عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


السبت، ٢٣ تموز ٢٠١١

في ذكرى ثورة يوليو

 متابعات
في ذكرى ثورة يوليو
مهداة إلى الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل))
عدنان السمّان 
   ليس غريبًا أن يثور الإنسان عندما تُنتهك كرامته، وعندما يُعتدى على وطنه، أو قيمه، ومثله العليا، ومعتقداته، ومقدساته، وعندما يغتصب أحدٌ أو جهة أو هيئة أو دولة حقًّا من حقوقه الشخصية ، أو حقًّا من حقوق شعبه، أو أمته، ليس غريبًا أن يثور الإنسان عندما يحدث شيء من هذا، أو شيء شبيه بهذا، وعندما يحدث هذا كله، وكثير غيره، بل الغريب أن لا يثور، وأن لا يغضب، وأن يستكين، ويرضى بالضيم والذل والهوان، وكأن الأمر لا يعنيه..وليس غريبًا أيضًا أن تجد هذه الثورة صداها في قلوب كثير من الناس، فتنطلق عند ذلك من عقالها، ومن صدور مفجريها، وحَمَلة ألويتها، لتصبح تيارًا مطلبيًّا عامًّا، وصوتًا شعبيًّا مدوِّيًا، ورأيًا عامًّا يعكس آمال الأمة وآلامها ورغباتِها الملحّةَ في التغيير والتطوير والتحرير والخلاص من الظلم والاستبداد، والانعتاق من قيود العدوان والتبعية والاستعباد، إلى آفاق العدل والعدالة والاستقلال، والانطلاق بعد ذلك في معارج التطور والتقدم والبناء، إحقاقًا للحق، وإزهاقًا للباطل.. إن الباطل كان زهوقًا .
   وليس غريبًا أن تتصدى كافة القوى والتكتلات المعادية لرغبات الأمم والشعوب، وتطلعاتها نحو الاستقلال الاقتصادي والسياسي والثقافي لمثل هذه الثورة ، وليس غريبًا أن يتعرض الأحرار والحرائر لكافة أشكال الضغط والحصار والعدوان، ولكافة أشكال التحريض والتزوير والتهديد، وقلب الحقائق، والإشاعات الخبيثة، والافتراءات التي تحمّل هؤلاء الأحرار مسئولية ما تعانيه الأمة على يد هذه القوى والتكتلات المعادية .. وليس غريبًا أن تلجأ هذه القوى والتكتلات إلى شراء الضمائر والذمم في كل مكان ، وعلى كافة المستويات، ولا سيما بين ذوي الرتب العليا في قيادة القوات المسلحة، والإنفاق بسخاء على كل من يؤيد نهجها، أو يغض النظر عن ممارساتها في أوساط المثقفين والمفكرين وموجهي الرأي العام، مستهدفةً بذلك عزل هؤلاء الأحرار عن القاعدة الشعبية التي يعتمدون عليها، ويلجأون إليها في مواجهة تلك القوى الأجنبية المعادية، ومستهدفة بذلك أيضًا خلق الفتنة، وضرب وحدة الأمة، وعزل الأحرار كلما كان ذلك ممكنًا، وكلما كان ذلك ضروريٍّا لتنفيذ الخطط والمخططات التي تستهدف الأمة في أسمى أهدافها، وفي أعز غاياتها وتطلعاتها وتوجهاتها وأمانيها.
   وإذا كانت هذه- باختصار شديد - هي صورة ما جرى ، وما يجري في هذا الكون مذ كانت المجتمعات والتجمعات ، ومذ كانت التكتلات والكيانات الاقتصادية والسياسية ، ومذ كانت الأمم والشعوب، ومذ كان اليمين واليسار، وقوى الثورة ، والثورة المضادة، ومذ كانت الانقلابات والاختراقات ، ومذ كانت الخيانة والوطنية، ومذ كان العدل والظلم، والصدق والكذب، والخير والشر، ومذ كان البناء والهدم، والقوة والضعف، والكرامة والمذلة، ومذ كانت كافة التناقضات في الأنظمة السياسية، والاجتماعية والاقتصادية في هذا الكون.. فإن ما جرى، وما يجري على الساحة العربية منذ مطلع تاريخ العرب الحديث يشير بوضوح إلى وجود كثير من هذه التناقضات، وكثير من العلل والآفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية على الأرض العربية، وحتى لا نضيع في متاهات الوطن العربي، وفي مجاهله، فإنه يجدر بنا أن نتوقف هنا عند قطرٍ عربي بعينه، ليكون مدارًا للبحث، ومحورًا للحديث، ونموذجًا من الممكن أن يشار إليه، ويعتمد عليه عند البحث والتنقيب في ماضي الأمة، وعند التخطيط لمستقبلها ومستقبل أجيالها على كل الأرض العربية ، كيف لا؟ ومصر هي مصر منذ الفتح الإسلامي، وحتى يومنا هذا، ومصر أيضًا هي مصر منذ بدء الخليقة وحتى الفتح الإسلامي.. مصر هي مصر على الرغم من تأخر دورها النسبي ، وتأثير هذا الدور في السياسة العربية الإسلامية ، وفي الحياة العربية الإسلامية، والثقافة العربية الإسلامية منذ الفتح، وحتى يومنا هذا.. فما الذي يستطيع المرء أن يقوله – بإيجاز شديد – في تاريخ مصر الحديث، وفي الحياة السياسية المصرية، ونحن نعيش اليوم الذكرى التاسعة والخمسين لثورة يوليو التي أطلق شرارتها الأولى الضابطان المصريان الثائران محمد نجيب، وجمال عبد الناصر في اليوم الثالث والعشرين من شهر يوليو تموز من العام (1952) الثاني والخمسين من القرن الماضي.. ما الذي يمكن أن يقوله الباحث والمؤرخ، وما الذي يمكن أن يستخلصه من طبيعة تلك الثورة ، والصعاب التي واجهتها، والمصير الذي آلت إليه، ولماذا؟ وكيف بُعثت وتجددت بعد ذلك في صور أخرى، وأين يقف النظام السياسي العربي اليوم، وما الذي يمكن أن يفعله العرب كي يحافظوا على وجودهم ، وكي يصبحوا قوة فاعلة في التاريخ، وهل يمكن تعميم ما جرى في مصر على سائر أقطار العروبة ، وإلى أي حد ؟.
لقد رفعت تلك الثورة في مصر شعارات التحرر والتحرير ، وشعارات بناء الدولة العربية الحديثة في مصر ، وفي سائر بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، وكان من الطبيعي أن تصطدم تلك الثورة بكثير من رموز الإقطاع ، وسيطرة رأس المال ، وقيادات الثورة المضادة وقواها، وأن تصطدم بكثير من دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة ، وبريطانيا، وفرنسا، وكان من الطبيعي أيضًا أن تصطدم تلك الثورة اصطدامًا مباشَرًا بإسرائيل التي تمكنت من غزو مصر بعد أربع سنوات من قيام تلك الثورة المصرية وسنتين من صفقة الأسلحة التشيكية عندما استطاع بن غوريون إقناع حليفيه في لندن وباريس السير أنطوني إيدن، وجي موليه بضرورة إسقاط نظام حكم عبد الناصر في القاهرة، لأنه بات يشكل تهديدًا لأمن إسرائيل ووجودها!! ولأنه بات يشكل تحديًا واضحًا لنفوذ بريطانيا وفرنسا والغرب كله في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وسائر بلاد العرب وأقطار العالم الإسلامي، ودول عدم الانحياز،ولأنه بات يشكل تهديدًا واضحًا للأنظمة العربية المعتدلة، ولأنه بات يفجر الشعور القومي العربي تمهيدًا لقيام الدولة العربية الواحدة الموحدة على كل أرض العرب.                              
وكان العدوان الثلاثي على مصر في التاسع والعشرين من تشرين الأول من العام ستة وخمسين، وكان الرد المصري على ذلك العدوان الثلاثي، وكان تلاحم المقاومة الشعبية في مدن القناة مع القوات المسلحة المصرية، وكان الثبات الأسطوري لقطاع غزة، وكان موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لمصر، ولجيش مصر، ولشعب مصر، وكان الموقف الأمريكي المؤيد لقرار مجلس الأمن بانسحاب القوات المعتدية من أرض مصر، وكان الانسحاب، وكان خروج نظام حكم جمال عبد الناصر من تلك الحرب أشد قوة على الرغم من بعض المكاسب التي حققها ذلك العدوان، والمتمثلة في القوات الدولية التي أصبحت ترابط في مضائق تيران، وحق كافة السفن في المرور عبر قناة السويس.. أما القوات الدولية فقد أمر جمال عبد الناصر بخروجها من المضائق وشرم الشيخ في أواخر شهر أيار من العام سبعة وستين، وأما قناة السويس فقد أُغلقت في وجه كافة السفن بعد أن تعطلت فيها الملاحة بسبب حرب الخامس من حزيران التي أعاد فيها الغرب وحليفته إسرائيل غزو مصر، واحتلال سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وأجزاء من الجولان.. وكانت الاستقالة، وكان التنحي، وكان خروج الأمة العربية في يومي التاسع والعاشر من حزيران، وكانت قمة الخرطوم، ولاءات الخرطوم، وإصرار الأمة العربية على الثبات، وإصرارها على التحرير، وكانت حرب الاستنزاف بعد إعادة تسليح الجيش المصري، وكانت الانتصارات التي حققها هذا الجيش، وكانت الخطط الرامية لاقتحام قناة السويس، وتحطيم خط بارليف الحصين، والوصول إلى سيناء لتحريرها شبرًا شبرًا كما كان عبد الناصر يؤكد في كل خطاباته التي كان يؤكد فيها أيضًا على أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة... ولكن عبد الناصر يودع هذه الدنيا، ويلفظ آخر أنفاسه (مسمومًا) في الثامن والعشرين من أيلول من العام (1970) لتدخل مصر، وتدخل معها المنطقة العربية كلها، وتدخل معها القضية الفلسطينية مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد عبد الناصر. لقد أحسّ العرب جميعًا في كافة أقطارهم وأمصارهم بالحزن والفجيعة والضَّياع، وانبرى الغرب وحلفاؤه في بلاد العرب لتشكيك الأمة العربية بكل ثوابتها، وبكل مبادئها، وبكل معتقداتها، وبكل مقدس وعزيز وغال لديها، وتوالت الهزات، وتتابعت الصدمات، وكثرت الانهيارات، وتنوعت المؤامرات، وتعددت أشكالها وصورها، وخسرت الأمة كثيرًا من وزنها، وكثيرًا من نضارتها وألقها وتألقها، وخسرت كثيرًا من مواقعها التي بنتها الشعوب العربية في كثير من أقطارها بالعرق والدموع والدماء.. ومع هذا كله، وعلى الرغم من كل هذه الهزات والصدمات والانهيارات إلا أن هذه الأمة لم تفقد الثقة بالمستقبل، ولم تفقد الثقة بالنفس، ولم تفقد الثقة بقدرتها على تجاوز الصعاب، والنفاذ منها إلى تحقيق الأهداف والغايات مهما اشتدت الظلمات، ومهما اشتدت الهجمات، وكثرت الخطط والمخططات والمؤامرات التي استهدفت هذه الأمة في كبريائها، وفي أبسط حقوقها في العيش باحترام في أوطانها.
أما أمريكا، فقد أيقنت أن النظام السياسي في مصر لا يقترب منها إلا بالقدْر الذي يحقق معه أهدافه، فراحت (بعد كثير من التردد، وضبط النفس، وإجراء الدراسات والاختبارات) تناصبه العداء.. وراحت تسلح إسرائيل، وتمدها بأحدث ما في ترسانتها من وسائل هجومية.. وراحت تغدق على إسرائيل من أموال أمريكا ومساعداتها غير المستردة.. وراحت مصر تقترب أكثر من السوفيات، وتستورد أحدث ما في ترسانته من سلاح، بل لقد استقدمت مصر الخبراء السوفيات لحماية العمق المصري من الهجمات الإسرائيلية، والغارات الإسرائيلية خلال حرب الاستنزاف التي أثبتت فيها طلائع القوات المسلحة المصرية وجودها، وكفاءتها القتالية العالية، لقد أقام المصريون حائط الصواريخ للتصدي للطائرات الإسرائيلية المغيرة، ولقد أثبتت كل هذه الإعدادات والاستعدادات جدواها، وآتت أكلها خلال تلك الفترة من حرب الاستنزاف، وخلال عملية عبور الجيش المصري قناة السويس فيما بعد، والسيطرة بالتالي على الضفة الشرقية للقناة، والانطلاق منها نحو سيناء.. وهكذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تقود الحرب ضد مصر، وأصبح الفيتو الأمريكي أكبر غطاء لإسرائيل في المحافل الدولية، وفي مجلس الأمن بالذات، وأصبحت إسرائيل في حِلٍّ من الانسحاب، وأصبحت في حِلٍّ من الإدانة، وأصبحت فوق القانون، وفوق إرادة المجتمع الدولي، وفوق رغبة العرب في السلام العادل الدائم الشامل الشريف الذي يعيد إليهم أرضهم المحتلة، وفوق رغبة الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، ورغبتهم في حل قضيتهم حلاًّ عادلاً يعيد إليهم حقوقهم الوطنية الثابتة في بلادهم فلسطين... لقد انتهجت أمريكا هذه السياسة المعادية لمصر، والمعادية للعرب ولطموحاتهم بعد أن رأت في ذلك تحقيقًا لمصالحها، وخدمةً لحليفتها إسرائيل، وخدمةً للأنظمة العربية المعتدلة، وإمعانًا منها في عزل السوفيات، وإلحاق الهزائم بهم على الحلبة الدولية، ومنعهم من الوصول إلى المياه الدافئة، وإمعانًا في إحراج عبد الناصر، وقوى اليسار العربي، والعمل بكل الوسائل من أجل إضعاف هذه القوى، وضرب التيار الوحدوي العربي الناصري في كل بلاد العرب، ومقاومة المشروع العربي على كل الأرض العربية، خدمةً للمشروع الصهيوني المتحالف مع الرغبة الأمريكية الجامحة في السيطرة على هذه الأرض العربية، وإذا كان هذا كله بحاجة إلى دليل، فإن بقاء الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية منذ سنة 67 هو الدليل، وإن حصار غزة هو الدليل، وإن الإمعان في تهويد الضفة الغربية والقدس العربية، والإمعان في بناء المستوطنات، ومصادرة الأرض، وتغيير معالمها هو الدليل، وإن التنكر لكافة الحقوق العربية في فلسطين، والإمعان في هدم البيوت العربية في القدس ونابلس والخليل، والمضي في تقطيع أوصال المدن العربية والقرى العربية في هذه الديار هو الدليل، والمضي في رفض قرارات المجتمع الدولي بشان القضية الفلسطينية، والإصرار على السيطرة المطلقة على فلسطين كل فلسطين هو الدليل!!
إنه، وعلى الرغم من شعور العرب في كافة أقطارهم بالمرارة نظرًا لكل هذا الذي حدث، ونظرًا لكل هذه الغطرسة، ولكل هذا الاستعلاء والاستكبار، ولكل هذا الإصرار على إذلال أمة العروبة، وأمة الإسلام، فقد بدأ هذا التحول الكبير في كثير من أقطار العروبة، ورفعَ كثير من العرب شعار "الإسلام هو الحل"، وهكذا بدأ المراقبون يشهدون صحوة إسلامية، ومدًّا إسلاميًّا يستطيع العرب من خلاله حماية وجودهم على أرضهم، والتصدي للمخططات التي تستهدف هذا الوجود... حتى أن السادات رفع شعار دولة العلم والإيمان رغبة منه في وضع نهاية حزينة لأيديولوجية مصر في عهد عبد الناصر، ورغبة منه في تعزيز علاقة مصر بالولايات المتحدة، ورغبة منه في أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب في المنطقة، ورغبة منه في إحلال "السلام" وحل القضية الفلسطينية بعد أن أنهى علاقة مصر بالاتحاد السوفياتي، وأخرج الخبراء السوفيات من مصر، ونفّذ جانبًا من الخطة التي رسمتها القيادة المصرية في حينه لتحرير سيناء... ولكن هذا لم يُقنع المصريين، ولم يُقنع الإسلاميين في مصر وغير مصر بصدق توجّه الرجل، وصدق نواياه، وصحة أفعاله وصدق أقواله فكان ما كان، ولا زال الإسلاميون في مصر وغير مصر من بلاد العروبة في حال من التناقض الشديد مع تلك الأنظمة التي ارتأت أن تعزز علاقتها بالغرب شأنها في ذلك شأن القوى اليسارية، وقوى التحرر العربي، والفكر القومي العربي، وسائر العروبيين، والوحدويين العرب في كل هذه الديار.. ليس غريبًا أن يحدث هذا، وليس غريبًا أن نجد هذه الوحدة الوطنية وقد فرضت نفسها على أعداء الأمس ليكونوا اليوم صفًّا واحدًا موحَّدًا، وليكونوا في خندق واحد ضد عدوٍّ واحد مشترك يهدد وجودهم، ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم يعطوه الولاء، وإن لم يستسلموا لرغباته، وينصاعوا لأوامره وتعليماته.
وأما الشارع العربي، وأما قوى الثورة العربية، وأما الأحرار العرب، والوحدويون العرب فقد باتوا يؤمنون أن عبد الناصر الذي حمل لواء العروبة، وقضى وهو يحمل ذلك اللواء لا بد أن يُبعث من جديد، ولا بد أن يتكرر في هذه الصورة أو تلك، إنها مشاعر دفينة في العقل الباطن لهذه الأمة تقفز من أعماق اللاشعور لتطغى على بؤرة الشعور، وتطفو عليها فارضةً نفسها على السلوك العام، وفارضةً نفسها على تطلعات الأمة، وعلى تحركاتها.. لقد أدرك الشارع العربي أنه لا بد من العودة إلى التصدي، ولا بد من العودة إلى التحدي، ولا بد من سلوك سبيل المقاومة، وسبيل الممانعة، ولا بد من قول "لا" لكل صور التسلط والتحكم والتدخل في الشأن العربي.. وكان صدام حسين في العراق، وكان حافظ الأسد في سوريا، وكان التحرك السوري الهادئ نحو إيران، ونحو تركيا، وكانت القطيعة أيضًا بين نظامي البعث العربي الاشتراكي في العراق وسوريا.. وكانت الهجمات الإسرائيلية الشرسة على لبنان، وعلى المقاومة الفلسطينية، وكانت الحرب الأهلية في لبنان عام خمسة وسبعين، وعملية الليطاني في العام ثمانية وسبعين، وكان الاجتياح الكبير في العام اثنين وثمانين، وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وإقامة الحكم العسكري الإسرائيلي في الجنوب، وتحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية، والتفكير الجدي في إنشاء المستوطنات في الجنوب اللبناني كما في الشمال الفلسطيني، وكما في الضفة الغربية!! وكان ميلاد المقاومة اللبنانية، وميلاد حزب الله اللبناني، وبروز نجم حسن نصر الله، وكانت التحالفات السياسية الجديدة في لبنان، وكان المد القومي العربي، والمد الإسلامي أيضًا في هذا البلد الصغير، وكان التحالف بين هذين المدَّين، وكان التحالف الإسلامي المسيحي الذي أتى في طريقه على كل من يناصب لبنان العداء من كافة سكانه، ومن كافة مواطنيه، ومن كافة مسلميه، وكافة مسيحييه.. وكان انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان قبل إحدى عشرة سنة، وكان إغلاق المفوضية الإسرائيلية في بيروت قبل ذلك، وكانت المعارك الشرسة الدامية بين الإسرائيليين وهذه المقاومة اللبنانية.. وكانت الانتخابات في الضفة وغزة، وكانت نتائجها، وكان ما كان من سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على القطاع، وكانت الحرب الإسرائيلية على غزة، وكان الحصار قبل ذلك، وبعده، وبالتزامن معه، وكان عرض (ليبرمان) بتخلي إسرائيل عن القطاع، وقطع صلتها به، وعلاقاتها معه، والمطالبة بوضعه تحت الإشراف الدولي.. هذا العرض الذي كان من الممكن أن يكون مقبولاً لو أنه ضمن استقلالية الطريق، وفتحها بين غزة والضفة، ورفع أيدي الإسرائيليين عنها، ولو أنه التزم بتخلي إسرائيل عن الضفة أيضًا، لا عن القطاع وحده.
وأما سوريا التي ربطتها مع مصر منذ فجر التاريخ أوثق الصلات وأقواها، وربطتها مع مصر في عهد عبد الناصر وحدة اندماجية دامت نحو ثلاث سنوات، فهي ماضية على طريق تعزيز العلاقة بإيران، وتعزيزها بتركيا لولا ما يحدث اليوم على الحدود السورية التركية، ولولا هذه الفتنة الكبرى التي تعصف منذ أشهر بسوريا، وتعزيزها دائمًا بلبنان الذي يرفض مواطنوه أن ينفصلوا عن سوريا مهما كانت الذرائع، ومهما كانت العلل والأسباب والمسوغات، وبتعزيزها أيضًا بالأردن والأردنيين، وبفلسطين والفلسطينيين.. لقد حاول هؤلاء وأولئك في الماضي القريب أن يعزلوا سوريا، فعزلتهم سوريا، ثم عاد بعضهم اليوم يطلب من سوريا أن تعيده إلى حظيرة العروبة، وأن ترفع عنه العزلة التي فرضها على نفسه، وفرضتها عليه سوريا بناءً على مواقفه وتوجهاته.. وهي ماضية أيضًا على طريق تعزيز العلاقة بالعراق، وبالمقاومة العراقية، وبالقوى العراقية المطالبة بوحدة أرض العراق، ووحدة شعب العراق، وعودة العراق العربي قُطرًا عربيًّا سيدًا ماجدًا كما كان.. وهكذا فإن سوريا اليوم هي القُطر المحوري في هذا التحالف الجديد الذي يضم كل دول المنطقة ذات القوة والتأثير، وكل شعوبها الطامحة إلى الوحدة والحرية والتحرر والاستقلال، والطامحة أيضًا إلى حياة البناء والإعمار، على الرغم من كل هذا التجييش الإعلامي ضدها، وعلى الرغم من كل هذه الفتن التي تستهدفها لكل ما ذُكِر من أسباب.. وبعد،
فإن هذا بعض ما يمكن أن يقوله المراقب المتتبع لسير الحوادث والأحداث في هذه المنطقة من العالم في مناسبة غالية كهذه التي نحياها في هذه الأيام، بعيدًا عن التعصب، وبعيدًا عن التشنج، وبعيدًا عن كثير من الاعتبارات التي عفا عليها الزمن، ولا تصلح تحت أي اعتبار أن تكون أساسًا لعمل مشترك، أو وحدة وطنية تفعل فعلها في سير الأمور والأحداث والحوادث في هذه المنطقة من العالم.. وبغض النظر عن كل ما قيل على امتداد العقود الستة في هذه المناسبة التي نحياها اليوم، فإننا نعيش واحدة من أبرز المحطات على تاريخ هذه الأمة العربية منذ فجر التاريخ العربي، وحتى أيامنا هذه.. لقد قال بعضهم في ثورة الثالث والعشرين من يوليو تموز إنها ثورة، وقال بعضهم إنه انقلاب.. وقال قائل منهم إنها حركة مصرية لفرض الوحدة العربية على كل أرض العرب، وقال آخرون إن هذه الحركة قد جاءت قبل موعدها ففشلت، وقال غيرهم إنها قد جاءت متأخرة فقضت عليها إسرائيل.. وقال هؤلاء إن عددًا من أولئك الضباط "الأحرار" لم يكن على المستوى المطلوب، ولم يكن من المعدن المطلوب، وقال أولئك إنهم قد تغيروا لتغير الظروف والأحوال، فالعيب فيهم، وليس في منطلقات هذه المجموعة من الضباط الذين تمردوا على الفساد، وثاروا على التفريط والاستسلام.. وبغض النظر عن كل ذلك، وبصرف النظر عن كثير مما جرى على امتداد العقود الستة الماضية، وبصرف النظر أيضًا عن كل سلبيات هذه الحركة وأخطائها إلا أنها كانت التعبير عن تطلعات الأمة، وكانت التعبير عن آمالها.. ومما لا شك فيه أن هذه الحركة لم تمت، وأن قادتها الحقيقيين لم يموتوا: فاللواء محمد نجيب لا زال حيًّا يُرزق، ولا زال رمزًا لملايين المصريين، ولملايين العرب والمسلمين على كل أرض العرب، وعلى كل أرض المسلمين، والعقيد الرئيس جمال عبد الناصر لا زال حيًّا يُرزق، ولا زال يفجّر كثيرًا من الثورات، وكثيرًا من الحركات الشعبية والرسمية على كل أرض العرب من المحيط إلى الخليج، وما ثورة الخامس والعشرين من يناير إلا الدليل القاطع على صحة هذا القول، وما حرص الغرب وأعوانه على إحباط هذه الثورة، والالتفاف عليها إلا الدليل  أيضًا على إصرار هذا الغرب على عدائه لمصر الثورة، مصر عبد الناصر، مصر الثالث والعشرين من يوليو، مصر الخامس والعشرين من يناير، مصر العمال والفلاحين والطلبة والمثقفين والمبدعين من المصريين الأحرار العروبيين.. أمجاد يا عرب أمجاد.. إن شعب مصر العربي قادر دون أدنى شك على حسم الأمور لصالح مصر العربية الحرة الأبيَّة صانعة تاريخ العرب الحديث.
 
23\7\2011

الأربعاء، ٢٠ تموز ٢٠١١

في يهودية الدولة وعروبة القدس وحق العودة!!

متابعات
في يهودية الدولة وعروبة القدس وحق العودة!!
أ.عدنان السمان
 
    بعيدًا عن المقدمات، وبعيدًا عن التكرار والاجترار، وبعيدًا عن المناكفات والمخاصمات والمشاحنات، وبعيدًا عن التعصب والتعنصر والتوتر، وبعيدًا عن كل أشكال النفاق والمراوغة والكذب والكيل بعشرين مكيالاً، وبكلمة موجزة مختصرة مباشَرة لا لبس فيها ولا غموض يدخل الكاتب والقارئ والمراقب، والمحلل السياسي والمتتبع لأحوال الناس وأخبارهم وتطورات حياتهم وقضاياهم في هذه الديار وفي غير هذه الديار من أقطار هذا الكون الواسع في هذه الثلاثية التي يناقض شقها الأول شقيها الثاني والثالث، مما اشتمل عليه هذا العنوان: يهودية دولتهم، وعروبة القدس، وحق عودة اللاجئين والمهجّرين الفلسطينيين إلى ديارهم بموجب القرار الذي يحمل الرقم (194) الصادر في الحادي عشر من ديسمبر 1948.
    الإسرائيليون يصرّون على ضرورة أن تكون "دولتهم" يهودية، بمعنى أن تكون دولة لليهود دون سواهم، وبمعنى أن يكون بإمكانهم أن يعيدوا توزيع السكان داخل "دولتهم" كما يريدون، وبمعنى أن يكون بإمكانهم إلغاء حق عودة الفلسطيني إلى بلده وأرضه التي أُخرِجَ منها، وأُجليَ عنها ذات يوم، وبمعنى أن يكون بإمكانهم أيضًا نقل هذا الصراع العربي الإسرائيلي، أو الفلسطيني الإسرائيلي إلى الضفة الغربية بشكل نهائي، ليفعلوا هنا مستقبلاً ما فعلوه أو ما سيفعلونه هناك في الجليل والمثلث والنقب بعد أكثر من ستين عامًا أو سبعين لا ندري يقينًا متى سيتم هذا، ولا نعلم يقينًا هل سيتم أم لا، وإن كنا نعلم علم اليقين أنهم يحاولون أن يتوصلوا إلى هذا الحل "يهودية دولتهم" عن طريق تجنيد كثير من الموالين، وكثير من المؤيدين، وكثير ممن يرون أنهم إنما وُجِدوا لخدمة الأهداف الإسرائيلية في فلسطين وغير فلسطين من بلاد العروبة والإسلام، ومن غير بلاد العروبة والإسلام.
     والإسرائيليون يصرّون على أن تكون القدس بشقيها عاصمة لدولتهم اليهودية، بمعنى أن تكون القدس بشقيها، وبكامل أحيائها وبمستوطناتها ومستوطنيها، وبمساحاتها الشاسعة التي أضافوها إلى هذه المدينة يهوديةً، كيف لا وهي عاصمة دولتهم اليهودية؟ وإذا كانت الدولة يهودية فكيف من الممكن أن لا تكون العاصمة كذلك؟ وكيف من الممكن أن لا تكون بعض أحياء هذه العاصمة كذلك؟ وكيف من الممكن أن يوافق هؤلاء على حل يستثني هذا الجزء من "عاصمتهم" أو ذاك؟؟
   والإسرائيليون كذلك يصرّون على إلغاء حق عودة الفلسطيني إلى بيته وأرضه ووطنه، وإن كانوا يتظاهرون_ ربما_ بالموافقة على عودته إلى الأرض المحتلة منذ سبعة وستين، هذه الموافقة التي لا تعدو كونها _في رأيي_ مناورة لتحقيق حلمهم في يهوديّة الدولة، وموافقة الطرف الآخر عليها، وللتفرغ بعد ذلك لخوض الصراع النهائي الذي يمكّنهم من التخلص من كافة الفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية.
    وإذا كان الإسرائيليون قد وافقوا على إقامة دولتهم بموجب القرار (181) القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة لليهود، والثانية للعرب الفلسطينيين، وإذا كان الإسرائيليون قد تمكّنوا بعد أقل من ستة أشهر من صدور قرار التقسيم (181) من إقامة دولتهم على 78% من أرض فلسطين التاريخية، أي بزيادة مقدارها 13% عما أعطاهم قرار التقسيم ذاك، فإن هذا يعني ببساطة أنهم قد ألغوا من جانبهم حل الدولتين لشعبين الذي تضمنه القرار (181) والذي قامت دولتهم على أساسه، وأن هذا الذي يقال اليوم عن حل الدولتين إن هو إلا خطوة للالتفاف على ذلك القرار الدولي، وإن هو إلا خطوة لإضفاء "يهودية" الدولة التي تضمنها ذلك القرار على هذا الحل (حل الدولتين) الذي قدمته الولايات المتحدة لاحقًا، ووافقت عليه دول كثيرة بعد ذلك، وإن هو إلا خطوة لإضفاء الشرعية على احتلال ثلاثة عشر بالمائة من أرض فلسطين زيادة عما تضمّنه قرار التقسيم، وإن هو إلا خطوة على طريق تهويد فلسطين كل فلسطين.. وما كل هذا الاستيطان، وما كل هذه المصادرات، ووضع اليد في كل يوم على مزيد من أرض الضفة الغربية التي لم يبقَ منها ما يتفاوض عليها المتفاوضون، وما كل هذا الذي يجري في القدس بشقّيها إلا الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنهم يريدونها دولة يهودية على كل أرض فلسطين، وعلى كثير من أرض العرب، وعلى كثير من أراضي المسلمين إن لم يكن ذلك بالغزو العسكري المسلح فبالغزو الثقافي، وبالعلاقات الوُدية، وشراء الأتباع والأعوان والمحاسيب، وبإقامة العلاقات الدبلوماسية وصولاً إلى نشر ثقافتهم في كل تلك الديار التي ينجحون في إقامة العلاقات الطبيعية معها.
     وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت "يهودية" الدولة التي يتحدثون عنها، ويطلبون من العرب والمسلمين الاعتراف بها، تعني يقينًا وصراحةً لا شكًّا وضمنًا أن القدس بشقيها هي أيضًا كذلك، وأن حق عودة اللاجئين والمُهجّرين الفلسطينيين قد أُلغيَ تمامًا، فإن التظاهر فيما يسمّونه بدولة الفلسطينيين إن هو إلا وسيلة لتنفيذ مخططاتهم في تهويد فلسطين كل فلسطين، وإن هو إلا وسيلتهم للتخلص من كل عرب فلسطين في نهاية المطاف.
     وإذا كانت الأرض الفلسطينية المحتلة منذ سبعة وستين مُضافًا إليها ما احتله الإسرائيليون قبل ذلك عندما أقاموا دولتهم عام ثمانية وأربعين، هي الأرض التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية، وإذا كانت القدس الشرقية المحتلة منذ سبعة وستين هي عاصمة هذه الدولة الفلسطينية، وإذا كان من حق اللاجئين والمهجّرين الفلسطينيين أن يعودوا إلى بلادهم وبيوتهم التي أُخرِجوا منها ، أو اُبعِدوا عنها، فإن هذا يعني باختصار قيام دولتين في فلسطين واحدة مشتركة يتساوى فيها السكان العرب واليهود، وواحدة للفلسطينيين العرب خالية من اليهود، وخالية من الاستيطان والمستوطنات والمستوطنين، وإن هذا يعني باختصار أن كل حديث عن يهودية الدولة إن هو إلا كلامٌ بعيد عن القوانين والأعراف الدولية، وبعيد عن الحق والعدل، ويلحق الظلم الصارخ بحقوق عرب فلسطين في بلادهم فلسطين.
   وأخيرًا، فإن الحل العملي الواقعي لكل قضايا هذه الديار أمرٌ ممكن، إذا تخلى أهل هذه الديار جميعًا عن كل أشكال التعصب والتعنصر والتطرف والتوتر والاستعلاء والاستكبار، وإذا هم وافقوا جميعًا على أن يعيشوا في هذه الديار في محبة وأمن وأمان وهدوء وتسامح واستقرار ووئام وسلام، وإذا هم قرروا أن يعيشوا مثل كل شعوب هذا العالم في إطار الإنسانية الواسع الذي يستوعب كافة التناقضات، ويستوعب كافة الثقافات والتوجهات والمعتقدات، ويستوعب كافة الخلافات والاختلافات ووجهات النظر، ويكون فيه الناس جميعًا أخوة متحابين متساوين في الحقوق والواجبات، متساوين أمام قانون واحد مطبق على الناس جميعًا دون استثناء.
20\7\2011

الثلاثاء، ١٩ تموز ٢٠١١

أيها الشيخ الطيب شكرًا لك..

متابعات
أيها الشيخ الطيب شكرًا لك..
وجزاك الله عنا خير الجزاء!!
أ.عدنان السمان
     ما صرح به شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب من أنه مستعد للذهاب إلى طهران كي يزيل الخلاف بين السنّة والشيعة، وكي يعيد اللُّحمة إلى صفوف المسلمين كل المسلمين في كل ديار الإسلام هو خطوة في الاتجاه الصحيح، وخطوة مشكورة من شأنها أن تدخل الطمأنينة إلى قلوب الناس في كل بلاد العروبة والإسلام.. وما من شك في أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تضع كثيرًا من النقاط على كثير من الحروف، ومن شأنها أن تسهم بقسط وافر في سبيل تخليص العالم الإسلامي من مشكلة أرَّقتْهُ في الماضي، ولا زالت سببًا من أسباب فرقته في الحاضر، وربما كانت سببًا من أسباب اقتتاله واحترابه في المستقبل، ولاسيَّما إذا كان هنالك من يصب الزيت على النار، وإذا كان هنالك من يسعى بكل جهده لإيقاظ الفتنة، وإذا كان هنالك من يحرص على إذكاء نار العداوة والخصام بين صفوف المسلمين، تنفيذًا لأهدافه في إضعافهم كي تسهُلَ سيطرته عليهم، وكي يسهل عليه أن يقودهم، وأن يستولي على بلادهم ومقدّراتهم ومكتسباتهم، لا فرق في ذلك أيضًا بين سنيٍّ وشيعيٍّ، ولا فرق بين أبيض وأحمر، ولا فرق في ذلك أيضًا بين عريي وأعجمي.
     ومما لا شك فيه أن حرص شيخ الأزهر مضافًا إليه حرص الغالبية الساحقة من أهل السنّة على وضع حد لكل أسباب التوتر في هذا العالم الإسلامي الكبير سوف يؤتي أُكُلَه، وسوف يكون الخطوة الأولى على طريق وحدة إسلامية تضع حدًّا لكل أطماع الطامعين في هذا العالم الإسلامي، وتضع حدًّا لغطرسة المتغطرسين الذين لا يرون في المسلمين أكثر من أمة جاهلة متخلفة مقتتلة تبحث عمن يحكمها، وتبحث عمن يدير شؤونها، ويطور أنظمتها السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية، لأنها لا تقوى على ذلك بنفسها لجهلها واقتتالها، ولانعدام ثقتها بالنفس، وللفراغ الفكري الذي تتخبط فيه شعوبها من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه.
     ومما لا شك فيه أيضًا أن المسلمين الشيعة في كل ديار العروبة والإسلام سوف يرحبون بخطوة شيخ الأزهر، وسوف يردون على هذه الخطوة بخطوات، وسوف يبذلون الجهد كل الجهد من أجل القضاء على سائر الخلافات التي باتت تعصف بكثير من ديار العروبة، وبكثير من ديار الإسلام والمسلمين، وباتت تنعكس سلبًا على كثير من قضايا العرب، وكثير من قضايا المسلمين أيضًا.
     إن الجهود المخلصة التي يبذلها اليوم قادة الفكر والرأي من قياديّي السنّة والشيعة سوف تتمخّض عن لقاء سنيٍّ شيعيٍّ من شأنه أن يرسي دعائم وحدة إسلامية شاملة في كل ديار العروبة والإسلام، ومن شأنه أن يعيد إلى هذه الديار دورها الذي أُبعِدَت عنه يوم ابتعدت عن مقومات قوّتها، ومقوّمات وحدتها، ومقوّمات عزتها، وانصرفت عن ذلك كله إلى سُبل التنافر والتنابذ والتباغض والتخاصم والاقتتال التي ما كانت يومًا سُبل الرفعة والعزة والوحدة والمَنَعة، وما كانت يومًا منطلَقَ الرسول الأعظم لبناء أمة الإسلام، ودولة الإسلام، وحضارة الإسلام الخالدة.
     وإذا كان الخلاف بين السنّة والشيعة خلافًا فكريًّا اجتماعيًّا دينيًّا في بعض أشكاله وصوره، سياسيًّا في بعضها الآخر، وإذا كان الفقهاء والمفكرون والمجتهدون من الطرفين كليهما يُغِذّون الخطى في هذه الأيام لتضييق شقة الخلاف بين الفئتين، فإن على هؤلاء القادة الروحيين الحريصين على وحدة هذه الأمة، وعلى صون كرامتها، وحرية إنسانها في كل ديار العروبة والإسلام أن يبذلوا جهودًا مكثّفة لدى القادة السياسيين لضمان مشاركتهم في كل هذه الجهود التي تُبذَل من أجل وضع حد للخلافات، ومن أجل التوصل إلى وحدة إسلامية شاملة في كل مناحي الحياة، لأن الخلاف بين السنّة والشيعة ليس خلافًا عقيديًّا فقهيًّا دينيًّا بقدْرِ ما هو سياسيّ، ومن هنا وجب على كافة المعنيين بإصلاح ذات البين من الطرفين أن يبذلوا جهودهم لدى المستوى السياسيّ، وأن يمارسوا الضغوط على أولئك الذين لا يرغبون في العمل الإسلامي المشترك، وفي الوحدة الإسلامية الشاملة منهم، وأن يمارسوا الضغوط على من يضعون العصيّ في دواليب هذه الحركة الوحدويّة المحمديّة التي تطمح إلى إزالة الخلافات، وبناء جسور الثقة، وصولاً إلى وحدة إسلامية كبرى، ودولة إسلامية عظمى فوق كل أرض المسلمين.
     بقي أن أقول لهذا الشيخ الطيب شكرًا لك، وجزاك الله عنا خير الجزاء، وسدّدَ الله على دروب الحق والعدل والخير والنور خطاك، وألهم السياسيين ورجال الدولة، وأنظمة الحكم في كل ديار العروبة والإسلام سواء السبيل، وهداهم للخلاص من التبعيّة للغزاة والطغاة الطامعين المستكبرين، إنه سميع قدير، وبالإجابة جدير.
    وبقي أن أَقول إنني ما كنت لأخوض في موضوع شائك كهذا لولا مبادرة فضيلة شيخ الأزهر، ولولا مساس هذا الموضوع بالعلاقات العربية الإسلامية، والعربية العربية، ولولا مساسه المباشَر بكل القضايا المصيريّة الحساسة الساخنة في كل ديار العروبة والإسلام وعلى رأسها قضيتنا قضية فلسطين.
119\7\2011

الأحد، ١٧ تموز ٢٠١١

وهكذا احتل الرأي الآخر صفحة الرأي!!

متابعات
وهكذا احتل الرأي الآخر صفحة الرأي!!
أ.عدنان السمان
      لا أحد ينسى كيف كان مدخلهم للالتفاف على الفكر السياسي العربي العروبي الذي يؤمن بثوابت هذه الأمة، ويؤمن بحقها المشروع في إقامة دولة العرب الواحدة الموحدة فوق كل أرض العرب، ولا أحد ينسى كيف كانت حجتهم في المرحلة التي سبقت انقضاضهم على ثقافة هذه الأمة، وعلى كل موروثاتها وموّرثاتها، وصولاً إلى تغيير ملامح شخصيتها، والعبث بمعالم هذه الشخصية، وبمكونات هذه الهوية خطوة خطوة، ومرحلة في أعقاب مرحلة، ولا أحد ينسى أيضًا كيف كان تسللهم للنَّيل من أخلاقيات هذه الأمة، ومن أدبياتها، وللعبث بتراثها ومقدساتها وتقاليدها وعاداتها وأعرافها وقيَمِها.. لقد قالوا إن المجال يجب أن يكون مفتوحًا أمام الفكر والفكر الآخر، وأمام الرأي والرأي الآخر، وقالوا أيضًا إن الحوار بدون شروط مسبقة يجب أن يكون سيد الموقف كي تتوصل الأطراف إلى حلول عملية مقنعة لكل مشكلات هذا العالم، وصولاً إلى عالمٍ جديد خالٍ من المشكلات والخلافات، بعيدٍ عن كل أسباب التوتر والتشنّج والخصام والاقتتال والحروب.. لقد كانوا يدركون تمامًا أن ما يقومون به إن هو إلا المقدمة الطبيعية لحصار هذه الأمة فكريًّا وثقافيًّا، والمقدمة الطبيعية للسيطرة على هذه الأمة برضى أبنائها سِلمًا وحبًّا وصداقةً وتفاهمًا، لا حربًا وكراهيةً وغزوًا وعداوةً وتناحرًا كما كان عليه الأمر في الماضي البعيد، وفي الماضي الوسيط، وفي الماضي القريب أيضًا.. لقد أعدّوا لكل شيء عدته، وراحوا يتقربون من كثير من قادة الفكر والرأي من أبناء هذه الأمة، وراحوا يغدقون عليهم من المِنَح والأُعطيات ما يُغدِقون، وراحوا يقيمون معهم وبهم أحلافًا وتحالفاتٍ ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قِبَله العذاب.. وراحوا يفلسفون الأمور، ويغلفونها بغلاف المصلحة، والمنفعة المشتركة للأطراف جميعها، وللشعوب دون استثناء، وللعيش المشترك الآمن الخالي من الشوائب والمنغصات، وكل صور العدوان والاعتداء والظلم.. وراحوا يروّجون لهذه الأفكار، ويجندون كثيرًا من أبناء هذه الأمة وبناتها من كافة الفئات والمستويات، ويتابعونهم بالعناية والرعاية، ويلاحقونهم بالتوصيات والترقيات، ويوصلونهم إلى أعلى المراتب والمناصب لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وهو لا يعدو في مجملهِ الانتقال بهذه الأمة انتقالاً ديمقراطيًّا سلِسًا لا يثير شبهة إلى مرحلة السلام والوئام مع أولئك المخططين لوضع اليد على هذه الأمة سلمًا لا حربًا عن طريق صندوق الانتخاب الذي يجب أن يأتي بأتباعهم وأعوانهم، فإن أتى بغير ذلك رفضوا النتائج، وتفننوا في إلغائها، ومحاصرة من أتى بهم صندوق الانتخاب ذاك.. فإن قال قائل إن هذا هو أسوأ أنواع العدوان على الناس في معتقداتهم وقيمهم وثوابتهم وأوطانهم ومكونات شخصيتهم ومقوّماتها، وإنه أسوأ أنواع العدوان على هذه الديمقراطية المزعومة التي يوظفونها للعدوان على الشعوب راحوا يشككون في صحة هذه الأقوال، وراحوا يتحدثون عن نظرية المؤامرة، وراحوا يتحدثون أيضًا عن خلل في تفكير أصحاب هذه النظرية، وعن سوء ظنهم بغيرهم من القياديين الحقيقيين الحريصين على مصلحة هذه الأمة، وراحوا يتحدثون عن الفكر الظلامي، وعن المعتقدات البالية، وعن التخلف والتطرف، وعن الفكر الناصري والأحلام الناصرية العربية التي كانت، إلى آخر ما هنالك من عنعنات.
     هذه الفضائية التي حرِصتْ منذ تأسيسها، وتلك المطبوعة التي حرصت أيضًا منذ أمدٍ بعيد، وهذا المفكر الذي كثيرًا ما كان يتظاهر بالإمساك بالعصا من وسطها كما يقولون... كل هؤلاء وكثير غيرهم من جهابذة الإعلام، وعباقرة الفكر، وجلاوزة السياسة والثقافة، ورجال المال والأعمال، والمثقفين والرياديين والناشطين والحقوقيين.. كل هؤلاء وأولئك كانوا حريصين على إبراز الرأي الآخر منذ بداية الدعوة لأفكارهم، ومنذ بداية حملتهم لترويج هذه الأفكار، حتى إذا ما دقت ساعة العمل، وحتى إذا ما اعتقد هؤلاء وأولئك أن الرأي الآخر قد أصبح من القوة  والنضج والتبلور بحيث انتصر على الرأي أو غلبه، أو أخذ يغالبه ويصارعه في هذا البلد أو ذاك، وحتى إذا ما كان القرار بإثارة المتاعب للرأي انتصارًا للرأي الآخر هنا أو هناك أو هنالك، وحتى إذا ما أعلن أهل الرأي الآخر وأنصاره ومجندوه ومجنداته النفير العام، والحرب الطاحنة الضروس مع أهل الفكر والرأي من أبناء هذه الأمة راح كل هذا الجيش من الحضاريين المروّجين للرأي الآخر يعمل بأقصى طاقته من أجل فرض الرأي الآخر، ومن أجل وأد الرأي الذي يجب أن يُهزَم، وأن يزول، وأن يوارى التراب ليحلّ محله الرأي الآخر، أو الرأي الذي كان الرأيَ الآخر، وأما الآن فقد أصبح هو الرأي الذي يجب أن يسود، وأن ينتشر في كل أرض العرب شاء من شاء وأبى من أبى!!.
    يروى أن معاوية بن أبي سفيان لما شعر بدنوّ أجله أوصى بالخلافة لابنه يزيد، فجاءت الوفود من كل ديار العرب مؤيدة مبايعة، وانبرى خطباؤها يتسابقون في تأييد يزيد، ومعاوية يستمع، إلى أن تكلم أحد الخطباء فقال: الخليفة هذا، وأشار إلى معاوية. فإن مات فهذا، وأشار إلى يزيد. فمن رضي فله هذا، وأشار إلى صرّة معلّقة على الحائط فيها ذهب. ومن رفض فله هذا، وأشار إلى سيف معلق على الحائط الآخر. فسُرَّ معاوية، وقال: هذا هو أخطب خطباء هذا اليوم.
     إن هذا ما يحدث اليوم، ولكنه على عكس ما حدث في ذلك الزمن الأموي، وفي عاصمة الأمويين  تلك، وفي تلك الحقبة الزاهية من تاريخ العرب.. إن هذا ما يحدث اليوم في كثير من الفضائيات، وفي كثير من المطبوعات، وعلى ألسنة كثير من جهابذة الإعلام، وأساطين البلاغة والفصاحة والبيان: من رضي بما يجري فله هذا، ومن قاوم ومانع فلهُ ذاك!!.
    وهكذا احتل الرأي الآخر صفحة الرأي في تلك الأبواق، ولكن هذا لن يستمر يقينًا، لأنه تجديف ضد التيار، ولأنه يمثل تحدِّيًا سافرًا لإرادة أمة عظيمة صنعت أعظم حضارة للبشرية ذات يوم.
14\7\2011

الخميس، ١٤ تموز ٢٠١١

القدس أولاً.. والأسرى قبل كل شيء..!!

متابعات
القدس أولاً.. والأسرى قبل كل شيء..!!
أ.عدنان السمان
    إلى أولئك الذين يظهرون الحرص على حل القضية الفلسطينية، أو القضايا الفلسطينية حلاًّ عادلاً، وإلى أولئك الذين يُبدون الرغبة في صنع مجتمع دَولي آمنٍ مستقرٍ تسوده شريعة العدل والحق، وإلى كل أولئك الذين يتحدثون كثيرًا أو قليلاً في القيم الإنسانية، والمثل العليا للبشرية، ويَتَباكَوْنَ على حقوق الإنسان والحيوان المهدورة في كثيرٍ من أقطار هذا الكون.. إلى كل هؤلاء، وإلى كثير غيرهم في هذا الكون الذي يرى ما لا نرى، ويسمع غير ما نسمع نقول إن هذه المدينةَ المقدسةَ التي احتلت عام سبعةٍ وستين هي جزءٌ لا يتجزأ من الضفة الغربية التي من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عن إقامتها منذ عشرين عامًا!!  فلماذا تتخذ بحقها كل هذه الإجراءات الباطلة؟ ولماذا يجري على أرضها، وفي محيطها كل ما يجري من استيطان، ومن تهويد، ومن عدوان على الناس، وإقصاء لهم عن بيوتهم، وإحلال للغرباء في هذه البيوت، ومن تمزيق، ومعابر وبوابات، ومن عزل للمقدسيين، وإبعاد لهم عنها، ومن إغلاق لهذه المدينة في وجوه كل أبنائها من أهل الضفة الغربية؟ ولماذا يمعنون في عزل  هذه المدينة عن محيطها العربي؟ ولماذا يتخذون كل هذه الإجراءات الظالمة بحق أبناء هذه المدينة من العرب المسيحيين والمسلمين؟ ولماذا يصادرون من أرضها ما يصادرون، ويهدمون من بيوتها ما يهدمون؟ ولماذا يضعون أيديهم على كثير من بيوتها في كل يوم، ويبعدون أصحابها الشرعيين عنها، ولماذا يعبَثون بالمدينة القديمة كلَّ هذا العبث؟ ولماذا يغيرون معالمها، وينشرون فيها مستوطنيهم، ولماذا يَعتدون في كل يوم على حرمة الموتى الذين دفنوا في أحيائها منذ أيام الفتح، ومنذ أن عمَّ نور الهداية هذه الديار؟ ولماذا وهي جزءٌ من عقيدة المسلمين في كل أرجاء الأرض يفعلون بها كل هذه الأفاعيل، ولماذا وهي رمزٌ من رموز العروبة يرتكبون بحقها كل هذه الأباطيل؟ والغرب بشقيه يعرف هذا كله، ويشاهد هذا كله، ولكنه لا يفعل شيئًا، ولا يحرك ساكنًا، ولا يتخذ من المواقف والإجراءات ما من شأنه أن يعيد حقًّا لأصحابه، وما يفعله المتضامنون (مع كل الاحترام) لا يكفي لنصرة الحق، ولا يعيد حقًّا لأصحابه.
    الدنيا كلها تعرف هذا كله، والدنيا كلها قالت كلمتها في هذه المدينة الخالدة، والدنيا كلها قالت إنها جزءٌ لا يمكن أن ينفصل عن دولة الفلسطينيين التي آن لها أن تقوم على أرض الضفة الغربية، فلماذا يتهددون الفلسطينيين ويتوعدونهم إن هم لجأوا إلى المنظمة الدولية لاستصدار القرار الحاسم بإقامة هذه الدولة؟ ولماذا يصرون على استئناف مفاوضات عبثية لم تثبت عقمها فحسب، وإنما أثبتت أنها وسيلتهم في المراوغة والمماطلة، وأنها فرصتهم في فرض حقائق جديدة، ووقائع جديدة على الأرض في كل يوم، وأنها غطاؤهم في التهويد والتهديد وتكثيف الاستيطان، وحصار المقدسيين، وتجريدهم من كثير من حقوقهم فيها في كل يوم، لماذا كل هذا الإصرار على استئناف مفاوضات لا يمكن أن تحق حقًّا، أو تزهق باطلاً، أو تقيم دولة، أو تنصف شعبًا، أو ترد أدنى اعتبار لأمة ترى في القدس هويتها، وترى فيها ثقافتها، وترى فيها إرثًا تاريخيًّا لا يقبل جدلاً، ولا يرضخ لابتزاز، ولا ينحني أمام ضغوط مهما كانت شِدَّتها وحِدَّتها، ولا يخضع لتهديد ووعيد حتى لو تعلق الأمر بالموت جوعًا وعطشًا بعد قطع آخر ما تبقى لهذا الشعب العربي الفلسطيني من دخل يُبقي عليه حيًّا، ويوفر له الحد الأدنى من ضرورات العيش.. وإذا كان فتات الموائد الذي يقدمه المانحون ثمنًا لصمت هذا الشعب عن حقوقه في أرضه ووطنه، وثمنًا لصمته عن تقرير مصيره، وإقامة دولته، ووسيلة من وسائل هؤلاء لفرض سيطرتهم على هذه الأرض حتى لا يبقى في نهاية المطاف ما يتفاوض عليه المتفاوضون، فبئس هذا الفتات، وبئس ما  يقدمه أولئك المانحون، وبئست نفسًا ترضى أن يكون هذا الفتات ثمنًا لحريتها، وثمنًا لتنازلها عن حقها في العيش الكريم الآمن فوق تراب وطنها الذي توارثه الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل.
    وإذا كان للقدس كل هذه المكانة في قلوب المسلمين، وفي قلوب العرب مسلمين ومسيحيين، وإذا كان لهذه المدينة كل هذه القدسية التي يصِرُّ معها الفلسطينيون والعرب والمسلمون على أنها تأتي أولاً عند الحديث في تفصيلات هذه القضية الفلسطينية، وعند الحديث عن أولوياتها فإن قضية الأسرى تأتي مرادفةً لذلك، منسجمةً معه، متماهيةً فيه، مكملةً له، موضحةً لمعناه ومبناه، وكأن الفلسطينيين، ومعهم كل العرب، وكل المسلمين يصرُّون (إلى جانب إصرارهم على عروبة القدس، وعلى حرية أرضها) أيضًا وفي الوقت نفسه على حرية الإنسان، ويعتبرون تحريره من الأغلال والقيود التي يرسف فيها تحريرًا  للقدس، وتجسيدًا لقولنا جميعًا إن القدس أولاً، وإن الأسرى قبل كل شيء، وإنهم مفتاح الحل، ولعمري فإن هذا القول صحيح: القدس أولاً.. والأسرى قبل كل شيء.
     قد يقول غربيٌّ أو شرقي إن بعض الأسرى قد ارتكبوا ما تقشعر لهوله الأبدان، وإنهم.. وإنهم.. وإنهم بالتالي لا يستحقون كل هذا التعاطف الذي يبديه الناس تجاههم، ونحن نقول: إذا كان هذا صحيحًا فما الذي يقوله هؤلاء في كل ما ارتكبوه هم بحقنا؟ ولماذا لا يكون هنالك قانون ثابت واحد موحد يحكم هذه المعادلة؟ وما ذنب الأطفال الذين يولدون في السجون والمعتقلات؟ وما ذنب كل هذه الآلاف من المعتقلين والمعتقلات ممن لم تثبت إدانتهم، وممن أمضَوا في السجون وحياة الأسر سنين عددًا في الوقت الذي لا يحكم على غيرهم (ممن ارتكب أكثر مما ارتكبوه) أكثر من غرامة ضئيلة لا تكاد تساوي ثمن الرصاصة التي أطلقها على هذا العربي أو ذاك، وأكثر من تخفيض رتبة، أو حبسٍ مع وقف التنفيذ مدة شهرٍ أو شهرين، أو توبيخ لا يلبث أن تذروه الرياح!.
   وإذا كان للقدس كل هذه المكانة في قلوبنا فإن للأسرى مثل هذه المكانة أيضًا.. وإن الحل لهذه القضية الفلسطينية، أو لهذه القضايا الفلسطينية الكثيرة التي أفرزتها كل هذه العقود، وكل هذا الشتات، وكل هذا العذاب، وكل هذه القرارات والممارسات، وكل هذه المعارك والحروب التي واكبت النكبة وتلتها، وأسفرت عنها وأعقبتها، وكل هذا الظلم التاريخي الذي حاق بالفلسطينيين ولحق بهم.. الحل في قيام دولة الفلسطينيين الحرة المستقلة على كامل التراب المحتل منذ عام سبعة وستين على أن تكون القدس أولاً، وعلى أن يكون الأسرى قبل كل شيء، وقبل كل تحرك لوضع هذا الحل موضع التنفيذ، وعلى أن يكون من حق كل عربي فلسطيني أن يعود إلى بيته الذي هُجِّر منه، وعلى أن يكون من حق كل عربي فلسطيني أن يعود إلى أرضه التي أرغم على مغادرتها، وعلى أن يكون من حق كل أهل هذه الديار أن يعيشوا بأمن وأمان ووئام وسلام بعيدًا عن كل أسباب التوتر والحروب.
    إن عودة الحقوق كل الحقوق إلى أصحابها هي الحل، وإن المحبةَ والتسامحَ والتصالحَ هي الأسس التي يجب أن يقوم عليها الحل، وإن السلام العادل الدائم المتكافئ الذي لا غالب فيه ولا مغلوب هو هدف الناس جميعًا في هذه المنطقة من العالم، فهل يتحقق للناس هذا الهدف؟ نرجو ذلك.
14/7/2011 

السبت، ٩ تموز ٢٠١١

صفحة الرأي للعروبيين.. لا للشعوبيين!!

متابعات
السيد رئيس التحرير
صفحة الرأي للعروبيين.. لا للشعوبيين!!
أ.عدنان السمان
www.samman.co.nr
 
   قد لا يكون من حقي أن أتدخل في صلاحيات رئيس التحرير، وقد لا يكون من حقي أن أعترض على تصرفاته وممارساته وإجراءاته التي تنصّ عليها تلك الصلاحيات صراحةً، أو تشير إليها ضمنًا، أو لا تنصُّ عليها، أو تشير إليها.. وإن كان من حقي أن أكون راضيًا عن تلك الممارسات والإجراءات، أو غير راضٍ في حدود الحوار الصامت مع النفس، والحوار الهادئ مع الذات، ومع من يعنيهم الأمر، لأسباب ترفضها في كثير من الأحيان ضرورات التقييم والتقويم، وتقتضيها طبيعة الارتقاء بالعمل وتطويره والنهوض به، والحكم عليه سلبًا أو إيجابًا، مع إمكانية بذل شيء من جهد لتخليصه من شائبة هنا أو هناك، كلما كان ذلك ممكنًا، وكلما دعت لذلك ضرورة الحرص على العمل، وضرورة الحرص على استمراره، وضرورة الحرص عليه سليمًا معافًى قادرًا على حمل هذه الرسالة لأجيال هذا الوطن، وخدمة هذه الأجيال، وقضاياها المصيرية العادلة، وطموحاتها وتطلعاتها جيلاً بعد جيل.
    ليس من حقي أن أتدخل فيما لا يعنيني، ولم يسبق لي أن تدخلت، وإن كان من حقي أن أعترض على أي إجراء يتخذ ضدي، وعلى أي إجراء يُتخذ ضد حرية الرأي، وحرية القول، وحرية التفكير، وحرية التعبير.. ليس من حقي أن أتدخل فيما لا يعنيني، هذا صحيح، ولكن من حقي أن أتدخل، وأن أصرخ بملء صوتي أيضًا عندما يحاول أن يحدد لي مكانتي مَن هم دوني، وعندما يحاول صغيرٌ أن يتحكم بالكبير، وعندما يتدخل المتدخلون للتحكم بالناس، وفرض الوصاية عليهم، والتحكم بأرزاقهم وأعناقهم ومكتسباتهم والتضييق عليهم، لا لشيء، إلا لأنهم يرفضون أن يكونوا جزءًا من هذه الزفّة الإعلامية الضالة المضلِّلة التي تستهدف كل ثوابت هذه الأمة، وكل قضاياها العادلة، وكل منطلقات ثقافتها ومقومات شخصيتها، ومرتكزات هذه الشخصية التي وقفت بالمرصاد لكل العابثين الطامعين بنا المجترئين علينا على مر العصور والدهور.. ولا لشيء إلا لأنهم يرفضون الاستجابة لكل هذه الادعاءات والمزاعم التي تحاول دون وجه حق أن تزور الحقائق، في محاولة يائسة بائسة مكشوفة لإدانة الأحرار الشرفاء الذين يقفون بقوة وعناد وصلابة في وجه مشاريع أولئك الحالمين بفرض سيطرتهم على كل هذه الديار، وإقامة مشروعهم عليها.
     لو لم يتعلق الأمر بي، ولو لم تمسّ هذه الإجراءات مكانتي وكرامتي وفكري الذي شكّلته على مر الأيام بتجاربي التي كثيرًا ما أوردتني مهاوي الردى أو كادت، ولو لم أُوقِن أنني مستهدفٌ لحملة ظالمة غريبة عن معتقدات هذا البلد وثقافته وقناعاته وثوابته، لولا كل ذلك لما اعترضت، فلست من الذين يتدخلون في شؤون الآخرين والأخريات، ولست من الذين يحبون افتعال الأزمات، وإنما من المؤمنين بحق الناس جميعًا في التفكير، وفي إبداء الرأي، وفي فتح المجال أمام الناس بعد ذلك كي يختاروا، وكي يقرروا، وكي يقولوا كلمتهم في كل هذه المسائل المتعلقة بهم، وبقضاياهم، وبمصائرهم، ومصائر أجيالهم وذراريهم على تراب وطنهم الذي افتدوه ويفتدونه بالمُهَجِ والأرواح.
   لا أقول هذا مكابرًا أو مزايدًا، ولا أقوله طامعًا أو رافعًا سقفَ مطالبي، وإنما أقوله باكيًا هذا الظلم الصارخ الذي وقع عليَّ، شاكيًا هذا التدخل الذي لم يكن وراءه سوى سياسة الإقصاء والإحلال التي عانيناها، ولا نزال، والتي بتنا نشعر معها أنها تبذل جهدًا لم يسبق له أن بُذِل، من أجل الانتقال بهذه الديار، وبغير هذه الديار إلى المرحلة النهائية التي يشعر معها كل أولئك وهؤلاء أنهم قد أطبقوا على خناق هذه الأمة، وأنهم قد حققوا مآربهم وأهدافهم في السيطرة عليها، والتحكم بإنسانها كما يريدون.
     إنني أفهم أن صفحة الرأي إنما تكون للعربي في بلاد العرب، وأنها إنما تكون للأمريكي في أمريكا، لا أن تكون صفحة الرأي هنا صدًى لما يريدونه هناك مهما كانت الذرائع والأسباب، ومهما كانت الحُجَج التي يحتجُّ بها أصحاب هذا الاتجاه والتوجّه، ومهما كان إصرارهم على هذا التوجه والاتجاه.. صفحة الرأي هنا لكل أهل الفكر والرأي من أبناء هذا الوطن وبناته، وعلى رأس كل هؤلاء الأبناء العروبيون منهم.. أما الشعوبيون الذين ارتضَوا لأنفسهم أن يكونوا صدًى للآخرين، وعصًا في أيديهم ففي ذيل هذه الصفحة، وفي ذيل الصفحات الأخرى النائية التي قد لا ترغب الأعين في رؤيتها.. أما أن تُعكَس الأوضاع، ويتعرض العروبيون في وطنهم للتطفيش والتهميش والتقزيم والتحجيم والاقتلاع والتهجير فهذا أمر أكثر من مرفوض.
    لقد عانينا في هذه الديار من التمييز، ومن العنصرية، ومن الوساطات، والمحسوبيات، ومن الدكاكين الكثيرة على اختلاف ألوانها، ومن تدخل المتدخلين والمتدخلات، والمستفيدين والمستفيدات، ومن الراقصين على الحبال والراقصات، ومن اللابسين لكل معركة لبوسَها.. ولكننا لم نرضخ، ولن نرضخ، ولم نستسلم، ولن نستسلم، ولم نَهُن يومًا، ولن نهون.. بل إن كل هذه التجارب الأليمة، والمرارة الدفينة، لم تزدنا إلا إصرارًا على التشبث بالحقوق، ولم تَفُتَّ في سواعدنا، بل زادتنا إيمانًا بأن الوطن لكل أبنائه، ومطبوعاتُهُ لكل أبنائه، وصفحة الرأي في مطبوعاته جميعًا ينبغي أن تكون للعروبين من أبنائه، لا للشعوبيين الذين يعادون هذه الأمة، ويتربصون بها الدوائر.
   وبعيدًا عن التوتر والتشنج والانفعال أقول: لا للتعنْصُر والمحاباة والتمييز والفئوية البغيضة.. لا للاستخفاف بمن لا تستهويهم هذه الزفّة الإعلامية المغرضة الموجَّهة.. لا لكل هذا التجييش الإعلامي الذي لا يبتغي سوى قلب الحقائق، والترويج لمشاريع الغرب بشقيه على كل أرض العرب.. لا لكل أساليب التعتيم الإعلامي، والعبث الإعلامي، ولكل محاولات طمس الحقائق، وتزوير الوقائع خدمةً لكل أولئك وهؤلاء.. نعم لاحترام عقول الناس وأفكارهم، ورغبتهم في العيش الحر الآمن الكريم على أرض وطنهم بعيدًا عن التبعية، وبعيدًا عن كل صور الفساد والإفساد والتنكر لإرادة الشعوب، ورغبتها في العيش بحرية وأمن وأمان واستقرار واستقلال سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي في أوطان حرة عزيزة سيدة مستقرة مستقلة تقول لا بملء فيها لكل محاولات البغي والاستبداد والاستعباد والعدوان، فهل هذا من حقنا؟ وهل من حقنا أن نعبّرَ عن هذا في صحافتنا التي يُفتَرض أنها منبر هذا الشعب، ومنبر هذه الكوكبة من مثقفي هذا الشعب وإعلامييه وصحافييه وكتّابه ومفكَريه؟ نرجو ذلك.
مع فائق التحية والاحترام.
9\7\2011

الأربعاء، ٦ تموز ٢٠١١

طلبة التوجيهي بين المطرقة والسندان!!

متابعات
 
طلبة التوجيهي بين المطرقة والسندان!!
أ.عدنان السمان
 
لم يكن الدافع لكتابة هذا المقال ما أثير من جدل حول كثير من أسئلة امتحانات التوجيهي لهذا العام، وما قيل عن صعوبة بعض الأسئلة، وما واكب ذلك ورافقه من تصريحات وتعليقات وتعقيبات وردود وتحديات واستفزازات جانَبَ الصوابُ كثيرًا منها، وكان له وقعه السيئ على نفوس الطلبة، وعلى نفوس ذويهم، وعلى نفوس كثير من المراقبين والتربويين وأولياء الأمور في هذه الديار.
        ولم يكن الدافع بطبيعة الحال انتصارًا لهذا الفريق على ذاك، أو تأييدًا لوجهة نظر على حساب وجهة نظر مخالفة، بل كان الدافع محاولة جادة لفعل شيءٍ من أجل طلبة التوجيهي الذين تقدموا للامتحانات في هذا العام، ولطلبة التوجيهي الذين سيتقدمون للامتحانات في العام القادم، ولأولئك الذين سيتقدمون للامتحانات في أعوام قادمة.
      أما الذين تقدموا للامتحان منذ أيام فإن من حقهم أن ينصَفوا، وإن من حقهم أن تُرفع عنهم كل أشكال الظلم والإجحاف التي لحقت بهم، فالسؤال المغلوط يحذف، والسؤال الصعب يُعطى الحد الأدنى من العلامات، والسؤال الذي تشير عملية التصحيح التمهيدية إلى أن عددًا محدودًا من الطلبة قد أجاب عنه يحذف، أو يعطى العلامة الدنيا، وليس بي حاجة أن أطلب من المصححين أن يكونوا أكثر رأفة بالطلبة خلال عملية التصحيح، فهم ليسوا بحاجة لمثل هذا الطلب، وهم الأكثر حرصًا على مصلحة الطلبة دون أدنى شك، آملاً أن تكون النتائج مرضية، وأن يكون الطلبة وأولياء أمورهم راضين عنها، وفي الوقت نفسه فإنني أرجو أن تتبلور علاقة وثيقة بين كل من وزارة التعليم والجامعة وممثلين عن أولياء الأمور والقيادات الاجتماعية، بهدف الارتقاء بالعملية التربوية، وحل كثيرٍ من المشكلات التي يشكو منها الطلبة وأولياء أمورهم، وتعترض عليها كثير من القيادات الاجتماعية والقوى الوطنية، وتخليص العملية التربوية من كثير من الشوائب، وتخليص الجامعة من كثير من القوانين والاستثناءات وتعدد المكاييل والمقاييس والاعتبارات، سواء كان ذلك في المسائل المتعلقة بقبول الطلبة في كليات الجامعة المختلفة، أو في تعيين الموظفين والموظفات والمحاضرين والمحاضرات أيضًا، بحيث يعطى الاعتبار في ذلك للكفاءة فقط، دون أدنى انتباه إلى ما عداها من اعتبارات مهما كانت، وكذلك العمل السريع من أجل تخليص الجامعة وغيرها من مؤسسات هذا الوطن ودوائره وممتلكاته العامة من كافة الامتيازات التي فرضتها قوًى أو أُسرٌ أو تيارات لنفسها ولأتباعها وتوابعها ومريديها، وتخليص كل هذه الدوائر والعناوين من تدخل المتدخلين وتحكم المتحكمين من أفراد وجهات، وإن كانوا من الممولين، إذ ليس من حق هذا الممول أو ذاك أن يشتري المؤسسة بأمواله، فمؤسسات الوطن لكل أبنائه لا فرق بين هذا أو ذاك، وإن كان هنالك من فرق أو فروق وفوارق وأفضليات فهي لمن يقدم لوطنه ومجتمعه وأجياله أكثر من سواه.
        ومن أجل الذين سيتقدمون للامتحان في العام القادم، أو في الأعوام القادمة، ومن أجل خيرهم، وخير العملية التربوية فإن الواجب يقضي بعد إصلاح النظام المعمول به في الجامعة، وفي مؤسسات الوطن المختلفة أن يصار في الحال إلى إصلاح نظام التعليم المعمول به في البلد، وما من شك في أن الخطوة الأولى في طريق هذا الإصلاح تبدأ من ضرورة إخضاع مناهج التعليم لعدد الأيام الدراسية التي يشتمل عليها العام الدراسي، فإما أن يُحذف من هذه المناهج ما يزيد عن عدد هذه الأيام، وإما أن يُزاد عدد هذه الأيام لتستوعب هذه المناهج استيعابًا كاملاً دون حذف أو تشويه أو سلق أو استعجال في شرح المادة الدراسية، بحيث يكون من نتائج ذلك كله أن لا يستوعب الطلبة هذه المناهج كما يجب.
لقد وضعت المناهج الفلسطينية لتناسب عامًا دراسيًّا من سبعة أشهر كاملة، ولكن هذا الأمر لم يتم تطبيقه منذ أن وضعت هذه المناهج، وحتى يومنا هذا، لأسباب كثيرة منها الإضرابات والإغلاقات والمواجهات التي شهدها هذا الوطن... ومنها أيضًا هذا الأسبوع الدراسي المكون من خمسة أيام.. لقد خسر الطلبة يومًا دراسيًّا كاملاً على مدار العام الدراسي، ولم تعوضهم عنه إضافة حصصه إلى أيام الأسبوع الخمسة المتبقية: فالحصة الثامنة (في مدارسنا التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة صيفًا وشتاءً) لا يستفيد منها أحد، ولا يقوى المعلم على إعطائها كما يجب في أغلب الأحيان، وكذلك الحصة السابعة.. ثم إن برنامج توزيع الدروس لا يراعي هذه الاستراحة القصيرة بين الحصة والحصة، بحيث يتمكن الطالب من الاستعداد الطبيعي لها، وبحيث يتمكن المعلم من الانتقال من غرفة إلى أخرى انتقالاً طبيعيًّا لا يرهقه، ولا يكون على حساب وقت الحصة التالية، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى إرباك المعلم والمتعلم، وأدى ويؤدي أيضًا إلى تقليص وقت الحصص، ثم إن حرص المدرسة على أن تنهي ذلك اليوم الدراسي عند ساعة معينة من بعد ظهر اليوم الدراسي هي الواحدة والنصف على الأغلب، كل ذلك قد أدى ويؤدي إلى عبثية نظام التعويض، أي توزيع حصص ذلك اليوم على حصص الأيام الخمسة، وأدى ويؤدي أيضًا إلى عدم استفادة الطلبة من ذلك، بل أدى ويؤدي يقينًا إلى إرباكهم وإرباك معلميهم، وضياع يوم دراسي من كل أسبوع، أي ضياع شهر كامل من العام الدراسي، وبالطبع فإن هذا مضافًا إليه تلك الأسباب التي ذُكرتْ قد أدى  إلى ترفيع معظم الطلبة إلى صفوف جديدة دون استيعاب مادة الصف السابق كما يجب، وقد تكرر ذلك منذ أن كانت هذه المناهج وحتى يومنا هذا، فحصد الطلبة نتائج هذا الضعف المتراكم المزمن، وسيحصد الطلبة في الأعوام القادمة مزيدًا من الثمار المرة بسبب كل هذه التراكمات، وبسبب كل عوامل هذا الضعف المزمن المتكرر الذي يحصد الناس ثماره المرة راغمين.
لكل هذه العوامل والأسباب التي ذكرت، ولعوامل وأسباب أخرى لم تذكر، فإنه ينبغي أن يُصار إلى تنفيذ ما يلي في الحال إذا كنا راغبين فعلاً في عام دراسي قادم بدون مشكلات، وبالحد الأدنى من الأضرار، وإذا نحن تخلصنا من تلك الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج السيئة، وإذا نحن ضاعفنا الجهود من أجل الخروج من هذه المآزق التي وضعنا أنفسنا فيها، وحشرنا الطلبة وأولياء أمورهم رغم أنوفهم معنا في جحيمها، ورمينا المجتمع بنكبة جديدة، وفوضى جديدة، تضاف إلى مجمل نكباته التي تعصف به، وتدمر إنسانه منذ عقود.. ينبغي أن يصار إلى تنفيذ ما يلي في الحال من أجل عام دراسي مثمر، ومن أجل نتائج جيدة في نهاية كل عام:
1-العودة للعمل بأسبوع دراسي من ستة أيام بعد أن ثبت فشل الأسبوع المقلص بما لا يدع أدنى مجال للشك. 2- الحرص على العملية التربوية التعليمية، ومنحها الأولوية المطلقة من بين كافة أولوياتنا واهتماماتنا، ورصد الكفاءات والميزانيات من أجل تطويرها والارتقاء بها، وتخليصها من كافة الشوائب والأضرار التي أصابتها بسبب الأخطاء التي مورست بحقها، وبسبب تدخل الجهلة في الشأن التعليمي الذي ينبغي له أن يكون فوق كافة الاعتبارات التي لا تمت إلى العملية التربوية التعليمية بأدنى صلة. 3- إعادة النظر في المناهج المدرسية بعد كل هذه السنوات، وتناولها بشيءٍ من التعديل، وإخضاعها لمتطلبات الحياة العصرية، وتخليصها مما كانت تنطوي عليه من شوائب وأخطاء عند إقرارها، وتخليصها أيضًا مما علق بها من شوائب على امتداد السنوات القادمة. 4- إعادة بناء العلاقة بين الجامعة ومؤسسات المجتمع، وعلى رأسها دائرة التربية والتعليم على أسس جديدة، وتخليصها من كافة الاعتبارات الأخرى التي ألحقت بالمجتمع ومؤسساته كثيرًا من الأخطاء والأخطار، وانعكست سلبًا على الوطن والمواطن والعملية التربوية ونتائج الثانوية العامة، وعلى العلاقات الاجتماعية، وألحقت بالمجتمع كثيرًا من الأخطار والأضرار. 5- إصلاح النظام التعليمي في المدارس والجامعات، بحيث تستحدث فروع مهنية جديدة، وبحيث تحظى احتياجات المجتمع بنصيب الأسد من هذه الاستحداثات، وبحيث تراعي الجامعة احتياجات المجتمع عند قبول الطلبة على أن يتم التنسيق بين سائر الجامعات في هذه الديار ، ولعل من الضروري أن يشار إلى ضرورة إصلاح النظام المالي، وضرورة تخليص الجامعات من هذه النظرة التجارية، وضرورة إعادة النظر في تلك الأقساط الجامعية التي لا تقوى معظم فئات هذا المجتمع على دفعها، وحبذا لو أخذت إدارات هذه الجامعات بما يسمونه مجانية التعليم أسوة بما يجري في كثير من بلدان هذا العالم.
6/7/2011م
 

الاثنين، ٤ تموز ٢٠١١

مقام النبي يوسف..!!

متابعات
مقام النبي يوسف..!!
أ.عدنان السمان
                www.samman.co.nr
   يقع مقام النبي يوسف في حيٍّ من أحياء مدينة نابلس مأهولٍ بالسكان العرب الفلسطينيين هم أهالي قرية بلاطة سابقًا _حي بلاطة البلد حاليًّا_ منذ توسّعتْ مدينة نابلس خلال العهد الأردني، وضمّت هذا الحي ليصبحَ أحدَ أحيائها القريبة بعد أن تجاوزه البنيان شرقًا منذ عشرات السنين، كما ضمّت قرية رفيديا التي أصبحت اليوم واحدًا من أرقى أحياء المدينة من الناحية الغربية، وكذلك فقد تجاوز البنيان هذا الحي إلى مسافات بعيدة في الاتجاه الغربي... وهذا المقام تحيط به ثلاث من أكبر مدارس المدينة، ويربو عدد طلبتها على ألفين من الطالبات والطلاب.. ثم إن هذا المقام يقع في موقع متوسط بين شارعي عمان والقدس، إضافة إلى الشارع الذي يمرّ بمحاذاته تمامًا، ويؤدي إلى مخيم بلاطة، والمنطقة الصناعية، وسوق الخضار المركزية، والمسلخ البلدي، وعشرات القرى الشرقية القريبة جدًّا من المدينة، وتعتبر من ضواحيها... ويتجه شمالاً حيث يلتقي شارع عمان المؤدي إلى أحياء سكنية كثيفة منها عراق التايه، ومخيم عسكر الجديد، وعسكر القديم، والمساكن الشعبية الشرقية... وباختصار شديد فإن هذا المقام يتحكم في أكثر مواقع المدينة أهمية وخطورةً وكثافة سكانية.. ونريد من هذا كله أن نقول: إن تردد عشرات الجنود والمستوطنين المتعصبين على هذا المكان، ووجودهم بداخله، وفي ساحاته، واحتفالاتهم وصلواتهم فيه بدعوى أنه مكان يهودي مقدس يعود للنبي يوسف الصديق، وإقامة مدرسة دينية في هذا المقام، وإصرار الإسرائيليين على اعتباره تراثًا يهوديًّا.. نقول: كل هذه أسبابٌ كافيةٌ لإثارة التوتر في المنطقة، فهؤلاء المتطرفون اليهود يقيمون احتفالاتهم التي قد تمتد إلى ساعات الصباح الأولى مسببين بذلك إزعاجًا لكل سكان هذه المناطق فضلاً عن المضايقات التي يسببونها للمواطنين، وهي مضايقات متعمدة، وتحديات ليس لها ما يسوغها كما يقول كل الناس، وكما يعرفون هم أنفسهم ذلك أيضًا.
     فلماذا يتواجد هؤلاء في هذا المكان إذن؟ هل يتواجدون فيه للعبادة؟ وهل العبادة تعني السيطرة العسكرية، والتعرض للآخرين، والإساءة إليهم، وإزعاجهم؟ ثم إن كل من يزور هذا المقام، بل إن كل من يعرف هذا المقام قبل أن يستولي عليه هؤلاء لا يشك لحظة في أنه مسجد إسلامي فيهِ محراب للصلاة.. وأنه إنما سمي باسم نبي الله يوسف تيمنًا بهذا النبي الذي يؤمن به المسلمون، وتكريمًا له على غرار المقامات الكثيرة المنتشرة في فلسطين والتي تحمل أسماء كثير من أنبياء الله، ولقد أفردَ القرآن الكريم سورة من سوره لهذا النبي الذي يحبه المسلمون، ويتعاطفون مع سيرته كل التعاطف، كما يحبون كل أنبياء الله دون استثناء.. ولكن هذا لا يعني أن سيدنا يوسف قد دُفن في هذا المكان على الإطلاق، ولا يعني أيضًا أنه دُفن في الحرم الإبراهيمي في الخليل، فالمعروف والمُتّفَق عليه لدى جميع أتباع الديانات أن يوسف الصديق قد عاش في مصر، ومات فيها أيضًا، وأنه قد دُفن في مياه النيل، وهذا معناه أن القبر الموجود داخل هذا المقام ليس قبر يوسف الصديق أبدًا، ثم إن البنّائين والمهندسين، وكل علماء الآثار يقولون إن عمرَ البناء (المقام) لا يتجاوز مئتي عام، لا ألفي عام كما يقول بعضهم.. من هذا كله، وكثير غيره نستخلص أنه لا علاقة لهم بهذا المكان أبدًا لا من قريب ولا من بعيد.
    لقد أخذ اليهود بالتردد على هذا المقام بعد حرب حزيران عام سبعة وستين، وذلك في المناسبات، والأعياد تحت الحراسة العسكرية، ومما تجدر الإشارة إليه أنهم كانوا يزورونه أيضًا قبل قيام الدولة العبرية عندما كان اليهود الفلسطينيون طائفةً لها حقوقها مثل كل الطوائف والأقليات.. نعم كان بعضهم يتردد على هذا المقام شأنه في ذلك شأن المسلمين من أهالي نابلس الذين كانوا يقصِدونه للاستجمام وللوفاء بالنذور، وللاحتفال بقصّ شعر صبيانهم أيضًا.. وبعد ذلك، وتحديدًا في عام (1976) ستة وسبعين وتسعمائة وألف أقام الإسرائيليون نقطة عسكرية تعمل ليلاً نهارًا على سطح هذا المقام، ثم أعلنوه في عام (1986) ستة وثمانين وتسعمائة وألف مدرسة دينية يهودية، وكانت سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي قد فصلت القيّم على هذا المقام في العام (1983) ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف، إذ كان السلطان عبد الحميد قد سلّم مفاتيح هذا المقام إلى عائلة الشيخ فيّاض عبد الله من قرية بلاطة، وأشرفت هذه العائلة الطيبة على هذا المقام تحرسهُ وتنظفهُ وترعاهُ طيلةَ خمسة وتسعين عامًا.. وفي عام (1990) تسعين وتسعمائة وألف أقاموا فيه نواةً استيطانيةً بتواجدٍ عسكريٍّ دائم، وفي العام (1991) الحادي والتسعين وتسعمائة وألف أغلقوا محرابَ هذا المسجد بالإسمنت المسلّح بهدف تغيير معالمه.. ثم كان ما كان من كبار الحوادث والأحداث بعد اتفاقات أوسلو.
  هذا هو مقام النبي يوسف، وهذه هي قصتهُ جَغرافيًّا وسكانيًّا وتاريخيًّا ودينيًّا، فلماذا كل هذه الضجة، ولماذا افتعال الأزمات والمشكلات، ولماذا كل هذه التجاوزات والاعتداءات والتعدّيات، ومداهمة الأحياء السكنية في منطقةٍ يقولون إنها للطرف الآخر؟
    يقول السكان في نابلس إن أشد ما نخشاه هو أن يخلقوا لنا وضعًا مماثلاً للوضع في الخليل استنادًا إلى هذه المعتقدات التي يتذرعون بها وصولاً إلى تنفيذ أهدافهم في تكريس احتلالهم، وتجذيرِ وجودهم غير المشروع على أرضِ هذا الوطن.
4\7\2011
 
 
 
 
 

السبت، ٢ تموز ٢٠١١

عندما يُحظَر على صاحب البيت أن يقول: هذا بيتي!!

مواجهات
عندما يُحظَر على صاحب البيت أن يقول: هذا بيتي!!
أ.عدنان السمان
   قد تنطلي أحاديثهم عن الحرية والعدالة والإنصاف والإنسانية والديمقراطية أيضًا على كثير من الناس، أو على كل الناس في هذا العالم، ولكنها "يقينًا" لا تنطلي علينا نحن العرب الفلسطينيين، ونحن العرب والمسلمين في كل مكان من أقطار هذا العالم العربي الإسلامي الكبير.
   ولئن كانت الأجيال المتعاقبة في هذا الكون تشكو من مشكلات كثيرة منها ما هو قديم ثابت متجدد، أو قديم موروث متأصل، ومنها ما هو طارئ متغير متكرر، ولئن كانت تلك الأجيال ترنو دائمًا إلى مستقبل سعيد لا تشوبه شائبة من تلك المشكلات قديمها وحديثها، فإن هنالك أجيالاً متعاقبةً في هذا العالم تعاني من مشكلة كبيرة هي أم مشكلات كثيرة تعاني منها هذه الأجيال دون أن يكون لها يد فيها، ولكنها فُرِضَت عليها فرضًا، وتحالف في سبيل وضعها على الأرض موضع التنفيذ قوًى بعينها كانت تمتلك القدرة على ذلك ففرضته، ولا تزال تمتلك القدرة على متابعة فرضه، ومواصلة حمايته بشتى الوسائل والطرق، فتابعت وواصلت، ثم تابعت ذلك، ولا تزال.
    أما الأجيال المتعاقبة هناك فإن مشكلاتها تُحَل، أو أنها في طريقها إلى الحل، وقد تحل، وقد يتأخر حلها أو لا يتأخر، وقد ترضى عنه الأجيال، وقد لا ترضى، وقد تواصل السعي لإيجاد حلول لمشكلات لم تُحَلّ بعد، ولمشكلات طرأت على الأرض مع تجدد الحياة اليومية، وأما الأجيال المتعاقبة هنا فإن مشكلاتها في ازدياد، وإن مشكلتها الكبرى تزداد عمقًا وتزداد تعقيدًا، وتزداد كثافة، وتزداد تجذُّرًا لأن أحدًا لا يريد لها أن تُحَل، ولأن أحدًا لا يقوى على قول كلمة حق بشأنها، ولأن هذا المجتمع الدَّوْلي واقع تحت سحر القوة التي فرضَتْها، والقوى التي رعتها وحمَتها، وواصلت بعد ذلك سياستها بشأنها، وتابعت_ ولا تزال_ دعمها اللامحدود لها، وتأييدها اللامشروط لوضع كل أحلامها وطموحاتها وأطماعها موضع التنفيذ.
      يقولون إنهم معنيون بسلام عالمي، وبسلمٍ أهليٍّ، وإنهم معنيون باستقرار دَوْلي قائم على العدل والعدالة وإحقاق الحقوق، وإرساء قواعد القانون والنظام في ربوع هذا العالم، ويقولون إنهم ديمقراطيون يرفضون التحكم بالناس، ويرفضون كل وجوه العبودية والظلم والاستبداد والاستعباد، ويقولون أكثر من ذلك، وأكثر، وهم يروّجون لأفكارهم، ويسوّقون هذه الأفكار لتكون ثقافة الناس جميعًا في هذا العالم، ولتكون مدخلهم لحكمه والتحكم بثرواته ومقدّراته، والتحكم بإنسانه، دون كبير عناء، وبدون مواجهات، أو مصادمات، فالثقافة كفيلة بإزالة الحواجز، والثقافة قمينة بسير الأمور كما يريد أولئك الكبار المخططون، وإن كان بعد ذلك من معترِض،أو محتج، أو رافض، أو ممانع، فهم له بالمرصاد، وهم قادرون على قمعه، وهم يحاربونه بسلاحه سلاح الغزو والإرهاب الذي يتهمون صاحب البيت الشرعي دائمًا بممارسته، وهو يطالب باسترداد بيته، أو حمايته من تدخل المتدخلين، وعدوان المعتدين.
     على صاحب البيت أن يتنازل عن بيته، وعليه أن ينسى ذلك البيت، وعليه أن يقدّمه للآخر عن طيب خاطر، وعليه أن لا يطالب به، وعليه أن يبلّغ الأجيال المتعاقبة بهذا، وأن يضمن عدم مطالبتها بالبيت حتى لا تتُتَّهمَ بالإرهاب، وحتى لا تُفرَض عليها العقوبات الاقتصادية، وغير الاقتصادية، وحتى لا تتعرض بلدانها للغزو، وحتى لا تتعرَّض لمخاطر الحروب التي لا تستطيع مواجهتها، ولا تستطيع لها ردًّا، وليس لها قِبَلٌ بها، ومقدرة على التصدي لها، أو الخلاص من نتائجها المدمرة.
     وعلى صاحب البيت أن يرضى بما يقرره هؤلاء الذين يتشدّقون بالحديث عن الحرية والديمقراطية والعدل والعدالة صباح مساء، وعليه أن يوافق دون تفكير على كل ما يُطلَب منه، أو يُعرَض عليه من حلول، وعلى كل ما يُعرَض عليه، أو يُفرَض من اقتراحات، أو تسويات لكل ما يعانيه من مشكلات ترتبت على مشكلته الكبرى، أو غير مشكلته الكبرى من تلك المشكلات المتعلقة بالحياة اليومية، وتسيير أمور الناس.. عليه أن لا يكون حجر عثرة في طريق الحلول العملية التي تضمن أمن الأسياد وأمانهم، وتحول دون حدوث ما لا تُحمد عقباه، بفعل رفع وتيرة التوتر الناجم عن الرفض، أو الممانعة، أو التقدم بالمطالب التي يرفضها السيد الجديد، ويرفضها السادة الجدد، ويرفضها القائمون على أمور هذا العالم الجديد الذي خططوا لميلاده منذ أمد بعيد.
    عندما يُحظَر على صاحب البيت أن يقول: هذا بيتي، وعندما يُحظَر على شعوب هذا العالم العربي الإسلامي الكبير أن تتحرك لحماية أوطانها من عدوان المعتدين، وطمع الطامعين، فاعلم أن ذلك هو بداية التحول، واعلم أن ذلك هو بداية الصحوة، واعلم أن ذلك هو المقدمة الأولى  لوضع الأرجل كل الأرجل على بداية الطريق، واعلم أنها البداية لنهاية أولئك المحتالين المتمسّحين بالحرية، المتشدّقين بالديمقراطية والعدل والعدالة وحقوق الإنسان والحيوان أيضًا.
2\7\2011