عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأحد، ١٩ حزيران ٢٠١١

إذا كان هذا الصراعُ غيرَ قابلٍ للحل فما الحل؟؟



إذا كان هذا الصراعُ غيرَ قابلٍ للحل فما الحل؟؟

أ.عدنان السمان
ليس هنالك صراعٌ غيرُ قابل للحل إلا إذا كان أحدُ طرفي الصراع أو أحد أطرافه غيرَ راغب في الحل، لأسباب يعرفها، ونعرفها، وتعرفها الدنيا بأسرها.. نحن لسنا الطرف الذي يرفض الحل من أقصى يمين اليمين، إلى أقصى يسار اليسار، مرورًا بالوسط، ويمين الوسط، ويساره.. ونحن لسنا الطرف الذي يملك الطائرات والغواصات والدبابات ومئات الألوف من الجنود والمجندات.. ولسنا الطرف الذي تنكّر لكل الاتفاقات والتفاهمات، وأفشل كل ألوان المفاوضات، واتخذها وسيلة لممارسة الضغوط، وابتزاز مزيد من التنازلات، وفرض مزيد من الشروط، وتحقيق مزيد من المكاسب والإنجازات على الأرض، وتغيير معالمها بفرض سياسة الأمر الواقع الجديد في كل يوم، وبناء المستوطنات وتطويرها في كل يوم، والتفنن في حصارنا، وتجويعنا، ومصادرة أراضينا، والتضييق علينا، والتحكم بأرزاقنا، وأعناقنا، ومستقبل أجيالنا على هذه الأرض التي أحبتنا وأحببناها منذُ طفولةِ التاريخِ، وقبلَ تفتُّحِ الزيتونِ والليمونِ والرمانِ والعنبِ، وقبل تفتُّحِ الحِقَب.
وليس هنالك صراع غيرُ قابل للحل إلا إذا رأى هذا الطرف أن يستمر هذا الصراع غير المتكافئ، ويستمر، ليحصد هو مزيدًا من الانتصارات، وليُلحق هو بالطرف الآخر أو الأطراف الأخرى مزيدًا من الهزائم، ثم يستمر هذا الصراع غيرُ المتكافئ، ويستمر، حتى يصبح هو الحل، وكي تفتح أجيال كثيرة أعينها في هذا الكون على هذا الواقع الذي لم تعرف سواه، وبهذا يصبح الحقيقة الوحيدة القائمة، والحقيقة الوحيدة الماثلة في أذهان بني البشر، وقبل حدوث هذا، وفي أثناء حدوثه، وبعد حدوثه يعمد هذا الطرف لإقامة الصلات والروابط والتحالفات مع كثير من الناس، وكثير من الأعلام والشخصيات التي يصنعها هو، ويصطنعها لنفسه، ويضفي عليها صفة الشرعية بطريقته، وحسب اعتباراته، ومن منطلق خططه ومخططاته، بهدف خلق الانطباع بأن هذا الصراع قد انتهى، وبأن الإنسان الجديد المتنوّر المتحرر في المعسكر الآخر مقتنع بذلك، ويعمد هذا الطرف أيضًا إلى فتح جبهات أخرى، وافتعال معارك من نسج الخيال مع طرف آخر أو أطراف أخرى إمعانًا منه في صرف الأنظار عن هذا الصراع، وإمعانًا منه في تهيئة الأجواء لحشد الطاقات والقدرات والإمكانات لخوض هذا الصراع الجديد ضد هذا العدو الجديد المشترك بقيادته، وتحت رايته، وهو بهذا لا يحسم الصراع القديم لصالحه فحسب، بل ينهيه مستبدلاً إياه بصراع جديد طائفيٍّ مذهبيٍّ عرقيٍّ طبقيٍّ مفتوح يقوده هو بعد أن أعد له العدة، وبذل كل جهوده وإمكاناته لدخول مرحلة جديدة من مراحل خططه ومخططاته التي يتوهم أنه قادر على وضعها موضع التنفيذ بمزيد من الدهاء، وبمزيد من العناد، وبمزيد من تغيير ظروف اللعبة وشروطها وأهدافها وغاياتها، وبمزيد من الإصرار على المراوغة، والتزوير، وقلب الحقائق، وبمزيد من فرض الأمر الواقع الجديد، وبمزيد من الإصرار على كسب الأعوان والأتباع والأنصار من أبناء منطقته التي يسعى لإخضاعها واحتوائها وتغييرها وتسييرها وفق هواه، ومن أبناء غيرها وغيرها من المناطق في هذا الكون الواسع الذي يسعى للتحكم به، وفرض سيطرته عليه، فإذا أحسَّ أنه مخطئ، وإذا أدرك أنه على الرغم من كل دهائه وعناده وإصراره على وضع تصوراته وأحلامه موضع التنفيذ قد فشل في تقديراته، وكان مسرفًا في التفاؤل، ومفرطًا في الاستهانة بالطرف الآخر، أو الأطراف الأخرى، موغلاً في أوهامه التي نسجها خياله، وأوصله إليها مستشاروه وأحباؤه وأعوانه وأتباعه راح يصرخ، وراح يزعم بأن هذا الصراع غير قابل للحل.. وكأن هذا الصراع الذي يتحدث عنه لا يمكن أن يجد طريقه إلى الحل إلا إذا كان الحل عن طريقه هو، وإلا إذا كان الحل على يديه، وبمقتضى الأوهام والأحلام التي تملأ رأسه، ويقرع بها رؤوس كثير من الناس في هذا العالم.
لو قرأ هذا المدعي شيئًا من تاريخ هذه المنطقة من العالم، ولو كان على دراية بطبائع الأشياء، وبطبائع الناس، ولو كان على علم بطبيعة هذه الأمة التي ألفى نفسه بين ظهرانيها، ولو كان على جانب من حسن التبصر والتفكر في العواقب، ولو كان من الذين يأخذون بالأسباب والمسببات وهم يستخلصون النتائج من المقدمات لما قال ما قاله، ولما أصر كل هذا الإصرار على أن هذا الصراع غير قابل للحل!! " لأن هذا الصراع قابل للحل، ولأن الحل ليس في استمرار هذا الصراع، ولأنه ليس بإنزال الهزائم بالطرف الآخر، أو بالأطراف الأخرى، ولأنه ليس بالسيطرة على الناس، وليس بالتحكم في أرزاقهم وأعناقهم وحرياتهم، وقيمهم ومعتقداتهم وثوابتهم ومقومات شخصيتهم ومكوناتها، وليس بالتضييق عليهم، وليس بازدرائهم، والتنكر لأبسط حقوقهم في العيش والحياة والحرية، وليس بفرض الوصاية عليهم، والتفنن في إيذائهم، والتنكر لكل ثوابتهم ومعتقداتهم وأبسط حقوقهم في العيش في أوطانهم بكرامة وأمن وأمان واحترام.
وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان لا بد من حل، وإذا كان الناس كل الناس في هذه الديار، وفي غيرها من ديار العروبة والإسلام، ومن كل الديار في هذا العالم بحاجة إلى حلٍّ لهذا الصراع فإن الحل يكمن في الكف عن الغطرسة والاستعلاء والاستكبار ومحاولات الهيمنة والسيطرة على الآخرين، وإن الحل يكمن في الكف عن التنكر لأبسط حقوق الآخرين في العيش في أوطانهم بحرية وأمن وأمان، وإن الحل يكمن في احترام قرارات المجتمع الدَّوْلي الصادرة بشأن هذا الصراع، ووضعها موضع التنفيذ، وإن الحل يكمن في أن يرفع كل أولئك وهؤلاء أيديهم عن شعبنا، وأن يعود كل لاجئ ومهاجر ومهجَّر إلى بيته وأرضه وملاعب طفولته، وأن ينعم الناس جميعًا في هذه المنطقة من العالم، وفي غير هذه المنطقة من العالم، بالأمن والأمان والحرية والعيش الكريم والسلام.
وإذا كان هذا الصراع غير قابل للحل كما يدعي.. فما الحل؟ أيكون الحل بترك هؤلاء المتسلطين يمارسون تسلطهم وعدوانهم على الفقراء الضعفاء العُزْل المسالمين من أبناء هذا الشعب؟ أيكون الحل بترك هؤلاء وأولئك سادرين في خلق واقع جديد على الأرض في هذه الديار في كل يوم؟ أيكون بوضع اليد على مزيد من بيوت الناس في هذه الديار، وعلى مزيد من أرضهم الزراعية وغير الزراعية في كل يوم؟ أيكون بهدم بيوت الناس وإجلائهم عنها، وإخراجهم منها؟ أم يكون بإحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وإنصاف المظلوم من الظالم؟ أسئلة كثيرة نتوجه بها إلى هذا الذي تفتق ذهنه عن هذا الكشف العلمي الهائل الذي يقول إن الصراع العربي الإسرائيلي غير قابل للحل!! ونتوجه بها إلى كل الذين يشاركونه الرأي، وإلى كل الذين يؤيدون سياسته وتطرفه واستبداده واستفزازه لكثير من الناس في هذه الديار، ولكثير من الناس والدول والحكومات في هذا العالم.
بقي أن نقول إن الحل قادم، وإن الحل في طريقه إلى هذه المنطقة التي دفع أهلها ثمن أخطاء غيرهم، وثمن خطاياهم، وإن الحل سيفرض نفسه في النهاية شاء من شاء، وأبى من أبى، وإن الحل لن يكون بالقفز عن حقوق هذا الشعب، وثوابت هذا الشعب، وعن القرارات الدولية الصادرة بحق هذا الشعب، وبحق كافة قضاياه العادلة، وعلى رأسها حقه المقدس في العودة، وحقه الثابت في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على أرض وطنه، وإن الحل لن يكون بازدراء هذا الشعب، والتنكر لحقوقه، والقذف به في غياهب السجون والمعتقلات، وفرض حقائق جديدة على أرضه في كل يوم، وإن الحل لن يكون باستحواذ طرف من طرفي الصراع، أو من أطرافه، على كل شيء، وترك الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى مقموعة محرومة مغلوبة على أمرها لا تلوي على شيء!!
وبقي أن نقول إن أمة بهذا الحجم، وبهذه الكثافة وبهذا والتنوع، وبهذا الانتشار الهائل على خارطة الدنيا، وبهذا التنوع الثقافي والحضاري، وبهذا الغنى الروحي، والعلمي، والمعرفي، والتراثي، وبكل مئات الملايين من طلبته وعماله وفلاحيه وأطبائه ومعلميه ومحاميه ومهندسيه وعلمائه وأدبائه وشعرائه وإعلامييه وصِحافييه ومثقفيه هي أمة حية واعدة برغم كل جراحات الماضي، وبرغم كل سكاكين الحاضر وخناجره، وبرغم كل عوامل اليأس والقنوط والإحباط التي تحيط به من كل جانب.. إن أمة العروبة والإسلام أمة عظيمة تضرب جذورها في أعمق أعماق التاريخ، وإنها "يقينًا" ستستبدل ضعفها قوة، وفرقتها وحدة، ومذلتها عزة، وهوانها على الناس كرامة.. وإنها "يقينًا" ستنتصر على كل عوامل ضعفها وتخلفها لتأخذ مكانتها اللائقة بها تحت الشمس، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وعندئذ تتحقق الأهداف والتمنيات، وعندئذ تبتسم الأمنيات.. وعند ذاك يعود الحق إلى نصابه، والسيف إلى قِرابه، والأسد إلى عرين غابه.. تلكم هي عبرة التاريخ، وتلكم هي سنة الكون في نشوء الدول وقوتها وضعفها واضمحلالها، ثم قيامها ونهوضها من جديد، وتلك هي سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
هذا كلام موجز نتوجه به إلى كل الذين يعتقدون أنهم قادرون على خداع الناس، وعلى التحكم بهم، وسوقهم كالمواشي، وإلى كل الذين يعتقدون أنهم من طبقة مختلفة عن طبقة الناس، وإلى كل الذين يعتقدون أنهم فوق البشرية، وفوق كل الشعوب، وفوق كل القوانين والأعراف.. وهذا كلام موجز نتوجه به إلى كل أنصار السلام العادل، وإلى كل أعداء هذا السلام أيضًا، ليزداد المؤمنون به، العاملون من أجل نشره ونصره ونصرته إيمانًا مع إيمانهم، وليزداد هؤلاء المؤمنون الواثقون بعدالة قضاياهم إصرارًا على السير في الشوط إلى منتهاه وصولاً إلى هذا السلام العادل الدائم الشريف المتكافئ الذي لا غالب فيه ولا مغلوب.
20\6\2011

الجمعة، ١٧ حزيران ٢٠١١

بنظرة منكِ تحيينا وتحييهِ!!

بنظرة منكِ تحيينا وتحييهِ!!
شعر: عدنان السمان
بنظرةٍ منكِ تُحْيينا وتُحييهِ   ||   بلمسةٍ منكِ تُبكينا وتُبكيهِ
إني أحنُّ لطيب العيش في وطنٍ|| هُجِّرتُ منهُ صبيًّا، جلَّ باريهِ
وما بكائي على الأطلالِ مُنتحِبًا   ||   لكنْ بكائي بجُنْحِ الليل أُخفيهِ
وما نُواحي على الأحباب إذ رحلوا  ||   لكنْ نُواحي على حبٍّ أداريه
قد قلتِ إنَّكِ لا تبغينَ صُحبتَهُ || هذا لعَمْري هراء لستُ أَرويهِ
ولستُ أسمعُ قيلاً لا أصدقُهُ  ||  والعينُ تروي حديثَ الصَّمت، تُبديهِ
حتّامَ أقضي الليالي صاديًا أرِقًا  ||  إلامَ تبكي على رأسي بواكيهِ؟
إلامَ أبكي على الأطلالِ منتحِبًا  ||  ما نفعُ عيشٍ إذا جفّتْ سواقيهِ؟
فلترفِقي بفؤادٍ كادَ من نَصَبٍ ||  "يقضي عليه الأسى لولا تأسّيهِ"
ولا أبالي بأهلِ الأرض كلّهِمُ    ||   ولستُ أسألُ عن غِرٍّ أباريهِ
ولستُ ممن يجيدون النواحَ إذا   || "أضحى التنائي بديلاً من تدانيهِ"
ولستُ أغضبُ إن جفّتْ منابعهُ   ||   "ونابَ عن طيب لقياه تجافيهِ"
ما متعةُ العيشِ إن جفَّت منابُعنا  ||  وصوَّحَ النبتُ واسودَّتْ مقاثيهِ؟
هو التحدي سبيلٌ ليس يسلكُهُ   ||    إلا المحبُّ كثيرٌ ما يعانيهِ
هو التحدي دواءُ العاشقينَ إذا   ||  هبّت رياحٌ بِساحِ الحُبِّ تُؤذيهِ
قد رُمتُ حبَّ كحيلِ العينِ يشفعُ لي  ||  حبٌّ كبير، ودمْعٌ في مآقيهِ
مَن قالَ إنَّ كبيرَ السنِّ نِضْوُ هوًى؟ ||  مَن قالَ إنِّي هزيلٌ لا أجاريهِ؟
ولا أبالي بما قد قال حاسِدُنا  ||   إني كبيرٌ، ونَسْرٌ في روابيهِ
فلستُ أعجبُ إن سُلَّت قوادمهُ   ||  ولستُ أرهبُ إن سُلّت خوافيهِ
قوادمُ النسرِ مَسراهُ إلى قممٍ  ||  أما الخوافي فدفءَ القلبِ تُعطيهِ
قصائدُ النسرِ صَيحاتٌ منغَّمةٌ   ||   وموكبُ الغيدِ أشعارٌ تُغنِّيهِ
فلستُ أسألُ إن صاتتْ قصائدهُ   ||   ولستُ أسألُ إنْ سَفَّتْ قوافيهِ
ولستُ أسألُ بعد البينِ ما فعلوا   ||   فليَهدِموه، وبعدَ الهَدمِ أَبنيهِ
أنتَ الربيعُ وأنتَ المسكُ صارَتُهُ ||  والروحُ تعشقُ مَن في القلبِ ناديهِ
وأنتِ من مَلَكَتْ بالحبِّ ناصِيتي  ||  وأنتِ عهدُ الهوى حُمْرٌ مَواضيهِ
وأنتِ مُلهِمتي بالحب ما فتِئَتْ   ||   مَهوى الفؤادِ، بجُنْحِ الليلِ تطويهِ
وتضحكينَ إذا انهلَّتْ مَدامِعُنا   ||   وتضحكينَ ونارُ الحبِّ تَكويهِ
وتَشرَبينَ دموعًا في تدفّقِها  ||   دمعُ الحبيب إذا سالت أعاليهِ
وتُشفقينَ لآلامٍ أُصيبَ بها  ||   فلتُمسكيهِ برفقٍ كي تداويهِ
فينثني ماردًا قد شقَّ قمقمَهُ  ||    نحو القليبِ بفيضٍ منهُ يُرويه
وينحني عابدًا قد أبَّ في طلبٍ  ||   وهبَّ نحو كحيل العين يُرضيهِ
لو كنتُ أعلمُ هذا الأمرَ من زمنٍ  ||   لما استجابَ لها، بالنَّارِ أرميهِ
إني أحنُّ إليه فارسًا نَزِقًا   ||   ولا أبالي بتيهٍ مقفرِ التِّيهِ
أشتاقُهُ غسَقًا، أشتاقُهُ سَحَرًا  ||  أشتاقُهُ بلبلاً أهوى أغانيهِ
إنَّ الحياةَ إذا ما جئتَ تسألُني   ||   أن أشربَ المرَّ طوعًا كي أُداويهِ
والنَّرجس الغضُّ أنغامٌ يهيمُ بها  || هذا الوجود، وأنفاسٌ تزكّيهِ
والمنهَلُ الثرُّ يروي المرءَ من عطشٍ   ||   والحِبُّ يحرُسُهُ، والنجمُ يَهديهِ
والكوثرُ العذبُ ملقانا وموعِدُنا   ||    والموطنُ الحرُّ يُؤوينا ونَحميهِ
والموتُ حقٌّ، ولكنَّ الهوى قدرٌ   ||    من شفَّهُ الوجدُ أدماهُ ويُدميهِ
الحبُّ يُرهبُنا، والليل يُرعبنا   ||   والفجرُ يُطربُنا، تشدو أمانيهِ
يا وردةً غضَّةً إن جاءَ يقطِفُها   ||  فتًى غريرٌ فبالأشواكِ تُدميهِ
يا غادةً بَضَّةً بالنورِ سابحةٌ   ||   لمنْ هواها؟ ومَن بالروحِ تَفديهِ؟
ولستُ ممن يعيشون الهوى ترفًا   ||   لكنني مُدنَفٌ بالدمعِ أَرويهِ
ولا أبالي إذا ما الموتُ داهمني ||   كل الخلائقِ تترى نحوَ واديهِ
ولا أبالي إذا ما الندُّ خاصَمني   ||   وللسفيهِ كلامٌ ليس يُرضيهِ
ولا أبالي إذا ما الدهرُ فرَّقنا   ||   إن الخيالَ يداويني، ويَشفيهِ
ولستُ أسألُ طولَ الدهرِ إن رحلوا   ||  ذكْرُ الأحبةِ نارُ الوجدِ تُذكيهِ
فليرحلوا وليبينوا لستُ أسألُهم   ||  ما نفعُ قربٍ لِحُبٍّ لا تُرجِّيهِ؟
إن الأحبةَ مَن في القلبِ منزلُهم   ||   والقلبُ مكنِسُهم، قد خُلِّدوا فيهِ
وللغزالةِ سحرٌ زادها ألقًا   ||   وفي الغزالةِ سِرٌّ لستُ أُخفيهِ
والسرُّ في السحرِ آهاتٌ ترخّمها  ||   والسِّحر في السر يُغْنيها وتُغْنيهِ
والشرّ بالشر أفعى في تقلُّبِها  ||  والخيرُ بالخيرِ ربُّ العرشِ يُبقيهِ
والناسُ للناسِ من عُرْبٍ ومن عجمٍ  ||   والوعدُ بالوعدِ، والبيتُ لبانيهِ
والنفسُ بالنفسِ شرعٌ في ضمائرنا  ||   والحبُّ بالحبِّ، والطفلُ لراعيهِ
والوردُ بالوردِ أحكامٌ ندينُ بها   ||   والحر بالحر، والزرعُ لساقيهِ
والنارُ بالنارِ ركنٌ في ثقافتنا   ||   والعمقُ بالعمقِ، والموتُ لباغيهِ
والعينُ بالعينِ، والدنيا لعارِفها   ||   والوُدُّ بالوُدِّ، والقلبُ لهاويهِ
ريحانةٌ بعبيرِ الطهرِ تنفحُهُ   ||   يا حُسنَها طفلةً تلهو، وتُلهيهِ
هي الثُّريا وهذا الكونُ يَرصُدُها  ||  هي الثريا ونورَ البدرِ تَحكيهِ
أشتاقُها ظبيةً تصفو مشاربُها  ||   على المودةِ يَسقيها وتَسقيهِ
سبلاءُ دَفقاءُ مصقولٌ ترائِبُها ||  تمشي الدفِقّى لخلٍّ كي توافيهِ
إن الجآذِرَ في ساحاتها نَعَمٌ   ||   لكنها شاهدٌ بالحق تُبريهِ
تُمأمئُ الظبيةُ الكَحْلاءُ مأمأةً ||  تدعو إليها الرَّشا، يا رئمُ صونيهِ
قد صُنتُ  وُدَّ حبيب القلب، يشفعُ لي || ربٌ رحيم، وربُّ العرشِ يَحميهِ
وليسَ للمرءِ بعد الله من هدفٍ   ||   وليسَ من مقصِدٍ إلاّهُ يَعنيهِ
سألتُ ربَّ الهوى والحُبِّ يحفظُهُ   ||  وربّةُ الشعرِ ترعاهُ وتَحميهِ
وإن أمُتْ، وإذا ما الدهرُ فرَّقنا     ||   فبالقصائد يرثيني وأَرثيهِ
أيقنتُ أنَّ الليالي لن تفرِّقَنا  || فالحبُّ مستحكمٌ، والشوقُ يُبديهِ
لولا تعلُّقُهُ بالحُسنِ ما اختَلَجَتْ  || منه المشاعرُ، ما رقَّتْ حواشيهِ
وعندما يدركُ الأحرارُ غايتهم  ||  ويصبحُ الحقُّ تشريعًا سآتيهِ
ويمَّحي عهدُ كذابينَ كلُّهُمُ  ||  أبناء "..." تجّارُ تأليهِ
ويسقُطُ الجَوْرُ في أرجاءِ موطِنِنا  ||  وتختفي نُظُمٌ سوداء تُشقيهِ
فعندَ ذاكَ يطيبُ العيشُ في وطنٍ  ||  وعند ذاك يسودُ العدلُ واديهِ
11\6\2011



السبت، ١١ حزيران ٢٠١١

متابعات

في الخلافات والانقسامات والانشقاقات.. وانخفاض سقف التوقعات!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    قد أكون لغتي، وقد لا أكون في هذا العنوان المصنوع الموجوع المسجوع.. وقد أكتبُ أدبًا هنا وهناك، وقد لا أكتب لهذا السبب أو ذاك، وفي هذه المناسبة أو تلك.. وقد تسمح الظروف لهذا الذي أكتبه أن يرى النور، وقد لا تسمح، آملاً أن تسمح.. وقد يُتاح لهذه الأمنيات والتمنيات والإشارات والشعارات التي تحفِلُ بها هذه الكلمات والمقالات والكتابات وأحاديث الذكريات أن تتحقق، وقد لا يُتاح، راجيًا وسائلاً المولى أن يُتاح.. ولكنني مع هذا كله أشعر "بملء الثقة" أن من حقي أن أكتب، وأن من حقي أن أخاطب العقول، كل العقول، والعواطف والمشاعر والأحاسيس، وأن من حقي أن أتوجه إلى كل أصحاب الحسِّ الوطني المرهف الشفاف، والضمائر الحية اليقظة النظيفة، والنفوس الكبيرة الملتزمة من مثقفين ومثقفات، وكتّاب وكاتبات، وصحافيّين، وإعلاميين وإعلاميات، ومحررين، وسياسيين شرفاء وشريفات، يحملن في قلوبهنَّ الكبيرةِ حبًّا كبيرًا لهذا الوطن، وإنسان هذا الوطن، وقضايا هذا الوطن، مخاطبًا كل هؤلاء بكل الصدق أن يكونوا لهذا الوطن، ولكل قضاياه، ولإنسان هذا الوطن الممزق والمضيَّع والمكبَّل، وأن يعملوا جاهدين بكل العزم والحزم والإصرار من أجل وضع حدٍّ لكل هذه الخلافات، ولكل هذه الصراعاتِ والانقسامات والانشقاقات، ولكل ما من شأنه أن يؤدي بالتالي إلى انخفاض سقف التوقعات، وإلى مزيد من التفكك والتمزق والاختلال والاعتلال والاضمحلال والانهيارات... صحيح أن الخلاف في الرأي في معظم الأحوال علامة صحة.. وصحيح أن الناسَ كل الناسِ في هذه الدنيا يختلفون ويتفقون، وقد لا يتفقون.. وصحيح أن الانقسام بشقيه هو وسيلة التكاثر في الخلية الحيَّة، ووسيلة تجدد الحياة وتدفقها.. وصحيح أن الانشقاق في كثير من الأحيان قد يعني الخروجَ على استبداد مستبد، وتحكم متحكم، وطغيان طاغية، وقد يعني وضع أرجلِ السابلة على بداية الطريق نحو الحرية والنور والعدل والعدالة وتحقيق الأهداف... ولكن صحيح أيضًا أننا عانينا من كل ألوان الخلافات والانقسامات والانشقاقات مذ كنا، بل مذ كانت هذه الأمة في تلك الحقبة المتقدمة من التاريخ، ومذ كانت هذه القضية وتلك النكبة التي لا زال الناس في هذه الديار يتجرعون مرارتها، ولا زالت تلقي بظلالها، وتنوء بكلكلها على صدور الناس هنا على أرض الوطن، وهناك في كل منافي هذا الشعب، وديار غربته واغترابه.. وصحيح أيضًا أننا لم نعد بحاجة لمزيد من هذه الخلافات التي كرهناها، ولفظناها بالتالي لفظَ النوى، حتى لو كانت علامة صحة، لأننا بحاجة إلى وحدة الكلمة، ووحدة الصف، ووحدة الهدف، ووحدة التوجه والمشاعر والأفكار والرؤى، ولأننا _يقينًا_ بحاجة لمزيد من الإصرار على تحقيق الأهداف والطموحات التي قد لا تعني في حدها الأدنى أقل من عودة كريمة ظافرة إلى البيت والدار والجار والوطن، وحياة حرة كريمة يعيش معها كل أهل هذه الديار، وغير أهل هذه الديار بأمن وأمان ومحبة وتسامحٍ ووئامٍ وسلام.

    ولئن كان من حقي أن أكتب، ولئن كان من حق غيري أن يكتب، ولئن كان من حق ما أكتبه أن يرى النور، وأن يطلَّ على الأحباب وغير الأحباب من أقصر الطرق وأوسع الأبواب، بعيدًا عن المناكفات والمنغصات والمماحكات والتقنينات والتحزبات والتشيعات، وكافة أنواع الحجج والاعتبارات التي تخفي وراءها ما تخفيه، وما أربأ بنفسي عن التصريح به، والخوض فيه.. ولئن كان الوطن قصيدة فهذه قصيدتي، ولئن كان الوطن أغنية فهذه أغنيتي، ولئن كان شهادةً فهذه شهادتي مشفوعة بالقسَم، وهذا مصدر فخري وافتخاري وتألقي وتدفقي.. وإذا كان هنالك من يرى أن الوطن حقيبة فإنني _يقينًا_ لا أرى ذلك، بل إنني أرفض ذلك كل الرفض، إلا أن يكون هذا الوطن الغالي المنسوج على غير مثال حقيبةً مدرسية تصنعُ الأجيال، وتربيها على حبِّه، وترسم لها طريق استعادته وإسعاده والذودِ عن حِماهُ وحياضه، وترسمُ لها أيضًا طريقة بنائه قويًّا مستقرًّا سيّدًا حرًّا عزيزًا مستقلاًّ كريم الجانب، موفور الكرامة، مخوف الجناب، حرامَ الحِمى.

    عجبتُ لكل هؤلاء الذين لا يروْنَ في الوطن أكثر من حقيبة مسافر مغادر، أو حقيبة امرأة! ولمن لا يرون فيه أكثر من حقيبة لغسيل الأموال، وتهريب الموبايل وغير الموبايل، ولمن لا يرون فيه أيضًا أكثر من حقيبة وزير بلا وزارة، أو بوزارة، فالأمر سيّان إذا كانت كل هذه الحقائب شكليَّة، وإذا كانت مجرد رشاوى يقدمها هؤلاء لأولئك، وحوافز ومغريات لاستمرار هذا النهج، وهذا الحِوار الذي لم يسبق لنا أن سلكناه، ولم يسبق له أن حقق لأمة شيئًا من طموح، أو صان لشعب شيئًا من كرامة، أو أعاد له شيئًا من حق، ولم يسبق له أن كان طريقًا لإحقاق حق، أو إزهاق باطل، أو تحقيق حلم في عيش هانئ هادئ أو استقلال... ولئن كانت أوروبا قد عرفت هذا النهج وسيلة للخلاص مما أوقعتها فيه الحرب العالمية الثانية، ولئن تمكّنت أوروبا بفضله من الخروج من أزماتها، وإعادة ترتيب البيت الأوروبي من الداخل بعد أن عصفت به تلك الحرب على مدى ست سنوات، فإنه _يقينًا_ ليس الطريق إلى الحل في هذه الديار، لأن المشكلات هناك ليست هي المشكلات هنا، ولأن النازية هناك قد هُزِمت في نهاية تلك الحرب، وما كان على الأوروبيين بعد ذلك إلا أن يعملوا من أجل الخلاص من كل آثارها المدمرة، ومن كل جناياتها على أوروبا والأوروبيين، وعلى كثير من الناس في هذا العالم.

    وعجبتُ لكل هؤلاء الذين لا يرون في هذه القضية أكثر من وسيلة للثراء، وتحقيق المكاسب والمكتسبات الشخصية، وأكثر من وسيلة لممارسة السطوة وإرضاء الغرور، وممارسة الحكم والتحكم بالناس في الوقت الذي لا يملكون فيه لأنفسهم من أولئك "السادة" ضرًّا ولا نفعًا، وفي الوقت الذي لا يستطيعون فيه مخالفة أولئك السادة في أقل القليل، حتى لو كان ذلك من باب ذرِّ الرماد في العيون، وحتى لو كان ذلك من خلال الهامش الذي يقول فيه قائلهم للناس: "نحن نمون"!! عجبتُ لهم كيف يسلكون مع "السيد" هذا السلوك الذي لا يملكون معه إلا الموافقة على كل ما يقول، وعلى كل ما يفعل، وعلى كل ما يصدر عنه من خطط ومخططات، وإن حصل غير ذلك فإلى حين، ثم يعودون سيرتهم الأولى، وحتى في خلال حردِهم وعتبهم وجهرهم بالشكوى من قساوة هذا "السيد" وقسوة قلبه، فإنهم لا يخرجون على شيء من أوامره ونواهيه، ولا يجترئون على ارتكاب أدنى مخالفة لتعليماته ووصاياه، وأضوائه الحمراء والصفراء والبرتقالية أيضًا.

    عجبتُ لكل هؤلاء وهم يفرّغون الناس من محتواهم، ويجردونهم من مضامينهم، ويستبدلون أفكارهم ومقومات شخصيتهم وثقافتهم بأخرى لا تمتُّ إلى هذه الأمة وتاريخها وجغرافيتها وقيمها ومعتقداتها وأعرافها وحقوقها الثابتة في العيش الآمن الكريم الحر بأدنى صلة.. عجبتُ لهم وهم يتنمّرون للناس، ويفرضون عليهم وصايتهم، ويتحالفون فيما بينهم على إخضاعهم وحصارهم وكبتهم وتجريدهم من أبسط حقوقهم في القول والتفكير والتعبير، وعلى حق كثير منهم في الحياة والحرية.. عجبت لهم وهم يستأثرون بكل شيء، ويبيحون لأنفسهم فعل كل شيء، ويحرمون على غيرهم كل شيء.. قد يتقاسمون مع أحبتهم ومن يسير في فلَكِهم وعلى نهجهم كل شيء، وقد يكونون أعدل الناس مع من يثني عليهم، ويجاملهم، ويتواصل معهم، لهذا السبب أو ذاك، ويطالبون دائمًا بمزيد من هذا التواصل حتى لو انتهت الأسباب التي أدت إليه، ويفرضون لأنفسهم حق التدخل في كل أمر من أمور الناس لوضع كل خيوط حياتهم في أيديهم، ولفرض الوصاية عليهم حتى يضمنوا لأنفسهم قاعدة شعبية موالية تمكنهم من الاستمرار، وتضمن لهم بالتالي البقاءَ في مناصبهم، وتمكنهم مع مرور الوقت من كتابة التاريخ كما يريدون، ومن تخليد أبطالهم كما يشاءون، كي يثبتوا أنهم الأمناء المؤتمنون، وأنهم الأوفياء الأكفياء القادرون المقتدرون على حمل التبعات والمسئوليات، وصون الكرامات، وأداء الأمانات، وتحقيق الأهداف والغايات، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بطرق عصرية حضارية يفهمها العالم المتحضر، ويقرُّها ويساعد على تحقيقها ووضعها موضع التنفيذ.. على الرغم من أن هذا العالم الذي يؤمنون به، ويتحدثون عنه، ويلتجئون إليه، ويحكّمونه فيما شجَرَ بينهم لا يعنيه إلا مصالحه، ولا يصدر في أقواله وأفعالهِ وإنفاقه وكل ممارساته إلا عن هذا التنافس القائم بين الغرب بشقيه لحكم هذا البلد أو ذاك من بلدان هذا العالم.

     من الطبيعي أن يعترض الناس على كل هذا بدعوى أنه عبث لا طائل تحته، ومن الطبيعي أن ينبري المستفيدون الذين يرون فيه فرصتهم للدفاع عنه، ومن الطبيعي أن تتعدد المواقف، وتكثر التيارات والتفسيرات والاعتبارات والاجتهادات، ومن الطبيعي أيضًا أن تكثر الخلافات والصراعات، وأن تشتد وتحتد، وأن تكثر التحالفات، وبغض النظر عن كل التفصيلات والتأويلات والتوجهات، وبصرف النظر عن الأيديولوجيات والاستراتيجيات والتكتيكات والديالكتيكيات، وبصرف النظر أيضًا عن الدوافع والنوازع ومجموعة القيم والعقائد والمبادئ والأفكار التي يصدر عنها كل أولئك المختلفون المتخاصمون المتصارعون المقتتلون المحتربون المتحاربون.. بصرف النظر عن هذا كله، وبصرف النظر عن كثير غيره مما قد يقال، وقد لا يقال، فإن نتيجة هذا كله أن تضطرب الأحوال، وتعمَّ البِطالة، وينتشر الفقر، ويكثر المحتاجون، ويجف معين المدخرات، ويبحث الناس في غمرة هذا كله عن الغذاء والدواء والكِساء فلا يكادون يظفرون بشيء منه إلا بشقّ الأنفُس.. في غمرة هذا كله يتدخل المتدخلون لحسم الأوضاع، وتبذَلُ الأموال، ويعزف الرشاش، وتقصف المدافع، وتسيل الدماء، ويحترب الأهل والإخوة، ويقتل الأخُ أخاه، والجارُ جاره، والرفيق  رفيقه، ويمثِّل هذا بجثة ذاك، ويحرق أولئك قلوب هؤلاء، ويحترق الوطن والمواطن، وتحسَمُ الأمور لصالح المخططين الذين يحركون الدمى أو تكاد، ويكاد يفرح المخططون وأدواتهم وأعوانهم من الأشرار الفجّار الدعّار، ولا أقول بنصر الله، وتكاد رياح السموم تعصف بالأوطان، تدمر البنيان، تقتل الإنسان، تهلك الحرث والنسل والغزلان، وتأتي على الأخضر واليابس أو تكاد.. عند ذلك يخرج من رحم المأساة جيل أنضجته نيران الهزائم والجرائم والخطوب، فينتصر على كل أسباب الصراع والشقاق والنفاق والحروب، وينتصب شامخًا عملاقًا فوق النزف فوق الجرح فوق الملح والبارود.. يسعى إلى وطن النجوم.. يثأر للأرض وللعِرض، ويصنع من أزهار اللوز والياسمين والبرتقال وخشب الزيتون قلائد لوطن النجوم، وما أدراك ما وطن الأحلام والآلام والآمال والنجوم؟

    ليس من السهل أن يصف شاعرٌ في قصيدة ضبابيَّة شيئًا من هذا الذي يحدث على كل أرض العرب، أو شيئًا من هذا الذي يحدث فوق أرض فلسطين وطنِ الأقاح والندى والصباح والجراح.. وليس من السهل على صانع الشِّعر والعِطر والسحر والظلال أن يعيش في الظل، وليس من السهل على صانع المُحال أن يختفيَ خلف الرتوش والرموش والظلال.. لقد علمْتنا يا وطن الشمسِ والحب والحرية أن نحفظك في الجفون وخلف حبات العيون، فلن تهون يا وطني لن تهون، ولن تهون.

   لقد علمتنا أن نفتديك بالمهج والأرواح وأن نبذل في سبيلك كل غالٍ ونفيس، وأن نحب من أحبك، ونعادي من عاداك.. لقد علمتنا يا وطن الأحرار أن تجتمع القلوب والألباب والمشاعر على حبك، وأن تُجمِعَ الفئاتُ كلُّ الفئاتِ، والشرائحُ كلُّ الشرائحِ، والنخبُ كلُّ النخبِ، والمستوياتُ كلُّ المستوياتِ على صونك والذَّب عن حماك وحياضك.. لقد علمتنا يا وطن الآباء والأجداد أن من مات على ثراك فهو شهيد، وأن من أحبكَ كل الحب ثم قضى وهو يغمض اليدَ أو العينَ على حبة من ترابك فهو شهيد، وأن من رعاك وحماك وسهر على أمنك وأمانك، ومن أعلى بنيانك وصان إنسانك وكبتَ أعداءك فهو شهيد.. يا وطن النجوم والشهادة والهداية والحب.. يا وطني.. ها قد جئتُ أحمي حِماك، وأُبعِدُ المقتتلين المحتربين المتخاصمين اللاهثين خلف السراب عن ساحتك، بل عن ساحاتك، حتى لا يبقى فيها إلا من أحبكَ، وإلا من هتف من أعماق أعماق روحه للعروبة والشمسِ والحريةِ والمحبة والتسامح والسلام.

11\6\2011

الأربعاء، ٨ حزيران ٢٠١١

نعم.. ما أشبه الليلة بالبارحة!!

متابعات

نعم.. ما أشبه الليلة بالبارحة!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لقد خرجت جماهير الشعب العربي في مصر، وفي فلسطين، وفي كل أرض العرب في يومي الجمعة والسبت التاسع والعاشر من حزيران عام سبعة وستين وتسعمائة وألف باكيةً منتحبة في ليل الهزيمة تطالب الرئيس جمال عبد الناصر بالعدول عن التنحي، والعودة في الحال لممارسة مهام الحكم... لا زلت أذكر جيّدًا خروج الناس هنا في نابلس في ليل الجمعة، بينما كان الظلام الدامس يلف كل شيء لانقطاع التيار الكهربائي.. وهم يبكون ويصرخون، ويناشدون عبد الناصر أن يعدل عن استقالته، وأن يعود لقيادة الأمة العربية من جديد نحو النصر، ونحو تحقيق أهداف الأمة العربية.. لقد كانت ساعات رهيبة تلك التي زحفت فيها كل جماهير الأمة العربية من محيطها إلى خليجها تجدد البيعة لعبد الناصر، وتناشده أن يعود إلى قيادتها من جديد.

    في يوم الأحد/ الحادي عشر من حزيران / استجاب عبد الناصر لنداءات الأمة متخذُا كثيرًا من الإجراءات لإعادة بناء القوات المصرية المسلحة، ورفع روح الجند المعنوية، ومواساة الأمة في مصابها، ومعاهدتها على إزالة آثار العدوان، والتمسك بكافة حقوق الشعب العربي الفلسطيني في بلاده فلسطين، والعمل بكل عزم وإصرار على إحقاق هذه الحقوق، وعلى تحقيق أهداف أمة العرب من محيطها إلى خليجها... وكانت حرب الاستنزاف.. وكانت تضحيات جيش مصر من جديد.. وكانت وفاة عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول من العام سبعين وتسعمائة وألف.. وكانت بعد ذلك بسنوات ثلاث حرب العاشر من رمضان التي تمكن فيها جيش مصر في السادس من تشرين الأول من العام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف من عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف الحصين، والتقدم في سيناء شمالاً نحو جنوب فلسطين.

    ما أشبه الليلة بالبارحة!! وما أشبه هذه الأيام بتلك!! فلئن خرج الفلسطينيون والعرب وكثير من الناس في هذا العالم في مثل هذه الأيام يبكون وينتحبون؛ فإنهم في هذه الأيام أيضًا يبكون وينتحبون.. ولئن كانوا في مثل هذه الأيام من عام "النكسة" ذاك يائسين بائسين محبطين لا يصدقون ما يجري ويدور في بلادهم من أحداث وحوادث ونكبات جديدة ، فإنهم لكذلك في هذه الأيام أيضًا لا يصدّقون ما يدور في اليمن، وفي ليبيا، وفي البحرين، وفي القطر العربي السوري، وفي مصر وتونس أيضًا، وفي أرض فلسطين كل فلسطين، وفي العراق العربي، وفي أفغانستان وباكستان، وفي كل أرض العرب، وكل أراضي المسلمين!!.. ولئن كانوا في مثل هذه الأيام من عام المذلة ذاك، ومن عام النكبة الذي سبقه ببضعة عشر عامًا يلطمون الخدود، ويشقون الجيوب؛ فإنهم اليوم أيضًا يلطمونها ويشقونها، بل إن كثيرًا من شبابهم وفتيانهم قد أعدموا أنفسهم بأنفسهم قبل أن يفعل الطغاة الغزاة بهم ذلك... لئن فعل كثير من الفلسطينيين، وكثير من العرب، وكثير من الناس كل هذا، وكثيراً غيره، ولا يزالون في هذه الأيام التي تشبه تلك؛ فإنهم لا يفعلون ذلك مطالبين عبد الناصر بالعودة إلى الحكم.. وإنما لهذا الفراغ القاتل الذي يغشى كل الساحات، ويعصف بكل الأوطان، ولهذه النكبات والصدمات التي حلت بكل العرب، وبكل المسلمين، وبكل دعاة الحق والخير، وبكل أنصار السلام والعدل والحرية في هذه المنطقة من العالم.

    ما أشبه الليلة بالبارحة! وما أشبه هذه الأيام بتلك التي تقابلها من عام الرمادة والمهانة ذاك! فالضعف هو الضعف.. والعجز هو العجز.. والدسيسة، والتناحر، والتنابذ، والتدابر، والقطيعة، والخصام، والاقتتال والاحتراب سيد الموقف.. وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!! والأسباب _ يا قوم_ ما زالت هي الأسباب!! في تلك الأيام دأب هؤلاء على استفزاز الناس هناك بهدف جرهم جرًّا إلى المواجهات العسكرية التي تكون حجتهم، وذريعتهم لعدوانهم الكاسح المبيت... وفي هذه الأيام أيضًا يصرخ هؤلاء قائلين إن الناس هناك قد ملأوا ترسانتهم العسكرية بكل أنواع الأسلحة الهجومية التي تخدم أهدافهم في شن حرب في هذا الصيف الذي بدأت درجة حرارته بالارتفاع... ولا ينسى  هؤلاء أن يصرخوا أيضًا مؤكدين أنهم لا يريدون بأحد سوءًا، بل يريدون أن يعيش الفلسطينيون، وأن يعيش العرب كل العرب في هذا الوطن العربي الكبير حياة جديدة سعيدة هانئة وقد تخلصوا من هذه الأنظمة الاستبدادية التي تحكمهم، وتتحكم بهم منذ عشرات السنين!! لقد تحول الغرب اليوم وبقدرة قادر إلى نصير للحق والعدل والحرية والسلام والعيش الكريم على كل أرض العرب، لقد أصبح هذا الغرب اليوم صديقًا للفلسطينيين، محبًّا لهم، متعاطفًا مع تطلعاتهم وآمالهم في الحصول على رواتبهم بدون تأخير، أو بشيء من التأخير يوصلون من خلاله رسالة وأيَّةَ رسالة!! وأصبح اليوم صديقًا لهذه الشعوب العربية التي سامها سوء العذاب على امتداد عقود وعقود، ولا يزال، إنه يسلِّح أعوانه وأتباعه والمرتبطين به وكثيرًا غيرهم من الفقراء الجياع المظلومين المقهورين المغلوبين على أمرهم _لأكثر من عشرين سببًا_ لتخريب كثير من أقطار العروبة خدمة لأغراضه وأهدافه في السيطرة المطلقة على كل أرض العرب، ووضع حد لكل ما من شأنه أن يعيق خططه ومخططاته، وأن يتصدى لأحلامه وأطماعه في وضع اليد على هذا العالم العربي الإسلامي الكبير.

    في مصر، وفي تونس قال كثير من شباب العرب كلمتهم، وقال كثير من أحرار العرب والبربر كلمتهم، وسجلت الثورتان هناك كثيرًا من الانتصارات.. ولقد جُنَّ جنون الغرب لما أصابه هناك، فكشَّر عن أنيابه، وشنَّ حربًا ضروسًا على تونس وعلى مصر،وعلى كل أحرار العرب بهدف إعادة مصر وإعادة تونس إلى حظيرته.. ولئن حارب الغرب عبد الناصر في مصر مذ كانت ثورة الثالث والعشرين من يوليو في العام اثنين وخمسين وتسعمائة وألف، ولئن أعلن الغرب أكثر من حرب على مصر وعلى عبد الناصر، ولئن كانت حرب السويس والعدوان الثلاثي، ولئن كانت بعد ذلك حرب سبعة وستين التي ألقى الغرب فيها بشقيه كل ثقله لإلحاق الهزيمة بعبد الناصر، وبجيش مصر العربي، وبسياسة مصر العربية، ولئن تمكّن الغرب وأدواته من وضع حد لحياة جمال عبد الناصر في ذلك اليوم الثامن والعشرين من أيلول سبعين، فإن الغرب قد أصيب بصدمة أفقدته صوابه عندما تناهت إلى أسماعه أصداء ثورة الياسمين، وعندما قرعت أذنيه أخبار ثورة الخامس والعشرين، فراح يبذل جهوده للالتفاف عليهما، ولحرفهما عن مساريهما، وراح يخلط الأوراق، وراح يوقظ خلاياه النائمة في كل أرض العرب، وراح يضرب يمنةً ويسرة، في محاولة لهدم كل قلاع العروبة في الوطن العربي، وراح يبذل الأموال الطائلة في محاولة لشراء ما يمكن شراؤه من فقراء هذا الوطن العربي، ومن معدَميه ومعوِزيه.. ولقد تمكّن _مع الأسف الشديد_ من تحقيق بعض أهدافه وأطماعه ومراميه، لقد حقق شيئًا من النجاح في هذا الاتجاه على الرغم من أنه يعلم يقينًا أن هؤلاء الفقراء والمعوزين والمعدمين هم _في الغالب_ ضحايا خططه ومخططاته، وهم _في الغالب_ ضحايا حصاره وتدخله في الشأن العربي الداخلي والخارجي، وتدخله المباشَر وغير المباشر في لقمة خبز المواطن العربي، وهم _في الغالب_ الثمار المرة لهذا الصراع المرير القائم في هذه المنطقة التي نكبها هذا الغرب برأس الجسر الذي أقامه في قلب الوطن العربي منذ أكثر من ستين عامًا، وهم _في الغالب_ ضحايا الجهل والجهلاء والجهالة العمياء التي كان لهذا الغرب اليد الطولى في ابتلاء أمة العرب بها.. ولئن كان الصراع على أشُدِّه اليوم في مصر، فإنه على أشده أيضًا ولكن بطريقة دموية مرعبة في سوريا التي يصر الغرب على استعادتها، وفرض وصايته عليها ليتسنى له إخضاعها وضمها إلى مشروعه الآثم فوق كل أرض العرب انطلاقًا من فلسطين، وانطلاقًا من دمشق قلب العروبة وراديوم التحرر والتحرير في هذه المنطقة من العالم.. دمشق التي تحلم هي الأخرى بإقامة المشروع العربي المضاد لمشاريعهم على أرض سوريا الطبيعية، وعلى كل أرض العرب انطلاقًا من سوريا، وانطلاقًا من وحدة مصرية سورية تكون نواةً لوحدة عربية كبرى لكل أرض العرب.

    هذه حكايتنا، بل هذه هي حكاياتنا في هذه المنطقة من العالم.. هم ريدونها إرثًا خالصًا لهم من دون الناس، ونريدها عربية حرة لا يَظلم فيها أحد ولا يُظلم.. لا يَعتدي فيها أحد ولا يُعتدى عليه.. يخضع فيها الناس جميعًا دون استثناء لرب واحد، وقانون واحد، وشريعة واحدة هي شريعة الحق والحب والعدل والسلام، ولو كره الكارهون.

8\6\2011

السبت، ٤ حزيران ٢٠١١

حزيران.. يا بوابة النصر على الأحزان!!

متابعات

حزيران.. يا بوابة النصر على الأحزان!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    إذا كانت النكبة الكبرى التي تجرعنا مرارتها في العام الثامن والأربعين من القرن الماضي قد أدت فيما أدت إليه إلى هزيمة العرب في العام السابع والستين من ذلك القرن، وإذا كانت كل جهود العرب التي بُذِلَت لاستعادة الحقوق خلال المسافة الفاصلة بين تلك النكبة، وتلك الهزيمة التي أعقَبتها قد باءت بالفشل والخسران على كل الأصعدة السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية والفكرية والتعبوية لأسباب كثيرة منها هذا الإنسان العربي المهزوم المأزوم المهزوز المقموع الكاذب المنافق الذي داست كرامته الأنظمة الاستبدادية التي أذلت الإنسان، وأضاعت الأوطان، وأثبتت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الأمة المهزومة المقهورة الممزقة المنقسمة على نفسها لا يمكن أن تردَّ عدوانًا، ولا يمكن أن تحمي أوطانًا، ولا يمكن أن تُعلي بنيانًا، كما أثبتت بما لا يدع أدنى مجال للشك أن الانتصارات المؤزرة لا تحرزها إلا الأمم القوية التي جمعت شملها عقيدة واضحة السمات والقسَمات والمعالم، ووحد كلمتها مبدأ أنار سواء السبيل للناس، وقادها نحو النصر على النفس أولاً وعلى الخصم الطامع المتربص ثانيًانظام أحق حقًّا، وأقام عدلاً، وأرسى دعائم إنصاف وعدالة ومساواة بين الناس، وأنار دربًا سديدًا، ونهجًا رشيدًا يسير عليه الحاكم والمحكوم بخطًى مبصرة واثقة يعرف كلٌّ من خلالها جيّدًا حدوده، ويعرف كلٌّ في كل خطوة يخطوها ما له وما عليه.. ووضع لها العلامات الواضحة والإشارات والتوجيهات والتعليمات على كل مساراتها ومداراتها ومساربها وطرقاتها وتوجهاتها وفضاءاتها، وفي كل شأن من شؤون حياتها دستورٌ لم يجامل، ولم يمالئ، ولم يحابِ أحدًا، ولم يرفع أحدًا على حساب أحد.. دستور وضع النقاط على الحروف من أجل ضمان العدل والعدالة، ومن أجل صنع أمة واحدة موحدة قوية تعيد صنع الحياة على هذه الأرض، وتعيد بناء الإنسان المتوازن المتزن المبدع القوي الفاعل في التاريخ.. إذا كان كل هذا صحيحًا، وهو صحيح، فإنّ العرب مطالبون- يقينًا- باستخلاص الدروس والعبر من كل تجارب الماضي، ومن كل هزائم الماضي التي عشناها، وعاشها كل أهل هذه الديار جيلاً بعد جيل.

    ولئن أخفقَ العرب، ولم يتمكنوا من فعل شيء لفلسطين والفلسطينيين قبل النكبة، وفي أثناء صناعتها وتجسيدها على أرض فلسطين، وفي السنوات التي أعقبتها أيضًا، فلأنهم كانوا (في غالبيتهم)، جهلَة منقسمين على أنفسهم متحالفين مع أعدى أعدائهم، تابعين للأجنبي، ينفذون خططًا ومخططات يرسمها الغرب لكل ديار العروبة والإسلام، ولأنهم لم يكونوا جادّين في فعل شيء، ولأن من كان منهم جادًّا سلط عليه الغرب أعوانه وأتباعه، ثم تدخل هو بنفسه للقضاء على طموحاته وأحلامه وآماله إن فشل الأعوان والأتباع... ولقد أسفرَ هذا كله، وكثير كثير غيره عن ضياع ذلك الجزء الأكبر من فلسطين في عام النكبة، وعن ضياع ما تبقى منها بعد ذلك في حرب حزيران.. شهر الآلام والإحباطات والانهيارات والأحزان.

     ولئن تمكن الفلسطينيون بعد تلك "النكسة" التي حلَّت بهم من فرض وجودهم على أرضهم المحتلة هذه بطريقة أو بأخرى، ولئن تمكنوا من رفع صوتهم بشكل أو بآخر في الشأن السياسي والاقتصادي والمعيشي والصحي والتعليمي، ولئن تمكنوا من حماية مدارسهم ومساجدهم وكنائسهم وعياداتهم ومشافيهم وأرضهم التي احتلها الآخرون أيضًا من كل أشكال التحكم والعدوان، ولئن تمكّن قادتهم وزعماؤهم المحليون من قول كلمتهم في كثير من شؤون حياتهم الثقافية والاقتصادية والسياسية والإدارية، ولئن استطاعوا (في كثير من الأحيان) أن يردّوا الصاع صاعين لهذا الاحتلال ولإدارته، ولأحلامه، وأطماعه، ومخططاته، التي تستهدف وضع اليد على هذه الديار وإنسان هذه الديار بمختلف الوسائل، وشتى الطرق والأساليب، وكافة أشكال الإغراء والإغواء والترغيب والترهيب، فإن هؤلاء المحتلين قد عمدوا إلى أسلوب مختلف للنيل من ثبات هؤلاء الناس على أرضهم، وللنيل من إصرارهم على تقرير مصيرهم بأنفسهم، وللنيل من جرأتهم على قول كلمتهم مهما كلف الأمر.. لقد عمدوا إلى محاولة فرض الحلول علينا في هذه الديار من خلال تسويات "كامب ديفيد"، ومن خلال حلول تضمن لهم البقاء في ذلك المحتل منذ عام ثمانية وأربعين، وتضمن لهم في الوقت نفسه وجودًا فاعلاً في المحتل منذ عام سبعة وستين وصولاً للسيطرة الكاملة عليه بمرور الوقت، وعلى مراحل كما هو معروف من خلال تجربة الفلسطينيين على الأرض منذ اتفاقات أوسلو التي عارضها كثير من الفلسطينيين هنا في المحتل من الأرض، وعارضها أيضًا معظم الفلسطينيين في دول المواجهة، وفي الشتات، وعارضها كذلك كثير من العرب في دول الطوق.

    ولقد كانت نتيجة ذلك كله أن ألقى الاحتلال بكل ثقله في اتجاهين: أما الأول فهو مضاعفة الجهود لتهويد القدس وتكثيف الاستيطان في معظم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأما الثاني فهو الدخول في مفاوضات هزلية لكسب الوقت من أجل تنفيذ المخططات والخطط التي تستهدف ابتلاع الأرض وزرعها بالمستوطنات، ومحاصرة المدن والقرى العربية حصارًا كاملاً أو شبه كامل مستفيدًا في هذا كله من تلك التقسيمات الأوسلوية لأرض الضفة الغربية، وتصنيفها بين (أ) و(ب) و(ج).. تلك التصنيفات التي نصت على أن مناطق (ج) البالغة مِساحتها 69% من أرض الضفة الغربية البالغة مساحتها (5879 كم2) هي مناطق إسرائيلية، وأن مناطق (ب) البالغة مساحتها 23% من مساحة هذه الضفة هي مناطق يخضع الأمن فيها للإسرائيليين، وأن 8% من هذه الضفة (470 كم2)، هي مناطق تحت حكم الفلسطينيين، ومع هذا فقد كان آخر اجتياح لهذه المناطق المصنفة (أ) هو ليلة القبض على حسام خضر ورفاقه ليل الأربعاء الخميس 2\6\2011، ولئن دلَّ هذا كله على شيء، فإن أول هذه الدلالات أن أوسلو لم تعطنا شيئًا أكثر من أن تكون مدن الضفة الغربية جيوبًا داخل أرض إسرائيل ليس إلا.

    ليس هذا ما جئت هنا لأقوله ونحن نحيي اليوم هذه ذكرى الرابعة والأربعين لحرب حزيران، ولأحزان حرب حزيران التي عشناها (نحن المتقدمين في السن) بكل ما فيها من رعب وخوف وحسرة وتمزق، ثم كانت إرادة الله أن تمتد بنا هذه الحياة لنرى هذين المؤشرين الكبيرين يلوحان في سماء هذه القضية الفلسطينية التي طال عليها الزمن.. هذان المؤشران لابد من التوقف عندهما قليلاً لنرى التحول في سير الحوادث والأحداث في هذه الديار منذ نشأة القضية الفلسطينية، مرورًا بحرب سبعة وستين، ولا أقول انتهاء بيومنا هذا من شهرنا هذا في بلدنا هذا، وإنما أقوله وصولاً إلى هذا الخامس من حزيران، بعد أربعة وأربعين عامًا بالكمال والتمام على ذلك الخامس الأسود الذي أحال حياتنا جحيمًا، ولا نزال نعيش كابوسه المرعب، وإن كنا قد وضعنا أرجلنا على بداية طريق قد يجعل من هذه الذكرى البشعة بوابة نصر على الأحزان، وبوابة نصر على اليأس، وبوابة نصر على الأوهام، وبوابة نصر للإنسان وللأوطان وللحرية ولإرادة هذه الشعوب العربية التي تصارع من أجل حريتها وكرامتها، ومنها وعلى رأسها ربما شعبنا العربي الفلسطيني بشقيه المقيم هنا على أرض الوطن، والمشرد في الآفاق هناك فوق كل أرض وتحت كل سماء.

     جئت هنا لأقول إن هذا الخامس قد أتى بشيء جديد كان قد أتى به سابقه الخامس عشر من أيار هو هذا المد الهادر، والموج الصاخب المتلاطم، والزحف الثائر الممتلئ قوة وعنفوانًا وإصرارًا على العودة إلى فلسطين!! صحيح أن الفلسطينيين والعرب الذين يشاركون في هذا الزحف إنما يريدون توجيه رسالة صارخة صاخبة هائجة مائجة إلى المجتمع الدَّوْلي كي يكف عن خوفه، أو تواطئه، أوتجاهله لحق الفلسطينيين في العودة، والعيش بكرامة فوق أرض وطنهم، والعيش بكرامة في مدنهم وقراهم ومزارعهم وديارهم التي أُبعِدوا عنها، وهُجِّروا منها عام ثمانية وأربعين، وعام سبعة وستين.. وإذا كانت هذه الرسالة قد وصلت، وإذا كان المجتمع الدولي قد فهم ما يريده الفلسطينيون والعرب المضيفون في أقطارهم المجاورة لفلسطين فإن تكرار مثل هذا الزحف ضروري في كل مناسبة كهذه لإرسال مثل هذه الرسائل إلى أن تتحقق أهداف هذا الشعب العربي الفلسطيني في العودة إلى أرضه وممتلكاته ودياره في فلسطين كل فلسطين، لأنّ هذا من حقه، ولأنّ هذا ما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية، ولأنّ هذا هو الحل، ولأنه بدون هذا قد لا يكون هنالك حل، وقد لا يكون هنالك سلم، وقد لا يكون هنالك أمن وأمان.. وإذا كنا حريصين على هذا كله توّاقين للسلام العادل فإن هذا ما ينبغي على المجتمع الدولي أن يعمل من أجل وضعه موضع التنفيذ.. وجئتُ هنا لأذكر باقتراح الجنرالات الصينيين، وبنصيحة ماوتسي تونغ لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك (أحمد الشقيري) إن أراد الفلسطينيون تحرير فلسطين، وبقي أن أشير إلى أن هذا الزحف الكبير قد يكون البداية لذاك الزحف الذي اقترحوه.. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن تحقيق هدف الفلسطينيين في العودة سيحول حتمًا دون حدوث ذلك الزحف الكبير وسيحول بالتالي دون وقوع كل هذه الضحايا التي تحدثت عنها وسائل الإعلام قبل ثمانية وأربعين عامًا من هذه الأيام.

    وجئت هنا لأقول إن ما أنجزه كل هؤلاء وأولئك، وإن ما حققه الغرب في مصر بعد وفاة عبد الناصر وحتى ثورة الخامس والعشرين من يناير الماضي قد تبدد، وقد عاد هذا الغرب بالتالي إلى المربع الأول، وإن كل ما بناه الغرب، وما سيبنيه أيضًا، وما يحاول بناءه هنا وهناك في مصر وفي تونس، وما يحاول أن يفعله في بعض أقطار العروبة لن يمكّنه من أعناق هذه الأمة، ولن يتمكن معه من إخضاعها، ومن السيطرة عليها ومن تقسيم أوطانها.. فها هي مصر تعود إلى العرب من جديد، وها هي تونس أيضًا تعود إلى الحظيرة العربية من جديد، على الرغم من كل جهود الغرب للعودة إليهما، وعلى الرغم من كل محاولات قِوى الثورة المضادة للانقضاض عليهما.. كما جئت هنا لاقول في هذا السياق إن كل ما يجري على أرض سوريا لن يعيد الغرب إليها، وإن النظام السوري الذي يتمسك به كثير من اللبنانيين، وكثير من الفلسطينيين، والغالبية الساحقة من السوريين، وكثير من العرب، وكثير من دول الشرق، وكثير من دول أمريكا اللاتينية، وكثير من شعوب العالم هو نظام للمقاومة العربية، والممانعة العربية، وهو نظام يحتفظ برصيد هائل وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا وفلسطينيًّا.. بقي أن أقول في هذا السياق أيضًا إن كثيرًا من السوريين مظلومون، وإن كثيرًا من السوريين هم ضحايا هذه الحرب العمياء التي كان وراء تفجيرها من كان، وما كان! وإن كثيرًا من السوريين المعارضين كانوا ولا زالوا ينطلقون من منطلقات وطنية، ولكنهم أخطأوا الوسيلة والأسلوب، فما كان لعربي أن يقتل عربيًّا، وما كان لشقيق أن يقتل شقيقه، وما كان لرفيق أن يقتل رفيقه، وما كان لسوري أن يقتل سوريًّا!! وبقي أن اقول في هذا السياق إن كثيرًا من المعارضين السوريين غاضبون بسبب عدم جدّيّة النظام في تحرير الجولان العربي السوري المحتل، وعدم جدية النظام في الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية، وإلى جانب شعب فلسطين العربي.. وإذا كان هؤلاء المعارضون السوريون جادّين في هذا، وإذا كانت منطلقاتهم عروبية وطنية إلى هذا الحد فإن ما يطمحون إليه هو تصحيح مسار النظام القائم، أو استحداث نظام سياسي جديد يتخذ من استراتيجية العمل العسكري السياسي وسيلة لتحرير الجولان، ووسيلة لتحرير فلسطين، وهذا معناه باختصار شديد أن الغرب سيجد في سوريا دائمًا قلعة للعروبة، وقلعة للمقاومة، وقلعة للممانعة، وقلعة للتحرير والتحرر، وقلعة لنصرة لبنان، وقلعة لنصرة فلسطين، وقلعة تقف لكل مشاريعه بالمرصاد لسبب بسيط هو أن سوريا دائمًا هي سوريا، وأن سوريا دائمًا ستظل عصية على الركوع والاستسلام، وستظل عصية على الطامعين المتربصين، وعلى الحالمين بالمشاريع الخيالية الخرافية على أرض أمة العرب!!

     يا حزيران.. يا بوابة النصر على الأحزان.. لقد علمتنا أن الشعوب هي التي تنتصر دائمًا.. لقد علمتنا أن الأمة العظيمة التي تصنع التاريخ هي الأمة القوية الحرة التي لا مكان فيها لجاهل أو متخاذل أو تابع أو مندس يُبطن خلاف ما يظهر.. وأن الأمة العظيمة هي الأمة التي تحدد أهدافها وغاياتها، وتسعى بثقة وقوة وحزم وعزم من أجل تحقيق هذه الأهداف والغايات، وهي الأمة التي تؤمن بالإنسان والإنسانية والسَّلم والأمن الدوليين وسيلةً لتحقيق سعادة الإنسان، وغايةً ينبغي أن يتعاون المجتمع الدولي من أجل وضعها موضع التنفيذ.

5\6\2011

 

 

الأربعاء، ١ حزيران ٢٠١١

رويدكم أيها المحتربون..!!

متابعات

رويدكم أيها المحتربون..!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    

   إن كنتم عربًا شرفاء مخلصين لكل قضايا العروبة في سائر أقطارها وأمصارها، ولكل قضايا المسلمين، وما أكثرها!.. وإن كنتم عربًا تؤمنون بحق هذه الأمة العربية الماجدة في الحرية والوحدة والتقدم والعيش الكريم في هذا الوطن العربي الكبير.. وإن كنتم عربًا متعلمين مثقفين متنورين يحترمون أنفسهم، ويدركون حقيقة ما يجري على أرض وطنهم من حوادث وأحداث يندى لها الجبين، وترفضها كل الشرائع والتشريعات والقيم والمبادئ والمعتقدات السامية النبيلة التي تحرم على الإنسان دماء أخيه الإنسان وعِرضه وماله وكافة حقوقه في العيش الآمن الكريم، وإن كنتم عربًا تبتغون العزة لأوطانكم، والكرامة والمنَعة لإنسانكم وبنيانكم.. وإن كنتم قومًا راشدين عُقلاء كرامًا يعلمون علم اليقين أن ما يجري في أوطانهم من قتل ودمار وتخريب وتشريد وعدوان وسفك للدماء هو أكثر من عار، وأكثر من صفحات مظلمة سوداء في تاريخ هذه الأمة، وأكثر من عيب، وأكثر من عهر، وأكثر من كفر بحق الوطن والمواطن والأخلاق والقيم والاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة والفكر والأدب والدولة بمعناها الشامل الكامل المتكامل، وبكل ما تشتمل عليه من منشآت ومؤسسات، وبكل ما لها على الناس من حقوق، وما عليها تجاههم من واجبات، وبكل ما عليها من مسئوليات وتبعات، وعلى رأسها جميعًا واجب حماية الوطن وتطويره، والنهوض به، وبنائه، والرد على التحديات التي تواجهه، وتقف في سبيل رِفعَتِه وتقدمه وازدهاره، وواجب حماية المواطن، والعمل من أجل خدمته، ورِفائه، وتقديم كافة ضرورات العيش، وأساسيات الحياة وكمالياتها أيضًا لهذا المواطن.. إن كنتم يا إخوتي العرب في الشارع العربي، وفي المؤسسة العسكرية العربية، وفي المؤسسة المدنية العربية أيضًا، وفي الجامعة والجامع والمصنع والمزرعة والقرية والمدينة، وفي الشمال والجنوب، وفي الشرق والغرب، وفي الساحل والجبل والسهل والبادية.. إن كنتم يا إخوتي العرب في كل شبر وزاوية ومكان من أرض العرب شرفاء غيورين تحبون أوطانكم، وتؤمنون بحق شعوبكم في الحرية والاستقلال والعيش الكريم فكونوا على مستوى المسئولية، وكونوا على مستوى هذا الإيمان: كفُّوا عن الاقتتال في الحال، كفوا عن الاحتراب وسفك الدماء، كفوا عن التبعية للأجنبي، كفوا عن كل أشكال القتل والحرق والتخريب والتدمير وإشاعة البلبلة والفوضى والاضطراب والعربدة.. ثوبوا إلى رشدكم، وعالجوا أموركم بالحكمة والحوار والتفاهم.. لا تنسَوا أنكم جميعًا إخوة وشركاء في كل أوطان العروبة، ولا تنسَوا أنكم جميعًا مسئولون عن كل أوطان العروبة، وعن كل مواطنيها دون استثناء.. حددوا أهدافكم وغاياتكم.. اطرحوا أفكاركم ومشاريعكم وتصوراتكم بكل الصدق والجلاء والوضوح والصراحة والشفافية.. حكّموا عقلاءكم وأمناءكم وشرفاءكم ومثقفيكم ومفكريكم وأهل الرأي والتجربة منكم في كل أموركم، وفي كل المسائل الخلافية قديمها وجديدها.. ارسموا جميعًا تلك الصورة المشرقة الجميلة للوطن المشرق الجميل الذي تعيش أجيالكم على أرضه بمحبة وأمن وأمان واستقرار وتقدُّم.. فوِّتوا الفرصة على أعدائكم المتربصين بكم الدوائر للقضاء عليكم، والتحكم بأوطانكم وإنسانكم، وهدم كافة مكاسبكم ومكتسباتكم تحت مسميات كاذبة، وسرابٍ خادع يحسبه الظمآن ماءً وما هو كذلك، ووعود برّاقة ظاهرها قد يكون فيه شيء من الرحمة ولكن باطنها من قِبَله العذاب، وأيُّ عذاب!! لا تُصغوا لكل وعود هؤلاء وأولئك.. واعلموا _يا قوم_ أن طريق الاقتتال والاحتراب والعنف والأحقاد والتبعية والتخريب وسفك الدماء والتدمير والتشريد والعدوان بكافة أشكاله وصوره لا يمكن أن تؤدي إلى حلول عملية، وسلام اجتماعي يعود على الوطن والمواطن بأدنى خير أو فائدة.. لا تبيحوا لأنفسكم ما تحرمونه على غيركم مهما أوتيتم من قوة الحجة وبلاغة الأسلوب وسحر البيان.. واعلموا أن البلد لكل مواطنيه، فلا يجوز لأحد أن يتفرّد بالسلطة، وأن ينفرد بالقرار.. ولا يجوز لأحد أيضًا أن يستعين بكل من هبَّ ودبَّ للتصدي لخصمه السياسي بغض النظر عن كافة المخاطر التي ينطوي عليه عمله، وبغض النظر عن كل النتائج المترتبة على عمل كهذا!! لا يا قوم.. لا تفعلوا اليوم ما تندمون على فعله غدًا، وما دام أهل مكة أدرى بشعابها ( كما قال عقلاء هذه الأمة، وكما يقولون أيضًا) فإن الحل ممكن، وإن إنقاذ الموقف ممكن، وإن وضعَ نهاية لهذه المأساة ممكن، وإن فتح صفحة جديدة في هذا القطر العربي أو ذاك أمر ممكن إذا وُجِدت الرغبة الصادقة، والنوايا الحسنة، وإذا كفَّت سائر أطراف الفتنة عن تشدّدها وتطرفها وإصرارها على مواقفها، وإذا أقسمَتْ جميع الأطراف على الوفاء لمنظومة القيم والأخلاق والمبادئ والمُثُل العليا لأمة العرب، وإذا أقسمت جميع الأطراف على الولاء لكل ثوابت العرب، ولكل أهدافهم في الوحدة والحرية والتحرر والتحرير وإقامة المشروع العربي الذي لا بد من إقامته على كل أرض العرب.

     يا أحرار العروبة! ويا كل شرفائها! يا كل رجالها ونسائها وشيبِها وشبابها! يا كل فئاتها وشرائحها ونُخَبها وعناوينها! يا أهل الفكر والرأي من أحرارها وحرائرها! يا كل العرب الأباة! قولوا كلمتكم.. وحددوا أهدافكم وغاياتكم، وأصدروا بياناتكم ونداءاتكم، وأدينوا العدوان والمعتدين بكل الصدق والصراحة والوضوح، واعملوا في الحال على إصدار وثيقة شرف تصوغونها وترضَوْنها لأنفسكم ولأمتكم العربية العظيمة من محيطها إلى خليجها توقّعون عليها، وتطلبون من كافة الأطراف أن تلتزم بها.. وثيقة شرف تحرّم الاحتراب والاقتتال، وتدعو إلى رأب الصدع، ووضع حد لكل هذه المهازل والفتن التي ابتلِيَ بها كثيرٌ من الناس، وابتلي بها هذا القُطر أو ذاك من أقطار العروبة بعد أن قطعَتْ هذه الأمة في بعض أقطارها أشواطًا بعيدة على دروب التحرر والتحرير والإصلاح والانعتاق من قيود الفساد وسيطرة المفسدين المستبدين المتواطئين على أمة العرب من محيطها إلى خليجها.. وثيقة تجمع ولا تفرِّق، تبني ولا تهدم، وثيقة تقول صراحةً إن الوطنَ لكل أبنائه المقيمين فيه، والبعيدين عنه أيضًا بحكم العمل والحصول على لقمة العيش.. وثيقة تنصُّ صراحة على أن لهؤلاء الأبناء من المقيمين خارج أوطانهم أيضًا حق المشاركة في تقرير مصيرها، وفي صنع مستقبلها، وفي إنقاذها مما هي فيه من رعب وخوف وفزع ودمار وعنف وسفك دماء.. فمتى سيحدث هذا؟ ومتى سيعود أبناء العروبة إلى أوطانهم يساهمون في بنائها وتطويرها وإشاعة الأمن والحياة والحب والحرية والأمن والأمان في ربوعها؟؟.

31\5\2011