يصطدم بالفيتو الروسي ، وبالفيتو الصيني ، وبإرادة الشعب السوري صاحب المصلحة الحقيقية في الاستقرار ، وصاحب المصلحة الحقيقية في استمرار سوريا بهذا الدور القيادي الريادي في الوطن العربي .. ثم إن النظام السوري المدعم بكثير من القوى والقبائل والطوائف والعائلات والتوجهات السياسية والحزبية والشعبية والثقافية قادرٌ على التصدي لكل هذه المحاولات التي تستهدفه ، أما في حال إقدام الغرب على مغامرة عسكرية فإن ما رشح عبر وسائل الاعلام حول ما قاله الرئيس السوري لوزير الخارجية التركي يكفي أن يكون ردًّا مقنعًا لكل من يفكر بالإقدام على مغامرة كهذه .
      إن ما تحلم به الولايات المتحدة ، وبعض المتحالفين معها من إمكانية إقامة أربع دول داخل الجمهورية العربية السورية لطوائف وقوًى واتجاهات يعرفونها داخل البلد إن لم تمكن السيطرة على سوريا كلها فهذه أيضًا مغامرةً من الصعب أن تنجح ، لأن السوريين ليسوا كما يتوهم بعض الغربيين ، ولأن السوريين لا يمكن أن يضحوا ببلادهم بهذه البساطة ، وعليه فإن كافة الاحتمالات المشار إليها خيالية ، وصعبة التنفيذ ،  وكل ما في الأمر أن هذه الفتنة الكبرى التي أريدَ لها أن تسقط النظام ، وأن تحدث التغيير المطلوب غربيًّا ،قد يكون لها دورٌ تدميريّ، وأثر تخريبيّ على الوطن السوري الذي سرعان ما يعيد بناء ما خربته هذه الحرب الأهلية عندما يتمكن البلد من الخروج منتصرًا على كل عناصر الفتنة ، وعندما يتمكن البلد من الخروج منتصرًا على كل عوامل الضعف الذاتي الذي واكب مسيرته منذ عشرات السنين ، وعندما يتمكن البلد من بناء نفسه بشكل يستعصي على إثارة الفتن ، ويستعصي على كل محاولات  الاختراق ، وصنع الخلايا النائمة داخل البلد ، وهذا أمر ممكن بمزيد من الصبر والثبات ، ومزيد من النجاحات الاقتصادية ، ومزيد من التخطيط السليم ، والحكم النزيه الرشيد القويم .
    أما ما تحلم به أمريكا من توجيه ضربة عسكرية لإيران لتدمير مفاعلاته النووية  والقضاء على كثير من منشآته ومصادر قوته بهدف إرهابه وإضعافه ، فإن عزل سوريا هو الهدف الحقيقي من مغامرة عسكرية أمريكية كهذه ،وإنه حلم قد تستفيق منه أمريكا مذعورة فزعة لأن إيران ليست هدفًا بهذه السهولة ، ولأن كثيرًا من الدول في هذا العالم لن تسمح بذلك ، ولأن شعب الولايات المتحدة الذي يكاد أن يكون خليطًا من شعوب العالم كله  لن يسمح هو الآخر بذلك ، إلاّ أن تكون مثل هذه الضربة المفترضة مفروضة على أمريكا فرضًا لأسباب لا تخفى على فهم مراقب ، أو حكمة خبير متتبع لسير الحوادث والأحداث في هذه المنطقة المشحونة المتوترة من هذا العالم ، وهنا ستجري الرياح " يقينًا " بغير ما تشتهي تلك السفن .
    إن بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون صديقًا حقيقيًّا للشعوب ، وبإمكانها أن تحقق كثيرًا من الأهداف السامية ، والغايات النبيلة ، وإن بإمكانها أن تكون عونًا للشعوب ، وعونًا لأنظمة الحكم ، وعونًا للحق والعدل والتقدم والرّفاء والسلام إن هي أرادت ، وإن هي تخلت عن سياسة الهيمنة والغطرسة ، وعن سياسة الأحلاف ، وعن مؤازرة الظلم والتسلط  والطغيان والعدوان على الناس ، وإن هي رفضت أن تكون كما كانت منذ عقود  عصًا في يد قوة طامعة في السيطرة على هذا العالم من خلالها ، وإن هي أرادت  أن تمتلك قلوب الشعوب ، وقلوب كل الفقراء في هذا العالم ، وقلوب مواطنيها أيضًا بالمعروف .
 
16/10/2011
 

الأربعاء، ١٢ تشرين الأول ٢٠١١

وثيقة شرف فورية .. ومسيرة مليونّيّة

متابعات
وثيقة شرف فورية .. ومسيرة مليونّيّة        
أ: عدنان السمان
www.samman.co.nr
        قضيتنا الفلسطينية لم تعد - على ما يبدو - قضية واحدةً ، وشعبنا العربي الفلسطيني  الذي كان في الزمن الجميل الذي كان ( كأمتنا العربية الواحدة الموحدة ) شعبًا واحدًا موحدًا في كافة مدنه وبلدانه وقراه ومضارب خيامه أصبح اليوم شعبأ مختلفاً تتقاذفهُ الأهواء والأنواء ، وتستبد به التيارات الفكرية ، وتعصف بساحته الفتن والخلافات والصراعات السياسية والثقافية والفكرية  والطائفية والمذهبية ، وتفتك بوحدته الوطنية هذه الفوارق الطبقية الرهيبة ، والولاءاتُ والانقسامات الغريبة المريبة ، وتقطّع أوصاله ، وتقضي على كثير من أصالته ومورّثات شخصيتة ومقوّماتها هذه الأطماع ، وذاك التسابق المحموم على المناصب والرواتب والرتب ، وهذا التراجع المريع في كافة مستويات الحياة النفسية والثقافية والسياسية والإقتصادية والتربوية والأخلاقية والفكرية .. قضيتنا لم تعد قضية واحدة ، بل أصبحت قضايا كثيرة مختلفة متعددتًا .. وشعبنا لم يعد شعبًا واحدًا موحدًا ، بل شعوبًأ وقبائل و تيارات وشيعًا وأحزابًا ومللاً ونحلاً  وكسفاُ ونتفاً  يلّون حياتها الفشل والتراجع والأنهيار ، ويضع مبادئها وعقائدها وثوابتها وكل معاني وجودها في مهب الريح .
    وحتى لا ينجح المخططون المبرمجون في وضع مخططاتهم وبرامجهم موضع التنفيذ ، وحتى لا تنفرد فئة أو طائفة أوقبيلة بتقرير مصائر البلاد والعباد ، وحتى لا يقول قائل إننا قد خُدعنا رغم أننا قد اجتهدنا ، وللمجتهد حسنتان ، وحتى لا يلقي أحدٌ على أحد باللائمة ، وحتى لا يتهم أحدٌ أحداً ، أو يتحامل أحدٌ على أحد ، وحتى لا يضيع كل شيء ، وحتى لا يضيع أيُّ شيء ، وحتى لا تقول كلمة لصاحبها دعني ، وحتى لا يقول أحدٌ على لأحد مهدداً متوعداً إن مصرع الرجل بين فكيه ، وحتى لا يتفرق جمعنا أيدي سبأ ، وحتى لا يخدعنا احد لمحاولة إجراء إستفتاءات محسوبة محوسبة على الثوابت ، أو على بعضها ، في الوقت الذي لا يجوز فيه ان تجرى إستفتاءات على الثوابت ، وحتى لا يقول أحد لقد أخطأنا ، ولقد دفعنا ثمن تقصيرنا ، ولقد دفعنا الثمن غالياً لأننا لم  "نحسبها" جيداً ، ولأننا لم " نلعبها " جيدًا ، ولكي يكون الكلام هنا ، والنصح هنا تذكرةً للغافل ، ومعونةً للعاقل ، فأنني أقترح أن يصار في الحال إلى جمع تواقيع الناس جميعًا في هذه الديار على وثيقة شرف فلسطينية تحرّم التنازل عن الثوابت ، وتحرّم كل أشكال التلاعب أو التصرف بمصائر البلاد والعباد ، وتحرّم كل التحريم كافة أشكال التوطين ، وكافة أشكال الأوطان البديلة ، وكافة أشكال التدخل بشؤون الآخرين ، وفي شؤون أوطانهم ، لأن لنا وطنًا ليس لنا سواه يتوجب علينا أن نحميه وأن نبنيه وأن نعيش فيه جيلاً بعد جيل بعزة وكرامة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. على أن  تٌبرز صورٌ  من هذه الوثيقة التاريخية أمام المساجد والكنائس والمدارس ، وفي كل الساحات والميادين العامة ، والأماكن البارزة في كل مدية وقرية ومخيم من مدن هذا الوطن وقراه ومخيماته، وعلى أن تقسم مسيرة مليونية بالله العظيم على حماية ما جاء في هذه الوثيقة ، وعدم التنازل عن أي جزء مما تضمنته مهما كانت النتائج .
     ينبغي أن يدرك الناس جميعًا في هذه الديار ، وفي كل ديار العروبة والإسلام خطورة المرحلة التي تمر بها ديارنا ، وخطورة المرحلة التي تمر بها ديارهم ، وينبغي أن يسارعوا إلى جمع التواقيع على هذه الوثيقة التي من الممكن أن تكون " دستوراً "  شعبيًّا لا يحق لأحد الخروج عليه تحت اي ظرف من الظروف ، أو تحت أية حجة من الحجج ، ولا يجوز لكائن من كان أن يخرج عن شيء مما جاء فيه .. وينبغي أن تدرك كافة النخب السياسية والاجتماعية وكافة من يعنيهم الأمر في هذه الديار ، وفي غيرها من ديار العروبة والإسلام أن هذا الإجراء الشعبي غير المسبوق إنما جاء ليعزز من ثباتهم على المبادئ والثوابت ، وإنما جاء ليشد أزرهم ، ويعينهم على تحمل تبعاتهم ومسؤولياتهم ، ولقطع الطريق على خصم طامع وعدو متربص ، وأنه أولاً وأخيراً ينطوي على مصلحة الوطن والمواطن ، وحماية كل ثوابت الوطن والمواطن ، وكل ثوابت الأمة في كل أوطان العروبة من محيطها إلى خليجها .
 
12/10/2011
                      
 

السبت، ٨ تشرين الأول ٢٠١١

من مشكلات التعليم العالي الفلسطيني

متابعات
من مشكلات التعليم العالي الفلسطيني
(لغة التدريس)
أ. عدنان السمان
www.samman.co.nr
   سأحاول منذ اليوم، أو على الأقل في هذه السلسلة من المقالات التي سأخصصها للخوض في قضايا التعليم العالي الفلسطيني ومشكلاته، أن لا أصرخ ما استطعت، على الرغم مما تنطوي عليه هذه المحاولة من صعوبة، إذ كيف يمكن أن يكف عن الصراخ من جاء إلى هذا الوجود صارخًا ولا يزال؟ ولكنها محاولة جديرة بالمحاولة، لما تنطوي عليه من ثورة على النمطية والجمود في خضم هذه الثورات العربية التي يسميها بعضهم الربيع العربي، على الرغم مما بين ثورتي هذه، وكثير من الثورات العربية تلك من فوارق في الشكل والأسلوب والمضمون والهدف، وعلى الرغم مما تتسم به تلك الثورات من صراخ، في الوقت الذي أعد فيه بالكف عن الصراخ ما استطعت، بل في الوقت الذي أعلن فيه الثورة على الصراخ الذي طبع كثيرًا من مقالاتي خلال الأشهر القليلة الماضية، وما سبقها من شهور، وأعوام، وعقود، وإن اختلفت الأسباب بين هذه المراحل التي ينتظمها، ويجمع بينها شعوري أنني كنت خلالها على حق، ومن كان على حق فليمض له، على حد قول بنت أبي بكر لولدها، وهي تدفع به دفعًا إلى معركة خاسرة تكون فيها نهايته، وتكون فيها نهايتها، وتكون فيها نهاية مرحلة من تاريخ أمة، ونهاية أم علّمت ولدها كيف يعيش رجلاً، وكيف يقضي رجلاً، وكيف أن سلخ الشاة بعد ذبحها لا يضيرها، كما لا يضير أصحابَ المبادئ والأفكار تقولاتُ المتقولين، واتهاماتهم، وحملاتهم الكلامية على الرغم من أن كلم اللسان أنكى من كلم السنان كما قالت أمة العرب، ولكن على المرء أن يتحمل، لأن الصبر بالحر أولى، ولأن الشجاعة صبر ساعة، ولأن العمر ساعة، فاجعلها طاعة.
   وإذا كان الصراخ ضروريًّا في بعض الأحيان للتعبير عما في النفس من ثورة وثوران واضطراب، وإذا كان ضروريًّا بين الحين والآخر للتخفيف من درجة حرارة النفس والجسد، وللتخلص من مخاطر الاحتقان السياسي والاجتماعي، وللتخلص من مخاطر الضغط الاقتصادي وآثاره المدمرة عندما يبلغ حد الحصار الكامل أو شبه الكامل، وما ينطوي عليه ذلك من حرمان قاتل أو شبه قاتل، وإذا كان ضروريًّا في بعض الأحيان للتمويه، وممارسة المناورات التكتيكية، أو لإسماع الأحباب خلف تلة الصراخ أصواتًا بالذخيرة الحية يرغبون في سماعها إلى أن تحين ساعة اللقاء، وإذا كان على حد تعبير اللندنيين وسيلة من وسائل ممارسة الحرية المفتوحة ولو في ساحة محدودة من ساحات الوطن، أو طرف من أطرافه.. إذا كان هذا هو شأن الصراخ، وإذا كانت هذه هي بعض ضروراته وأحواله، فإنني أستبعد أن يكون ذلك ضروريًّا في مخاطبة أساتذة جامعيين، وفي مخاطبة طلبة جامعيين أيضًا، وأنت تناقش معهم جوانب من مشكلات التعليم العالي في البلد بدءًا بمشكلة لغة التدريس التي كثيرًا ما كانت العائق أمام كثير من الطلبة كي يحصلوا على الدرجة العلمية الثالثة، أو الثانية، بل إنها كثيرًا ما حرمتهم الحصول على الدرجة العلمية الأولى، فاضطروا تحت وطأتها للتأجيل، ثم التأجيل، ثم اضطروا للانسحاب أدراجهم، على الرغم من رغبتهم الشديدة في دراسة الهندسة، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الطب، أو الاقتصاد، وعلى الرغم من حبهم الشديد لهذه الدراسات، ولكن ضعفهم، أو ضعفهم الشديد في اللغة الإنجليزية قد حال دون ذلك، لأنها غالبًا ما تكون لغة التدريس، وغالبًا ما يكون إتقانها شرطًا للتحصيل والاستيعاب والنجاح، وشرطًا للتخرج، وشرطًا لمواصلة التحصيل حتى أعلى درجاته ومستوياته، ما لم يكن الدارس مطلوبًا على ذمة قضية أخرى أو مشكلة أخرى من قضايا التعليم العالي الفلسطيني ومشكلاته.
   في هذه الجامعة الفلسطينية التي يعتبرها كثير من الناس جامعة الوطن الأولى تكون الإنجليزية لغة تدريس الدراسات والتخصصات العلمية، والعربية لما تبقى من دراسات وتخصصات.. أما الطلبة الذين أجادوا هاتين اللغتين في مدارسهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. وأما الطلبة الذين أجادوا العربية في مدارسهم، وتابعوا الدراسة الجامعية بالعربية، فإن ضعفهم في اللغة الإنجليزية لا يؤثر كثيرًا على سير دراستهم الجامعية، لأن بإمكانهم أن يتغلبوا على ضعفهم بأكثر من وسيلة، ولأن هنالك بدائل أخرى لهذه اللغة في مكتبة الجامعة، أو المكتبة العامة، أو المكتبة البيتية أحيانًا، ولأن بإمكانهم التغلب على الموقف باللجوء إلى الكتب والمقالات، والشروح المترجمة التي تساعدهم كثيرًا في تحقيق الهدف.. صحيح أن إجادة الإنجليزية هنا إلى جانب العربية أمر رائع يضمن التفوق لهؤلاء الطلبة، ويضمن لهم مواصلة الدراسة الجامعية حتى أعلى مستوياتها في سهولة ويسر، ولكن صحيح أيضًا أن إجادة العربية –لغة التدريس- إضافة إلى البدائل المشار إليها آنفًا يكفي لسير الدراسة الجامعية سيرًا حسنًا دون عقبات تذكر.. وأما الطلبة الذين لم يجيدوا لغتهم العربية، أو غيرها من اللغات، ويدرسون الآن بالعربية فهم كثر، إنهم يشكلون نسبة عالية من طلبة الآداب، فإن المجال مفتوح أما كثير منهم للتفوق إذا هم كثفوا جهودهم وضاعفوها، وحسَّنوا من مستوى لغتهم العربية خلال السنوات الأربع من داستهم الجامعية، إنني مقتنع أن الطالب الذي كان متوسطًا، أو حتى ضعيفًا في مدرسته، ثم حالفه الحظ، وحصل على الثانوية العامة التي أهلته لدخول الجامعة، ليدرس مادة أحبها، أو مادة ليس بينه وبينها عداء أو جفاء، أقول إنني مقتنع أن بإمكان هذا الطالب أن يكون طالبًا ممتازًا في نهاية المطاف إن هو أراد، سيكون طالبًا جامعيًّا ممتازًا، وسوف يتخرج في الجامعة بتقدير يؤهله لمواصلة دراسته الجامعية العليا إذا هو قرر أن يتخلص من ضعفه، وإذا هو كثف دراسته، وإذا هو ضاعف جهوده، وإذا هو تسلح بالعزيمة والإرادة والإصرار على أن يكون طالبًا جامعيًّا متفوقًا، وخريجًا متفوقًا.. إنني أقول هذا مؤمنًا به كل الإيمان، ولديّ من الشواهد على هذا ما يعجز القلم عن الإحاطة به.. وهنا قد تسألون –أيها الكرام- عن المشكلة، وقد تقولون: إذا كانت الأمور –حتى الآن- تسير سيرًا حسنًا فأين المشكلة؟ ومتى تصبح لغة التدريس مشكلة نبحث لها عن حل أو حلول؟
   لا بد من الاتفاق أولاً على كل ما سبق، ولا بد من التسليم بأن مشكلة الدارسين بلغتهم العربية الأم يمكن حلها ذاتيًّا، وبشيء من المساعدة الخارجية إذا توافرت الرغبة الذاتية التي قد لا يوجد حل بدونها.. فإذا اتفقنا على هذا كان انتقالي إلى الجزء الأخير من هذا المقال وهو الإجابة عن سؤالكم: أين المشكلة؟ فأقول إنها مشكلة طلبة طموحين يعانون من ضعف شديد في اللغة الإنجليزية، وقد وجدوا أنفسهم الآن معها وجهًا لوجه في دراستهم الجديدة هذه، وباختصار فإن ظروف كثير منهم قد حالت دون فهمها في مدارسهم لأسباب كثيرة مختلفة.. منها الإهمال، ومنها غير ذلك.. كيف يستطيع طالب أن يدرس بلغة أجنبية لا يفهمها؟ وإذا كان معظم طلبتنا لا يحسنون هذه اللغة لأسباب كثيرة –نحن في غنًى الآن عن الخوض فيها- فما العمل؟ وإذا كنا عاجزين عن تعريبها، أو غير راغبين فيه فما الحل؟ ما العمل وكثير من أبنائنا الطلبة يعانون ويصرخون ويطلبون النجدة؟ أنتحرك لنجدتهم أم نتجاهل نداءاتهم واستغاثاتهم؟ أليس من الواجب أن نسمع أقوالهم، وأن نصغي لطلباتهم؟ هم لا يطالبون الآن بتعريب المقررات الجامعية كما تفعل الجامعات السورية جميعها منذ عشرات السنين، وإن كانوا يطالبون بوضع خطة وطنية لذلك، إنهم يطالبون الآن بمساعدتهم على الاستيعاب والتحصيل العلمي ضمن خطط وبرامج تضعها الجامعة لمساعدتهم ومساندتهم والأخذ بأيديهم، وهذا من أبسط حقوقهم.. صحيح أن ما يطالبون به، أو ما نطالب به ليس من مسئولية الجامعة تحديدًا، بل هو من مسئولية المدرسة، ولكن صحيح أيضًا أن هذه المشكلة بحاجة إلى حل، وصحيح أيضًا أن من واجبنا جميعًا أن نعمل على حلها.. وصحيح أيضًا أن من حق الطلبة أن يتعلموا، وأن من حقهم أن يتعلموا بلغتهم العربية التي تتراجع هي الأخرى بشكل ملحوظ في هذه الديار!! فما العمل؟ هل ندع هؤلاء الطلبة وشأنهم أم نخف لمساعدتهم؟ سؤال يفرض نفسه على كل من يعنيهم الأمر في هذه الديار.
8/10/2011
  
 
 

الخميس، ٦ تشرين الأول ٢٠١١

في ذكراها الثامنة والثلاثين:حرب أكتوبر لم تكن آخر الحروب

متابعات
في ذكراها الثامنة والثلاثين:حرب أكتوبر لم تكن آخر الحروب
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
    أسماها المصريون حرب أكتوبر، وأسماها السوريون حرب تشرين، وأسميناها مثل كثير من  الأشقاء في بلاد العرب حرب العاشر من رمضان، وأسماها الإسرائيليون حرب يوم الغفران... وصف السوريون تلك الحرب بأنها تحريرية، وقال كثير من العرب إنها تحريكية، وقالت غولدامائير إنها تدميرية، وطلبت من وزير حربها موشيه ديان في بدايتها أن يوقع صك الاستسلام للعرب حتى لا يُباد شعب إسرائيل.. أما الرئيس المصري محمد أنور السادات الذي أطلق رصاصتها الأولى فقد وصفها بأنها اختراق عربي لحاجز الخوف مؤكدًا على أنها آخر الحروب، وأن هذه المنطقة لن تشهد حربًا بعدها... فهل حسمت تلك الحرب هذا الصراع العربي الإسرائيلي؟ وهل كانت تلك الحرب آخر الحروب في هذه المنطقة؟
    لقد قامت القوات المصرية في الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر (1973) بالرد على أعمال عسكرية إسرائيلية.. ولقد تمكنت من عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف الحصين، ومباغتة القوات الإسرائيلية التي تحتل شبه جزيرة سيناء والضفة الشرقية من قناة السويس منذ حرب حزيران من العام سبعة وستين وتسعمائة وألف، وتمكنت هذه القوات من نقل المعركة إلى ضفة القناة الشرقية، ومواصلة التقدم شرقًا في سيناء... كما تمكنت القوات السورية في ذلك اليوم من احتلال المواقع الإسرائيلية في جبل الشيخ، والتقدم في الجولان... أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد وقفت – كالعادة – إلى جانب إسرائيل.. وأما الاتحاد السوفياتي فقد وقف إلى جانب العرب.. وأما الأقطار العربية المنتجة للنفط فقد أوقف بعضها تصديره إلى الولايات المتحدة، وخفّض بعضها الآخر حجم الكميات التي يصدّرها منه.. وأما جبهتا القتال فقد شهدتا منذ ظهيرة السبت الواقع في السادس من تشرين الأول من العام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد الموافق للعاشر من رمضان من العام ثلاثة وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة وحتى الساعة السادسة والدقيقة الثانية والخمسين من مساء الإثنين 22/10 الموافق 26/ رمضان حربًا ضروسًا قبل أن تعلن الأطراف جميعها قبولها بوقف إطلاق النار استجابة لقرار مجلس الأمن رقم 338.. وإن كان القتال عمليًّا قد توقف في اليوم التالي... إنه، وعلى امتداد سبعة عشر يومًا من القتال الشرس على الجبهتين كان تاريخ جديد يُكتب، وحقائق جديدة تفرض نفسها على أرض الواقع.. ومقدمات طبيعية لما نحن فيه اليوم تتكون في رحم الغيب.. وتصاغ حيثياتها وتفصيلاتها في أروقة السياسة الدولية.. وتجد تعبيرًا لها في  قرارات مجلس الأمن الخاضع للسيطرة الأمريكية المطلقة أو الفيتو الأمريكي المنحاز الذي يحلّل حرامًا، ويحرّم حلالاً مذ كان مجلس الأمن وحتى يومنا هذا... ويحسن بنا قبل الخوض في نتائج تلك الحرب التي لم تكن آخر الحروب كما أُريد لها.. وقبل الخوض في الصلة العضوية الوثيقة التي تربط في العادة بين ماضٍ من الزمان وآتٍ.. يحسن بنا من باب الوفاء للأجيال التي لم تعش تلك الحرب، ولم ترها، ولم تسمع عنها أيضًا.. ومن باب تكثيف التاريخ كي يسهل تقطيره.. وكي تسهل رؤيته، ويصبح التزود به أمرًا في متناول اليد أن نختزل التاريخ في هذه العناوين والمانشيتات الحمراء التي طلعت بها "القدس" علينا طوال أيام تلك الحرب المحصورة بين السادس والثالث والعشرين من أكتوبر أقدّمها – معونةً للعاقل، وتذكرةً للغافل – كما يلي: اندلاع الحرب على جبهتي السويس والجولان. قوات مصر تعبر السويس، وقوات سورية تتقدم في الجولان. معارك برية وجوية وبحرية ضارية. إسرائيل تتوقع القتال عدة أيام. أميركا تفشل في سعيها لوقف الحرب، وتجري اتصالات عاجلة مع روسيا. احتمال عقد مجلس الأمن.
    الطائرات والدبابات تخوض معارك ضارية في الجبهتين. مجلس الأمن يجتمع مساء اليوم بطلب من أميركا. نيكسون يقطع إجازته ويعود إلى واشنطن.
    تصاعد القتال في الجبهتين. المصريون يضربون آبار النفط في سيناء، ويستعيدون القنطرة. إسرائيل تقصف بور سعيد.
    الحرب تزداد ضراوة ويتسع نطاقها. شلل مجلس الأمن نتيجة اختلاف الدول الكبرى. الطائرات الإسرائيلية تقصف دمشق، وحمص، ومواقع مصرية. عسكريون إسرائيليون يعترفون بالانسحاب وراء خط بارليف. سورية تستخدم صواريخ جديدة في المعركة.
    جسر جوي روسي لنقل أسلحة لمصر وسوريا. الأسلحة الأمريكية والروسية تتدفق على المتحاربين. اشتداد الغارات والمعارك الجوية، واستمرار تصاعد الحرب البرية.
    كيسنجر يخشى تحول المعركة إلى حرب نووية بين الكبار. احتدام المعارك في الجولان، واشتراك القوات العراقية لأول مرة في القتال. مجلس النواب الأميركي يُسقط قرار مجلس الشيوخ الداعي إلى انسحاب القوات العربية. حالة تأهب في حلف وارسو. تخفيض شحنات البترول السعودية عبر خط التابلاين.
    أميركا تقرر تزويد إسرائيل ببعض الأسلحة. القوات المتحاربة تلقي بثقلها في سيناء والجولان. حلف الأطلسي يعتبر قطع النفط العربي عملاً عدوانيًّا. احتجاجات عربية إلى أميركا على تجسس طائراتها على مصر، وتزويد إسرائيل بالسلاح.
    أميركا تعلن رسميًّا شحن أسلحة إلى إسرائيل. سيناء تشهد أعنف معركة منذ بداية الحرب (الجمعة 19/10) الجانبان المصري والإسرائيلي يدفعان إلى القتال بقوات ضخمة من الطائرات والدبابات. سلاح النفط يدخل المعركة: أبو ظبي تقطع النفط عن أميركا، والسعودية تخفّضه. الأسلحة تواصل تدفقها إلى المنطقة. اتصالات أميركية وروسية لوقف الحرب.
    القتال يبلغ ذروته في سيناء. ليبيا تقطع النفط عن أميركا. نيكسون يطلب رصد 2000 مليون دولار لمساعدة إسرائيل.
    السعودية تقطع بترولها عن أميركا. محادثات أميركية روسية في موسكو لوقف القتال. معركة المدرعات في سيناء تدخل يومها الرابع، واستمرار القتال العنيف. ورئيس الأركان المصري الفريق سعد الدين الشاذلي يتعهد بتدمير سلاح المدرعات الإسرائيلي.
    مجلس الأمن يقرر وقف النار، وبدء مفاوضات فورية. الأطراف المتحاربة تعلن التزامها بوقف القتال في الساعة السادسة والدقيقة 52 من مساء الاثنين 22/10 الموافق 26/ رمضان استجابة لقرار مجلس الأمن رقم 338.
    إنذار روسي إلى إسرائيل بسحب قواتها إلى خط وقف النار. استمرار القتال على جبهة السويس والجولان رغم قرار مجلس الأمن رقم 338 ومجلس الأمن ينعقد بطلب من مصر.
    مئير: لا عودة لحدود 4/ حزيران/ 1967.
    الجمعة 26/ 10 الموافق 1/ شوال: مجلس الأمن يقرر تشكيل قوة طوارئ دولية. كيسنجر: نأمل في أن تبدأ المفاوضات بين العرب وإسرائيل خلال أسابيع.
    خطوط عريضة لاتفاق روسي أميركي للسلام: إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة مركزها القدس العربية. انسحاب إسرائيل من سيناء والجولان. مناطق منزوعة السلاح، وقوات سلام دولية.
    ولقد نصّ قرار مجلس الأمن رقم 338 على البدء فورًا بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 بجميع أجزائه، وبدء مفاوضات فورية بين الأطراف ذات العلاقة تحت رعاية ملائمة تستهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
    أما ما أوردته "القدس" في عددها الصادر يوم الأربعاء 31/ 10 الموافق 1/ شوّال فهو: وجوب انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة، وحق تقرير المصير للفلسطينيين.
    فهل انسحبت إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة؟ وهل قرر الشعب العربي الفلسطيني مصيره؟
    من المؤلم أن شيئًا من هذا لم يحصل.. ومن المؤلم أن إسرائيل لم تنسحب من الأراضي العربية المحتلة، وإن كانت قد انسحبت من "أراضٍ"  محتلة كما نص على ذلك القرار (242) ومن المؤلم أن تلك البداية الرائعة لحرب أكتوبر لم تسفر عن أكثر من توقيع اتفاقات "كامب ديفيد"، وتبادل السفراء بين القاهرة وتل أبيب.. ثم بين عمان وتل أبيب في وقت لاحق.. وتوقيع اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.. هذه الاتفاقات التي أسفرت عن قيام السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا، ثم دخولها إلى كافة المدن، وما تبع ذلك من تردي العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ثم انهيارها، وتفجر الانتفاضة الثانية، وما أعقب ذلك من اجتياحات وحواجز وسيطرة إسرائيلية على كل شيء، وما كان من أمر الجدار وتدمير الحياة الفلسطينية، وتوقف المفاوضات، ثم نشوب هذه المعارك الدبلوماسية التي يصر الفلسطينيون من خلالها على إقامة الدولة الفلسطينية في حدود سبعة وستين، ورفض الإسرائيليين، ومعهم كثير من دول الغرب لهذا المطلب الفلسطيني، الأمر الذي يؤكد بما لا يدع أدنى مجال للشك على أن الإسرائيليين ليسوا جادين في التوصل إلى حلٍّ للقضية الفلسطينيّة يضع حدًّا لآلام الفلسطينيين، ويعيد إليهم حقوقهم التي ضمنها المجتمع الدولي، ونصّت عليها قرارات الأمم المتحدة... الإسرائيليون لا يريدون أكثر من حلول مرحلية يؤدي سابقها إلى لاحقها بعد أن يكونوا قد حققوا شيئًا من المكاسب، وتغيير شيء من الحقائق على الأرض... وهكذا حتى يتم لهم التوصل إلى ما يريدون.. وعلى الرغم من أن معرفة ما يريدون ليست من الأمور السهلة لأنها – في نظرهم – قضية مفتوحة متروكة للزمن كي يبت فيها على ضوء القوة الإسرائيلية والضعف العربي، والتشرذم الفلسطيني، وخنوع المجتمع الدولي، وانقياده للرغبة الإسرائيلية.. أقول: على الرغم من أن معرفة ما يريده هؤلاء ليست أمرًا سهلاً إلاّ أن المراقب المتتبع لسير الأحداث يستطيع أن يستنتج بناء على كل هذه المقدمات أنهم يريدون كل شيء.. وأنهم لن "يتنازلوا" للفلسطينيين عن شيء أي شيء من "أرض إسرائيل".. إلا إذا كان ذلك مرحليًّا يستعيدونه منهم بمرور الزمن... القضية الفلسطينية إذن هي قضية منتهية - من وجهة نظرهم – استبدلوها منذ أمد بعيد بقضية أرض إسرائيل، وشعب إسرائيل، وهؤلاء الأغيار الذين تقضي الأصالة والنقاء أن يتخلصوا منهم بقدر المستطاع، وكلما كان ذلك ممكنًا، وبالطرق السلمية الأكثر إنسانيةً والأقل ضجّةً لا بد أن يأتي اليوم الذي يستطيعون فيه أن يجدوا حلاًّ لموضوعهم في دول الجوار.. فإن لم يكن ذلك ممكنًا ففي الدول الأكثر بُعدًا والأكثر تبعيّةً.. وفي الدول البعيدة النائية التي تنسيهم جذورهم، وتلغي تاريخهم وثقافتهم، وتغير ملامح شخصيتهم إن بقي لديهم شيء من شخصية، وشيء من وجود أو مقومات... القضية الفلسطينية محلولة على هذا الأساس وهذا التصور.. وحق العودة استُبدل منذ أمد بعيد بحق عودة آخر يعني عودة "اليهودي" من كل أنحاء الدنيا إلى أرض إسرائيل.. لا عودة العربي الفلسطيني الذي اقتلع من جذوره عام ثمانية وأربعين إلى بلاده وأرضه وبيته الذي لم يعد له حق فيه بعد أن عاد لمالكه القديم العائد إليه من آخر الدنيا!! الفلسطينيون إذن لم يعودوا أصحاب حق في هذه الديار.
    بخروج مصر من دائرة الصراع في أعقاب حرب أكتوبر، وبموجب اتفاقات كامب ديفيد.. وبتوقيع اتفاقات أوسلو، والزجّ بفلسطين، والفلسطينيين، والقضية الفلسطينية في هذا الوضع الجديد الذي يمكن تسميته بالحالة الفلسطينية قررت أمريكا خلق حالة شبيهة في العراق... إمعانًا منها في إذلال العالم العربي، وتقطيع أوصاله، ونهب خيراته، وضرب ما كان يسمى بالعمق العربي لفلسطين... ثم ما يقال اليوم عن تقسيم العراق.. وإلغاء شخصيته العربية، وضرب انتمائه العربي.. كما كان احتلال أفغانستان قبل ذلك شبيهًا بهذا ولكن في العمق الإسلامي... خروج مصر من دائرة الصراع إذن بعد حرب أكتوبر  عزلها تمامًا عن الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يُعد لها السيطرة على سيناء.. التي أصبحت دولية.. وأصبحت منتجعاتها كذلك.. وكل ما يقع على عاتق مصر هو حماية هذا الوجود الأجنبي المكثّف على أرض سيناء، وملاحقة المصريين وغير المصريين الذين يشكّلون تهديدًا لهذا الوجود الأجنبي على أرض مصرية... ولقد أدى هذا الخروج إلى ما أدى إليه من ضعف عربي، وانقسامات عربية.. كما أفقد العرب، وأفقد المسلمين، وأفقد فلسطين والفلسطينيين كثيرًا من تضامنهم وكثيرًا من خصائصهم، وكثيرًا من مقومات وجودهم.. ولئن كانت حرب أكتوبر آخر الحروب (كما قال الرئيس المصري السادات آنذاك) فقد حصل هذا بالفعل، ولكن على الجبهة المصرية فقط بخروج مصر من دائرة الصراع، وتخلي مصر عن دورها التاريخي في بلاد العرب منذ العام اثنين وخمسين.. ودورها التاريخي في فلسطين والقضية الفلسطينية.. وإعادة الحقوق إلى أصحابها عرب فلسطين.. هذه الحقوق التي لم تعد تعني شيئًا في هذه الأيام الموغلة في السوء.. المفرطة في التراجع والانحسار.. المنذرة بشر مستطير يغشى هذه الديار، وكل من في هذه الديار، ولسوف يصيب بأذاه وأضراره كثيرًا من الأقطار والأمصار من دول الجوار وغير دول الجوار... لا نتمنى هذا.. بل نحذّر منه بعد أن طفح الكيل، ووصل السيل الزبى.
    وبخروج مصر من دائرة الصراع بقيت سوريا التي عكفت منذ أن وضعت حرب تشرين التحريرية أوزارها على تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل.. ذلك أن السوريين قد باتوا على قناعة تامة بضرورة الاعتماد على النفس في المواجهات المقبلة.. ولقد استوعب السوريون درسًا كبيرًا من دروس حرب العاشر من رمضان من العام ثلاثة وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.. فإن ما حدث على الأرض في الدفرسوار.. وما حدث في كامب ديفيد.. وما كتبه الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان المصري وأحد أكبر العسكريين في العالم كله آنذاك.. كل هذا وكثير غيره قد حدا بالسوريين لاتّباع نهج جديد في التعامل مع الحوادث والأحداث في هذه المنطقة من العالم.. لقد حرصت سوريا على تمتين علاقتها بروسيا.. كما طوّرت علاقتها بإيران.. وأقامت أقوى الصلات وأوثقها مع كل العرب الوحدويين في لبنان الذي لم يكن في الماضي، ولن يكون في الحاضر والمستقبل أكثر من الخاصرة اليمنى للقطر العربي السوري.. ولم يكن ولن يكون إلا أرضًا عربية سورية، وجزءًا لا يمكن أن يتجزّأ من بلاد الشام.. ولم يكن في يوم من الأيام إلا شقيقًا جميلاً وجارًا حبيبًا، ورديفًا شريفًا لفلسطين والفلسطينيين.
   إنه وفي الوقت الذي يعتقد فيه كثير من العرب، وكثير من المسلمين، وكثير من الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والسوريين بضرورة أن تنجح ثورة الخامس والعشرين في مصر، وبضرورة أن تنجح ثورة الياسمين في تونس، وبضرورة أن ينتصر النهج العربي العروبي التحرري في كل بلاد العروبة، وبخاصة في هذه المناطق البالغة الحساسية منها، وفي الوقت الذي يعتقد فيه كثير من المراقبين، وكثير من المحللين السياسيين والعسكريين بوجوب أن يعمل الناس جميعًا في هذه المناطق من أجل وحدة الصف، ووحدة الكلمة، ووحدة الهدف، ومن أجل حشد الطاقات والإمكانات وصولاً إلى تحقيق أهداف هذه الأمة في الوحدة والحرية والتحرر ووضع حد لكل هذه التعديات والتحديات، ولجم هؤلاء المعتدين علينا الطامعين في أوطاننا المجترئين على شعوبنا، وعلى حقها المقدس في العيش الحر الآمن الكريم في ديارها، وفي الوقت الذي ينبغي فيه أن تنتصر إرادة المجتمع الدولي في وضع حد لمعاناة الشعوب، وفي وضع حد لتشردها وضياع حقوقها، وفي الوقت الذي ينبغي فيه أن يستفيق الضمير، وأن يعود المشردون إلى ديارهم كي يختفي شبح الحروب ويسود السلام ربوع هذا الكون نجد أن ما يحدث هو عكس ذلك، ونجد أن ما يحدث هو إصرار كل قوى البغي في هذا العالم على الإمعان في قهر الشعوب، والعدوان عليها، ونهب خيراتها وثرواتها، ومصادرة حرياتها، وغزو أوطانها، وتشريد إنسانها، وتدمير بنيانها، ونجد أن هذه القوى تصر على مزيد من التدخل في الشأن العربي، ومزيد من إثارة الفتن في كثير من أقطار العروبة، وعلى مزيد من العدوان على العرب، وعلى مزيد من ممارسة كافة أشكال النهب والسلب، وفرض السيطرة على هذا الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.. قوى البغي والطغيان هذه تصر اليوم على تجزئة المجزأ، وتفتيت المفتت، وفرض سيطرتها المطلقة على كل شعوب هذه المنطقة حتى لا تقوم لها قائمة في يوم من الأيام.
   إن هذه المنطقة من العالم، وهي تشهد هذه الأحداث الجسام التي ترقى إلى مستوى الحروب الأهلية في بعض أقطارها مرشحة لمزيد من الكوارث والحروب، لسبب بسيط هو أن قوى العدوان لن تتمكن من حسم الأمور لصالحها، ولن تتمكن من إخضاع شعوب هذه المنطقة، ولن تتمكن من فرض سيطرتها على أمة العرب على الرغم من امتلاكها كثيرًا من مصادر القوة، وكثيرًا من الأتباع والأعوان في هذا الوطن العربي.. وإن هذه المنطقة من العالم ستشهد مزيدًا من المعارك والحروب وأعمال العنف والعنف المضاد إلى أن تنتصر إرادة الحياة، وإلى أن تحقق الشعوب أهدافها وغاياتها في الاستقلال والحرية والخلاص، وإلى أن يهزم الطغاة المعتدون، ويعود السيف إلى قرابه، والحق إلى نصابه، والأسد إلى عرين غابه.
   إن عودة الشعب العربي الفلسطيني إلى دياره التي أُخرج منها.. وقيام الدولة الفلسطينية في كامل الأرض المحتلة منذ عام سبعة وستين وعاصمتها القدس العربية.. قد يكونان أساسًا صالحًا لصنع سلام ترضى عنه الأجيال في هذا الجزء من العالم.. وإن بناء نظام عربي سياسي تحرري متزنٍ متوازن يلبي احتياجات أمة العرب، ويلبي احتياجات أجيالها الصاعدة وطموحاتها في حياة عصرية متطورة، ويضع في اعتباره كافة حقوق المواطن، وكافة حقوق الإنسان في هذا الوطن العربي الكبير قد يجعل من حرب أكتوبر -موضوع الحديث- آخر الحروب.
6/10/2011
 
 
 
 
 
 

الأربعاء، ٥ تشرين الأول ٢٠١١

كل أسرى الحرية أبرياء: أليس كذلك يا حسام؟

متابعات
كل أسرى الحرية أبرياء: أليس كذلك يا حسام؟
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
   على وقع هذه الأهازيج التي تشق أجواز الفضاء، وصدى هذه الأشعار التي تملأ الرحب، وعزف الآلات الموسيقية الشجي الذي تلين لوقعه القلوب القاسية، وهتافات الأمهات والشقيقات والأخوات والزوجات، وصراخ أبناء الأسرى وبناتهم، وجيرانهم وجاراتهم، وكل المتضامنين والمتضامنات من أبناء شعبنا وبناته معهم، ومن وحي كل هذا الإصرار والزخم الشعبي المتضامن مع أسرى الحرية الذين يخوضون معارك البطولة والإرادة الحرة التي لا تلين جياعًا عطاشًا مرضى رأيت أن أنتحي جانبًا، وأن ألتجئ كعادتي عندما تحاصرني الأفكار، وتستبد بي المشاعر، وتغلبني تباريح الشوق والحنين إلى رحاب الزميل فوزان، لأكتب لكم يا كل أسرى الحرية هذه الكلمات، أشد فيها على أياديكم، مؤيدًا فيها إصراركم على انتزاع حريتكم، وإصراركم على تحدي القيود والأصفاد وكل سياسات القمع والإذلال والتركيع والتحكم والقهر التي يمارسها هؤلاء جميعًا ضدكم، مؤكدًا فيها على أنكم قادرون على التحدي، قادرون على التصدي، قادرون على تحقيق المطالب، قادرون على انتزاع النصر بالإرادة والعزيمة والتضامن والتنسيق فيما بينكم.
   كنت بالأمس القريب أيها الأحبة كثيرًا ما أحاور أخًا كريمًا هو بينكم الآن،  وأسيرًا محررًا أعادوه إلى الأسر من جديد، وخبيرًا بحياة المعتقلات والسجون، وأساليب التحقيق والمحققين.. كنت كثيرًا ما أخوض معه في قضايا التحرر والحرية والتحرير، وفي قضايا الاستبداد والاستعباد والاضطهاد، وقضايا الظلم والفساد والإفساد والاغتصاب، وقضايا الجوع والتشرد والتمزق واليأس والخضوع، وكان يتكلم دائمًا بلغة شاعرية تغلفها رنة حزن دفين، وتنزف دائمًا بدماء جراحٍ كثيرةٍ لم تجف، وجراحٍ كثيرةٍ غارت وجفت فيها الدماء، ثم نكأتها الأيام، فتدفقت منها الدماء والدموع والصديد من جديد، وأخرى جديدة، وجراح أخرى تنتظر شعبنا في كل خطوة يخطوها هنا على أرض الوطن، وهناك في كل ديار الغربة والتشرد والنزوح واللجوء.. وكان أحيانًا يسهب في الحديث عن حق العودة، وعن الملايين من الفلسطينيين الذين سيعودون إلى بلادهم وبيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم ومدنهم وقراهم.. لقد كان دائمًا مؤمنًا بما يقول، واثقًا من دقة ما يقول، متفائلاً، يحسن الظن بالناس على الرغم من تقصير كثير منهم، وعدم ارتفاع كثير منهم إلى مستوى الحوادث والأحداث التي يعيشها شعبنا، وتحياها أمتنا، عربيًّا، عروبيًّا، وحدويًّا، يبحث عن الشرفاء المخلصين في كل بلاد العرب، سعيدًا بهم، مخلصًا لهم، ودودًا صادقًا في تعامله مع الناس.
   قال لي يومًا إن كل أسرى الحرية أبرياء.. وإن من الضروري أن يخرجوا من الأسر جميعًا، ولا أقول إلى حياة الحرية، لأننا نحن الآن، في مكاننا هذا، في بلدنا هذا، لا نعيش حياة حرة، وإنما أقول أن يخرجوا جميعًا من الأسر، ومن السجون والمعتقلات الصغيرة إلى هذه المعتقلات الكبيرة التي من الضروري أن نعمل جميعًا من أجل حريتها وتحررها وخلاصها من المحتلين الذين يصرون دائمًا على تصنيفنا، وإنزال العقوبات بنا بسبب تصرفاتنا وسلوكنا، وكأن من الطبيعي أن يكونوا موجودين في هذا الوطن يمارسون فيه الحكم والتحكم بالمواطن، وكأن من الطبيعي أن يسكت الناس، وأن يوافقوا على وجود هؤلاء هنا، وعلى حكمهم وتحكمهم بنا، وكأن من الطبيعي أن يرضى الناس بهذا، وأن يتصرفوا بناءً عليه!! وعليه فإنه ليس من العدل أن تبقى هذه السجون، وهذه المعتقلات مفتوحةًَ لإذلال هذا الشعب، وليس من العدل في شيء أن نرضى بهذا، وأن نتعامل معه على أنه أمر واقع، كوجود أولئك على أرضنا!! يجب أن نعمل جميعًا على تحرير الأسرى لأنهم أبرياء، ولأنهم يجب أن يخرجوا من معتقلاتهم، ولأنهم لم يفعلوا ما يوجب توقيفهم لحظة واحدة، ولأنه لا أساس قانونيًّا أو أخلاقيًّا لكل هذه الاعتقالات السياسية التي تمارس في كل هذه الديار، ليس من حق من يوقفوننا أن يفعلوا ذلك، لأن وجودهم هنا على أرضنا غير شرعي، ولأن من حق هذا الأسير أو ذاك أن يفعل ما فعل، وأن يقول ما قال، لأنه في موقف الدفاع عن النفس... ثم إن الغالبية العظمى من المعتقلين والأسرى هم من كبار السن، ومن المرضى، ومن الأطفال، ومن النساء، ومن المعتقلين إداريًّا، ومن المحكومين أحكامًا عاليةً لا تناسب التهم الموجهة إليهم، ولو لم يكونوا عربًا فلسطينيين لما سجنوا يومًا واحدًا، بمعنى أن غالبية المحاكمات هي محاكمات سياسية ينبغي أن يعاد النظر فيها، وينبغي أن تشرف على ملف الأسرى هنا في هذه الديار لجان دولية، ولجان من منظمات حقوق الإنسان، ولجان من المحامين الفلسطينيين والعرب والأجانب، وينبغي أن تتدخل الأمم المتحدة في هذه القضية البالغة الخطورة والحساسية لأن كل أسرى الحرية في بلادنا أبرياء يجب أن يفرج عنهم في الحال، ويجب أن يمتنع الفلسطينيون عن إجراء أي اتصال بالطرف الآخر إلا بعد أن يوافق على الإفراج الكامل غير المشروط عن هؤلاء الأسرى.. وتحيةً إلى أكرم منصور شيخ الأسرى.
   أتذكر يا صديقي تلك الساعات التي كنا نجري فيها كل هذه الأحاديث، وكنا نجري فيها كل هذه التقييمات الشاملة لكل هذه الأوضاع في فلسطين، وفي كل بلاد العرب؟ أتذكر أيها الصديق عندما كنت تحدثني عن عمالقة الأسرى من الفلسطينيين والعرب؟ لقد كنت محقًّا في أحكامك، صادقًا في أقوالك، عربيًّا فلسطينيًّا في مشاعرك وتوجهاتك.. حقًّا إن كل أسرى الحرية أبرياء.. أليس كذلك يا حسام؟!
5/10/2011

الأحد، ٢ تشرين الأول ٢٠١١

ينبغي إخراج الإسرائيليين من الأرض المحتلة أولاً

متابعات
ينبغي إخراج الإسرائيليين من الأرض المحتلة أولاً
أ/ عدنان السمان
www.samman.co.nr
   بعد كل هذه التحديات والتعديات والتجاوزات والاستفزازات والمراوغات والمناورات والتشريعات الباطلة التي مارسها الإسرائيليون منذ عشرات السنين في هذه الديار العربية الفلسطينية، وفي غيرها من الأراضي العربية المحتلة.. وبعد كل أعمال السلب والنهب والمصادرة ووضع اليد على الأرض وكنوزها وثرواتها الطبيعية، وتغيير معالمها، وزرعها بالمستوطنات والمستوطنين، والتحكم المطلق بالمعابر والمخارج والبوابات كافة المسالك والطرق والطرقات والشوارع الالتفافية وغير الالتفاية وكل ثابت ومتحرك على الأرض.. وبعد كل هذه السيطرة المطلقة على الفضاء القريب والبعيد حتى أقصى درجات الفضاء الخارجي صعودًا، وكل هذه السيطرة المطلقة على أعمق أعماق الأرض نزولاً وقعودًا، وكل هذه السيطرة المطلقة على أقوات الناس في هذه الديار، والتحكم المطلق بمصادر طعامهم وشرابهم ودوائهم وكسائهم، والتحكم المطلق بكل وسائل مواصلاتهم واتصالاتهم، ووسائل معلوماتهم، ومصادر معرفتهم، وأبسط أشكال علاقاتهم بغيرهم من الناس في هذا العالم.. وبعد كل هذه الادعاءات والمخالفات والمغالطات التاريخية والقانونية والأخلاقية التي مارسوها ويمارسونها جهارًا نهارًا في هذه الديار.. وبعد كل هذه التصريحات التي يطلقونها حول شرعية استيطانهم، وحول شرعية وجودهم على كل شبر من أرض "إسرائيل" ومن أرض "يهودا والسامرة".. وبعد كل هذه الممارسات الصادرة عن كل هذه الادعاءات، وعن كل هذه المطامع والأطماع التي لم يعودوا يخفونها أو يغلفونها في كل هذه الديار.. وبعد أن توجه الفلسطينيون إلى المحافل الدولية مطالبين بشيء من حقوقهم في هذه الديار.. وبعد أن أبدى كثير من الناس، وكثير من الأنظمة في هذا العالم مشاعرهم الطيبة تجاه الفلسطينيين، وتجاه مطلبهم المتواضع في حقهم المشروع بدولة مستقلة ذات سيادة على كامل أرضهم المحتلة منذ عام سبعة وستين.. بعد كل هذا وذاك ، وقبل كل هذا وذاك، ومع كل هذا وذاك، وبالإضافة إلى كل هذا وذاك جاء الرد الإسرائيلي ببناء مزيدٍ من الوحدات الاستيطانية، وبمصادرة مزيد من الأرض العربية الفلسطينية، وجاء الرد الإسرائيلي بمزيد من التصريحات الاستفزازية، وبمزيد من التحديات والعنتريات، وإلغاء الآخر إلغاءً ليس عليه من مزيد، والاستخفاف به بشكل مسبوق وغير مسبوق، كما جاء الرد الإسرائيلي يحمل مزيدًّا من التحدي، ومزيدًّا من العناد والإصرار على امتلاك كل شيء، ويحمل مزيدًا  من الضغط على الغرب بشقيه كي يقف في وجه هذا المطلب الفلسطيني، وكي يرغم الجانب الفلسطيني على العودة إلى بيت الطاعة، وإلى المفاوضات مع الإسرائيليين من جديد، وبدون قيد أو شرط، وبدون أدنى ضمانة، وأدنى تعهد بأن تسفر هذه المفاوضات عن تحقيق شيء من آمال الفلسطينيين، أو تحقيق شيء من طموحاتهم، إلا أن تكون غطاءً يستكمل الإسرائيليون معه وبه ومن خلاله إقامة مشروعهم اليهودي الاستيطاني على كل أرض فلسطين وعلى كثير من أرض العرب، وكثير من أرض المسلمين.
   لسنا بحاجة للدخول في التفصيلات، ولسنا بحاجة للتوقف كثيرًا أو قليلاً عند هذا الذي يحدث في هذه الأيام حول هذا المطلب الفلسطيني الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، لعلمنا أنه ربما كان بحاجة إلى خطوة دولية تسبقه.. هذه الخطوة التي ينبغي أن يقوم بها المجتمع الدولي بأسره إلى جانبنا، أو نيابة عنا، أو بالتعاون معنا، أو تقوم بها قوًى ومنظمات عربية وإسلامية وأممية ضاغطة من أجل وضع هذه الخطوة -موضوع الحديث- موضع التنفيذ.. المطلب الفلسطيني سيصطدم بالرفض الغربي، ومن الصعب أن يحقق الفلسطينيون شيئًا ذا بال في هذه المرحلة لهذا السبب،  وحتى لو افترضنا أنهم قد حصلوا على مقعدهم بمعجزة فإن إقامة الدولة (على كامل حدود سبعة وستين أو حتى على جزء منها) ينبغي أن يسبقها انسحاب إسرائيلي شامل من كامل هذه الأرض المحتلة، وينبغي أن يسبقها خروج أكثر من نصف مليون مستوطن قد يصبحون أكثر من ذلك بكثير خلال ساعات أو أيام، ولما كان الإسرائيليون لا يرغبون في ذلك على الإطلاق، ولما كانوا غير راغبين أصلاً في قيام أدنى قائمة للفلسطينيين فإنهم لن يسمحوا –عن طيب خاطر- بأن يحصل الفلسطينيون على أكثر من هذه المعازل التي حصلوا عليها بموجب اتفاقات أوسلو التي لن تتطور،  ولن تصبح نواة لدولة أو دويلة أو شبه دولة أو ظل دولة، لأن الإسرائيليين لا يريدون ذلك، ولأن الإسرائيليين –في مجملهم- لا ينظرون بارتياح للوجود الفلسطيني على أرض فلسطين إلا أن يكون ذلك مرحليًّا تكون نهايته عندما تنتهي الحاجة إليه، وتزول علة وجوده، ويصبح بالإمكان الخلاص منه.
   وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الفلسطينيون عاجزين عن إقامة دولتهم بسبب المعارضة الغربية لهذا التوجه، وإذا كانوا عاجزين عن إقامتها بالتفاوض، وإذا كانوا عاجزين عن إقامتها حتى لو منحهم المجتمع الدولي هذا الحق لاصطدام هذه الرغبة بمعارضة الإسرائيليين، ولاصطدامها باتفاقات أوسلو وتصنيفاتها وتفصيلاتها ومتاهاتها... فهل من حقنا أن نعتقد أنه لا بد من إخرج الإسرائيليين أولاً من الأرض الفلسطينية المحتلة، ومن كل الأرض العربية المحتلة، ليصبح بإمكان الفلسطينيين بعد ذلك تقرير مصيرهم، وإقامة دولتهم؟ هل من حقنا أن نقول إنه لا بد من تنفيذ قرارات المجتمع الدولي الصادرة بشأن الأراضي العربية المحتلة، والأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا بد لجامعة العرب، ولمنظمة المؤتمر الإسلامي، ولهيئة الأمم المتحدة، وروسيا، والصين، ولكافة الدول والقوى والمنظمات والهيئات والشعوب الحرة المؤيدة للحق والعدل والحرية والسلام أن تعمل جاهدة من أجل وضع حد لهذا الاحتلال الاستيطاني التوسعي العنصري الذي يفرض نفسه على أرض فلسطين دون سند قانوني أو أخلاقي؟
   إنه إذا قرر الفلسطينيون والعرب والمسلمون ومعهم كافة أنصار الحق والعدل، وكل أنصار السلام في هذا العالم العمل الجاد من أجل وضع حد للاحتلال، وإنهائه، وإخراج المستوطنين من سائر الأراضي العربية المحتلة فإن الباب عند ذلك سيكون مفتوحًا أمام رغبة الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وأمام رغبتهم في تنفيذ قرار حق العودة، وأمام رغبتهم في تحرير القدس وإنقاذها من الاستيطان والمستوطنين، وأمام رغبتهم في إقامة المشروع العربي فوق كل أرض العرب، وأمام رغبتهم في أن يسود السلام العادل الشريف كافة ربوع هذا العالم.
2/10/2011

السبت، ١ تشرين الأول ٢٠١١

راحتي في راحتيك

راحتي في راحتيك
شعر: عدنان السمان
راحتي في راحتيــــــــــــــــــــكْ
أحتسي منك عذابًــــــــــــــــــــــا
أكتب الآهــــــــــــــــــــات شعرًا
وأصلي في خشــــــــــــــــــــوعٍ
أرتوي منك حنانًـــــــــــــــــــــــا
هائمٌ في الشرق وحــــــــــــــــدي
حالــــــــمٌ والعمر يمضــــــــــــي
قد شربت الحـــــــب فجــــــــــــرًا
راحتي صبحًــــــــا وعصــــــــــرًا
قسمًــــــــا يا نور عينـــــــــــــــي
 
لســـــــــــــــت أنسى ملهمًـــــــــا
قد عشقت الحســـــــــــــــــن والدلَّ
وشفاهًـــــــــــــا راجفـــــــــــــــاتٍ
وعيونًـــــــــــــا ناعســـــــــــــــاتٍ
وحرابًـــــــــــــا وسيوفًــــــــــــــــا
وقصــــــــــورًا سامقــــــــــــــاتٍ
وصــــــدورًا ناهــــــــــــــــــــداتٍ
قد عشقت الحســــــــــن في عينيْ
وعبدت الســــــــحر والأُنـــــــــس
بالمنـــــــى شعت ولكــــــــــــــــن
 
لا تقولــــــــــوا إننـــــــــــــــي قد
مســـــــرعًا أعدو ولكــــــــــــــن
هائمًـــــــــا أبحث عن حــــــــــبٍّ
عن حفيـــــــــــــدٍ ملهـــــــــمٍ عن
وحبيـــــــــبٍ.. ملك الدنيــــــــــــا
لاهثًــــــــــا خلف الثريـــــــــّــــا
لا تقـــــــــولوا أو فقـــــــــــــولوا
يبتغي موتًــــــــــا سريعًـــــــــــا
ميتةٌ بيضـــــــــاء من غــــــــــير
ليس يدري بعدهــــــــــــــــــــــا
 
لا تقــــــــولوا "جــــــادك الغيث
أو فقـــــــــــولوا "لم يكــــــــــن
لم يكــــــــــن حبكَ وصـــــــــلاً
كــــــــــان حبًًّا زاجـــــــــــــــرًا
أشعل النــــــــــــــار بقلــــــــبٍ
يا فتــــــــــــاتي لا تُراعــــــــي
لن تهــــــــــوني.. بعد موتـــــي
إن من أحببــــــتِ يا دنـــــــــــيا
لم يكــــــــــــن إلا دعيًّــــــــــــا
فاســــــــــتريحوا يا عُـــــــداتي
 
 
مهجتي بين يديـــــــــــــــــــــــكْ
هاربٌ منك إليــــــــــــــــــــــــكْ
أقرأ الغيب عليـــــــــــــــــــــــكْ
هائمــــــًا في مقلتيــــــــــــــــــكْ
أغتذي من راحتيـــــــــــــــــــــكْ
مبحرٌ في مغربيــــــــــــــــــــــكْ
ســــــــــائحٌ في وجنتيـــــــــــــكْ
تائهًــــــــا في ساحتيـــــــــــــــكْ
ونعيمي في يديـــــــــــــــــــــــكْ
لأصونَــــــــــنْ قِبلتيـــــــــــــــك
 
كان في الحسن ضحيـــــــــــــــــة
 وعينًـــــــــــــــا عسليــــــــــــــــة
لم تداعب شفتيــــــــــــــــــــــــــه
وسهامــــــــــــــًا مقدسيـــــــــــــة
وخيـــــــــــــولاً أمويـــــــــــــــــة
وظبـــــــــــــاءً عربيــــــــــــــــة
ومرايــــــــــــا فارسيــــــــــــــــة
 عروسٍ تلحميـــــــــــــــــــــــــــة
  وأنـــــــــوارًا بهيـــــــــــــــــــــــة
كيف ولـــــــت يا رضـيــــــــة؟؟
 
جئت من خلف الزمـــــــــــــــانْ
موحشًـــــــا كان المكـــــــــــــانْ
جديــــــــــدٍ عن أمـــــــــــــــــانْ
رأس رمـــــحٍ وسنـــــــــــــــــانْ
 حبيبـــــــــي بالحنـــــــــــــــــانْ
سابحًـــــــــــا خلف الحســــــــانْ
"عاجزٌ" يهــــــــــوى القيـــــــانْ
يتنـــــــزّى للجِنـــــــــــــــــــــانْ
عذابٍ أو هــــــــــــــــــــــــــوانْ
كيف هــــــــانوا كيف هــــــــــانْ
 
 إذا الغيث همــــــــــــــــــــــــى"
وصلك إلا حلمــــــــــــــــــــــــا"
أوغرامًــــــــا ملهمـــــــــــــــــــا
للتّســـــــــامي سلّمـــــــــــــــــــا
نزفت منــــــــــــــه الدمـــــــــــا
آهِ من حلّــــــــــو اللمـــــــــــى!!
أنتِ من يحمــــــي الحِمــــــــــى
 بــــــــــــــه الحب سمــــــــــــــا
وغرابًــــــــــــــا أسحمــــــــــــــا
لا تقـــــــــــــولوا ربمــــــــــــا!!
30/9/2011