عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الخميس، ١٣ كانون الثاني ٢٠١١

تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا

تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا

تأليف : فيصل أبو خضرا

                                                              تقديم: عدنان الســمان

 (الحلقة الأولى )

    ما أجمل هذا الحوار الذي دار بين الكاتب رجل الأعمال الفلسطيني " فيصل أبو خضرا" مؤلف هذا الكتاب، و" أبراهام" الطبيب الأميركي اليهودي المولود في بولونيا، والذي جاء به أهله مع إخوته إلى "إسرائيل" بعيد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في العام (1950) أي في الفترة التي كانت فيها أسرة " أبو خضرا" وغيرها من الأسر الفلسطينية تُرغم على مغادرة يافا وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية في أعقاب حرب (1948م).

    يتوجه المؤلف إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج، ويدخل أحد المشافي هناك حيث تُجرى له عملية جراحية ناجحة، يترتب عليه بعدها قضاء فترة نقاهة يكون فيها إلى جانب الأطباء(1)... ويشاء القدر أن يكون "أبراهام " هو الطبيب الذي أنيطت به مهمة الإشراف على "فيصل" خلال هذه الفترة التي نفد فيها صبر المؤلف، وغلبه الحنين إلى الوطن والأهل والعمل... ويسمح الطبيب بذلك شريطة التزام "المريض" بتنفيذ التعليمات .. متمنياً له سفراً هادئاً (2)، ويضيف " أبراهام" مخاطباً "فيصل" :

-        لا تنس أن تتمتع بشمس الشرق، ومياه البحر الأحمر، فإن الله قد منحكم هبات لم يمنحها للآخرين.

-        من أين عرفت أنني ذاهب إلى الشرق والشمس والبحر الأحمر؟

-   من ملفك الذي عندنا في المستشفى، عرفت أنك سعودي من أصل فلسطيني.. وأنا أيضاً أعرف يافا(3) المدينة الساحلية التي تغتسل شوارعها بمياه البحر المتوسط.

-        وهل أنت فلسطيني يهودي؟

-        أنا يهودي إسرائيلي.

-        تقصد أنك من أصل أوروبي.

-        أنا إسرائيلي ولدت في بولونيا، وجاء بي أهلي مع إخوتي إلى إسرائيل بعيد الحرب العالمية الثانية.

-        متى بالضبط؟

-        في العام 1950، وكنت في التاسعة من عمري.

-        ما الذي جاء بك إلى الولايات المتحدة؟

-        إن ظروف إسرائيل ليست جميعها على أحسن ما يرام، فنحن أيضاً نعاني من هجرة مضادة.. وأنا هنا

-   منذ ثمانية عشر عاماً(4) تابعت اختصاصي هنا، وحملت الجنسية الأميركية، لكن أهلي في إسرائيل.. قل لي: هل توافق على وجود دولة يهودية في إسرائيل؟

-        أتريدني أن أكون صريحاً معك؟ لا، لا أوافق على ذلك.

-        إذن أنت تطالب بهلاك الدولة اليهودية.

-        لا.. بل إنني أطالب بالدولة الديمقراطية التي تضم يهوداً ومسلمين ومسيحيين.

    ويستمر هذا الحوار بين الرجلين متناولاً فكرة الدولة الديمقراطية، والسماح لبقية الأديان أن تتمثل في الحكم.. وواقع التمثيل الحالي، وكم هو مجحف بحق العرب .. وتشبيه إسرائيل باللص الذي يُقدم على سرقة.. فهو يريد الاحتفاظ بسرقته، ويريد أن يبقى بعيداً عن أيدي أصحاب البيت... ولكن "أبراهام" يرفض هذا التشبيه الذي ساقه المؤلف مشيراً إلى أن أصحاب البيت في الأصل هم اليهود الذين سُرق البيت منهم!! ويدور الحوار بينهما حول ازدواجية الجنسية: فأبراهام من مواليد بولونيا، ويحمل الجنسية الإسرائيلية، ثم يرتحل إلى أميركا.. ويحمل جنسيتها أيضاً.. ويوضح المؤلف الفرق بين حالة "ابراهام" (ومثله ملايين اليهود الذين يحملون الجنسيتين) وحالته هو، ومثله ملايين الفلسطينيين العرب الذين هُجِّروا من فلسطين ، وحمل كثير منهم جنسيات بعض الأقطار العربية أو الأجنبية.. ويشمل الحوار بين الرجلين كثيراً من القضايا تناولها المؤلف بأسلوب ممتع مقيماً الدليل على صحة وجهة نظره.. مركّزاً على قوتهم وضعفنا.. وعلى أمور كثيرة أخرى في جوهر الصراع العربي الإسرائيلي.

    ينتقل المؤلف بعد هذا الحوار الطريف ليكتب في العلاقة الأميركية – الصهيونية، موضحاً " أن الولايات المتحدة قدّمت لإسرائيل بين 1948 و1990(5) من المساعدات الرسمية، والمعونات الخاصة، والاعتمادات الطارئة، والتعويضات، والمنح الأخرى ما يقدر ب(148)مليار دولار . ومن دون هذا الدعم، لم يكن بمقدور الدولة العبرية الاستمرار الاقتصادي، ولا توطين موجات المهاجرين اليهود القادمين إليها في الأربعين عاماً المنصرمة، وخصوصاً لم يكن بمقدورها بأي شكل خوض حروب: 1956و1967و1973و1982، أو تحمل أي من تبعاتها العسكرية والاقتصادية ، أو أي من مراميها التوسعية".. وهذا يعني أن ما تحصل عليه إسرائيل من برنامج المعونات الخارجية الأميركية، هو أكثر من ربع معونات هذا البرنامج للعالم كله، وما تحصل عليه إسرائيل من المساعدات الأميركية يفوق نصف المعونات الخارجية الأميركية للعالم أجمع.. مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل المساعدات الأميركية لإسرائيل هي هبات منذ عام 1985، وهي غير خاضعة للتقليصات التي يمكن أن تطرأ على برنامج المساعدات الخارجية، بموجب استثناء رسمي من الكونغرس.

    ويجب أن لا يغيب عن بال أحد أن المعونات التي تقدمها الولايات المتحدة للدنيا كلها – باستثناء إسرائيل- هي معونات مشروطة أو مغرضة أو لأهداف سياسية معينة في أغلب الأحيان.. أما المعونات الأميركية لإسرائيل فأمر مختلف كما سنرى في فصول قادمة من هذا الكتاب... ويبقى السؤال المطروح: أيهما المستفيد الذي يسخّر الآخر لأهدافه ومآربه أميركا أم إسرائيل؟

    يشير المؤلف(6) إلى أن اليهود في الولايات المتحدة يعيشون في المدن الكبيرة وبخاصة في نيويورك التي يعيش فيها مليون ومئتا ألف يهودي(7)، ولوس أنجلس حيث يعيش فيها نصف مليون يهودي... وهناك جاليات يهودية كبيرة في شيكاغو وميامي وبوسطن وبالتيمور وكليفلند وديترويت وسان فرانسيسكو... كما أن غالبية اليهود الأميركان تقيم في ولايات الشاطئ الأطلسي الشمالي، وبخاصة في كاليفورنيا وفلوريدا (تضم ولايتا نيويورك وكاليفورنيا وحدهما  حوالي نصف مجموع اليهود الأميركيين.. وهذا يعني أن تواجد اليهود في المدن الكبيرة، وفي الولايات ذات النفوذ يقوي من قدرتهم على التأثير على مواقع صنع القرار في الولايات المتحدة.

    وفي معرض حديثه عن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة يوضح "فيصل أبو خضرا" أنه يقوم على هذا المجتمع اليهودي المتمركز داخل أميركا، والمتّسم ب " ازدواجية الولاء" للدولة الأميركية ولإسرائيل.. وهذا المجتمع اليهودي هو القاعدة البشرية والسوسيولوجية والتاريخية التي تستند إليها، وتنطلق منها التحركات الصهيونية(8)... هذا اللوبي بمعناه الواسع يتكون من مئات التنظيمات، والجمعيات اليهودية العاملة داخل المجتمع اليهودي الأميركي... أما اللوبي الإسرائيلي الـ"ايباك" فهو أهم هذه اللوبيات، وهو اللوبي الإسرائيلي الرسمي.. وهناك تنظيمان يهوديان مركزيان على الأقل يمر الضغط النهائي عبرهما أيضاً هما: " مجلس المنظمات اليهودية" الذي يضم ممثلين عن حوالي (115) منظمة يهودية إقليمية ووطنية. و"مؤتمر الرؤساء" الذي يضم رؤساء حوالي ال (48) منظمة الأكثر نفوذاً... وهذه الأطر التنظيمية الثلاثة العليا (المتداخلة أيضاً فيما بينها) تشكّل قمة الهرم لمئات التنظيمات اليهودية الأميركية العاملة في اتجاه الهدف الواحد نفسه: دعم إسرائيل بكل الوسائل، وعلى رأسها توفير الدعم المادي لإسرائيل عبر الدولة الأميركية، وعبر المجتمع اليهودي الأميركي، والقوى المتضامنة معه في المجتمع المدني.. وتوفير المساعدات العسكرية والتكنولوجية في أزمنة الحرب والسلم.. وتوفير الغطاء السياسي الأميركي لكل ما تقوم به إسرائيل.. وإدخال العامل الإسرائيلي إلى مجمل سياسات أميركا الخارجية.. ومنع المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية عن العرب.. وتشويه صورة العرب.. والعمل على إضعاف شأنهم في كل الميادين.. أما الوسائل فهي "المال اليهودي.. صنع الأفكار وترويجها إعلامياً.. الصوت اليهودي الانتخابي.. الثواب والعقاب: من إثراء وإفقار، وترغيب وترهيب، وترقية ومحاصرة ، إلى التهديد بالعنف الجسدي.

    وبعد أن ينتهي المؤلف من هذه المقدمة في العلاقة الأميركية – الصهيونية يدخل في صلب الموضوع حيث يقسمه إلى ستة فصول تبحث في "العلاقة الخاصة" والأزمنة الجديدة، وهذا هو الفصل الأول. أما الفصل الثاني فيبحث في الـ"دياسبورا" اليهودية في العالم. ويبحث الفصل الثالث: في "اليهود الأميركيون" .. والفصل الرابع يبحث في اللوبي  الصهيوني في واشنطن.. والفصل الخامس في الغايات والوسائل.. أما الفصل السادس فقد خصصه المؤلف للبحث في الدعم الأميركي لإسرائيل.

الفصل الأول

العلاقة الخاصة والأزمنة الجديدة

 

    يتحدث المؤلف في هذا الفصل عن الأهمية البالغة لمطلع العقد الأخير من القرن الماضي حيث شهدت تلك الفترة انهيار الاتحاد السوفياتي، وانفراط عقد المنظومة الاشتراكية، وسيطرة الولايات المتحدة – بالتالي- على هذا الكون لأول مرة في تاريخها على هذا النحو غير المسبوق.. حتى أن المؤلف قد سمّى ما كان يحدث في تلك الفترة من إعادة رسم كامل للعالم ( أمام نظرنا) عالم ما بعد "الحرب العالمية الثالثة" هذه الحرب التي انتهى معها عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية(9).

    من الطبيعي أن يناقش المؤلف آثار ما حدث على الساحة الفلسطينية والعربية ، وعلى الصراع المزمن في ديارنا هذه .. فأطفال الحجارة يحرجون الإسرائيليين أيما إحراج، ويفضحون الطبيعة العدوانية للدولة العبرية... وحرب الخليج تدمي بلاد العرب، وتدمر العراق والكويت في آن واحد.. والباب يُفتح على مصراعيه أمام هجرة اليهود السوفيات إلى هذه البلاد... وما دام الاتحاد السوفياتي قد انهار.. وما دام العرب منشغلين بخلافاتهم وأمراضهم المستعصية المزمنة.. ومادامت أميركا قد دخلت الوطن العربي من أوسع الأبواب .. فما الذي يمكن أن تقدمه "إسرائيل" للولايات المتحدة؟ وما هي الخدمات التي يمكن أن تقدمها للغرب؟ لو كانت المسألة منطقية لقضي الأمر، وعادت الأمور إلى نصابها، أو ما يشبه نصابها.. ولكنها ليست كذلك، فلا المقدمات تؤدي إلى النتائج، ولا النتائج ناتجة عن المقدمات!! إنها حسابات من نوع آخر.. حسابات خاضعة لتصرف ذلك اللوبي الضاغط دائماً وأبداً وباستمرار لصالح "إسرائيل" حتى لو كان الصراع مع أميركا نفسها!!! ومعركة المليارات العشرة بين الرئيس الأميركي بوش، ورئيس الحكومة الإسرائيلية (آنذاك) اسحق شامير التي وقعت جولتها الأولى الحادة في شهر أيلول 1991 خير شاهد على صحة هذا القول، وبصرف النظر عن النتائج النهائية التي أسفرت عنها تلك المعركة التي دارت داخل الكونغرس الأميركي بين بوش وشامير إلا أن مجرد حدوث تلك المواجهة دليل قاطع على مدى نفوذ ذلك اللوبي وتمكنه.. ودليل قاطع على مدى اعتماد قادة إسرائيل على فعل هذا اللوبي، ونفوذه الخيالي داخل الولايات المتحدة... صحيح أن تلك المواجهة أسفرت يومها عن تأجيل البحث في المسألة لمدة (120) يوماً على مستوى الكونغرس، وعلى مستوى الرأي العام الأميركي.. وصحيح أن اللوبي الصهيوني يومها قد تراجع تكتيكيَّاً في تلك الجولة، وتراجع مؤيدوه في الكونغرس... ولكن صحيح أيضاً أن الأمور قد اختلفت تماماً .. وكان للإسرائيليين أكثر مما يريدون بكثير في قادم الأيام بفعل ذلك اللوبي، ولأسباب أخرى كما سنرى في فصول قادمة من هذا الكتاب.

يتبع ......

 

 

 

 

تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا

تأليف : فيصل أبو خضرا

                                                                      تقديم: عدنان الســمان

 (الحلقة الثانية )

الـ "دياسبورا" اليهودية في العالم

    الـ "دياسبورا" "تعني الشتات"، وهي تعبير يوناني، وإن التصق تاريخياً باليهود قبل أن يبدأ استعماله حديثاً بالنسبة لعدة أقوام(10)... ويرجح المؤلف أن عدد اليهود في العالم يتراوح بين اثني عشر وأربعة عشر مليوناً (12-14) يستقر سبعة ملايين منهم في الولايات المتحدة وأوروبا مندمجين في مجتمعاتهم، ولا تفكر أكثريتهم الساحقة بالهجرة إلى "إسرائيل" حيث يعيش فيها اليوم نحو خمسة ملايين ونصف المليون يهودي أي نحو اثنين وأربعين بالمئة من إجمالي عدد اليهود في العالم.. أما يهود الولايات المتحدة فيبلغ عددهم ستة ملايين يهودي.. لقد انتقل الثقل اليهودي في العالم من الشرق إلى الغرب وإسرائيل بعد أن انهار هذا الوجود في أوروبا الشرقية والوسطى ، بسبب الاضطهاد الجماعي لليهود على يد النازيّة، وفي العالمين العربي والإسلامي، بسبب الهجرة إلى فلسطين، وتركز في إسرائيل "بعد قيامها" من جهة، وفي القارة الأميركية بشمالها وجنوبها، وفي أوروبا الغربية من جهة ثانية ... وهكذا كانت الغالبية العظمى من اليهود الذين اتجهوا إلى الإقامة في الكيان الصهيوني هي من يهود أوروبا الشرقية، والبلدان العربية.. أما يهود أميركا وأوروبا الغربية المندمجون في مجتمعاتهم، وفي أنظمتها السياسية والثقافية فقد ظلوا في غالبيتهم العظمى خارج حركة الهجرة إلى إسرائيل الأمر الذي حدا بديفيد بن غوريون أن يصف اليهود الباقين خارج إسرائيل بالذين" لا إله لهم"(11) طالباً منهم القدوم إلى إسرائيل التي إنما أقيمت لتكون دولة ليهود العالم جميعاً.. ومما قاله بن غوريون أمام "ندوة القدس الأيديولوجية" التي نظمتها "المنظمة الصهيونية العالمية": "إن صهيونتي بُنيت على الاعتقاد بأننا لسنا جزءاً من الشعوب التي نقيم بينها" ... على أن هذه الدعوات جميعها لم تؤت أكلها، بل إن اليهود الأميركيين يعتبرون أن "أرض الميعاد" لديهم هي أميركا نفسها.. وهكذا يؤمن، معظم اليهود باستحالة تجميعهم في مكان واحد.. بمعنى أن حالة الشتات الراهنة ليست حالة استثنائية ، ولا ظاهرة شاذة، وإنما هي حقيقة ثابتة ميزت التاريخ اليهودي على الدوام... ويسوق المؤلف أمثلة كثيرة من التاريخ يؤيد بها هذه الحقائق.

    إن الدعوة الصهيونية لتجميع يهود العالم في "وطن قومي"(12) لم تكن تعبّر في شيء عن "الرغبة الطبيعيه" لدى ال "دياسبورا" اليهودية، ولم تكن تجسّد أماني هذه ال "دياسبورا"، والذين وقفوا مع الصهيونية في بداياتها، وعلى مدى الثلث الأول من القرن العشرين، كانوا قلة من اليهود الروس والبولونيين، بينما ظلت الأكثرية الساحقة من يهود العالم مناوئة للدعوة الصهيونية، أو غير مبالية بها.. وذلك على الرغم من تبني بريطانيا العظمى لهذه الدعوة، ووضعها وسائلها الاستعمارية في خدمتها... ولولا ظهور النازية ، وما مارسته من اضطهاد جماعي لليهود لما استطاعت الحركة الصهيونية أن تلقى آذاناً صاغية لدى المجتمعات اليهودية في العالم... ومسألة "الالتقاء الموضوعي" بين النازية والصهيونية على إخراج اليهود من أوروبا، كانت ولا تزال موضع اهتمام كثير من البحّاثة والمؤرخين، لما تنطوي عليه من فصول مذهلة... ويوضح المؤلف مواقف كثير من رجال الدين اليهود من هذه القضية، فيذكر أنه قبل أن ينعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة "بال" بسويسرا سنة 1897 بدعوة من ثيودور هرتزل كان "بيان بيتسبرغ" الذي صدر عام 1885، والذي رفضت فيه الحركة اليهودية الإصلاحية الأميركية فكرة تأسيس دولة يهودية... ولقد أعلن "مؤتمر مونتريال" المنعقد سنة 1897 رفضه الكامل " لكل مبادرة تهدف إلى خلق دولة يهودية" مؤكداً على أن غاية اليهودية "ليست سياسية، ولا وطنية ، بل روحية"، وهي تهدف إلى بعث "السلام والعدل والمحبة" بين البشر... وظل هذا الموقف حتى الحرب العالمية الثانية هو موقف غالبية رجال الدين اليهود في العالم.

    ويشير المؤلف إلى أن النهضات اليهودية إنما برزت في بابل القديمة، ثم في بغداد العربية في عهود الإسلام، وبخاصة منذ القرن التاسع للميلاد، ووصلت إلى ما يعرف بعصرها الذهبي في الأندلس العربية... هذه النهضات كانت مرتبطة باستمرار بالانفتاح الإنساني، وبالتفاعل الخلاّق مع بقية التراثات.. وليس بالتقوقع السياسي العقيم على النفس!! مؤكداً على أن المشروع الصهيوني لم يكن قادراً على الوصول إلى التنفيذ العملي "للدولة اليهودية" لولا النازية.. والعقبة الأهم التي كانت تعترضه هي اليهود أنفسهم.. فهذا المشروع لم يعبّر عن أمانيهم، ولا عن مصالحهم في أكثريتهم العظمى(13).

    ويخلص المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى الاستنتاج بأن يهود ال "دياسبورا" اليوم يشعرون أن إسرائيل هي مصدر قوة لهم.. ويشعر يهود إسرائيل أن ال "دياسبورا" هي معينهم الوحيد الثابت في العالم، " إن إرادة الحياة اليهودية لدى ال "دياسبورا" تتوقف إلى حد بعيد على وجود إسرائيل ، كما أن القدرة على الحياة لدى دولة إسرائيل تتوقف إلى حد بعيد على وجود الدياسبورا"...

    ومن جهة ثانية يشعر اليهود الإسرائيليون أنهم هم الذين هاجروا إلى "إسرائيل" وهم الذين يواجهون "التحديات والأخطار"، بينما يقبع يهود الغرب في مجتمعاتهم المزدهرة، ويرفضون التخلي عن نمط حياتهم.. في الوقت الذي تشعر فيه ال "دياسبورا" بالعبء المعنوي الإسرائيلي الذي هو مصدر قلق دائم لها.. ذلك أن المكان الوحيد الذي تسقط فيه منذ الحرب العالمية الثانية آلاف الضحايا اليهودية هو "دولة إسرائيل" .. وأقل ما يقال في هذا الوضع المشوب بالقلق والخطر الدائمين أنه ليس هو الحل الأمثل للمسألة اليهودية".(14)

الفصل الثالث

اليهود الأميركيون

   في خطاب ألقاه بنيامين فرانكلين عام 1789 يقول ما يلي: "... أينما حل اليهود هبط المستوى الأخلاقي  والشرف التجاري، فقد ظلوا دائماً في عزلة لا يندمجون في أي أمة ، يدفعهم الشعور بأنهم مضطهدون إلى خنق الأمة اقتصادياً كما حدث في إسبانيا والبرتغال.. فإذا لم تقصهم الولايات المتحدة عن دستورها فسنراهم في أقل من مئة عام يقتحمون هذه البلاد، لكي يسيطروا عليها ويدمروها، ويغيروا نظام الحكم الذي سالت من أجله دماؤنا..."(15) فهل كان فرانكلين محقاً في قوله .. وهل وضع اليهود أيديهم فعلاً على الولايات المتحدة؟

    لم يكن عدد اليهود في الولايات المتحدة يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف عند إعلان الاستقلال عن بريطانيا في الرابع من تموز من عام 1776، ولقد وصل عددهم إلى أربعة آلاف عام 1820.. وقد ضمن الدستور الأميركي المساواة التامة بين الأفراد، وأصبح كثير من اليهود من أصحاب الأراضي وكبار التجار.. واتجه بعضهم إلى العمل في مجال النشاطات المالية والعقارية، فأنشأوا شركات تأمين، وعملوا في أسواق الأسهم والسندات ، وقطاع الصناعة، وفتحوا المصارف.. كما مارس بعضهم عام 1820مهناً جديدة مثل القانون والطب والهندسة والتربية والصحافة... وفي عام 1826 أصبح عددهم ستة آلاف .. ثم أًصبح خمسة عشر ألفاً عام 1840.. ومئة وخمسين ألفاً عام 1860.. ومئتين وثمانين ألفاً عام 1880.. أما أضخم الهجرات اليهودية إلى أميركا، وأكثرها تأثيراً في تكوّن المجتمع اليهودي فيها فكانت هجرة يهود أوروبا الشرقية التي تمّت بين عامي 1881-1921 حيث وصل إلى الولايات المتحدة خلال تلك الفترة 2.5 مليون (مليونان ونصف المليون) من أنحاء أوروبا الشرقية.. وفي عام 1924 أصبح عددهم 4ملايين و200 ألف نسمة (أربعة ملايين ومئتي ألف نسمة) ولولا أنظمة ال "كوتا " التي فرضتها الولايات المتحدة على الهجرة بعد ذلك بقليل لتضاعف عدد اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية.. ومن الجدير بالذكر أن المراجع اليهودية في أميركا لم تعارض قانون ال "كوتا" لسبب بسيط هو خوفها من وصول مزيد من يهود أوروبا الشرقية التّعساء غير المؤهلين علميّاً ومهنياً في ظروف اقتصادية أميركية صعبة لم تلبث أن أدت بعد سنوات قليلة إلى أزمة 1929 الاقتصادية الكبرى، وهي أخطر أزمة عرفتها أميركا، وعرفها العالم الرأسمالي في تاريخهما ، هذه الأزمة التي استمرت حتى عام 1933.

    لقد استمرت أميركا في الحد الصارم من الهجرة اليهودية إليها بين عامي 1935-1948 بالرغم من الاضطهاد الجماعي الهائل الذي تعرض له اليهود الألمان والبولونيون وسواهم في الحرب العالمية الثانية.. وبالرغم من معرفة أوساط الحلفاء بما كان يتسرب ويتأكد من أخبار ال "هولوكوست" ... كذلك لم يتحرك اليهود الأميركيون بصورة ملموسة لفتح أبواب أميركا أمام اليهود الأوروبيين ... وأكثر من ذلك.. فقد عمل الصهيونيون ما بوسعهم من أجل إفشال "مؤتمر افيان" في فرنسا ، والذي عقد عام 1938 من أجل نقل اليهود الهاربين من الاضطهاد إلى بلدان آمنة.. ونستعيد هنا كلمة بن غوريون الشهيرة في كانون الأول 1938 : " لو علمت أنه يمكن إنقاذ كل الأطفال اليهود الألمان بنقلهم إلى انجلترا، أو إنقاذ نصفهم فقط بنقلهم إلى " أرض إسرائيل" لفضلت الحل الثاني على الأول، وأخذت به"..!!(16)

    إن الغالبية العظمى من اليهود كانت راغبة فقط في الاندماج الكامل في الحياة حيث تقيم، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية.. ولم تكن تفكر في غير ذلك.. وكانت تعارض الصهيونية في دعوتها لتجميع اليهود في دولة واحدة هي دولتهم أو دولة إسرائيل، أو الدولة اليهودية... ولعل بيان "بيتسبرغ" الصادر عام 1885 عن رجال الدين اليهود الأميركيين الإصلاحيين من أفضل الشواهد على ذلك حيث يقول البيان:" لسنا أمة، بل جماعة دينية.. وبالتالي ليس من تَوق لدينا للعودة إلى فلسطين، أو لتقديم الذبائح والقرابين المتعلقة ببناء الدولة اليهودية"... حتى أن الحركة الصهيونية لم تكن قادرة قبيل الحرب العالمية الأولى على التأثير إلا على أقلية ضئيلة (حوالي عشرين ألفاً) من أصل المليونين ونصف المليون يهودي أميركي.. وكانت "اللجنة اليهودية الأميركية" التي تشكّلت عام 1916 مناوئة تماماً للدعوة الصهيونية ... ولم يتمكن الصهيونيون من البدء بمد نفوذهم في المجتمع اليهودي الأميركي إلا مع صعود النازية .. حيث اتخذ" المؤتمر المركزي للحاخامين الأميركيين" المنعقد عام 1935 (والممثّل لليهودية الإصلاحية) موقفاً حياديّاً من الصهيونية، ثم وافق عام 1937 على الدعوة إلى بناء كيان يهودي في فلسطين كملجأ لليهود المضطهدين، وكمركز ثقافي وروحي... وحتى زعماء الصهيونية الأميركية مثل الحاخام ستيفن وايز صديق الرئيس روزفلت كان يهمهم "إنقاذ يهود أوروبا" عشية الحرب العالمية الثانية بنقلهم إلى أي مكان (إلى مستعمرة بريطانيّة مثل كينيا أو أوغندا) وليس بالضرورة إلى فلسطين... بل إن "اللجنة الأميركية اليهودية" التي كانت لا تزال أهم المنظمات اليهودية، وأوسعها نفوذاً في الولايات المتحدة، بقيت خارج إطار الدعوة الصهيونية ، وفشل بن غوريون عشية مؤتمر "بلتيمور" الصهيوني المنعقد عام 1942 في أوج الحرب العالمية الثانية في استمالتها إلى هذه الدعوة.. ولم يقف جوزف بروسكور رئيس "اللجنة الأميركية اليهودية" إلى جانب الصهيونيين إلا قبيل إعلان دولة إسرائيل عام 1948... وهكذا لم تستطع الحركة الصهيونية مد نفوذها داخل المجتمع اليهودي الأميركي إلا بعد نصف قرن من قيامها.. ولم يكن تحقيق ذلك ممكناً لو لم يمر التاريخ اليهودي الأميركي بفصل ال "هولوكوست".. وفي 14 أيار 1948 كان الرئيس الأميركي هاري ترومان أول المعترفين بـ "إسرائيل" عندما أعلن بن غوريون قيامها في فلسطين .

    ثم يتحدث المؤلف في نهاية هذا الفصل عن حرب حزيران 1967، وكيف أن تلك الحرب قد ألهبت مشاعر اليهود في الولايات المتحدة الأميركية لأنها أعادت إلى الأذهان شبح المحرقة النازية.. وهكذا أجمعوا على دعم إسرائيل، حمايةً لها من التهديد العربي بإبادتها، والقذف باليهود في البحر!... وينتقل المؤلف إلى الحديث عن حرب 1973، واجتياح لبنان 1982 ومذبحة صبرا وشاتيلا، ولم ينس أن يتحدث عن انتفاضة أطفال الحجارة، واصفاً إياها بأنها كانت انقلاباً في الرأي العام اليهودي الأميركي... وفي نهاية هذا الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن مصدر قوة اليهود الأميركيين، واللوبي الإسرائيلي هناك.. فيرد ذلك إلى : الفكر، والمال، والصوت اليهودي في إطار طائفة كثيرة التنظيم.. فهناك مئات المنظمات والجمعيات اليهودية التي تغطي مختلف أوجه الحياة العامة في أميركا، والتي تحركها الأجهزة الصهيونية... هناك أكثر من (500) جمعية ومنظمة يهودية مدرجة في الدليل السنوي لليهود الأميركيين يرتكز إليها اللوبي الإسرائيلي في تحريكه للطائفة اليهودية الأميركية من جهة، وفي ضغوطه على الدولة، والمجتمع الأميركيين من جهة أخرى.

يتبع ......

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا

تأليف : فيصل أبو خضرا

                                                                      تقديم: عدنان الســمان

 (الحلقة الثالثة)

الفصل الرابع

اللوبي الصهيوني في واشنطن

    يقول المؤلف في مستهل هذا الفصل: " ترد عبارة "اللوبي الصهيوني" في الولايات المتحدة، في معظم الأبحاث والمقالات المتعلقة بالمسألة الفلسطينية، وبالنزاع العربي – الإسرائيلي، وبالعلاقة العربية – الأميركية، دون إيضاح ماهيه هذا اللوبي، ودون التعريف به وتحديده، مما يُبقي هذا " اللوبي" محاطاً بالغموض في أذهان القراء والكتّاب على حد سواء. فعبارة " اللوبي الصهيوني" هي ربما أكثر العبارات إبهاماً في قاموس الصراع العربي - الإسرائيلي الكبير.

    ومع أن تشكيل اللوبي الإسرائيلي ومنظماته على نحو فعال في الولايات المتحدة الأميركية هو حديث العهد نسبياً إلا أن  سعي الحركة الصهيوينة للتأثير على القرارات الأميركية بمختلف الوسائل هو سعي قديم ملازم للفكرة الصهيونية منذ مرحلة الحرب العالمية الأولى، و " وعد بلفور"، وقد ركّز الصهيونيون بصورة خاصة على " الدور الأميركي" ابتداءً من أواخر الثلاثينيات والحرب العالمية الثانية، إثر التأزم الذي طرأ على علاقتهم ببريطانيا بعد ثورة 1936 الفلسطينية، وصدور " الكتاب الأبيض" البريطاني عام 1936، وبعد أن أدركوا الأهمية المستقبلية للدور الأميركي في العالم".

    لا أحد ينكر دور بريطانيا الحاسم في تبني الحركة الصهيونية انطلاقاً من " وعد بلفور".. ولكن لا أحد ينكر أيضاً دور الرئيس الأميركي " ويلسون " في حسم الأمر لمصلحة هذا الوعد إثر المشاورات الهامة التي تمت بين حكومة "لويد جورج" البريطانية والرئاسة الأميركية... فبعد أن تأكدت نهائياً هزيمة تركيا قال ويلسون في آب 1918: "أعتقد أن الأمم الحليفة قد قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين" .. ومما لا شك فيه أن الجد الأعلى للوبي الصهيوني في واشنطن لويس براندايز قد لعب دوراً بارزاً في هذا الأمر عندما أعلن هذا المحامي اليهودي بطريقة مفاجئة اعتناقه العقيدة الصهيونية، وأصبح واحداً من أعضاء المجموعة الصهيونية الأولى الفاعلة في واشنطن، والتي تضم جاكوب دوهاس، والحاخام ستيفن وايز، وفيليكس فرانكفورتر.

    لقد أخذ الصهيونيون يراهنون على " الورقة الأميركية" ابتداء من عام 1939 على حساب الورقة البريطانية.. وعندما أعلنت بريطانيا (في شباط 1947) أنها ستحيل القضية الفلسطينية إلى المنظمة الدولية لأنها لم تعد قادرة على إيجاد حل لهذه القضية بات مصير المشروع الصهيوني، (ولا يزال) يتقرر في موقعين هما: أرض فلسطين نفسها، والولايات المتحدة الأميركية ... ومنذ انعقاد مؤتر " بلتيمور" في نيويورك عام 1942.. وانطلاقاً من هذا المؤتمر، ومن زعامة آبا هلل سلفر الفعلية للصهيونية الأميركية (لم تصبح زعامته رسمية إلا في العام 1946)... وبالرغم من التناقضات التي سادت مؤتمر بتسبرغ مطلع عام 1943، ومن هيمنة الصراع بين المتشددين والمعتدلين فيه، وعدم حسم الأمور بصورة نهائية بين تيار سلفر وتيار وايز، فقد عزز ذلك اللقاء موقع سلفر كزعيم فعلي للصهيونية الأميركية... ذلك أن حاييم وايزمن نفسه وهو "الأب التاريخي " للحركة الصهيونية، ومهندس " وعد بلفور" لم يلبث أن دفع " ثمن اعتداله" حين خشي من الإسراع في إقامة " الدولة اليهودية" وطالب بتحرك أكثر مرحلية .. مما أدى إلى انقلاب داخل الحركة قام به بن غوريون وسلفر، مما أدى إلى إقصاء وايزمن عن رئاسة " المنظمة الصهيونية العالمية" بنتيجة" المؤتمر اليهودي العالمي" الذي عقد عام 1946 حيث حل آبا هلل سلفر رسمياً محل ستيفن وايز في رئاسة الفرع الأميركي.

    ومنذ إنشاء " مجلس الطوارئ الصهيوني"، وتشكيل شبكة اللجان اليهودية المحلية في أنحاء البلاد، بدأ سلفر عمليات الضغط السياسي على السلطات الأميركية، وصدر الأمر إلى أعضاء اللجان بأن مهمتهم الأولى هي الاتصال المباشر بالنائب، أو بعضو مجلس الشيوخ المحلي... وهكذا انطلقت التحركات المنظمة للوبي الصهيوني في أميركا... وفي أواخر عام 1945 احتلت الجماعات اليهودية التي يحركها اللوبي الصهيوني ساحة (مديسون سكوير غاردن) احتجاجاً على السياسة البريطانية في فلسطين.. وخلال يوم واحد أُرسل في البريد ( 250) ألف بيان، وسارت مظاهرات في ثلاثين مدينة أميركية، واستمرت حركة البيانات والرسائل على نطاق واسع، وانعكس ذلك على أجواء الكونغرس حيث ألقى (27) عضواً فيه خطباً حول مسألة اليهود وفلسطين خلال يومين.

    وكان " مجلس الطوارئ الصهيوني" يتحرك أيضاً خارج إطار الجالية اليهودية الأميركية، ويسعى إلى تعبئة المنظمات البروتستانتية  المؤيدة "دينيَّاً" ل "عودة" اليهود إلى فلسطين، وخلال عام 1944 اتخذت حوالي ال (3000) منظمة وجمعية، وناد، ونقابة أميركية ( غير يهودية) مواقف مؤيدة للصهيونية، وأغرقت الكونغرس بسيل من البرقيات في هذا الاتجاه... ومع هذا كله .. وبالرغم من وطأة الاضطهاد النازي، واستغلال الصهيونيين له لفرض دعوتهم... إلا أنه لم يكن من السهل كسب موافقة الرئيس فرانكلين روزفلت (الذي حكم الولايات المتحدة من عام 1933 ـ 1945) ولا الرئيس هاري ترومان (الذي حكمها من عام 1945 إلى عام 1952) على مشروع إقامة " دولة يهودية" في فلسطين... رغم ما فعله روزفلت من فتح أبواب الإدارة الأميركية والوظائف الرسمية أمام اليهود ... ولعل من الضروري أن يُشار هنا إلى ذلك اللقاء الذي تم في شباط 1945 على متن الباخرة "مورفي" بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود... ذلك اللقاء الذي كان له أثره البارز على نظرة روزفلت إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتفهمه وجهة النظر العربية.. ولقد وعد روزفلت العاهل السعودي بأنه " لن يفعل أي شيء لمساعدة اليهود ضد العرب، ولن يقدم على أية مبادرة مناوئة للشعب العربي"... ثم أكد وعوده في رسالة مفصلة بعثها إلى الملك في 5/ نيسان/ 1945 ... ويموت فرانكلين بعد أسبوع من تلك الرسالة، ويحل محله في كرسي الرئاسة نائبه هاري ترومان... لقد وصف"هرتزبرغ" الرئيس روزفلت ب"الارستقراطي الذي إن لم يكن معادياً تماماً للسامية، فقد كان ينظر إلى اليهود الأميركيين كأغراب".

    ينتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن آيزنهاور، وموقفه من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وكيف أنه أجبر الإسرائيليين على الانسحاب من سيناء، ووقف بصرامة ضد الأجهزة الصهيونية العاملة في أميركا.. وفرض رأيه في نهاية المطاف... وبعد أن يسهب المؤلف في الحديث عن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، وعلاقة أميركا باللوبي الصهيوني العامل فيها في عهد آيزنهاور الذي اتسم بالقوة، يتحدث المؤلف عن وصول ليندون جونسون إلى منصب الرئاسة الأميركية بعد اغتيال جون كينيدي في تشرين الثاني 1963، ويعتبر ذلك نقطة تحول رئيسة في تاريخ الأجهزة الصهيونية في الولايات المتحدة، وفي تاريخ العلاقة الأميركيةـ الإسرائيلية.. ويقول إنه ـ منذ ذلك الحين ـ قد انتهى زمن الرؤساء الأميركيين الذين يفصلون بين السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط ويوازنون بينهما.. وبدأ زمن الرؤساء الأميركيين الآخذين بمبدأ التوافق الاستراتيجي الكامل بين واشنطن وتل أبيب بحيث يستحيل التمييز بينهما... وإذا كان الرؤساء ترومان وآيزنهاور وكينيدي وفّروا الدعم اللازم لإسرائيل فهم فعلوا ذلك "ضمن حدود معينة" ودون إلغاء سياساتهم العربية ... أما ما حدث منذ وصول جونسون إلى البيت الأبيض.. وما حدث في عهدي رونالد ريغان الأول والثاني فهو وضع إمكانات أميركا المالية والعسكرية في خدمة المشاريع الحربية والتوسعية الإسرائيلية، وإخضاع سياسات أميركا العربية لمبدأ الحفاظ على أمن اسرائيل، وتسهيل تحركها في المنطقة... ويورد المؤلف أمثلة كثيرة مذهلة على صحة ما يقول(17).... وإذا كان فيصل أبو خضرا قد قال كل هذا قبل نحو خمسة عشر عاماً فماذا عساه يقول اليوم لو أنه يُصدر " الجزء الثاني" من كتابه موضوع الحديث "تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا"؟ نتمنى على المؤلف ـ وهو يقرأ الآن هذه الكلمات- أن يصدر كتاباً جديداً يتناول فيه الفترة من 1992 وحتى أيامنا هذه.

    ويخصص المؤلف الصفحات الأخيرة من هذا الفصل ل "تحديد اللوبي الإسرائيلي"، مشيراً إلى أن كلمة "لوبي" قد ظهرت منذ عام 1808، وكان المقصود بها التواجد في الأروقة (لوبي) لمحاولة إقناع ممثلي الشعب باتباع مختلف الوسائل، وبهذا القدر أو ذاك من اللياقة.

    اللوبي الإسرائيلي ـ كغيره من اللوبيات الكثيرة العاملة في الولايات المتحدة ـ مسجلّ بصورة رسمية بموجب أحكام قانون 1946... وخلافاً للاعتقاد السائد ينظر الرأي العام الأميركي بحذر إلى المجموعات الضاغطة معتقداً أن " الكونغرس" واقع أكثر من اللزوم تحت تأثير مجموعات الضغط الخاصة"... ولهذا الحذر ما "يبرره"، نظراً للعلاقة المعقدة القائمة بين " اللوبيات" ورجالات الكونغرس من شيوخ ونواب في تلك الدائرة الحسّاسة التي يلتقي فيها المال بالسياسة.. ويلعب المال دوراً رئيساً في نشاط المجموعات الضاغطة.. وبخاصة عبر مساهمة هذه المجموعات في تمويل الحملات الانتخابية البالغة الكلفة للشيوخ والنواب.. بحيث يُخشى أن تقوم بين الطرفين المقايضة الضمنية التالية: "بقدْر ما تساهمون في تمويل معاركي الانتخابية، وتأمين فوزي بقدر ما أساهم في حمل آرائكم في الكونغرس والدفاع عنها"!... وهكذا يصبح رجالات الكونغرس أسرى المال والإعلام والعلاقات غير المنظورة ، وتأييد المراجع النافذة هنا وهناك، وتأمين الأصوات التي يقدمها لهم بصورة ثابتة هذا اللوبي أو ذاك... فأين الحد الفاصل بين الحرية السياسية والرشوة المموهة؟ وأين ينتهي الاقتناع ويبدأ الابتزاز؟ وما مصير الديمقراطية في كل ذلك؟؟

    في مجال تحديد اللوبي الإسرائيلي في أميركا يمكن إثبات الاستنتاجات التالية:

  1. يرتكز اللوبي الاسرائيلي إلى مئات التنظيمات والجمعيات اليهودية المنتشرة في كل أنحاء الولايات المتحدة.
  2. داخل هذه المئات من التنظيمات والجمعيات اليهودية لا بد من التوقف عند مجموعتين منها هما "العصب الأساسي" للوبي الإسرائيلي، وهما الأدوات الرئيسة التي يتمحور حولها النشاط الصهيوني في أميركا: (أ) مجموعة المنظمات اليهودية الكبرى في حد ذاتها والعاملة على الصعيد الوطني العام، وأهمها "اللجنة الأميركية اليهودية" المصنفة سياسياً في "الوسط"، ومنظمة "بئناي بئرت" المصنفة في اليمين، ومنظمة " المؤتمر الأميركي اليهودي" المصنفة في "اليسار".. وتغطي هذه المنظمات عبر تعددية سياساتها الأميركية مجمل المشاعر والتوجهات السياسية المتفاعلة في المجتمع الأميركي، مما يوسع كثيراً إطار تحركها الذي يصب في الهدف نفسه: خدمة مصالح اسرائيل (ب) مجموعة المنظمات المهتمة بـ (فدرلة) سواها من التنظيمات والجمعيات اليهودية ، والتنسيق بينها ضمن أطر اتحادية ومركزية .. وأهم هذه المنظمات: "ايباك" (لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية) التي تقوم بوظائف اللوبي الرسمي تجاه الكونغرس الأميركي وفقاً لأحكام قانون 1946، و"مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأساسية" الذي هو بمنزلة مؤتمر قمة دائم لأهم المنظمات اليهودية في أميركا، و"مجلس المنظمات اليهودية" أو (المجلس الوطني الاستشاري للعلاقات اليهودية )الذي هو اتحاد لعدد كبير من المنظمات اليهودية الفعالة على المستويين المحلي والوطني... وتتمتع السلطات  والأجهزة الإسرائيلية بنفوذ بالغ داخل هذه الهيئات.. والموقف الإسرائيلي الرسمي هو صاحب "الكلمة الأخيرة" في كل الموضوعات التي تهم الدولة العبرية(18) .

يتبع ......

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا

تأليف : فيصل أبو خضرا

                                                                      تقديم: عدنان الســمان

 (الحلقة الرابعة )

الفصل الخامس

في الغايات والوسائل

    يتضح مما سبق أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا يتابع غايتين رئيستين: الأولى تحقيق أكبر قدر ممكن من الدعم الأميركي الرسمي والشعبي لإسرائيل.. في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية والاستراتيجية، في ضوء المخططات الإسرائيلية المرحلية والبعيدة المدى، وبالتنسيق الدقيق مع المسئولين الإسرائيليين... أما الغاية الثانية فهي ضرب احتمالات التعاون الأميركي العربي (إلا ما يصب منها في مصلحة إسرائيل) في مختلف المجالات الحساسة ، والإساءة إلى صورة العرب في الولايات المتحدة والعالم.. معتمداً على نوعين متكاملين من الأساليب هما الأساليب الجهازية، والأساليب المجتمعية العامة.

    على مستوى الجهاز، يرتكز اللوبي الإسرائيلي إلى الشبكة الواسعة من التنظيمات التي يحركها، والتي تطال مختلف القطاعات ، وأوجه الحياة الأميركية... فما يتم الاتفاق عليه بين المسئولين الإسرائيلين ومسئولي " ايباك" مثلاً، أو " مسئولي مؤتمر الرؤساء"، أو "مجلس المنظمات".. يدخل حيز التنفيذ بالشكل الملائم.. فيمكن أن يبقى ضغط اللوبي محصوراً في واشنطن، ويتناول عبر "القنوات المركزية" الكونغرس، والبيت الأبيض ، ووزارة الخارجية.. كما يمكن في حالات أخرى أن ينتقل الضغط إلى الإطار الشعبي والإعلامي والفكري الواسع عبر مئات التنظيمات والهيئات واللجان المحلية التي "تفتح النار" في الاتجاهات المرسومة من خلال التظاهرات، والندوات، والبيانات ، والمقالات المنشورة ، والبرامج المذاعة، والمتلفزة، والحملات الهاتفية، والتهديدات، وبث الشائعات في هذه المدينة أو تلك، أو في عدد كبير من الولايات والمدن والأنحاء في آن معاً، وقد يشمل مجمل الأراضي الأميركية... وعلى مستوى الجهاز أيضاً يسعى اللوبي إلى تكوين " بنية فكرية وإعلامية " ثابتة لخلق الأجواء المؤاتية لما يصبو إليه من إقناع ، وتمهيد، وتسويغ، وتغييب، وتضخيم، واختلاق، وتحذير .. كما يولي أهمية خاصة لإيصال مؤيديه إلى مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس.. ويجد اللوبي في النظام الانتخابي الأميركي مرتعاً خصباً لممارسة نفوذه...

    وبالطبع ، فإن هذا النشاط "الجهازي" لم يكن ممكناً لولا ارتكازه إلى قاعدة مجتمعية أميركية هي الجالية اليهودية.. ولولا " تأمرك" اليهود، واندماجهم في الحياة العامة في الولايات المتحدة بصورة ناجحة خلال القرن الماضي لما كان لجهاز اللوبي دور يُذكر.. فأهمية اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة أنه إسرائيلي المضمون والأهداف، أميركي الوجه والهوية يتحرك بقوة غريبة خارج إطار الدولة وأجهزتها في هذا المدى الواسع من المؤسسات الاجتماعية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية والعلمية، والنقابية، والإثنية، والدينية التي يتشكل منها ما يسمى بـ "المجتمع المدني"... يقول إدوارد سعيد في كتابه "القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي": هناك من جهة، المجتمع السياسي الأميركي الذي تجسّده الدولة وتحتويه، ومن جهة أخرى هناك المجتمع المدني الأميركي الذي يتجسّد في المؤسسات الخاصة نسبيَّاً.. وإن من المهم للغاية فهم أمرين عن المجتمع الأميركي المدني والسياسي هما: (19) إن قوة الأمة لا تنبع من الحكومة المركزية، أو من حكومات الولايات بصفتها حكومات من نوع ما.. وإنما تنبع من مؤسساتها المدنية.. وهذا الأمر ينطبق على الدول الصناعية الغربية بعامة... إذ أنها ليست مجتمعات قمعية وعسكرية .. وإنما هي مجتمعات يدور فيها جانب كبير من النشاط خارج السيطرة المباشرة للدولة وللمجتمع السياسي .

    لقد ركزت الحركة الصهيونية باستمرار – كما سبق- على فكرة "توافق المصالح" و " التوافق الاستراتيجي" بين الولايات المتحدة والدولة العبرية.. وسعت جهدها لتعميم هذه الفكرة وترسيخها في "المجتمع المدني" وفي الدولة الأميركية على حد سواء.. بحيث تصبح مقولة " ما هو مفيد لأميركا مفيد لإسرائيل" هي المبدأ الذي تُدَقُّ باسمه كل الأبواب(20).

    ينتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن هاجس الهيمنة ، فيورد ما قاله " أدلاي ستيفنسون السناتور السابق الذي أمضى عقداً من الزمن في "مجلس الشيوخ" في استنتاج له حول قوة اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس الأميركي: "لرئيس إسرائيل تأثير على السياسة الأميركية الخارجية في الشرق الأوسط أكثر منه على سياسات حكومته بوجه عام".. ويثبت "بول فندلي" الذي أمضى اثنين وعشرين عاماً في "مجلس النواب الأميركي" الرأي التالي: " لا أبالغ إذا قلت إن "ايباك" تتحكم فعلاً بكل تصرفات ال "كابيتول هيل" بشأن السياسة الشرق أوسطية... فـ"ايباك" أصبحت مرادفاً للسلطة، السلطة الباغية المرعبة" .. ويورد المؤلف رأي "ماكلوسكي" : "بصراحة أكثر إن "ايباك" ترهب الكونغرس"..ورأي السناتور السابق "وليام فولبرايت الذي أعلن عام 1973 من على شاشة التلفزيون أن "مجلس الشيوخ الأميركي "خاضع" للسياسات الإسرائيلية المؤذية للمصالح الأميركية"، وقوله: "إن أكثرية عظمى في مجلس شيوخ الولايات المتحدة – حوالي ثمانين في المئة- تؤيد إسرائيل، وأي شيء تريده إسرائيل تأييداً تامّاً"، وقوله: "إن معارضة اللوبي الإسرائيلي هي انتحار للسياسيين باستثناء رجل مثل آيزنهاور كان يشعر بالاطمئنان.. ذلك أنه كان قد أرسى دعائم شهرته ، وأصبح عظيماً في نظر البلاد كلها، فلم يعد يخشى أحداً، فجاهر بما يعتقد به" مضيفاً: " أعتقد بأنه سيأتي رئيس يفعل ذلك، ولكن لن يكون اسمه آيزنهاور"... ويورد المؤلف شهادات كثير من السياسيين الأميركيين من يهود وغيرهم، وشهادات كثير من المفكرين حول الأسلحة السيكولوجية التي يستعملها مسئولو "ايباك" وغيرهم للتهويل، وتخويف الآخرين، وترويعهم، وإلصاق التهم الباطلة بهم.. وهكذا ينهي المؤلف حديثه عن هاجس الهيمنة بقوله: إن شعار "ايباك" هو بكل وضوح "صيت قوة ولا صيت ضعف" مع ما ينطوي عليه ذلك من معان(21).

    ومن الحديث عن هاجس الهيمنة يعود المؤلف ليكتب تفصيلاً عن المال والصوت اليهوديين، ومدى تأثيرهما على سير الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى صنع الأفكار، وترويجها إعلاميّاً.. فيتحدث عن الكلفة المادية المرتفعة للحملات الانتخابية في النظام السياسي والإعلامي الأميركي.. وعلى سبيل المثال فإن المعلومات الإحصائية لانتخابات 1984 تشير إلى أن متوسط ما أنفقه كل عضو ناجح في "مجلس النواب" على حملته الانتخابية يبلغ حوال (270) ألف دولار.. أما لمجلس الشيوخ فبلغ متوسط كلفة الحملة الانتخابية لكل سناتور ناجح مبلغ مليونين وتسعمئة ألف دولار.. وارتفعت كلفة المقعد في مجلس الشيوخ إلى ثلاثة ملايين دولار عام 1986.. وتضيف صحيفة "واشنطن بوست" في عددها الصادر في أول تموز 1987 أن على السناتور الذي ينوي إعادة ترشيح نفسه أن يجمع تبرعات مقدارها عشرة آلاف دولار كل أٍسبوع لمدة اثنين وخمسين أسبوعاً، وذلك لكل سنة من سنوات عضويته في "مجلس الشيوخ" البالغة ست سنوات.. وفي مثل هذا الجو ينشط اللوبي الصهيوني في تمويل الحملات الانتخابية، وشراء ولاء الكونغرس في كل ما يتعلق بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي... ويتحدث فيليب ستيرن في "واشنطن بوست" عدد 2-11-86 عن أساليب تمويل الحملات الانتخابية من قبل "اللوبيات" السياسية، مما يجعل تلك القوى مصدراً للفساد، وبالتالي يجعل رجال الكونغرس رهائن لدى النظام الفاسد الذي أوجدته وغذّته قوى الضغط الخاصة.

    وفي سياق حديثه عن "المال اليهودي"، ودوره في الحملات الانتخابية يشير المؤلف إلى قانون تمويل الحملات الانتخابية الذي صدر عام 1974 إثر "فضيحة ووترغيت" عندما جمع جهاز حملة "نيكسون" للانتخابات الرئاسية ما يقارب ال (17) مليون دولار من (124) شخصاً فقط تبرع كل منهم بما يزيد عن (50) ألف دولار.. وتمت فيما بعد مكافأة كبار المتبرعين بتعيينهم سفراء هنا وهناك! وهكذا أراد الكونغرس عبر قانون 1974 " إصلاح" التمويل الانتخابي، إذ سمح للفرد الواحد أن يتبرع للمرشح بألف دولار في العام كحد أقصى.. ولكن اللوبي الصهيوني عرف كيف يتكيف مع هذا القانون بشكل لم يؤثر على النتيجة .. وهكذا لم يعد من فارق بين الحالة التي كانت سائدة قبل عام 1974 والحالة التي سادت بعد ذلك.. كما أن المؤلف يشير هنا إلى قضية " المال السري" الآتي من إسرائيل، والتي حقق فيها السناتور وليام فولبرايت... حيث انتهى الأمر بتوجيه تهمة العداء للسامية للسناتور فولبرايت، ومحاربته في حياته السياسية حتى إفقاده مقعده في "مجلس الشيوخ"! وما قاله المؤلف في "المال اليهودي" يقوله في "الصوت اليهودي" مورداً أرقاماً وحقائق مذهلة حول هذا الموضوع تدل دلالة قاطعة على مدى تحكم اللوبي الصهيوني في نتائج الانتخابات الأميركية عن طريق الأصوات اليهودية في المناطق ذات الكثافة اليهودية العالية على وجه التحديد.  

    وينهي المؤلف هذا الفصل الخامس من كتابه "تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا" بالحديث عن الإرهاب الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية ضد كل من يقف في وجه هذا اللوبي، وضد كل من ينتقد السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والعرب بشكل عام، وضد كل من يظهر أي تعاطف كان مع قضية الفلسطينيين العادلة في صراعهم مع الإسرائيليين ... كما يتحدث بإسهاب عن حالة الحصار التي يمارسها هذا اللوبي ضد كل من يحاول تفهم وجهة النظر العربية... ويسوق المؤلف كثيراً من الأمثلة والحقائق حول هذا الإرهاب الفكري، وهذا الحصار الذي يفرضه هذا اللوبي على كل من يوصف باللاساميّة... ولعل من الضروري هنا أن أورد باختصار شديد حكاية اللوبي الصهيوني مع تشارلز هـ.بيرسي المليونير العصامي الذي فاز بعضوية مجلس الشيوخ عام 1966 بعد أن فاز بشكل مفاجئ على بول دوغلاس الديمقراطي الليبرالي الذي حصل على غالبية أصوات اليهود... وفي السنوات الست التالية أيد "بيرسي" المعونات لإسرائيل، وحث الاتحاد السوفياتي على السماح بهجرة اليهود، وانتقد ما سماه إرهاب منظمة التحرير الفلسطينية، وانتصر للقضايا الاجتماعية بقوة استقطبت اليهود عندما سعى إلى إعادة انتخابه عضواً في مجلس الشيوخ عام 1972 حيث نال 75%من أصوات اليهود... على أن حبل المودة بينه وبين اليهود اضطرب في عام 1975 إثر عودته من رحلة إلى الشرق الأوسط، وإصداره تصريحاً قال فيه: "إن إسرائيل وزعماءها الذين أكنّ لهم أوفر الاحترام لا يمكن أن يأملوا في أن توقع لهم الولايات المتحدة في المستقبل شيكاً مفتوحاً" . وقال بأن إسرائيل ضيّعت فرص التفاوض ، ووصف ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير بأنه " أكثر اعتدالاً من المتطرفين الآخرين"،  وحثّ إسرائيل على عقد محادثات مع منظمة التحرير، والتفاوض على الانسحاب "وبخاصة" إلى حدود ما قبل عام 1967.

    وبعد ذلك بأسبوع تلقى بيرسي مذكرة من أحد رجاله  تقول: "تلقينا (2200) برقية، و(4000) رسالة ترد على البيانات المتعلقة بالشرق الأوسط... غالبية أصحاب البرقيات والرسائل المعادية هم من الجماعات اليهودية بمدينة شيكاغو الذين يهددون بحجب أصواتهم وأموالهم عنك في أية مناسبة قادمة". ومع كل ما فعله بيرسي بعد ذلك لكسب ود اليهود إلا أنه لم يفلح في ذلك، وكانت النتيجة أنه فشل فشلاً ذريعاً في تلك الانتخابات.

    إن الجدل حول الشرق الأوسط كان كافياً لأن يخسر بيرسي مقعده.. ففي عام 1978 كان قد صوّت له ستون ألفاً من اليهود على الأقل.. ثم تحولوا عنه بعد ست سنوات، والسبب هو سعي اللوبي الدائب خلال الحملة لإظهار السناتور بيرسي" بمظهر المعادي لإسرائيل... ويكفي سجل بيرسي الحافل بتأييد إسرائيل لنفي هذه التهمة، ولكن نفراً محدوداً فقط من اليهود هبّوا للدفاع عنه، فإذا حدث مرة أن وُصم المرشح بأنه مناهض لإسرائيل سرت الوصمة كالسم بسرعة وبعمق ، وتعذّر بعد ذلك إزالتها(22).

يتبع.......

تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا

تأليف : فيصل أبو خضرا

                                                                      تقديم: عدنان الســمان

 (الحلقة الخامسة " الأخيرة ")

الفصل السادس

الدعم الأميركي لإسرائيل

    منذ قيام إسرائيل عام ثمانية وأربعين كان هناك بصورة أو بأخرى اتجاهان أميركيان:

أحدهما يدعو إلى تقديم " المصالح الأميركية" على الاعتبارات الأخرى في الشرق الأوسط، والثاني يقرر مواقفه في ضوء حساباته الصهيونية... ومع أن الغلبة كانت باستمرار للاتجاه الثاني ( وقد لعب اللوبي الصهيوني دوراً حاسماً في ذلك) فلا بد من بعض الإضاءة على هذا التجاذب:

    لم يكن فرانكلين روزفلت ـ كما عرفنا ـ مقتنعاً بقيام دولة يهودية في فلسطين، وكانت نظرته إلى اليهود الأوروبيين مبنية على "الاعتبارات الإنسانية" لإيجاد مأوى لهم في هذا المكان أو ذالك ( لكن بعيداً عن الولايات المتحدة !)، كذلك خلفه هاري ترومان، الذي لم تكن إسرائيل لتظهر إلى الوجود لولا موافقته المسبقة على قيامها، واعترافه بها فور إعلان قيامها.. وبرغم ذلك لم يكن كثير الحماسة لموقفه.. لكن خطأه الأكبر من زاوية المصالح الأميركية أنه أول رئيس يرضخ "للأصوات اليهودية"، وللاعتبارات الانتخابية الداخلية الضيقة لاتخاذ قرار استراتيجي بالغ الأهمية في الخارج بصرف النظر عن مصلحة أميركا الحقيقية فيه... وهو بذلك أول من أدخل "العامل اليهودي" إلى صلب القرار الاستراتيجي الأميركي في النصف الثاني من القرن العشرين، وأول من فتح الباب أمام التأثر الأميركي الرفيع المستوى بنفوذ اللوبي الصهيوني في واشنطن... وكان أركان حكم ترومان يبنون معارضتهم لقرار الاعتراف بإسرائيل على "اعتبارات تتعلق بمصالح أميركا القومية"، وقد قالوا في معرض اعتراضهم على ذلك القرار إن دعم أميركا للمشروع الصهيوني سيفتح المجال لتسلل النفوذ السوفياتي إلى المنطقة العربية... كما أشار مساعدو الرئيس إلى أن قرار الاعتراف يعتبر مناقضاً لمبدأ حق تقرير المصير بالنسبة للفلسطينيين، وأنه سيقود إلى التسبب في عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها... ولتسويغ موقفه أجاب ترومان بقوله: "آسف أيها السادة إذ أن عليّ أن أتجاوب مع رغبات مئات الآلاف من المواطنين الأميركيين الذين ينتظرون نجاح الصهيونية... إنه ليس لدي بين الناخبين مئات الآلاف من العرب...

    أما الاتجاه الذي يغلّب الاعتبارات القومية الأميركية على الاعتبارات الصهيونية في الشرق الأوسط فقد استمر، بالرغم من ضعف تأثيره التدريجي على القرارت الأميركية... ويشار ـ في هذا المنحى ـ إلى البيان الذي أدلى به جورج بول أمام لجنة الشؤون الخارجية التابعة ل "مجلس الشيوخ" الأميركي في 15 تموز 1982، والذي يعبّر عن تجربته نائباً لوزير الخارجية الأميركي من عام 1961 إلى عام 1966... وبصفته ممثل الولايات المتحدة الدائم في الأمم المتحدة عام 1968.. وقد استهل بول بيانه بالقول: "إن بلدنا بحاجة ماسة إلى إعادة صوغ علاقته بإسرائيل".. وتحدث عن عدوان 1956، و1967، وضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، وقصف المناطق السكنية في بيروت بعد ذلك بشهر واحد.. واجتياح لبنان الذي كان لا يزال مســتمرا ً" حين كان بول يتكلم في ذلك الصباح"... وأعاد بول إلى أذهان الشيوخ أن "أميركا التزمت الصمت منذ العام 1967 بينما كانت إسرائيل توطد عاصمتها في القدس المحتلة، وتضم مرتفعات الجولان، وتزرع المستعمرات في 40% من ضفة الأردن الغربية"... وقال لهم يومها: "يبدو في العلاقات الخارجية الأميركية منذ عام 1967 أن إسرائيل هي الشواذّ لكل قاعدة، ولكل مبدأ تؤمن به أميركا"... وأضاف: " هذه عادة يجب أن نقلع عنها... إنّ سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد سارت على قرع الطبل الإسرائيلي مدة زادت كثيراً عن اللزوم".(23)

    ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أن قوة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن إنما قامت (بالإضافة إلى "المال اليهودي" والأصوات اليهودية" ، "وشبكة العلاقات اليهودية النافذة في مجالات الثقافة والإعلام والنشر) على ترسيخ الاعتقاد بـ "توافق المصالح" بين أميركا وإسرائيل في الشرق الأوسط.. فوفقاً لهذه المقولة التي "صنعها" اللوبي و"سوّقها" على نطاق واسع.. يصبح" ما هو مفيد لأميركا مفيداً لإسرائيل".. والعكس أيضاً.. وإن كل الغطاء الفكري والسياسي والمعنوي للدعم الأميركي لإسرائيل قائم على هذه المقولة ... ويضيف قوله : "إن اللوبي الإسرائيلي الذي يمثل الموقع الهام المعروف في واشنطن يستطيع التأثير على كثير من دول العالم الثالث انطلاقاً من موقعه الأميركي" ... فغالباً ما تحصل إسرائيل على خدمات سياسية واقتصادية ودفاعية أميركية لهذه الدولة أو تلك من دول العالم الثالث.. مقابل تنازلات تقدمها هذه الدول للسياسات الإسرائيلية في الأمم المتحدة وخارجها.. وهكذا يلعب اللوبي الصهيوني في واشنطن دور "الوسيط السري" بين تل أبيب، وعواصم الدول المحتاجة، والعاصمة الأميركية لما فيه مصلحة إسرائيل.

    وإذا كان العون الاقتصادي والعسكري الأميركي في المرحلة الأولى من تاريخ " الدولة اليهودية " هو الذي أمدها بالقدرة على الاستمرار، ومكّنها من تركيز كيانها في الأرض العربية فإن الحصول على مزيد من هذه المساعدات في شتى المجالات هو الذي فتح أمامها باب المغامرات العسكرية والتوسعية المستمرة في المرحلة الثانية من تاريخ هذه الدولة وحتى الآن... وقد تطور هذا الدعم بصورة مطّردة، حتى أضحت إسرائيل الدولة الأكثر اتكالاً على المعونات الخارجية في العالم.. وليس في تاريخ الدول أي مثال يضاهي إسرائيل في الاعتماد على الدعم الخارجي.. وهذه الاتكالية الفريدة من نوعها هي سلاح ذو حدين: فهي – من جهة – تتيح لدولة صغيرة أن تتسلح بالقدرات الاقتصادية والاستراتيجية لدولة عظمى ، وأن تضع هذه القدرات الهائلة في خدمة مصالحها، وهي – من جهة ثانية – نقطة ضعف هامة في الكيان الصهيوني الذي بات مصدر قوته الحقيقي قائماً خارجه.. ويكفي لسبب أو لآخر أن يخف الدعم الاقتصادي العسكري الأميركي لإسرائيل حتى يتزعزع مجمل الاستراتيجيات الإسرائيلية على المدى القريب أو المتوسط... ومن هنا تأتي الأهمية البالغة للوبي الصهيوني في واشنطن.

    في مجال المساعدات الأميركية لإسرائيل( والبالغة 148 ملياراً من الدولارات بين العامين 1948و1990) لا بد من التوقف عند ثلاثة إيضاحات رئيسة هي:

أولا: تنقسم المساعدات الواردة من الولايات المتحدة لإسرائيل إلى مساعدات رسمية صادرة عن الحكومة الأميركية، ومساعدات خاصة صادرة عن المجتمع الأميركي، وبخاصة الجالية اليهودية الأميركية فيه... حيث تنطوي المساعدات الرسمية على معونات اقتصادية، ومعونات عسكرية.. وهي تتألف من المنح والقروض التي تقدمها الدولة الأميركية لإسرائيل سنويّاً ( وقد أصبحت كلها منحاً منذ العام 1985 مع رونالد ريغان ) .. وعندما يتحدث جورج بوش عن "أكثر من أربعة مليارات دولار من المساعدات المدنية والعسكرية " التي قدمتها أميركا  لإسرائيل "خلال السنة المالية المنصرمة "(24)  فهو يقصد المساعدات الرسمية السنوية هذه.. ويضاف إلى هذه  المعونات، ضمانات القروض التي تقدمها الحكومة الأميركية لإسرائيل، وقد أشار بوش إلى ضمانات قروض بقيمة "400 مليون دولار" للفترة المذكورة .. ويمكن أن تصل هذه الضمانات إلى أرقام مذهلة، مثل طلب الضمانات التي تقدمت به حكومة شامير في صيف 1991 للحصول على قروض بقيمة عشرة مليارات دولار لتوطين اليهود السوفيات .. تضاف إلى هذه المساعدات الرسمية المباشرة، الثابتة والطارئة، المعونات الرسمية غير المباشرة عبر العقود التقنية والعلمية، وعقود الصيانة، والامتيازات التجارية، مما يُقدَّر ب(1.5) إلى (2) مليار دولار في العام.. وهكذا تبلغ المساعدات الرسمية، الاقتصادية والعسكرية، المباشرة والمقنّعة، التي تقدمها الدولة الأميركية لإسرائيل في الوقت الراهن (1991) ما قيمته (5) إلى (6.5) مليار من الدولارات سنوياً في أقل تقدير... أما المساعدات الأميركية الخاصة الصادرة بصورة أساسية عن المجتمع اليهودي في أميركا ، فهي تتألف من المعونات المالية التي تقدمها المنظمات اليهودية الأميركية(25)، والأفراد العاديون لإسرائيل، والتي تقدر بأكثر من (2) مليار دولار في العام من جهة، ومن مردود بيع "السندات الإسرائيلية" في أميركا، ومن الودائع الأميركية في البنوك الإسرائيلية، وغيرها من التسهيلات والقروض، مما يتجاوز ال (2) مليار دولار في العام أيضاً، من جهة أخرى.. وهكذا تبلغ المعونات الرسمية والخاصة، الواردة من الدولة والمجتمع الأميركيين لإسرائيل ما بين (9.5)و(10) مليارات دولار في العام في أقل تقدير.

    ثانياً- إن المساعدات الأميركية لإسرائيل قد تبعت بالطبع تطور العلاقة الأميركية – الإسرائيلية التي مرت بمرحلتين رئيستين : مرحلة 1948-1963في عهود ترومان ، وآيزنهاور، وكنيدي حيث كان الدعم الأميركي لإسرائيل مهماً للغاية، لكنه مقتصر على "ضمان أمن اسرائيل" (وهذا هو جوهر البيان الثلاثي لسنة 1950) دون مجاراتها في أطماعها التوسعية ، والمرحلة الممتدة من عام 1964 حتى الفترة الأخيرة (يقصد مطلع العقد الأخير من القرن الماضي ) التي دشّنها جونسون ، وأوصلها إلى ذروتها ريغان، حيث تطور الدعم الأميركي لإسرائيل بصورة متصاعدة مذهلة.. مما مكّن الدولة العبرية من شن حروبها التوسعية على مدى حدودها... أما التطور الكبير الذي شهدته المعونات الأميركية لإسرائيل في مرحلة ما بعد 1964 فقد كان تطوراً كمياً ونوعياً في آن معاً.. وإضافة إلى ضخامة المساعدات في حد ذاتها، فقد سلكت هذه المساعدات التوجهات التالية: ارتفاع المعونات الأميركية الرسمية قياساً للمعونات الخاصة. ارتفاع الدعم العسكري قياساً للدعم الاقتصادي المدني داخل المساعدات الرسمية. ارتفاع نسبة الهبات قياساً لنسبة القروض داخل المساعدات الرسمية إلى حد تحوُّل كل المساعدات إلى هبات ابتداء من العام 1985. البروز المتزايد للمساعدات الطارئة. استثناء المساعدات المقدمة لإسرائيل من كل تخفيض يطرأ من عام لآخر على برنامج المساعدات الخارجية الأميركية للعالم.

ثالثاً- إن المساعدات الرسمية والخاصة الصادرة عن الولايات المتحدة لإسرائيل، لا توضح، على ضخامتها ، الثمن الكامل للدعم الأميركي للدولة العبرية.. إذ لا بد من إضافة أمرين اثنين لتكتمل صورة الكلفة الأميركية: (الأول) ما تنفقه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وحوله، لبناء استراتيجيات ملائمة لأمن إسرائيل ومصالحها، مما يصعب تقديره بدقة، وهو في أي حال لا يقل عن (2.5) مليار دولار سنوياً.. أما (الثاني) فهو خسائر أميركا التجارية في العالم العربي بسبب التزامها بإسرائيل، مما يقدر بأكثر من (8) مليارات دولار في العام.. وهكذا انطلاقاً من ال (9.5) مليار دولار من المساعدات الأميركية السنوية، الرسمية والخاصة، يصل مجمل "ثمن" الدعم الأميركي للدولة العبرية، بين نفقات إضافية محددة في المنطقة، وخسائر اقتصادية، إلى أكثر من (20) مليار دولار في العام !!(26)

    ولعل من الضروري والمفيد أن نطّلع جميعاً على بعض ما جاء في كتاب "ستيفن غرين"(27) ملخصاً المرحلة السابقة على النحو التالي: " إن النمط الذي توطد في السنوات 1964-1967 قد استمر بلا تغيير تقريباً حتى يومنا هذا".. ويضيف: " وفي السنوات 1946-1983 منحنا إسرائيل ما يفوق (27) مليار دولار على شكل عون اقتصادي وعسكري رسمي.. وهذا يمثل ما قيمته (7700) دولار لكل رجل وامرأة وطفل يعيش في إسرائيل في الوقت الحاضر، أي ما يفوق (38000) دولار لكل عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص.. وخلال الأعوام الثلاثة الماضية (1981-1983) بلغ معدل المساعدة الرسمية الأميركية ما يفوق (3400) دولار (سنوياً) لكل عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص .. وهذه الأرقام لا تشمل الهبات الخاصة، كما لا تشمل مبيعات سندات التنمية الإسرائيلية".. ويستمر غرين في تلخيصه لتلك المرحلة قائلاً: " إن نسبة 70% من مجموع المساعدات الأميركية الرسمية لإسرائيل حتى اليوم هي عسكرية الطابع.. ومنذ سنة 1946 منحت الولايات المتحدة إسرائيل ما يتجاوز (17) مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية في معظمها، أي ما يفوق (99) بالمئة مما أعطي لها منذ سنة 1965.. وفي هذه الفترة أعطت الولايات المتحدة إسرائيل وحدها مساعدة عسكرية تساوي أضعاف ما أعطيناه إلى دول الشرق الأوسط التسع عشرة مجتمعة، بما في ذلك العون الذي أعطيناه لإيران خلال حكم الشاه".

ولا بد أيضاً من الاطلاع على شيء مما كتبه (إدوارد تيفنن)(28) عام 1987 ملخصاً المرحلة السابقة كما يلي : "فالعلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة تشمل مبالغ ضخمة . فمنذ عام 1948 قدمت الولايات المتحدة من المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل ما قيمته (28) مليار دولار .. وكان ما يزيد قليلاً عن نصف هذا المبلغ (أي 14.6 مليار دولار) على شكل هبات لا تُردّ.. وتقول إحدى الدراسات الاقتصادية بأن إسرائيل تتلقى سنوياً (1.4) مليار دولار من مصادر أميركية غير حكومية (...) من الهبات اليهودية غير الخاضعة للضريبة ، ومن شراء السندات الإسرائيلية.. وعليه فإن هذا المال تخسره "الخزينة الأميركية" ،ويستمر الكاتب: " وخصص ريغان لإسرائيل عام 1985-1986 مبلغ (4.5) مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية.. وهذا يعني أن كل إسرائيلي يتلقى سنوياً مبلغ (1500) دولار ، أي أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد تتلقى (6000) دولار سنوياً.. ويضيف " ويشتد عجب المرء إذا علم أن الراتب الشهري لإسحق موداعي، وزير المال الإسرائيلي في عام 1985 كان (580) دولاراً!!

 

  

الهوامش

1 فيصل وأبراهام صفحة 11 من الكتاب.

2 الصفحة نفسها من العنوان نفسه.

3 هي مسقط رأس المؤلف حيث ولد فيها عام 1934م.

4 اعتباراً من مطلع العقد الأخير من القرن الماضي.

5 في العلاقة الأميركية- الصهيونية، صفحة 31 من الكتاب.

6 في العلاقة الأميركية – الصهيونية صفحة 34 من الكتاب.

7 هذه الأرقام تعود إلى مطلع العقد الأخير من القرن الماضي.

8 في العلاقة الأميركية – الصهيونية صفحة 36 من الكتاب

9 العلاقة الخاصة والأزمنة الجديدة صفحة 41 من الكتاب

10 ال "دياسبورا" اليهودية في العالم صفحة 55.

11 من خطاب ديفيد بن غوريون ، أمام "المؤتمر الصهيوني" الخامس والعشرين" في كانون الثاني 1961.

12 ال"دياسبورا" اليهودية في العالم صفحة 63.

13 ال"دياسبورا اليهودية في العالم" صفحة 65.

14 ال "دياسبورا" اليهودية في العالم ص67.

15 كتاب "السياسية الأميركية والعرب/ مجموعة من الباحثين / صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الثانية – بيروت 1985 صفحة 276.

16 اليهود الأميركيون/ الهجرة اليهودية إلى أميركا / صفحة 80 من كتاب فيصل أبو خضرا "تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا"

17 اللوبي الصهيوني في واشنطن – ما قبل جونسون وما بعده – صفحة 117 من كتاب "تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا".

18 اللوبي الصهيوني في واشنطن – تحديد اللوبي الإسرائيلي – ص124-125.

19 في الغايات والوسائل – الجهاز والمجتمع – صفحة 131-132 من كتاب فيصل أبو خضرا "تاريخ النفوذ اليهودي في أميركا"

20 المرجع السابق.

21 في الغايات والوسائل – هاجس الهيمنة – صفحة 133 و135 من الكتاب نفسه.

22 في الغايات والوسائل – الإرهاب الفكري وحالة الحصار – صفحة 157و160من الكتاب نفسه.

23 الدعم الأميركي لإسرائيل ـ في التوافق الاستراتيجي ـ صفحة 166و 167 من الكتاب نفسه.

24 من المؤتمر الصحافي الذي عقده جورج بوش في "البيت الأبيض" في 12/9/1991م.

25 اهم الهيئات المولجة بتنظيم التبرعات لإسرائيل هي جمعية "النداء اليهودي الموحد" التي تأسست عام 1939م، و"نداء إسرائيل الموحد" إضافة بالطبع إلى "الوكالة اليهودية" . وهناك أيضاً هيئات أقل أهمية مثل "اللجنة اليهودية الأميركية المشتركة" و"الصندوق الوطني اليهودي" و"صندوق الأوقاف الإسرائيلي " و"صندوق اسرائيل الجديدة"، وكلها معفاة من الضرائب.. وترتكز هذه الهيئات إلى مئات المنظمات اليهودية التي تغطي مجمل أوجه الحياة الأميركية ، والتي لها دورها في جمع التبرعات.

26 الدعم الأميركي لإسرائيل- المساعدات الاقتصادية والعسكرية – صفحة 176-177 من الكتاب نفسه.

27 ستيفن غرين "الانحياز: علاقات أميركا السرية بإسرائيل" 1984 الطبعة العربية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1985،ص223.

28 إدوارد تيفنن "اللوبي: اليهود وسياسة أميركا الخارجية" ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الثالثة، بيروت 1990 صفحة 257-258.

 

 (13/1/2011)


الثلاثاء، ١١ كانون الثاني ٢٠١١

 

في الذكرى السادسة لرحيله:

 

هشام شرابي كاتبًا وناقدًا وباحثًا ومفكرًا...

أ/عدنان السمان

www.samma.co.nr

 

    من مواليد يافا في الرابع من نيسان عام سبعة وعشرين وتسعمائة وألف..توفي في بيروت يوم الخميس الثالث عشر من كانون الثاني من العام ألفين وخمسة.

    أبوه بشير شرابي من مواليد مدينة نابلس /حي العقبة/ شغل في يافا منصب حاكم الصلح، ورئيس البلدية، وقائم مقام المدينة.. وفي عمان – بعد النكبة – شغل منصب رئيس محكمة التمييز...

    أما أمه "فطمة" بنت عارف بك الصوفي من عكا، وكانت مديرة للمعارف في المدينة. تعلم في مدرسة الفرندز برام الله، حصل على البكالوريوس من الجامعة الأمريكية في بيروت عام سبعة وأربعين.

    في التاسع عشر من حزيران من عام (1946) انضم رسميًّا إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي.. هذا الحزب الذي أسسه أنطون سعادة، مشددًا فيه على وحدة بلاد الشام، بمعنى أن لبنان وفلسطين وشرقي الأردن هي أجزاء لا يمكن أن تتجزأ من سورية ، وفي وقت لاحق ضم العراق والكويت وقبرص إلى سوريا الكبرى التي نادى بها، وقضى حياته داعيًا إليها..

    في كتابه: (الجمر والرماد - مذكرات مثقف عربي) تحدث هشام شرابي – فيما تحدث عن العلاقة القوية التي ربطته بأنطون سعادة، حتى أنه أفرد كثيرًا من فصول هذا الكتاب ومشاهده (ضم الكتاب خمسة فصول وسبعة وثمانين مشهدًا) للحديث عنه زعيمًا ومفكرًا وقائدًا ومناضلاً ومحاربًا من أجل فلسطين، حيث كتب أول مقال عن القضية الفلسطينية في سنة 1925، وكان ابن إحدى وعشرين سنة(21)، ومن هنا نفهم أن سعادة من مواليد )1904).. وقد ظل شرابي بعد إعدام سعادة في الثامن من تموز عام تسعة وأربعين وتسعمائة وألف ملتزمًا بالحزب، وممثلاً له في مكان إقامته في الولايات المتحدة التي سافر إليها في العام سبعة وأربعين لمواصلة دراسته.. وقد بقي ممثلاً للحزب هناك حتى عام خمسة وخمسين عندما انسحب منه، وإن كنت ميالاً للاعتقاد أنه لم ينسحب من هذا الحزب، وأنه بقي مخلصًا لمبادئه يسوّقها بشكل أو بآخر كلما كان ذلك ممكنًا.

    وفي المشهد الثلاثين من الفصل الثاني من هذا الكتب (الجمر والرماد) يقول شرابي: تبرز أمام مخيلتي في هذه اللحظة صور ووجوه من الماضي: وجه أنطون سعادة وهو يخطب في جمع حاشد، ووجه ميخائيل نعيمة وهو يقرأ في ضوء الشمس الغاربة، ووجه شارل مالك وهو يحاضر في قاعة الدرس.. وتظهر أمامي وجوه أخرى أحببتها وغابت عني منذ زمن طويل: وجوه توم شي، هيوجوليمنج، جاكمهانج سينغ، يحيى حمصي، فؤاد نجّار.. ووجهان لم أرهما أبدًا في حياتي لا يفارقانني: وجه نيتشه، ووجه كيركيجارد.

    لقد احتلت فلسطين حيزًا ملحوظًا في حياة شرابي وفكره.. كما احتل الفكر القومي الاجتماعي حيزًا مماثلاً، وصارت مؤلفاته منذ منتصف القرن الماضي معينًا ثقافيًّا للفكر النقدي العربي المعاصر، ولاسيما كتبه: "المثقفون العرب والغرب: (1971) و"مقدمات لدراسة المجتمع العربي( 1975)" و "النظام الأبوي" (1988)، والنقد الحضاري للمجتمع العربي" (1991)

    وبسبب حنينه إلى فلسطين، كان يحلو له أن يذهب إلى صور دائمًا، وفي هذا الإطار يقول الباحث صقر أبو فخر في مجلة الخليج الإماراتية في (15/1/2005): إن شرابي كان يصر علينا أن نسلك الطريق القديمة ليتذكر رحلاته الآسرة بين يافا وبيروت. وفي صور عند إحدى الاستراحات يستغرق في صمت متواصل وهو ينظر إلى الناقورة من بعيد. كنت كمن يحزّ أوتار قلبه حينما أقرأ له: "تعال لنتقدم نحو تلك التلال.. هناك يمكنك أن ترى البصّة والزيب، وربما أنوار حيفا في الليل".

    وإذا كان هشام شرابي قد غادر فلسطين في عام (1947) إلى الولايات المتحدة لمواصلة دراسته هناك .. فإنه قد سافر إليها ثانية في عام (1949) بسبب إعدام صديقه أنطون سعادة.. صحيح أنه واصل درسته هناك، وحصل على الدكتوراة من جامعة شيكاغو عام (1953).. لكن سبب هجرته الثانية إليها كان تأثره الشديد لإعدام سعادة رميًا بالرصاص قرب شاطئ البحر في ساحة التمرين على الرماية في بئر حسن، حيث المطار القديم.

    جاء في المشهد الأول من الفصل الخامس من كتابه "الجمر والرماد" أنه في يوم السبت التاسع من تموز عام تسعة وأربعين تُنشر تفصيلات المأساة:

    " سُلم سعادة بوساطة الأمن العام السوري (ربما تساءل القارئ عن سبب ذلك ما دام سعادة مؤيدًا لسوريا كل التأييد، وما دام سعادة يدعو إلى وحدة بلاد الشام، وضم العراق والكويت وقبرص إليها.. والجواب – في تقديري- هو أن ذلك قد حصل عندما وصل  "حسني الزعيم" الذي كان قائدًا عامًّا للجيش السوري عام (1948) إلى الحكم في سوريا عام (1949) إثر انقلاب عسكري، وتولى رئاسة الجمهورية " ولم يكن محبًّا لسعادة الذي كان على علاقة وثيقة بأديب الشيشكلي أحد أركان الجيش السوري الذين حاربوا في فلسطين عام 1948) إلى السلطات اللبنانية يوم الثلاثاء في 5/حزيران/1949، واقتيد تحت الحراسة إلى الشياح حيث حُجز في غرفة قائد الدرك حتى ساعة مبكرة من صباح الأربعاء في 6/تموز، ثم نقل إلى المحكمة العسكرية التي تألفت من المقدم أنور كرم رئيسًا، والنقيبين سمراني وأحدب، والملازم عرب، والأستاذ غبريال باسيلا أعضاء.. كان المدعي العام يوسف شربل، ورفضت المحكمة طلب محامي الدفاع تمديد مدة المحاكمة أربعًا وعشرين ساعة كي يدرس القضية، ويحضّر الدفاع، فاستقال.. وعينت مكانه ضابطًا من الجيش... وتكلم سعادة دفاعًا عن نفسه.. ولم يُسمح للصحافيين بحضور المحاكمة، ولم يُنشر دفاعه.. وفي الساعة السابعة والنصف مساءً أصدرت المحكمة قرارها بالإعدام رميًا بالرصاص، واستصدر مجلس الوزراء برئاسة رياض الصلح مرسومًا بتصديق الحكم، ووقعه بشارة الخوري رئيس الجمهورية فورًا. في الساعة الثامنة والنصف نُقل سعادة (وكان لقبه الزعيم ) من المحكمة إلى سجن الرمل حيث وضع في زنزانة على انفراد.

    وأوردت " النهار" في التاسع من تموز عام (تسعة وأربعين) ما حدث في الساعات الأخيرة على لسان مراسلها الذي تمكن من دخول السجن ، والتقاء الزعيم : " .. لم يكن سعادة على علم بتصديق الحكم، فما إن دخل الزنزانة حتى خلع سترته، وفك ربطة عنقه، واستلقى على الفراش، ونام للمرة الأولى منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة.. واستيقظ وجلس على سريره، وأدار بصره فيما حوله، ففهم، ولم ينطق بكلمة... تقدم المدعي العام، وأبلغه أن لجنة العفو قد صدقت حكم الإعدام، وكذلك رئيس الجمهورية.. ولما باشر قراءة مرسوم التصديق قال له سعادة: يكفي يكفي.. وسُئل عما إذا كان يريد طعامًا، أو قهوة، فقال إنه يكتفي بفنجان قهوة، وقُدمت له سيجارة، فاعتذر، وقال إنه لا يدخن كثيرًا..!! وفيما هو يتناول القهوة بهدوء نظر إلى القضاة، وسألهم بلهجة رصينة، وكان يتكلم – كعادته- بالعربية الفصيحة: أي قانون في بلد من بلاد العالم يجيز تنفيذ الإعدام قبل مرور ثمانٍ وأربعين ساعة على صدوره؟ فلم يجبه أحد.. ثم سأل إذا ما كان بإمكانه أن يرى زوجته وبناته الثلاث، فقيل له: لا.. وعندئذ ظهرت دمعة في عينه، وبدا عليه التأثر ... وسرعان ما حرّك رأسه، وابتسم ابتسامة لم تخفَ مرارتُها.. وعندما طلب منه المدعي العام أن يكتب وصيته قال إنه يوصي بتقسيم ملكه في ضهور الشوير بين امرأته وبناته بالتساوي، أي لكل واحدة الربع.. وأوصى بالمال الذي معه، ويبلغ (400) أربعمائة ليرة إلى زوجته، وأوصى لها بأثاث البيت... ثم سأل عما إذا كان القانون يجيز له أن يقيم زوجته وصية على بناته، فقيل له إن المسألة من اختصاص المحكمة الشرعية، وله أن يسجل رغبته هذه في الوصية، ففعل.. وبعدئذ طلب أن يُسمح له بالإدلاء بحديث سياسي، فقيل له أن ليس من صحافيين هنا، ولا فائدة من مثل هذا الحديث على كل حال.. فأجاب: إني أرغب في تسجيله للتاريخ، ولو في محضر تنفيذ الحكم، فأُذن له، فقال: " إنني أعتبر أن الحكومة اللبنانية قامت بمؤامرة واسعة ضدي، وضد حزبي، ولكنني أنظر إلى الذين تآمروا عليّ، وإلى الذين حكموا عليّ بالإعدام، وإلى الذين سيعدمونني نظرة ازدراء".

    ونُفذ الحكم في ساعات الفجر الأولى بالقرب من شاطئ البحر في ساحة التمرين على الرماية في بئر حسن، ونُقلت الجثة إلى كنيسة مار إلياس بطينا المجاورة، حيث صلى عليها الكاهن بحضور بعض الجند الذين رموه بالرصاص.. ثم ووريت الجثة التراب في مدفن الكنيسة.

    وفي المشهد الثاني والأخير من الفصل الخامس جاء قول هشام شرابي:

 "الطائرة تعلو رويدًا رويدًا فوق عمان متجهةً جنوبًا.. البيوت تصغر حتى تبدو بحجم لعب الأطفال، ثم تختفي، ولا يبقى إلا الأرض الخالية، والتلال الجرداء. أنظرُ إليها من خلال دموع لا أستطيع منع انسيابها.. لقد نبذتني يا وطني.. لن أرجع إليك.. لن أرجع أبدًا". لكنه عاد في صيف عام أربعة وسبعين، حين غادر واشنطن مع زوجته وابنتيه ناديا وليلى، ويضيف شرابي: أقمنا في شقة صغيرة في رأس بيروت يملكها صديق يعمل في الجامعة الأمريكية، وبعد فترة قصيرة استدنت مبلغًا من المال، واشتريت قطعة أرض صغيرة في "المشرف" بجنوب بيروت، وبدأت ببناء بيت صغير ليكون مسكننا الدائم.. وبسبب مشكلات الإقامة، والحرب الأهلية (1975-1992) فقد عاد شرابي إلى أمريكا، وجدد عقد العمل مع جامعة جورج تاون التي كان يعمل فيها منذ (1953)، وسجل ابنته ناديا في الجامعة، وليلى في المدرسة الابتدائية في الحي الذي يقيم فيه.. وبقي شرابي في واشنطن حتى كتابة هذه السطور(مقدمة كتاب الجمر والرماد) بتاريخ 20 / أيار /1978 .

    وكان شرابي قد عاد قبل ذلك إلى الجامعة الأمريكية في بيروت أستاذًا زائرًا حيث حاول قلب مفاهيم التعليم الجامعي الذي كان سائدًا عندما كان طالبًا فيها، والذي كان قائمًا على التسلط، والقمع، والازدراء، والارتجال، وإطلاق الأحكام العامة.. لقد حاول مع عدد من المثقفين والأكاديميين المبصرين إحلال المنهج العلمي، وبناء شخصيات الطلبة، ودفعهم إلى التفكير السليم، وبث روح البحث العلمي فيهم بكل الوسائل الممكنة.

    وقد زار شرابي فلسطين عام ثلاثة وتسعين، وزار مسقط رأسه يافا، كما زار نابلس مدينة الآباء والأجداد. وكان حينها متفائلاً إلى حد ما باتفاقات أوسلو، ولكنه سرعان ما رأى خلاف ذلك.. فتشاءم، وراح يحذّر من خطورة تلك الاتفاقات. ولكن عودته الأخيرة إلى الوطن العربي كانت في العام ثمانية وتسعين من القرن الماضي، حيث عاد إلى بيروت بعد رحلة طويلة مضنية استغرقت إحدى وأربعين سنة (1947-1998) إلى أن قضى بالمرض الخبيث في أحد مشافي بيروت يوم الخميس في الثالث عشر من كانون الثاني من العام ألفين وخمسة عن ثمانية وسبعين عامًا.

 (13/1/2011)


الأحد، ٩ كانون الثاني ٢٠١١

رؤية مستقبلية ..لخارطة الانتشار السكاني في فلسطين التاريخية!!

متابعات

 

رؤية مستقبلية ..لخارطة الانتشار السكاني في فلسطين التاريخية!!

 

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

      لسنا بحاجة لمقدمات تاريخية، أو جغرافية، أو سياسية، عندما نكتب في هذه الأيام عن فلسطين ولفلسطين؛ فالسياسيون، والإعلاميون، والعاملون المشتغلون في الشأن الفلسطيني، والمواطنون العرب الفلسطينيون من البحر إلى النهر، باتوا يعرفون ما يكفي من الحقائق المتعلقة بقضيتهم، بل بقضاياهم، منذ البدايات الأولى لنشأتها وحتى يومنا هذا، والأجيال الشابة التي يعنينا أمرها جدًّا باتت هي الأخرى تعرف كثيرًا من الحقائق عن قضاياها، وإن كانت ميالة إلى الصمت لأكثر من سبب، حريصة على التظاهر بالجهل حينًا،وتجنب الخوض في هذه القضايا أحيانًا، وحريصة أيضًا على إظهار على ما لا تبطن في مواقف كثيرة، ولزوم الصمت في مواقف أخرى، والتهرب من الإجابة الواضحة، واللجوء إلى التعمية والتورية والتمويه "والاستعباط" في كثير من المواقف، وفي كثير من الحالات والأحوال والمناسبات، وإيثار التلميح على التصريح في بعض المساجلات والمناظرات، وفي كثير من التقارير والبحوث والمقالات والمقابلات والدراسات والمواجهات أيضًا.. وما دام الأمر كذلك، فلنمسك باللحظة ولندخل في الموضوع من الآخر، كما يقول الناس في هذه الديار، وهذا يعني عددًا من الحقائق لا بد من أخذها بالاعتبار هنا، ومن أبرزها:

·   في فلسطين التاريخية اليوم ستة ملايين عربي فلسطيني هم نصف تعداد شعب فلسطين العربي، وفيها أيضًا ستة ملايين يهودي، غالبيتهم من غير يهود فلسطين، بمعنى أن في فلسطين اليوم نحو اثني عشر مليونًا من العرب واليهود بحسب الدراسات والإحصاءات.

·   يتوزع العرب الفلسطينيون في المدن والقرى الخاصة بهم في الجليل والسهل الساحلي والمثلث والنقب، وبعد هدم مئات القرى الخاصة بهم عام ثمانية وأربعين أصبح كثير منهم يعيشون لاجئين في وطنهم، ويبلغ تعدادهم مليونًا ونصف المليون من المواطنين العرب داخل الخط الأخضر.

·    في قطاع غزة البالغة مساحته ثلاثمائة واثنين وستين كيلو مترًا مربعًا يعيش مليون ونصف المليون من الفلسطينيين العرب، غالبيتهم من المهجرين عام ثمانية وأربعين، وتعيش غالبيتهم العظمى في مخيمات خاصة بهم يسمونها المعسكرات.

·    في الضفة الغربية البالغة مساحتها خمسة آلاف وثمانمائة وتسعة وسبعين من الكيلو مترات المربعة يعيش نحو ثلاثة ملايين عربي فلسطيني، يشكل مهجرو العام ثمانية وأربعين خمسة وعشرين بالمئة منهم، وتعيش نسبة محدودة منهم في تسعة عشر مخيمًا، بينما يعيش أكثرهم في مدن الضفة وقراها خارج تلك المخيمات.

·   تعيش غالبية اليهود على امتداد السهل الساحلي الفلسطيني، ولا سيما في منطقة الوسط، بينما تستوطن نسبة لا بأس بها منهم منطقة الجليل، ونسبة أقل من سابقتها تستوطن منطقة النقب، بينما يجري الحديث اليوم عن تكثيف الاستيطان اليهودي في هاتين المنطقتين، لمواجهة التزايد السكاني العربي فيهما، ولأسباب أخرى متعلقة بالرؤية الإسرائيلية للانتشار السكاني اليهودي في فلسطين.

·    منذ حرب سبعة وستين، وبداية الاستيطان اليهودي في الضفة "الغربية" التي يسميها الإسرائيليون يهودا والسامرة، أخذت أعداد المستوطنين في هذه المنطقة بالازدياد حتى أصبح عددهم اليوم أكثر من نصف مليون مستوطن، ينتشرون في معظم مناطق الضفة الغربية، بينما تتركز غالبيتهم في القدس العربية، وفي جبل القدس، وفي الخليل، وفي منطقة نابلس، ولا سيما على امتداد الطريق الداخلي الذي يربط نابلس بقلقيلية، مؤديًا إلى مستوطنات ثمانية وأربعين.

      مما سبق، يتبين أن كلاً من العرب واليهود في فلسطين ينتشرون اليوم في معظم مناطق هذه البلاد..أما العرب الفلسطينيون فيعيشون في الجليل والمثلث والنقب، وفي السهل الساحلي أيضًا، كما يعيشون في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، مع ملاحظة أن من يعيشون داخل الخط الأخضر من العرب الفلسطينيين هم الذين رفضوا الهجرة والتهجير عام ثمانية وأربعين، وأن الزيادة التي طرأت على تعدادهم منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، هي الزيادة الطبيعية الناجمة عن التكاثر، وليست بسبب عودة أيٍَّ من فلسطينيي التشرد والتهجير والشتات إلى فلسطين، ومع ملاحظة أن كثيرًا منهم يُمنعون من العيش في المستوطنات الخاصة باليهود، بمعنى أن اليهود الذين يطالبون اليوم بعدم بيع الشقق السكنية، أو تأجيرها للعرب، لم يأتوا "عمليًّا" بأي جديد، فالعرب هناك، ونتيجة طبيعية للمعاملة التي يقابلهم بها اليهود، لا يقتربون من التجمعات السكنية اليهودية، إلا ما ندر، وللضرورة القصوى، وربما جاز لنا أن نقول إن الفصل العنصري هناك قائمٌ عمليًّا على الأرض، منذ بدء الاحتكاك بين العرب واليهود في فلسطين بدون تشريعات وقوانين، أما الحاخامات الذين يريدون سنّ القوانين التي تمنع العرب من الاستئجار أو التملك، فتعني تكريس القطيعة، والفصل العنصري بين العرب قانونيًّا، كما تعني تجريد العرب من حقهم الطبيعي في العيش على أرض وطنهم داخل المُحتل عام ثمانية وأربعين، تمهيدًا لإخراجهم من تلك الدولة العبرية التي أقيمت في ذلك العام عملاً بمبدأ "ترانسفير" التي تؤمن به فئات واسعة من اليهود في تلك الدولة التي لا يتورّع كثير من سكانها بالهتاف والقول بملء أفواههم وحناجرهم: الموت "للعرب"..وإذا كان المواطنون العرب الذين ما زالوا يعيشون على أرض وطنهم هناك داخل الخط الأخضر يواجهون هذا الواقع المرير، ويتعرضون لسياسة التطفيش والتهجير، فإن الحديث عن إمكانية توجه عرب الضفة أو غزة إلى داخل الخط الأخضر للإقامة هناك هو أمر أكثر من مضحك، لأن القوانين الإسرائيلية تمنع ذلك، على الرغم من أن كثيرًا من سكان غزة والضفة هم لاجئون ومهجرون، وعلى الرغم من أن كثيرًا من سكان الضفة وغزة ما زالوا يحتفظون بمفاتيح بيوتهم هناك، ولا زالوا يحتفظون بشهادات ملكيتهم لتلك الأرض التي أُجبروا تحت تهديد السلاح على مغادرتها، يضاف إلى كل هذا أن الإسرائيليين الذين يحتلون الضفة الغربية وغزة منذ عام سبعة وستين، يسنون من القوانين، ويمارسون من أعمال الهدم والبناء والنهب والمصادرة والتضييق على الناس، وفرض الحصار تلو الحصار عليهم، بهدف تفريغ هذه الديار مع مرور الأيام من كثير من سكانها العرب، وصولاً إلى تهويدها، ونشر الاستيطان والمستوطنين في كل أنحائها وأرجائها، وهذا يعني باختصار شديد أن خارطة الانتشار السكاني في فلسطين التاريخية تشير إلى أن المجال مفتوح أمام اليهود للبناء والإعمار والتملك والعيش من أوسع الأبواب في كل شبر من أرض فلسطين التاريخية البالغة مساحتها( 27009) من الكيلو مترات المربعة، مع ضمان التسهيلات وحرية الحركة والتنقل والأمن والأمان ومستوى المعيشة وتوفير كافة الخدمات، بينما تشير هذه الخارطة إلى أن هذا المجال مغلق في وجه العرب الفلسطينيين الذي يحاصرون برًا وبحرًا وجوًا في قطاع غزة، ومغلق في وجه العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، حيث يتعرضون لمحاولات التهجير والتطفيش والاقتلاع من ديارهم هناك باستمرار، ومغلق في وجه فلسطينيي الشتات الذين يرفض الإسرائيليون إعادة أيٍّ منهم إلى بيوتهم وديارهم وممتلكاتهم، بعد أن استبدلوا بحق عودة الفلسطيني إلى دياره حق عودة اليهودي إلى أرض فلسطين، ومغلق في وجه العرب الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين يخضعون لأوامر عسكرية صارمة تقيدهم وتشل حركتهم وتمنع نموهم وتطورهم وتحررهم، وتطلق يد المستوطنين في السيطرة على ما تبقى من أرض وطنهم، بهدف تهويدها وضمها نهائيًًّا إلى كيانهم، علمًا بأنهم يسيطرون اليوم على أكثر من ستة أعشار مساحة هذه الضفة الغربية التي يخططون لابتلاعها مع مرور الأيام.

 

     ومما سبق أيضًا يتبين أن العرب الفلسطينيين جميعًا في فلسطين التاريخية مستهدفون بالاقتلاع والتهجير من ديارهم في نهاية المطاف، ليحل محلهم اليهود الذين يحلمون بالسيطرة المطلقة على كل أرض "إسرائيل".. أما قطاع غزة الذي يُعتبر المنطقة الوحيدة المحررة من أرض فلسطين التاريخية، فإن الإسرائيليين الذين فشلوا في إخضاعه خلال الحرب التي شنوها عليه والتي أسموها "الرصاص المصبوب" يُعدون العدة من جديد للانقضاض عليه بهدف إخضاعه، وإرغامه على السير في المخطط اليهودي المرسوم للسيطرة المطلقة على كل أرض فلسطين، وهذا ما يشك كثير من المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين في إمكانية حدوثه، وفي إمكانية تمكن الإسرائيليين من تحقيقه في حال إقدامهم عليه.

    هذا الانتشار السكاني المعقد لا يبشر بحلول عهد السلام في هذه الديار، لا لأن هذا من رابع المستحيلات، ولكن بسبب تصريحات القادة الإسرائيليين، وبسبب ممارساتهم، وبسبب أطماعهم التي لا تقف عند حد، وبسبب تشدد اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبسبب تلك الهتافات والتصريحات والشعارات التي لا يخجل كثير من متطرفيهم من ترديدها وتكرارها: "الموت للعرب"، وبسبب كل هذه الممارسات والسياسات التي انتهجها هذا الكيان ضد عرب هذه الديار منذ إقامته، وحتى يومنا هذا!!

   وما دام هذا الوضع الراهن للانتشار السكاني لا يبشر بالسلام، ولا يبشر بعهد يعيش معه الناس حياة عادية أو شبه عادية، فلا بد من البحث في وضع يُمكّن الناس من هذا، ويساعد على حلول عهد قد يبشر بالسلام الذي يرنو إليه كثير من أبناء هذه الديار، وكثير من أنصار السلام ودعاته والمؤمنين به في هذا العالم.

    ولما كان الحديث عن إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران أمرًا غير قابل للتنفيذ بسبب رفض الإسرائيليين، وبسبب سيطرتهم الفعلية على معظم أراضي الضفة الغربية، وبسبب رفض الولايات المتحدة الأمريكية إقامة مثل هذه الدولة من جانب واحد، وبسبب رفض الولايات المتحدة  أيضًا لوقف الاستيطان اليهودي في هذه الضفة الغربية، وبسبب الضعف العربي، والعجز العربي، والتمزق العربي، والتخاذل العربي أيضًا، وبسبب رفض الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون لعودة اللاجئين والمهجرين إلى ديارهم بموجب القرار "194" وبسبب  رفض الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون أيضًا لاعتبار القدس العربية عاصمة لهذه الدولة الفلسطينية المقترحة.. فإن من الضروري جدًّا أن يرجع المجتمع الدولي إلى قرار كان قد اتخذه في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من عام سبعة وأربعين، والذي قُسمت فيه فلسطين التاريخية إلى دولتين واحدة عربية وأخرى غير عربية، والذي قامت بموجبه هذه الدولة العبرية عام ثمانية وأربعين، إن من الضروري جدًّا أن يعود المجتمع الدولي إلى ذلك القرار لاستكمال تنفيذه، وإقامة الدولة العربية على المساحة التي حددها لها ذلك القرار؛ فهل يقوى المجتمع الدولي على هذا؟ وهل يقوى على إعادة الانتشار؟ وهل يقوى على إرغام الإسرائيليين على الخروج من المحتل من أرض فلسطين عام سبعة وستين؟ وهل يقوى على إخراجهم أيضًا من ذلك الجزء الذي احتلوه من أرض الدولة العربية التي أقرها مشروع قرار التقسيم" 181"؟ وهل تملك الولايات المتحدة والدول الأوروبية والرباعية الدولية الجرأة لتنفيذ هذا القرار، وبالتالي إعادة الانتشار السكاني في فلسطين التاريخية على أساسه؟!

 

 

9/1/2011

        

     

 


السبت، ٨ كانون الثاني ٢٠١١

في اليوم العربي لمحو الأمية

               متابعات                                                                                                                   

في اليوم العربي لمحو الأمية

أ:عدنان السمان 

www.samman.co.nr

 

       في عصر ثورة المعلومات,وفي غمرة هذا التطور العلمي المعرفي التكنولوجي الحضاري المذهل,وفي عهد هذه الشبكة العنكبوتية, والثورة الصناعية التي تضع العالم كله بين يديك في لحظات,لتأخذ منه ما تريد,وتسوّق فيه ما تشاء،وأنت تشرب قهوتك في زاوية من زوايا بيتك,في مكتبك,أو مكان عملك,أو في ركن ضيق من نادٍ,أو مقهًى للإنترنت في قريتك أو مدينتك,أو غيرهما من قرى هذا العالم ومدنه..في عصر ثورة المعلومات هذا,وفي عصر هذا التسابق والتسارع الذي تسير فيه الأشياء من حولك بالوقود النووي الصلب أو السائل,وتتحرك فيه جزيئات هذه الطبيعة التي من المفترض أن تكون أنت سيدها,ومفجر طاقاتها ومواهبها,ومكامن نبوغها وإشراقها وتألقها,وناشر أسرار عبقريتها,وسحر كنوزها تحرُّكًًا لا يعرف التوقف أو السكون,وفي خضمّ سباق هذه الخيول الطائرة الهادرة التي لا تثير نقعًا,ولا تملأ رحبًا,ولا تحجب قرص الشمس عن الأنظار..في هذا الخضمّ,وهذا المعترك,وذاك السباق والتسابق,وفي هذه اللحظة التاريخية وتلك,نرى,وقد يرى معنا هذا العالم أيضًا هذه الملايين من الأميين الغاضبين الجاهلين الساكنين الساكتين الفصحاء البلغاء الصرحاء..نرى..وقد لا ترى معنا هذه الدنيا كل هذه الملايين التي لم تدخل مدرسة,ولم تمسك بالقلم,ولم تكتب حرفًا,ولم تقرأ باسم ربها الذي خلق!!على الرغم من أن القراءة,والكتابة,وطلب العلم,من المهد إلى اللحد,ولو في الصين واجبٌ شرعيٌّ,وتكليفٌ إلهيٌّ أولاً,وقبل كل شيء!!

      ستون مليونًا من الأميين الذين لم يدخلوا مدرسة أو كتّابًا في بلاد العرب..وستون مليونًا دخلوا المدارس ولم يتعلموا شيئًا,وكأننا يا بدرُ لا رحنا ولا جينا!!وستون مليونًا يرون أنهم ليسوا بحاجة لمدرسة أو علم أو كتاب,فهم فوق مستوى المدرسة والعلم والمعلم والكتاب!!وستون مليونًا تعلموا ,ولم يعملوا بعلمهم,ولم تستفد منه شعوبهم وأوطانهم,وربما كان وبالاً عليهم,وعلى تلك الشعوب والأوطان!!فما الذي تبقّى من تعداد هذه الأمة,ومن عديدها, ومن قضّها بعد ذلك وقضيضها,ومن أمواجها البشرية المتلاطمة؟؟إذا صدقت الإحصاءات, فإن تعداد أمة العرب في ديارها هذه هو أكثر- بقليل-من ثلاثمائة مليون إنسان,وإذا صدقت هذه الإحصاءات أيضًا,فإن أكثر من نصف تعداد هذه الأمة هو من الأطفال والنساء,وإذا كنا نعلم يقينًا حقيقة أوضاع المرأة,وأحوالها في كثير من ديار العروبة,وحقيقة ما تعانيه هذه المرأة من تهميش وتغييب وإهمال في معظم الأحوال (باستثناء تلك التي تنقلب فيها الأحوال إلى ضدها,فتتولى المرأة فيها جميع أمرها)فإننا نعلم بالتالي كم تبقّى من تعداد هذه الأمة,ومن عديدها, ومن متعلميها!!ونعلم مقدار ما تعانيه هذه الفئة المتعلمة الواعية المستنيرة الغيورة على أوطانها من كبت وقهر وقمع وعدوان!!ونعلم حقيقة ما يعانيه المفكرون العرب,والكتاب العرب,والمثقفون العرب,والإعلاميون العرب,والأكاديميون العرب,والعلماء العرب,والأدباء العرب,والفنانون العرب,والسياسيون العرب,والوحدويون العرب, والعروبيون العرب, وكل الأحرار العرب في معظم بلاد العرب من ملاحقة وتضييق وعنت ويأس وقنوط وإحباط!!ونعلم يقينًا أن الأمور في بلاد العرب تسير من سيء إلى أسوأ,وأن الأسوأ لم يأت بعد,وأنه في الطريق إلينا,وأننا في الطريق إليه إذا بقيت الأمور على ما هي عليه,وإذا لم تتمكن الأقليات والنخب المتعلمة المثقفة  المخلصة الواعية المدركة المجربة من الإمساك بعجلة القيادة جيدًا في هذا البلد العربي أو ذاك..دعمًا لحركة التحرر العربي.. وإحياءً لعهد المدّ العربي..ومؤازرةً لكل الأحرار العرب في كل أوطانهم.. وصولاً للتضامن العربي, والتكامل العربي,والتقدم العربي,والنهوض العربي,والعنفوان العربي..وتحقيقًا للأمن القومي العربي..وصيانةً لوجود هذه الأمة العربية الواحدة الماجدة على كل أرض العرب,وترميمًا لهذا الوجود..وحماية لأمجاد هذه الأمة وكرامتها,وتاريخها,وثقافتها,ومقدّراتها,ومقومات وجودها,وشخصيتها,وهويتها الوطنية..وتنفيذًا لمولد اللحظة التاريخية الفاصلة الحاسمة التي تُحقُّ حقًّا,وتُزهق باطلاً, وتصنع مجدًا,وتبني بيتًا سامقًا شاهقًا عزيزًا رائعًا لا مكان فيه لأمَّيََّة,ولا وجود لتخلف,أو جهل, أو فقر,أو مرض..ولا أثر فيه لكذب,أو رياء,أو ازدواجية,أو تبعية,أو استهتار,أو فساد,أو استخفاف بهذه الأمة,وبحقها المقدس في العيش الكريم,وفي التقدم والبناء والإعمار والحياة الحرة شاء من شاء,وأبى من أبى..هذا هو وعد الله,ولن يخلف الله وعده..وإن هذا لممكن في طرفة عين إذا ولي أمر هذه الأمة من يغار عليها,ومن يعمل جاهدًا من أجل عزتها ووحدتها وقوتها واستقلالها.

      في اليوم العربي لمحو الأمية الذي يصادف هذا اليوم الثامن من كانون الثاني نطالب بإزالة هذه الأمية,ونطالب بمزيد من الاهتمام بالإنسان,وبحرِّيّاته وحقوقه السياسية والاجتماعية والفكرية,وفي هذا اليوم العربي نطالب بإطلاق أيدي المعلمين العرب في صنع الإنسان العربي الجديد,وبناء المجتمع العربي القوي القادر الموحَّد الذي يستطيع الوقوف في وجه العواصف والأعاصير,وكافة العقبات والصعوبات والتحديات.

(8/1/2011)

               

 

 


الثلاثاء، ٤ كانون الثاني ٢٠١١

في الثقافات والمثقَّفين...!!

متابعات

في الثقافات والمثقَّفين...!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

    الثقافات في هذا الكون كثيرة .. يصعب على الإنسان أن يلمّ بها مهما أوتي من القدرة على القراءة، والمتابعة ، والاطلاع، والرحلة، والتنقّل.. ومهما أوتي من سعة الأفق، وحب العلم والمعرفة.. ذلك أن الثقافات متعددة تعدّد الأمم، والشعوب، والقبائل، والمجموعات ، والأزمنة، والأمكنة.. مختلفة باختلاف القيم، والمفاهيم، والأفكار، والعادات، والتقاليد، والأعراف، والألوان، والأديان ، واللغات، والبيئات، والمعتقدات، والأساطير الموروثة، والمستحدثة، والمعدّلة... الثقافات كثيرة تصعب الإحاطة بها، وليس هذا هو المطلوب في هذا المقام، وإنما المطلوب هنا تعريف سريع بالثقافات والمثقفين، وحديث عام في أبرز هذه الثقافات، وتناولها بدراسة نقدية موجزة وصولاً إلى الاستنتاجات والقناعات التي من شأنها أن توقد شمعة تُضاف إلى جملة الشموع التي تأخذ على عاتقها أمر تبديد الظلام في هذا الكون، وهذه – لعمري – واحدة من أخطر المهمات التي ينبغي أن يضطّلع بها كل طلاب العدل والعدالة والحق، وكل الحريصين على نشر ثقافة الفضيلة والهدى والخلق القويم والإخاء في هذا العالم.

    ينبغي أولاً أن نعلم أن الثقافة تعني التمكن من العلوم والفنون والآداب .. وأن من معانيها الحذق والخفة وفهم الكلام بسرعة.. وأن المثقَّف هو الإنسان الذي يتمتع بنصيب من الثقافة ( كما جاء في المنجد )، كما ينبغي ثانيًا أن نعلم أن الثقافات ليست كلها خيرًا خالصًا ( إذ لو كان الأمر كذلك لالتقت جميع الثقافات عند أهداف محدَّدة فيها من التشابه ما يجعل منها في نهاية الأمر ثقافة واحدة، ولاجتمعت الأمم – بالتالي- في أمة واحدة ، ولانتهت الإشكالات، وتوقفت الصراعات، ولاستراحت البشرية من كثير من الهموم والكوارث التي تغشاها، وتُفسد عليها عيشَها، ولقُضيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان!)، كما أنها ليست شرًّا خالصًا ( إذ لو كان الأمر كذلك لما عرف الإنسان حياة الاستقرار، ولما بنى الحضارات، وأقام الدول، ولاستحالت حياة التمدّن والتقدم والنهوض، وسادت شريعة الغاب هذا الكون)، كما ينبغي ثالثًا أن نعلم أن الثقافات في هذا العالم في تفاعل مستمر، وحركة لا تعرف التوقف أو السكون.. وفي أثناء هذا التفاعل يحدث التأثّر والتأثير؛ فتأخذ هذه من تلك، وتُعرض تلك عن هذه متقوقعةً على نفسها.. وتنتصر ثقافةٌ ما في جولةٍ أو جولات، وتُهزم في السياق ذاته ثقافةٌ أو ثقافات.. وليس من المعقول دوام هذه الحال؛ فدوام الحال من المحال.. غالبُ الأمس هو مغلوب اليوم، وقد يَغلِب هذا المغلوب غدًا أو بعد غد، وقد لا يغلب.. وفي أثناء هذا التفاعل أيضًا تتحول هذه الثقافة من الصلابة إلى السيولة ، وتلك إلى الغازيّة، وثالثة إلى الصلابة.. وبمرور الأيام، ودوران عجلة التاريخ تنتج ثقافات جديدة معدَّلة لها ملامح من هذه، وشيء من صفات تلك ومواصفاتها؛ فالمادة لا تفنى، وقد تتكرر النعجة "دولي" في تفاعلات الثقافات التي تتأثر كثيرًا أو قليلاً بما يجري في دنيا الحيوانات من حنينٍ إلى الغابة على حد زعم بعض الروايات التي لم يَقم أي دليل حتى اليوم على صحتها.. ولا أعتقد أنه سيقوم شيء كهذا في يوم من الأيام.

    وينبغي كذلك أن نعلم أن الثقافة الحية تحافظ على حيويتها وقوتها بمرونتها، واستجابتها للأحداث ، وتفاعلها معها، وبقدرتها الخارقة على امتصاص الضربات ، ومواجهة الصدمات، وتحويلها آليًّا إلى ملاعب الخصوم بلياقة عالية، ولباقة مستقاة من طبيعة هذه الثقافة، وقدرتها الفائقة على التكيّف، وأخذ زمام المبادرة ، كلاعب الكرة الماهر الذي يوظّف كل ضربة في ملعبه في استثمارٍ رابحٍ على نصف الملعب الآخر، يتجلى هدافًا فذًّا يهتزّ له الجمهور طربًا.. يصنعُ نصرًا في دوري كأس العالم.. كما ينبغي أيضًا أن نعلم  أن اللغة أو اللغات هي وسيلة انتشار الثقافة أو الثقافات، وهي كذلك وسيلتها في التأثر والتأثير، والتنوّر والتنوير.. ووسيلتها كذلك في اختزال الأبعاد، واختصار المسافات، وصولاً إلى الأهداف والغايات في التقريب بين وجهات النظر، والخلافات، وإعمال الفكر والرأي ، والاجتهادات في شتى الموضوعات، ومختلف المذاهب والاتجاهات، وسائر التحديات التي تشكّل قواعد التوتّرات ، وبؤر الصراعات، ومحاور المواجهات الساخنة، والحروب المدمّرة، ومنصّاتها المتقدمة في هذا العالم...

    اللغة أداة الثقافة ووسيلتها في البقاء، والأخذ والعطاء، والتمكّن والانتشار.. وإلى جانبها تأتي الرسومات، والصور، والموسيقى، وألوان الفنون الأُخرى التي تعزّز دور اللغة، وتشد أزرها في كافة ميادين العمل الثقافي الذي يرفد الأمة بدم جديد متجدد يتدفق في شرايينها؛ فيمنحها الخصب والخصوبة والنماء، ويغدق عليها من أسباب القوة والمنَعة ، وأوجه الخير والبهاء والرواء والعطاء... وإذا كانت اللغة وسيلة الثقافة في ازدهارها وانتشارها حتى قال بعضهم إن الصراع بين هذه الأمة وتلك هو صراع ثقافي وسيلته اللغة؛ فهو صراع لغوي في أبسط أشكاله وصوره، وفي أكثرها تركيبًا، وأشدها تعقيدًا أيضًا.. بمعنى أن اللغة وسيلة حسم في الصراع، وأنها الأكثر استهدافًا من غيرها في دوائر الخصوم والأعداء.. إن من يريد أن يعبث بأمة العرب مثلاً، وأن يغير من جوهرها، ويصرفها عن معتقداتها، ويبعدها بالتالي عن غاياتها وأهدافها يفكر أولاً وقبل كل شيء في أن يعبث بلغتها، وأن يصرفها عن هذه اللغة إلى غيرها من اللغات كي يسهل عليه صرفها عن معتقداتها، وأسباب قوتها ومنعتها ، وكي يسهل عليه تفكيكها وتفتيتها، وكي تسهل عليه تجزئتها: فهذه فئة ميّالة إلى الفرنسيين وثقافتهم ولغتهم وآدابهم.. وتلك مُحبَّةٌ للثقافة الإنجليزية ، وتلك للأمريكية... ولما كان هناك كثير من التفاوت بين ثقافات تلك الأمم، والشعوب، والمجتمعات، والتجمعات، والمدارس الفكرية،  والأدبية، فإن هذا التفاوت سينعكس بالضرورة والحتميّة على الأتباع؛ فإذا هم شراذم غريبة لا وزن لها، ولا طعم، ولا رائحة.. وكل ما في الأمر أن هذه الشراذم لا تُجمع على شيء إجماعها على التنكر لثقافتها الأصلية، ومناصبتها العداء سرًّا وعلانية إذا اقتضى الأمر، وصدرت التوجيهات بذلك!! من هنا كان الاهتمام باللغة على رأس سلّم الأولويات، وفي مقدمة الإجراءات التي يتخذها الحريصون على ثقافتهم، وسلامة لغتهم، واستقلال شخصيتهم بين الأمم.

    شيء آخر لا بد أن يكون حاضرًا في أذهاننا، هو أنه لا ثقافة بدون مثقفين، بمعنى أن الثقافة تصبغ أتباعها بصبغتها، وتلوّنهم بألوانها، وتضفي عليهم من ظلالها بنسب ودرجات تحددها استعداداتهم الفطرية، وقدراتهم على الفهم، والتحصيل، والاستيعاب.. واهتمامهم بما يجري ويدور في هذا الكون من حولهم، وبما رُكِّب في نفوسهم من طبائع، ومواهب، وميول يتربع معها بعضهم على قمة جبل العبقرية حيث الإبداع، والاختراع، وصنع النماذج، والهياكل ، والشخوص التي تتأثر بالحياة الإنسانية في هذا الكون، وتؤثر فيها...

    المثقف هو ابن ثقافته، وثقافته هي ثقافة قومه، وأحيانًا تكون مزيجًا من ثقافات مختلفة قد تغلب عليها الثقافة القومية، وقد لا تغلب، بل ربما غلبت عليها ثقافة أخرى غير ثقافة القوم، وفي هذه الحال قد تكون الثقافة الغالبة ثقافة معادية، وقد تكون ثقافة أممية تحاول الإمساك بالعصا من وسطها، مبديةً قدْرًا كبيرًا من الاحترام لثقافات الأمم والشعوب المنضوية تحت لوائها، في محاولة للخروج بثقافة موحدة لسائر الأمم والشعوب، أو على الأقل لعدد كبير منها.

    كل ثقافة في الكون لها أتباعها وأنصارها المتعاطفون معها، الداعون إليها، المروّجون لمفاهيمها وأفكارها... لكل ثقافة مثقفوها، ومن هؤلاء المثقفين من يتمسك بثقافة قومه، ومنهم من يُعجَب بثقافات الخصوم التي تناصب ثقافته العداء محاولاً التوفيق بينها؛ فإذا جاءت ساعة الحسم، وكان لا بد من الاختيار اختار أشد الثقافات عداوةً لثقافة قومه، بدعوى أن هؤلاء الخصوم حضاريون، وأنهم مثقَّفون مهذّبون يريدون العيش بسلام، وشتان ما بين ثقافة السلام، والبناء، والإعمار، والحريات المفتوحة.. وثقافة الموت، والقتل، والانغلاق، وضيق الأفق، وانعدام الآفاق!!

    كما أن شيئًا آخر لا بد أن يكون حاضرًا فينا الآن، هو أنه ليس هنالك مثقفون بدون ثقافة، إلا إذا كان هؤلاء من المنتسبين لبعض الأفكار الهامشية، والتفرعات والجزئيات التي تنشأ عنها أنماط من السلوك الذي يبيح كل شيء، ويستبيح كل شيء.. الأمر الذي يذكّر بالغاب، وشريعة الغاب، وما يرى الرائي في الغاب من أهوال وفظائع يأكل معها القوي الضعيف، ويسفك دمه، ويدق عنقه دون أن يتحرك حيوان واحد لحمايته، ودون أن يحتج حيوان واحد على هذا العدوان الذي تُسفك معه الدماء، وتُدقّ الأعناق، وتقطَّع الأوصال، وتتناثر الأشلاء والدماء دون توقف على أرض الغاب... أما عصائب الطير التي اتخذت من أعالي الأشجار وكنات لها بعيدًا عن فتك الحيوانات الكاسرة التي لا تعيش إلا على القتل وسفك الدماء؛ فإنها لا تسلم هي الأخرى من الموت والقتل والتمزّق في الفضاء شرَّ ممزَّق بين مخالب الصقور ومناقيرها الحادّة... وإذا جاز لنا أن نعتبر القتل والعدوان وسفك الدماء في الغاب ثقافةً جاز لنا في المقابل أن نعتبر من يبيح مثل هذا العدوان على الناس في المجتمعات البشرية مثقَّفًا إلا أن يكون من مثقفي الشرور والآثام والعدوان الذين نشأوا على ثقافة الشر والإثم والاعتداء على الناس في أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحرياتهم، ومستقبل أجيالهم... ولعل هذا أيضًا ما يميّز ثقافة عن ثقافة، ومثقّفًا عن مثقف... ولعل هذا أيضًا ما يثير فينا أسئلة، وتساؤلات كثيرة حول هذا الخلل الذي أصاب تلك الثقافات ، وحول هذا الحوَل الذي أصاب بالتالي مثقَّفيها ، ودعاتِها، ورموزَها، وإعلامييها المروّجين لها... إلى متى سيستمر هذا الخلل؟ وإلى متى سيستمر هذا الحوَل؟ وكيف السبيل إلى الخلاص؟ وكيف السبيل إلى وضع حد لثقافة العدوان، وكفّ أيدي هؤلاء المعتدين على الناس في هذا العالم؟

    للإجابة عن هذه الأسئلة، وكثير غيرها ينبغي أن ندرك أن هنالك تحالفات معينة تقوم بين بعض الثقافات، كتلك التحالفات السياسية، أو الاقتصادية، أو العسكرية التي تنشأ بين دولتين، أو مجموعة من الدول، وهنالك أيضًا تحالفات وأحلاف ثقافية تقيمها دولة متنفّذة مع مجتمعات وشعوب بدائية ، أو مهزومة، أو تابعة لنشر ثقافة تلك الدولة في تلك المجتمعات برضاها وموافقتها، وصمت شعوبها بالتالي على ممارسات تلك الدولة في تلك المجتمعات، وسيطرتها على المرافق الحيوية لتلك الشعوب مقابل ما تقدمه تلك الدولة من معونات ومساعدات غذائية وغير غذائية لتلك الشعوب ولحكوماتها، "ولأصدقاء" تلك الدولة من أبناء تلك المجتمعات والشعوب المرتبطين بها ثقافيًّا .. واقتصاديًّا.. ثم سياسيًّا، ومصيريًّا بهدف إخضاع تلك المجتمعات والشعوب لإرادة تلك الدولة التي ربما كانت واقعة تحت تأثير قوى الضغط الكثيرة التابعة لجهة طامعة في السيطرة على تلك الدولة من خلال مصادرة قرارها عن طريق القوى الضاغطة تلك، والسيطرة بالتالي على تلك المجتمعات والشعوب بالتنسيق مع تلك الدولة تارةً، وبدون التنسيق معها، وبالخروج على التنسيق تارة أخرى!! هذه الجهة الطامعة ، أو هذه الدولة الطامعة، أو هذه الثقافة القديمة الحديثة الطامعة في السيطرة ترى من حقها أن تسيطر على سائر المجتمعات التي تسير في فلك تلك الدولة المتنفذة ثقافيًّا واقتصاديًّا، وبالتالي سياسيًّا، وذلك لسببين: أما الأول فهو لأن هذا هو التفسير التاريخي لقيام الدول، والقوى الفاعلة، ونشوء الحضارات.. فأمريكا اليوم، وقبلها كانت بريطانيا وفرنسا وغيرهما في غرب الدنيا وشرقها... وأمريكا لا تريد نهاية دراماتيكية تضع نهاية حزينة لوجودها، ونهاية أشد حزنًا لنفوذها المطلق، أو شبه المطلق في كل ديار العروبة والإسلام، وفي غيرها من الديار أيضًا، ولا سيما في إفريقيا وآسيا.. ولأن أمريكا لا تريد مثل هذه النهاية فإنها تقرر الاعتماد على هذه الجهة الطامعة .. الاعتماد على هذه الثقافة القديمة الحديثة الحالمة في السيطرة حتى على تلك الدولة نفسها... هذه الجهة الطامعة صاحبة هذه الثقافة القديمة الحديثة إذن هي – بالتنسيق والاتفاق والتراضي- وريثة تلك الدولة المتنفذة دون أن تنهار، ووريثتها في ممتلكاتها الواسعة في هذا الكون دون أن تغادرها ذليلةً صاغرة، كما كان أمر من سبقها من دول الاستعمار الثقافي الاقتصادي السياسي في تاريخ الغرب الحديث.. وأما السبب الثاني فهو لأن هذه الجهة أو الدولة أو الثقافة القديمة الحديثة ترى في نفسها خير خلف لخير سلف أو أسلاف.. فهذه الثقافة من أقدم ثقافات الكون، عاشت في الشرق، ولها من روحانيته ما جعل كثيرًا من أتباعها ينتشرون في الغرب، وغير الغرب من أقطار هذا العالم، ولها من العلاقات الوثيقة مع كثير من الدول والشعوب ما جعل منها دولة تخطب ودّها الشعوب، وتتسابق من أجل الحصول على رضاها الدول... حتى أصحاب الأرض التي أقام عليها هؤلاء كيانهم أصبح كثير منهم من أشد الناس حبًّا لهم، وإعجابًا بهم.

    قد يؤدي تداخل الثقافات، وتمازجها، وتزاوجها إلى اختراق كبير يؤدي بدوره إلى نشر هذه الثقافة المهجّنة التي ولّدتها هذه القوى والتيارات الفكرية بعد جهود مضنية، وعقود من العمل الشاق في تلك المجتمعات تمهيدًا لاحتوائها، وإخضاعها للسيطرة والمخططات بعد هذا الاختراق الثقافي الذي أدى (فيما أدى إليه من نتائج ) إلى وقوع تلك المجتمعات الضعيفة المفككة في قبضة هذه القوة التي أذهلت بعض خصوم الأمس بسحر ثقافتها حتى تمكنت من التسلل بخفة ولباقة إلى نفوسهم وعقولهم، ليتم لها من خلالهم هذا النصر على أمة وقفت في وجه أطماعهم شامخة عملاقة منذ فجر الثقافات ، وظهور الرسالات والديانات.

    ليس غريبًا أن تُهزم ثقافة، وأن تنتصر ثقافة، وأن تنشأ تحالفات بين بعض الثقافات، وأن تقوم حروب بين بعضها الآخر.. فهذا أمر معروف منذ أزمان بعيدة.. وليس غريبًا كذلك أن تُستهدف أمة عريقة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ كل هذا الاستهداف.. ولكن الغريب أن ينحدر بعض أبناء الأمة المستهدَفة كل هذا الانحدار الذي جعلهم يقفون على رأس المعسكر المعادي لأمتهم وشعوبهم ومجتمعاتهم.. وغريب أيضًا أن يغلّف هؤلاء تبعيّتهم وانقيادهم بأسباب مضحكة مبكية منها مصلحة الأمة، ودورات التاريخ في تشابهها من عصر إلى عصر... في الوقت الذي يعلم فيه الناس علم اليقين أن أحدًا من القادة التاريخيين الذين يحتج بهم المحتجون اليوم لم يتحرك لحظةً من منطلق التبعيّة والانبهار المحزن بثقافة الآخر، والإعجاب الشديد بنمط معيشته، وتحلله، وانحلاله، وانقياده للشهوات.

    وليس غريبًا أيضًا أن نجد كثيرًا من أبناء هذه الشعوب والمجتمعات يرفضون الهزيمة، وفقه الخضوع ، والانقياد لمشاريع المنتصرين ، ويرفضون التسليم بكل نتائج الانبهار والإعجاب بثقافات الأقوياء ومشاريعهم... كثير من أبناء الشعوب التي يصفونها بالمهزومة يتمردون على الهزيمة، وينتصرون .. ينتصرون على جند تلك الدولة المتنفّذة.. العراقيون الذين لم يستسلموا للغزاة يقاومون، وينتصرون ، ويُقتلون، ويَقتلون... ثقافة العدوان قد تكون اليوم في طريقها إلى الهزيمة لأسباب منها صحوة هذه الثقافة العربية الإسلامية، وصحوة كثير من بناء أمة العروبة والإسلام في سائر أقطارهم وأمصارهم، وإصرارهم على التصدي، وقبول التحدي.. إنه تحول واضح في مسيرة هذه الأمة التي عادت إلى ينابيع ثقافتها الأولى التي جعلت منها خير أمة.. هذه العودة دليل تحوّل حقيقي يحمل في طياته بشائر الفجر الجديد التي تلوح في الآفاق من حولنا.

    هنالك في الغرب اليوم مثقفون، ومفكرون، وعلماء، وسياسيون يبدون إعجابهم الشديد بثقافة الإسلام، بعد أن أدركوا من خلال تجاربهم، وانحلال مجتمعاتهم أن ثقافتهم هذه التي يفخر الغريبون بها ويفاخرون، ويحاولون نشرها، وتعميمها في هذا الكون ما هي إلا ثقافة مدمرة، دمرت الغربيين أنفسهم بما نشرته بينهم من جرائم، ورذائل، وأمراض، واضطرابات خلقية، ومسلكية.. ودمرت غير الغربيين بحروبها، وغزوها، واحتلالاتها المتعاقبة لبلادهم على مر التاريخ... الغربيون أفسدتهم ثقافتهم، وغير الغربيين دمرت بلادَهم هذه الثقافة في وقائع وشواهد محفوظة في كتب التاريخ، وذاكرة الأجيال.. ولا تزال قائمة ماثلة للعيان في كثير من بلاد العرب.. وما يزال أتباع تلك الثقافة يهددون ويتوعدون باجتياح بلدان أخرى في هذه المنطقة التي أسموها في الماضي الشرق الأوسط، ويسمونها اليوم الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ونسميها نحن العالم الإسلامي ، أو ديار العروبة والإسلام.

    وهنالك في الغرب أيضًا مواطنون عاديون يدفعهم الإعجاب بثقافة الإسلام، وعدله، وعدالته، وتسامحه إلى اعتناق هذا الدين، حتى أصبح من أسلموا من أهل تلك البلاد قوة لا يُستهان بها في بعض تلك الأقطار... ولعلّ هذه البشائر ، والظواهر، والتحولات التي نشاهدها في الغرب، وفي ديار العروبة والإسلام، مضافًا إليها هذا الوعي، وهذه اليقظة التي بات معها كثير من العرب، وكثير من المسلمين يفتحون أعينهم على حقيقة ثقافتهم ، وسموّها، وتميّزها.. فيزداد تمسكهم بها، وإقبالهم عليها، والتزامهم بهديها، وتقيّدهم بمفاهيمها.. ويضاف إلى هذا وذاك كل ما في هذا الكون من أحرار وحرائر ممن يؤمنون بالقيم السامية، والمثل العليا، وممن يؤمنون بمبادئ الحق، والخير، والجمال، وحق الشعوب في التحرر، وتقرير المصير.. لعلّ كل هذا وكثيرًا غيره هو السبيل لإصلاح الخلل الذي أصاب كثيرًا من الثقافات .. وإصلاح الحوَل الذي أصاب كثيرًا من المثقفين في هذا الزمان.. ولعله السبيل إلى الخلاص، والسبيل إلى وضع حد لثقافة العدوان، وكفّ أيدي هؤلاء المعتدين على الناس في هذا الكون.. ولعلّه الرد على هذا التحالف الذي يستهدف كل ديار العرب، وكل بلاد المسلمين وصولاً إلى ثقافة موزونة متوازنة قوية فاعلة في التاريخ، تُحق الحق، وتُزهق الباطل، وتُخرج البشرية من الظلمات إلى النور، تمتلك أسباب القوة، وتُعيد أمجاد هذه الأمة من جديد.

4/1/2011

 


السبت، ١ كانون الثاني ٢٠١١

في الأخوّة الإسلاميّة المسيحية

 

متابعات

في الأخوّة الإسلاميّة المسيحية

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

    يُجمع الناس في بلاد العرب – مسلمين ومسيحيين – على عدد من الحقائق المتعلقة بوجودهم حاضرًا ومستقبلاً في هذه البلاد، ومن هذه الحقائق أن أرض العرب للعرب، وأن ديار المسلمين للمسلمين.. لا يجوز أن يعتدي عليهم فيها أحد، وإن حصل ذلك فإنهم جميعًا يتصدَّون للمعتدي حفاظًا على حرية أوطانهم، وسلامة أبدانهم وأديانهم.. هذا ما حصل في الماضي البعيد، وفي الماضي القريب، وهذا ما يحصل اليوم أيضًا ... ومن هذه الحقائق أنهم جميعًا إخوة متحابون يعيشون في وطن واحد، ويجمع بينهم تاريخ، ومصير، ولغة، وأهداف، وآمال، وآلام مشتركة، فهم جميعًا عرب قبل الأديان، وهم جميعًا عرب بعد الأديان التي لم تفرّق بينهم، بل وحّدت، وألَّفت ، وآخت، وجمعت.. إنهم جميعًا مؤمنون، وهم جميعًا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، وهم جميعًا أهل وعشيرة وجيران يجمع بينهم خلق المودة والمحبة والتعاطف والتسامح والغفران...

    لسنا بحاجة للأدلة التي نثبت بها عمق العلاقات، وقوة الروابط والأواصر والصِّلات بين المسلمين والمسيحيين في كل ديار العروبة والإسلام ، ولسنا بحاجة للأدلة التي نثبت بها أن التناقضات والصراعات التي شهدتها هذه الديار لم تكن يومًا بسبب اختلاف الأديان، وإنما بسبب ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وبسبب الطمع، والجشع ، وحب السيطرة، والغرور، والعدوان، ولسنا بحاجة لإقامة الدليل على صحة هذا الادعاء؛ إن ما حصل عندما تكالبت أوروبا على هذه الديار في فترة الحروب الصليبية ، وما حصل عندما تقاسمت دول الغرب في أعقاب الحرب العالمية الأولى كل بلاد العرب والمسلمين فيما بينها، وما حصل في أعقاب الحرب العالمية الثانية،وما يحصل الآن في العراق وأفغانستان والسودان وغيرها من بلاد العروبة والإسلام، وما سيحصل غدًا أو بعد غد إذا نفّذ هؤلاء وأولئك وعيدهم وتهديدهم ضد هذا البلد أو ذاك.. كل هذه الأدلة القائمة التي لا تنتظر من أحد أن يقيمها، يضاف إليها ما يصرّحون به علانيةً حول الشرق الأوسط الكبير أو الجديد لا تشكّل دليل صحة هذا الادعاء فحسب؛ وإنما تشكّل دليل إدانة أولئك الغزاة الطامعين، وإدانة أهدافهم في امتصاص دماء الشعوب ، والسيطرة على أرضها ومقدَّراتها.. أما العلاقات الإسلامية المسيحية، وأما الروابط والأواصر والصِّلات بين المسلمين والمسيحيين من عرب هذه الديار فقد كانت، ولا تزال، وستبقى فوق كل الشبهات، برغم كل الجهود التي بُذلت وتُبذَل من أجل ضرب هذه العلاقات، وافتعال الخصومات والعداوات لأسباب لا تخفى على أحد!!

    إن مواطني هذه البلاد جميعًا هم إخوة متحابون، ومواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا فرق بين مسيحي عربي، ومسلم عربي أو غير عربي لأنه :" لا إكراه في الدين" ولأنه: " لكم دينكم وليَ دين" ولأنه: " ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن،" ولأن الرسول الكريم يقول: " من آذى ذمِّيًّا فقد آذاني، " ولأن تاريخ الإسلام حافل بالمواقف والوثائق والوصايا التي تؤكد عمق العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الديار، وفي كل ديار العروبة والإسلام.

    وإن مواطني هذه البلاد جميعًا على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم ينبغي أن يقفوا صفًّا واحدًا موحَّدًا في وجه الطامعين المعتدين على هذه الأمة التي ما اعتدت يومًا على أحد، هذه الأمة التي حملت رسالة الحق والعدل والمحبة والمساواة إلى البشرية كافة، هذه الأمة التي بنت للبشرية حضارة عظيمة متوازنة هي حضارة الإسلام التي أسهم في بنائها أصحاب الديانات، والمبادئ السامية، والمثل العليا من أبناء البشرية.

    إن العلاقات القائمة بين المسلمين والمسحيين في هذه الديار أقوى من رهانات المراهنين، وأوهام المراهقين ،وتصيّدات المتصيّدين، وأطماع الطامعين.. وإن العلاقات القائمة بينهم وبين كثير من مسيحيي الغرب المنصفين، وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى المسالمين، يضاف إليهم سائر القوى والحركات المؤيدة للحق والعدل وحرية الإنسان وحقوقه هي علاقات وثيقة ستؤتي أكلها ذات يوم " وأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم.

 (1/1/2011)