عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأربعاء، ١٥ كانون الأول ٢٠١٠

في الهم الثقافي الفلسطيني

متابعات

في الهم الثقافي الفلسطيني

أ‌.       عدنان السمان

www.samman.co.nr

    الثقافة اصطلاحًا هي التمكُّن من العلوم والفنون والآداب، والمثقَّف هو المتمكن من ذلك، والمثقَّفة هي المتمكنة مما يتمكن منه المثقف من العلوم والفنون والآداب...

    والثقافة لغةً هي الحذق والفهم والخفة والفطنة والغَلَبة . جاء في المنجد أن الفعل ثَقِفَ يَثْقَف وثَقُفَ يَثْقُف ثَقفًا وثَقَفًا وثَقَافَةً: صار حاذقًا خفيفًا فهو ثَقْفٌ وثَقُفٌ وثَقِفٌ وثَقِيفٌ. وجاء أيضًا أن ثَقِفَ يَثْقِقف ثَقْفًا وثقافةً وثُقُوفةً الكلامَ: حذقه وفهمه بسرعة. وثَقفه يَثْقُفُه: غلبه في الحذق. وثقفهُ بالرمح: طعنه. وثاقَفَهُ: غالَبَهُ في الحذق. يُقال: ثاقَفَهُ فَثَقَفَه: أي غالبه فغلبه. تثاقفا: تغالبا في الحذق، تخاصما.

    الثِّقاف من النساء: الفَطِنَه. وجاء في اللغة أيضًا ثَقَّفَ الرمح: قوَّمه وسوّاه. وثَقَّفَ الولدَ فَتَثقَّفَ: هذبه، وعلَّمه فتهذّب وتعلَّم، فهو مثقَّف وهي مثقَّفة. وهذا مستعار من ثَقَّفَ الرمح. والثِّقاف: آلة تُثقَّف بها الرماح. والمثقَّف: الرمح في عرف الشعراء، والرجل ذو ثقافة.

    كان من الطبيعي أن يتطور مفهوم الثقافة عبر العصور، كما كان من الطبيعي أن يصبح هذا المفهوم أكثر دقة، وأشد تحديدًا ، وأعمق دلالةً على شخصية الأمة، وطبيعتها، وهوُيتها المعرفيّة الإبداعية التي تُعرف بها بين الأمم من خلال هذه المعطيات، وأولئك الأعلام، وتلك الرموز والمحطات والمنائر، ومجموعة الصفات والخصال والمزايا والإنجازات التي حققتها عبر مسيرتها على امتداد درب الحياة الطويل، ومن خلال مجمل القضايا والتطلعات والتوجهات والأهداف التي برزت في أدبياتها، ووجدت صدًى في فنونها وآدابها، وظهرت بوضوح وجلاء في علومها وسائر إنجازاتها الحضارية التي تقف شاهدة عليها، حاملة بصماتها المميزة، وملامح شخصيتها التي تُعرف بها بين أمم العالم وشعوبه.

    ولئن كان الفلسطينيون شعبًا من شعوب الأمة العربية التي تُعتبر بدورها شعبًا من شعوب الأمة الإسلامية ، فإن ثقافة الفلسطينيين ستكون بالتالي جزءًا من الثقافة العربية الإسلامية، هذه الثقافة التي لا تنفصل بدورها عن الثقافة الإنسانية، وهذا معناه أن ثقافة الفلسطينيين بالإضافة إلى جذورها العربية، وملامحها الإسلامية، وخصوصيتها الفلسطينية هي جزء من الثقافة الإنسانية في هذا الكون تأخذ منها وتعطيها، تتأثر بها وتؤثر فيها منذ أقدم العصور، وسالف الأزمنة والدهور، وستبقى – بطبيعة الحال- هكذا ما بقي الكون، وما بقيت الحياة، وما بقي الفلسطينيون والعرب والمسلمون والناس جميعًا في هذا الكون.

    على أنه – وقبل الدخول في الهم الثقافي الفلسطيني – لا بد من إشارة سريعة إلى ما يجري في كثير من أقطار هذا العالم من توجهات ثقافية، وتحركات فكرية وفنية لا تختلف – في مجملها – عن التحركات العسكرية ، وزحف الجيوش، بل قصف الجيوش التي لم تعد تزحف اليوم في هجماتها على كثير من ديار العرب وبلاد المسلمين، بل تقصف وتدمر وتقتل وتبيد ما شاءت لها أطماعها وأحقادها وعدوانيتها أن تفعل.. لا بد من إشارة سريعة، ووقفة عاجلة عند كل هذه التجاوزات والإساءات والتهجمات على العروبة والإسلام، وعلى نبي الإسلام والمسلمين، لا بد من وقفة عند كل هذه الدعوات الصريحة التي تصدر يوميًّا عن كبار ساسة الغرب لاجتياح بلاد العرب، وبلاد المسلمين ثقافيًّا وفكريًّا وعسكريًّا حتى يسيروا في ركب الغرب سياسيًّا ، وحتى يركعوا للغرب وينفّذوا تعليماته وأوامره دون نقاش!! أليست العولمة التي يدعو إليها كبار ساسة الغرب تقضي بأن تُباد ثقافة العرب، وبأن تُعدم ثقافة المسلمين لتحل محلها ثقافة الغرب، وأخلاقيات الغرب، وانهيارات الغرب، وأمراض الغرب وعلله؟؟ أليست العولمة هذه دعوة صريحة للإباحية والتشرد والضَّياع والإيدز وانهيار الأسرة وانتشار الموبقات والجرائم والإدمانات والطبقية الكريهة التي أفرزها نظام الغرب الرأسمالي فيما أفرز من لصوص ومحتالين، وعلل وفساد وإفساد في الأرض؟؟

    قبل الدخول في الهمّ الثقافي الفلسطيني لا بد أيضًا من إشارة سريعة إلى الهم الثقافي العربي، ولا بد من وقفة عند كل هذا الذي يجري في بلاد العرب من تخلُّف، وجهل، وفقر، ومرض، وفساد، وانهيار في كافة أوجه الحياة، وتبعيّة للغرب، وامتثال لتعليماته وأوامره، وخضوع مهين لرغباته وأطماعه التي لا تنتهي في كل بلاد العرب، وفي كل بلاد المسلمين!!! لا بد من الإشارة إلى وجود مئة مليون أميّ في بلاد العرب في عصر الشبكة العنكبوتية ، وثورة المعلومات، وحرب الكواكب، وغزو الفضاء !! لا بد من الإشارة الخجولة إلى هذه الملايين من الجياع التي تموت من أجل الحصول على الرغيف!! لا بد من الإشارة بانكسار ومذلة إلى هذه الملايين من الكيلومترات المربعة من الأرض العربية التي لا تُزرع!! لا بد من الإشارة إلى هذه الجامعات التي تخرّج كل عام أفواجًا من حَمَلة الشهادات اللاهثين خلف السراب في أوطان يحكمها ويتحكم بها الغرباء لتصبح مقابر لأبنائها ولطموحاتهم وآمالهم.. فتّش عن حملة الشهادات هؤلاء، واعرف بنفسك عدد المبدعين منهم!! واستعرض كل هذه الجامعات ، واسأل كم ورقة بحث علمي صدّرت هذه الجامعات لغيرها، وكم ورقةً اعتُمدت من هذه الأوراق، واسأل عن عدد الباحثين الذين تألَّقوا من أبناء هذه الأمة هناك في الغرب، ثم عادوا إلى بلاد العرب!! لا تسل عن السبب، فأنت تعرف ما أعرف، وإن كنتُ لا أخفي في صدري ما تخفي في صدرك!! وأنت تعرف يقينًا أن هذا الغرب الذي يحتفظ لنفسه بكل أسباب القوة العسكرية والاقتصادية، وكل ثقافة القانون والنظام، واحترام حكم المحكمة لا يصدّر إلى أمة العرب إلا علله وأمراضه وثقافة التعاون مع الغرب، والانبهار بحضارته وتقدمه العلمي كي تظل بلاد العرب غارقة في جهلها وسباتها وتبعيتها للغرب تستورد الأزياء، والمأكل ، والمشرب ، والنساء، وتستورد معهنّ ومن خلالهنّ كل أساليب التنكيل والقمع والإذلال والاعتقال والموت لكل الأحرار العرب، ولكل الشرفاء الأباة من أبناء هذه الأمة الذين قرروا أن أرض العرب للعرب، وأنهم لن يتخلّوا عنها، ولن يركعوا إلا لله.

    وإذا كان من الطبيعي أن يتأثر الفلسطينيون بكل هذا الكم الهائل من الهموم الثقافية وغير الثقافية التي تعصف بالعرب عصفًا ، وتهبّ عليهم أعاصيرها من كل اتجاه، وإذا كان من الطبيعي أن يتأثر الفلسطينيون أيضًا بكل ما في هذا الكون من ثقافات وانهيارات وتحديات، وإذا كنا نعلم أن الفلسطينيين الذين يتعرضون للاقتلاع والتهجير والتنكيل والتدمير منذ البدايات الأولى من القرن الماضي تنفيذًا لوعد بلفور، وأنهم بنصفهم المقيم هنا على أرض الوطن، ونصفهم المشرد هناك في ديار الغربة قد تعرضوا في شهر ايار من عام ثمانية وأربعين لأبشع عملية اغتصاب وقهر وإقصاء وإحلال في تاريخ البشرية، وإذا كنا نعلم أن نصفهم المقيم على أرض الوطن يتعرض لهجمة شرسة لا تقل في حجمها وأهدافها عن سابقتها بهدف وضع اليد على ما تبقّى من أرض في يد أصحابها، وبهدف إرغامهم على الهجرة إلى أي خارج بحثًا عن الرغيف الذي أصبحت غالبيتهم عاجزة عن الحصول عليه.. إذا كنا نعلم كل هذا وكثيرًا غيره فإننا بالتالي نعلم حجم الألم والمعاناة والذل والجور الذي يعيشه الفلسطينيون، ونعلم حجم هذه الهموم الثقافية والمعيشية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها هذا الشعب العربي الفلسطيني في بلاده فلسطين، وفي الشتات.

    الفلسطينيون يحملون على ظهورهم سائر الهموم العربية، وعلى رأسها الهم الثقافي لأنهم عرب، والفلسطينيون يحملون منذ أمد بعيد همومهم الخاصة بهم لأنهم فلسطينيون ، والفلسطينيون يحملون نصيبهم من هموم هذا الكون لأنهم جزء من هذا الكون.. ويظل الهم الثقافي الفلسطيني همًّا لا يقل في بشاعته وخطورته عن سائر هموم هذا الشعب لأن كثيرًا من هذه الهموم ناتج عن هذا الهمّ متعلّق به تعلّق المسبَّب بالسبب، والموجود بعلّةِ وجوده.. هموم كثيرة من هموم هذا الشعب لم تكن لتُظِلَّ رأسه لو كان وضعه الثقافي سليمًا.. تخلفه الثقافي آنذاك كان من أسباب هزيمته، وكان من أبرز أسباب نكبته، وعندما أصبحت الحال الثقافية أفضل كانت الأيام قد دارت، وكان السبب الواحد قد ولّد أسبابًا، والعامل قد أوجد عدة عوامل، والنكبة قد أنتجت نكبات!!!

    والهمّ الثقافي الفلسطيني في الليل الفلسطيني الطويل يتجلّى اليوم في هذا اليأس الذي أخذ طريقه إلى نفوس الشباب وقلوبهم، وفي هذا الإحباط الذي أصاب منهم مقتلاً، وفي كل هذه التناقضات والمهازل والنوازل التي أمطرتهم بها الليالي والأيام، وفي كل هذه الانهيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي صرفت كثيرًا منهم عن أهدافهم، وفي هذا الخوف من المجهول الذي يستبد بالغالبية العظمى من الكبار والصغار في هذا الوطن الذبيح.. والهمّ الثقافي الفلسطيني تكاد تراه في وجه كل طالب وطالبة في كافة مراحل الدراسة بما فيها المرحلة الجامعية، حيث ترى كثيرًا من الطلبة لا يحسنون القراءة والكتابة!! ولا يستطيعون كتابة بضع جُمل مفيدة، ولا أريد أن أقول جملة واحدة، مع أنني واثق كل الثقة من أن أعدادًا كبيرة من الطلبة في كافة المراحل لا تستطيع ذلك!! وحيث ترى الطلبة وهم يكنّون كرهًا غير عادي للمدرسة والكتاب، ولا أريد أن أزيد.. فإذا عاتبتَ هذا الطالب المتفوق أو تلك الطالبة المجدّة ممن تربطك بها أوثق الصلات قالت في خجل، أو قل في كسل، وعدم اكتراث، ولا مبالاة ليس عليها من مزيد: أقسم أنني لا أحب المدرسة!! ولماذا أحبها؟ وكيف أحبها، وقد تقطّعت الوشائج والروابط والعلاقات فيما بيني وبينها؟؟ كيف أحبها، وقد ذهب الزمان بمن أحببتهنَّ فيها، وأتى بوجوه غير تلك الوجوه!! المستوى العام في المدارس وفي الجامعات أيضًا في تراجع مستمر إلا من رحم ربك!! الكتب أصبحت تجارة خاسرة،  لأن هذا الجيل الجديد الذي كفر بالكتاب وبالمدرسة يرى عشرات الأمثلة في بيئته الصغيرة والكبيرة ممن لم يتعلموا، ولم يدخلوا مدرسة ( ربما!!) وممن لا يحسنون من القول إلا أدناه.. ومع هذا فقد أصبحوا في هذا الزمان من علية القوم!! وأي قوم من كان هؤلاء عليتهم؟ وكيف تريد من هذا المجتمع أن يؤمن بشيء ؟ وكيف تريده أن يُقبل على شيء ؟ وكيف تريده أن يحفل بشيء؟ كيف تريده أن يُقبل على شعر أو أدب أو علم أو ثقافة أو فكر وهو يرى ما يرى، ويسمع ما يسمع؟ ؟

    والهمّ الثقافي أيضًا يتجسّد في هذه المطبوعات التي لا تراعي لغةً أو فكرًا أو إملاءً، وفي هذه المحليات التي تنتشر في سائر أنحاء هذه الديار، والتي تحاول مشكورة تقديم كل خدماتها للسامع والمشاهد، ولكنني أقولها بصراحة وحرقة إن كثيرًا مما تقدمه هذه المحليات أمر مرعب شكلاً ومضمونًا، لغةً وأسلوبًا وإملاءً، فكرًا وتجربة وممارسة وتوجُّهًا !!! وأنكى من ذلك وأدهى هذه الفضائيات التي لم تسمع أبدًا باللغة العربية الفصيحة، فراحت تتحدث بالعامية، وراحت تشيد بالعامية الإقليمية، وتسخرمن لغة العرب..  هكذا بدون حياء ولا خجل.. وتسألني بعد ذلك: ما سر كل هذا التخلف الثقافي؟ سره يا سيدي أن هذا الشعب في هذه الديار فقد صلته بلغته، وفقد صلته بالكتاب، وفقد صلته بالمدرسة، وفقد صلته بتاريخه، وفقد صلته بجغرافيته، وفقد صلته بدينه وخلقه وأعلام أمته وهداتها وعظمائها، وفقد صلته بجذوره، واغتذى من ثقافة الكسل والنفاق، وأتقن فنون الكذب والخداع والاحتيال وعبادة الأصنام وتأليه الأقزام.. كيف نتوقع من جيل هذه حاله، وهذه صفاته ومواصفاته وخصاله أن يحقق هدفًا؟ بل كيف نتوقع أن يكون له هدف سوى ما نسمعه ونراه من ذميم الغايات والأهداف؟؟

    وبعد،

    فإن كل عرب فلسطين مدعوون اليوم لتجاوز هذا الواقع الثقافي المحزن.. مدعوون اليوم لإرساء أسس نهضة ثقافية شاملة أساسها لغتنا العربية الجميلة.. لغة العرب.. لغة الأجداد.. لغة الثقافة والفكر والأدب.. لغة التاريخ والتشريع والفقه.. لغة الدين والدنيا.. لغة القرآن والأمجاد.. .كل عرب فلسطين: أغنياؤهم وفقراؤهم.. حكامهم ومحكوموهم.. كبارهم وصغارهم.. مثقفوهم، وأدباؤهم ، وكتّابهم، وصحافيوهم، ومفكروهم ، وأحرارهم، وسائر فئاتهم وشرائحهم مدعوون اليوم للنهوض بهذه اللغة، وإعلاء شأنها.. مدعوون لحماية المدرسة والكتاب والمنهاج والطلبة والمعلمين .. مدعوون لحماية المؤسسات الثقافية، والنهوض بها، وتشجيع الحركة الثقافية ، ورعاية المبدعين من الشباب.. سائر أبناء هذا الوطن مدعوون اليوم للنهوض بهذا الوطن ثقافيًّا بعد كل هذه الإخفاقات والتراجعات والانهيارات التي تكالبت على هذا الوطن، وعلى إنسان هذا الوطن، وبعد كل هذه الهزائم والنكبات التي حلّت بنا على مختلف الأصعدة منذ أكثر من ستين عامًا، ولا تزال.

 (15/12/2010)

 

  


الثلاثاء، ١٤ كانون الأول ٢٠١٠

في يوم المعلم الفلسطيني!!!

متابعات

في يوم المعلم الفلسطيني!!!

أ‌.       عدنان السمان

www.samman.co.nr

    في الرابع عشر من شهر كانون الأول من كل عام، دأب المعلمون في هذه الديار على إحياء واحدة من أبرز المحطات في تاريخهم النضالي الطويل الذي يخوضونه منذ عشرات السنين ضد الجهل والجوع والتحكم، وكل محاولات التدخل في العملية التربوية لحمايتها من عبث العابثين ، وعدوان المعتدين.. هذا اليوم الذي أسماه بعضهم "يوم المعلم" وأطلق عليه بعضهم الآخر "عيد المعلم"، هو اليوم الذي اقتيد في ليله الماطر البارد العاصف عشرات المعلمين من مختلف مناطق البلاد للاستجواب والتحقيق... مورست بحقهم مختلف أنواع الإهانات، والاستخفاف بمطالبهم العادلة.. كما وجهت إلى كثير منهم صنوف التهديدات إن هم عادوا للمطالبة بشيء مما يُسمى "حقوق المعلم" !! وعلى الرغم من صنوف الأذى والعدوان التي تعرّض لها كثير من المعلمين بعد ذلك.. وعلى الرغم من ألوان التدخل المضاعف الذي تعرضت له العملية التربوية ، واستهدف مدارسنا، وطلبتنا، وكثيرًا من معلماتنا ومعلمينا، إلا أن أحدًا لم يقف إلى جانب المعلمين كما ينبغي .. ولم يسمع المعلمون أكثر من بعض عبارات التأييد، أو التضامن، أو التعاطف الخجول الذي ما تجاوز الشفاه.. وإن تجاوزها أحيانًا مات في المسامع الصماء، أو قبل أن يصل تلك المسامع.. وليت الأمر قد توقف عند هذا .. فلقد راح بعضهم يوجّه للمعلمين ، وحركتهم، ومطالبهم أسوأ عبارات النقد، والتشهير، والتجريح، وعلى الرغم من الإنجازات التي تمكن المعلمون من تحقيقها في ذلك العام التاسع والسبعين من القرن الماضي إلا أن ما حققه بعضهم لنفسه من مكاسب شخصية كان كبيرًا أيضًا، بل لعله كان أكثر من مستهجن، وأكثر من محبِط في بعض الأحيان.

    وباختصار، فقد تمكن المعلمون في أواخر ذلك العام، وفي الأسابيع القليلة الأولى من العام ثمانين وتسعمائة وألف من تحقيق بعض المكاسب المادية، وإدخال بعض التحسينات على رواتبهم الهزيلة.. أما المكسب الكبير الذي حققته تلك الحركة التي نحتفل اليوم بذكراها الثامنة والعشرين فقد كان التأكيد مجددًا على حماية العملية التربوية، والمناهج المدرسية، والمؤسسات التعليمية من عبث العابثين ، وتدخل المتدخلين، وتطفلهم، وفرض الوصايات على المعلم، والمتعلم، والعامل في حقل التعليم .

    وباختصارٍ أيضًا، فقد أثبت المعلمون وجودهم، واستعرضوا جانبًا من قوّتهم، فازدادوا قوة أدركت سرها سائر الأطراف التي كانت تراقب الموقف عن كثب، لفعل ما تراه مناسبًا بحق هذه الشريحة التي تحركت، فأثّرت ، وأحرجت أكثر من طرف ، وحققت أكثر من إنجاز على الصعيدين الخاص والعام.

    لم يطالب المعلمون في ذلك الحين بعطلة أسبوعية من يومين، بل طالبوا بتدريس ساعتين إضافيتين دون أي مقابل في صباح يوم الجمعة من كل أسبوع، وقد نفّذ منهم هذا الإجراء!! كما قام بعضهم بإعطاء الطلبة ساعةً قبل بدء اليوم الدراسي ، وساعة بعد انتهاء الدوام المدرسي.. ولسنا بحاجة لذكر ما قام به كثير من المعلمين في العام ثمانية وثمانين  عندما كانت الانتفاضة في أوجها.. لقد فتح كثير من الناس بيوتهم لممارسة التعليم الشعبي.. وخاض المعلمون غمار تلك الحرب بقوة، وتمكنوا من تحويل كثير من البيوت والمساجد والمنتديات والجمعيات إلى مدارس خلال ساعات معينة، وفي أوقات محددة من النهار تمامًا كالمدارس.. وكانت الأمور تسير سيرًا طبيعيًّا أو شبه طبيعي لأن أولئك الذين أزعجتهم هذه الخطوة كانوا يلاحقونها، وكانوا لها بالمرصاد... إنني مع المعلم في كل ما يطالب به اليوم .. ولكنني لست معه في هذا المشهد المحزن.. مشهد طلبتنا وهم يعطلّون يومين، ثم يعطلون يومين آخرين احتجاجًا وإضرابًا لهذا السبب أو ذاك، ثم يعطلون أيامًا وليالي  في عيد الفطر بعد شهر كامل من التعليم الجزئي، وعيد الأضحى، وعيد المرأة، وعيد العمال، وعيد الاستقلال، وأعياد أخرى كثيرة نعدّ منها ولا نعدّدها!!

     وإذا سألت عن عدد الأيام الدراسية التي نفّذها المعلمون في العام الدراسي، أو الفصل الدراسي وجدت أنها لا تشكّل إلا نسبة ضئيلة من عدد أيام السنة الدراسية أو الفصل الدراسي ... إنها لا تكفي لإنهاء منهاج، وفهم مقرر، والارتقاء بجدارة إلى صف جديد أو مرحلة جديدة!!!

    إنني مع المعلم في كل ما يطالب به شريطة أن يتعلم الطلبة.. وأن يسلك الطلبة سلوكًا حسنًا في المدرسة والبيت والشارع.. وشريطة أن تزور مدارسنا لجان متخصصة فتنشر تقارير مُطَمْئِنَةً عن سير العملية التربوية التعليمية في هذه المدارس.

14)/12/2010)


الأحد، ١٢ كانون الأول ٢٠١٠

إن الاقتصاد مقوّمات وإمكانات.. لا هِباتٌ ومساعدات!!

 

متابعات

إن الاقتصاد مقوّمات وإمكانات.. لا هِباتٌ ومساعدات!!

أ.عدنان السمان

www.sammman.co.nr

 

    إذا كان الحديث في السياسية أمرًا صعبًا لا تستطيع الخوضَ فيه، والتجديفَ في بحوره المتلاطمة إلا هذه النخبُ المتخصصة المتمرسة الغنية بالتجارب ومعايشة الأحداث والتقلبات، واستخلاص النتائج والدروس والعبر من كل هذا وذاك، ومن أحداث التاريخ التي لم تعشْها هذه النخب، بل درستْها حتى صارت أعلم بها ممن عاشوا وقائعها، وخاضوا غمراتها، وركبوا صهواتها في كثير من الأحيان.. إذا كان الحديث في السياسة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً أمرًا صعبًا فإن الحديثَ في الاقتصاد أمرٌ أشد صعوبة..

    ولئن كانت السياسة في كثير من الأحيان خاضعة لنصر عسكري يحرزه مغامر، أو يحققه مقامر في غفلة من الزمان.. ولئن كانت السياسة أيضًا أحلافًا وتحالفاتٍ وتكتلات من أجل تحقيق الأمجاد تارةً، ومن أجل حماية الأوطان تارة أخرى.. ومن أجل التسلية وإضاعة الوقت، والعبث، والتلهي بما لا طائل تحته.. حتى قال بعضهم في السياسيين ما نربأ بأنفسنا عن تكراره.. فإن الاقتصاد شيء مختلف، وإن الخوض فيه لا يتأتى لرجال السياسة والعلاقات العامة، وللمتسكعين في شوارع الضباب، وفي الصالونات الدافئة، في ليالي الشتاء الباردة.. بل إنه لا يتأتى إلا لرجال المال والأعمال، وللمتخصصين في هذا المجال، لا بالأقوال بل بالأفعال.. وقد يتأتى لبعض السياسيين ممن جمعوا بحكم التجربة، والدراسة، والخبرة الواسعة بين الأمرين.

    الاقتصاد مقومات وإمكانات.. وهو إعداد واستعداد، تدخل فيه، وتتحكم بخط سيره طبيعة الناس، وطبيعة الحياة التي يحيَوْنها، وطبيعة الأرض التي يعيشون عليها، وطبيعة النظم السياسية والاجتماعية والفكرية التي تحكم حياتهم الخاصة والعامة، وتنتظم كل أوجه حياتهم اليومية، وتطلعاتهم وطموحاتهم المستقبلية.

   وهو إما أن يكون صناعيًّا، أو زراعيًّا، أو صناعيًّا زراعيَّا، أو عسكريًّا، أو مدنيًّا، أو تقليديًّا، أو سبّاقًا إلى كل جديد مبتكر بفعل أدمغة أبنائه، وتلهفها للابتكار والتجديد والإبداع، ونفورها من الاجترار والمحاكاة والتقليد، وإضاعة الوقت في كل ما لا يُجدي، ولا يفيد.

    فإلى أي لون من هذه الاقتصادات ينتسب اقتصادنا، وإلى أيٍّ منها ينتمي؟ أين هو هذا الاقتصاد الذي نتحدث عنه؟ أين هي مقوماته في الوقت الذي لا نمتلك فيه أرضًا وماءً وهواء؟ أين هي مقوماته، ونحن لا نملك السماد والبذار والغذاء وأبسط مقومات الحياة؟ أين هي مقوماته ونحن لا نستطيع أن نمارس أبسط أشكال الحياة على أرضنا، ولا نستطيع أن نبني بيوتنا على الغالبية الساحقة من مساحات هذا الوطن إلا بإذن، وإلا بشروط أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها تنازل عن ملكيتنا لهذه الأرض التي امتلكناها منذ فجر التاريخ؟ إن كنا نتحدث عن هِباتٍ ومساعدات تأتي من هنا، ومن هناك، فهذه ليست مقومات اقتصاد.. وهذه ليست الإمكانات التي تُبنى عليها دعائم وجود اقتصادي، ونهضة اقتصادية شاملة.. بل هي شيء مؤقَّت يزول بزوال أسبابه، وانتهاء الغاية منه!!

    إذا كان ما يقدّمه المانحون هباتٍ خالصةً لوجه الله الكريم، فلماذا لا يقدم هؤلاء المانحون شيئًا لشعوب كثيرة في هذا العالم تعاني من الجوع والموت بسبب المجاعات والأوبئة والتصحّر ونقص شديد في الأموال والثمرات؟ لماذا لا يقدم هؤلاء المانحون شيئًا لمعظم شعوب إفريقيا التي تعيش البؤس بأسوأ معانيه، وأقبح صوره؟ لماذا لا يقدّمون شيئًا لشعوب أمريكا الوسطى، ولكثير من شعوب آسيا، بل لماذا يصرون على نهب ثروات تلك الشعوب؟ ولماذا يصرون على غزو كثير منها، وتدمير ما كانت سواعد أبنائها قد بنته بالعرق والدم والدموع؟؟

    وإذا كان الهدف من هذه المساعدات والمنح بناء اقتصاد وطني، فلماذا تُنفق هذه الأموال جميعها في وجوه الاستهلاك المختلفة، ولا تُستثمر في مشاريع إنتاجية صناعية وزراعية بحيث تضمن دخلاً لفئة أو فئات من أبناء هذا الشعب؟؟ ولماذا تتحول غالبية هذا الشعب إلى فئة من الموظفين تعدد أيامًا وتقبض راتبًا؟؟ أو فئة من طالبي الإحسان من أبناء هذا الشعب الذين حوّلهم هذا الواقع المرّ إلى فئة من الفقراء المعوزين بعد أن كانوا كرامًا عاملين يأكلون خبزهم بعرق الجبين؟؟

    هل نحن نترسم خطى ألمانيا التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية، ومزّقتْ أراضيها، واحتُلَّتْ عاصمتها عام خمسة وأربعين؟ هل نحن نفعل ما فعلته ألمانيا التي كانت من دول العالم الكبرى بعد عشرين عامًا فقط من هزيمتها في تلك الحرب؟ هل نحن نترسم خطى اليابان التي تعرضت لقنبلتين ذريتين في أواخر الحرب العالمية الثانية عام خمسة وأربعين، ثم خرجت من تلك الحرب مهزومة لتوقع على وثيقة الاستسلام؟ هل نحن نقتدي باليابان التي تمكنت رغم هذا كله من أن تصبح اليوم على رأس الدول الصناعية في هذا العالم؟هذان مثلان اثنان، ولا أريد أن أضيف هنا أمثلة أخرى: ألمانيا، واليابان أقوى قوتين اقتصاديتين في هذا العالم، لماذا حققتا كل هذا التقدم الأسطوري في العلم، والمعرفة، والعلوم، والآداب، والفنون، والزراعة، والتجارة، والاقتصاد، والصناعة المدنية، والتطور الحضاري، والثقافي، والازدهار، والرِّفاء، والمدنية، والنهضة المعرفية الشاملة؟؟ إن نحن عرفنا الإجابة عن هذه الأسئلة، فإننا بالتالي نكون قد عرفنا أنفسنا.. وقديمًا قال سقراط: "اعرف نفسك!!".

    إن إزالة حاجز هنا، وآخر هناك، واستيعاب عدد من العمال في هذا المصنع الإسرائيلي، أو ذاك هنا في المحتل من الأرض منذ سبعة وستين، أو هناك على أرض ثمانية وأربعين لا يعني ازدهارًا وانتعاشًا اقتصاديًّا، أو اجتماعيًّا، أو سياسيًّا.. لأن الاقتصاد في انهيار مستمر بسبب السيطرة اليومية المستمرة على الأرض، وبسبب تكريس الاستيطان والجدران، وبسبب تخريب كافة مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين، أو تجييرها لصالح المستوطنين، وبسبب كل هذه المضايقات، وكل هذا التحكم، وكل هذه المحاولات التي تستهدف القضاء على كل عوامل النهوض الاقتصادي، والوجود الاقتصادي الفلسطيني.. بالإصرار على ربط ما تبقّى من هذا الاقتصاد المدمَّر ربطًا وثيقًا مُحْكَمًا بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي حتى لا تقوم له قائمة، وحتى لا يتكرر هنا ما حدث في ألمانيا، واليابان بعد الهزائم العسكرية!! فأي أثر أو تأثير لهذا الاقتصاد الكسيح الذي لا يكاد يبلغ اثنين بالمئة من ذاك؟ بل أيّ وجود لاقتصاد يتحول معظم الناس فيه إلى مجموعات متناقضة متباينة من الموظفين، ومجموعات بائسة يائسة من العمال العاطلين أو شبه العاطلين، ومجموعات من الفلاحين التعساء البائسين الذين يلهثون وراء الجدار وأمامه ومن خلفه بحثًا عن شبر أرض يزرعونه، فلا يكادون يظفرون به إلا بشق الأنفس، بعد أن فقدوا أرضهم وزروعهم وأشجارهم وثمارهم؟!!!

    إن الاقتصاد والتنمية الاقتصادية أمران شديدا الالتصاق بالتحرر السياسي، والاستقلال، واستغلال موارد البلاد، وإمكاناتها أفضل استغلال، بل وتنمية هذه الموارد والإمكانات وصولاً لبناء اقتصادي متين يساهم في تدعيم الاستقلال السياسي، ويحميه من عبث العابثين، وتلاعب المتلاعبين، وطمع الطامعين الذين يتربصون به الدوائر.

    وإن الاقتصاد، والتنمية الاقتصادية، والسير بالبلاد والعباد نحو شاطئ الأمان والنجاة والرِّفاء والأمن الغذائي، والنمو الاقتصادي ليس حبّاتٍ من بطيخ جنين التي كانت تُباع هنا أو هناك، وليس حبات من عنب الخليل، ولا حبّات من الجوافة تجود بها علينا بقية أرض كانت لقلقيلية ذات يوم!!

 (12/12/2010 )


الجمعة، ١٠ كانون الأول ٢٠١٠

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان!!

متابعات

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    يصادف هذا اليوم العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ما اصطلح المجتمع  الدولي في أجندته السياسية والاجتماعية والإنسانية على تسميته باليوم العالمي لحقوق الإنسان.. ولعلّ من المناسب جدًّا هنا أن يُشار إلى أن هذا المجتمع الدولي كان موفقًا في اختيار هذا التوقيت قبل يوم واحد من ذكرى القرار (194) الصادر في الحادي عشر من شهرنا هذا، والقاضي بوجوب عودة اللاجئين والمهَّجرين الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم في العام ثمانية وأربعين  وتسعمائة وألف ليبلغ تعدادهم اليوم وبعد أكثر من إحدى وستين عامًا على النكبة  ستة ملايين لاجئ ومهجَّر تعيش غالبيتهم العظمى هنا على أرض الوطن، وأقطار الجوار، في محيط لا يتجاوز مداه عن مدنهم وقراهم مئة ميل بلغة الأبعاد والمسافات، ولا يستغرق أكثر من ساعة في حساب الزمن بلغة الدقائق والساعات!!

    في اليوم العالمي لحقوق الإنسان يُنكَّل بالبشرية، وتُذَلّ وتُهان في كثير من الأقطار والأمصار والبلدان.. وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان تطفو على السطح قضايا  اللاجئين والمهجَّرين والأسرى والمعتقلين السياسيين والإداريين.. كما تطفو على هذا السطح الأسود قضايا الاضطهاد، والتمييز العنصري، والفقر، والجوع، والأمية، والمرض، والتخلف، والرق، والاستبداد، والتحكم برقاب الناس، وأرزاقهم، وضرب رقابهم، ومصادرة قرارهم وإرادتهم.. وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان تُحتلُّ كثير من الأوطان، وتُقمع شعوب، وتُضطهد أمم، وتسود الكون، وتنتشر فيه مع الأسف الشديد مجتمعات الأسياد والعبيد!!

    وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان يستبد الفساد بهذا الكون الذي يتكاثر فيه الفاسدون والمفسدون بشكل غير مسبوق.. وتصرخ على لوحات إعلانات الحوادث وكبار الأحداث فيه صورٌ رهيبة تقشعرّ لهولها الأبدان من شتى ألوان الجريمة المنظمة، وتلك العشوائية.. مئات الأعمدة في الصحف اليومية والأسبوعية في هذا العالم تروي آلافَ الحوادث والجرائم والموبقات التي اقتُرفتْ في هذا الكون بحق أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وفقراء وضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا ولا نفعًا.. ومئات العناوين في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تتحدث يوميًّا عن القتل، والسلب، والنهب، والإحراق، والإغراق، والاغتصاب، وقضايا  التشرد والجنوح والمخدرات.. وقصص وحكايات لا يكاد يصدّقها العقل عن ألوان من الظلم والاستبداد والقهر والعدوان ما أنزل الله بها من سلطان!!

    وإذا كان المجتمع  الدولي في هذا اليوم يَحتفل بالإنسان وحقوقه، فقد احتفل قبل ذلك بيوم الأسرة العربية، وبيوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وباليوم العالمي للمعاقين، وباليوم العالمي لإلغاء الرق، وكان قد احتفل قبل ذلك باليوم الدَّولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وباليوم العالمي للطفل، وبيوم التصنيع في إفريقيا!! وسيحتفل بعد ذلك بكثير من المناسبات والعناوين المثيرة التي تشتمل عليها أجندته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية دون أن تحقق البشرية أدنى نفع من هذا كله!! بل إن الرياح قد جرت في تلك الأيام بما لا تشتهي السفن: ففي يوم الأسرة العربية تجري محاولات جادّة لتفكيكها، وإفقارها، ونشر المخدرات بين صفوف أبنائها... وفي يوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية سجّلت شعوب هذا العالم مزيدًا من البِطالة والفقر والتناحر والخصام... وفي اليوم العالمي للمعاقين أسمعناهم أحلى الكلام، وأبقينا على أوضاعهم النفسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أبقينا على معاناتهم وآلامهم وعذابهم دون أن نفعل شيئًا مذكورًا لتحسين أحوالهم على الرغم من أن الغالبية الساحقة منهم  هي من ضحايا الحروب والاعتداءات، ومن ضحايا التخلف والفقر والفساد، ومن ضحايا البيئة.. وفي هذه الحالات جميعها هم ضحايانا نحن بني البشر المخادعين المراوغين المعتدين.. ومع ذلك لم نفعل شيئًا من أجلهم!! وأغلب الظن أن  نصيب الشعوب المقموعة في هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان لن يكون أفضل من نصيبها فيما سبق من أيام!!

    وإذا كان هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان يأتي متزامنًا مع ذكرى القرار (194) أو بفارق يوم واحد، وإذا كان يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني قد حل محل ذكرى القرار (181) بشأن تقسيم فلسطين والذي صدر في (29/11/1947) قبل اثنين وستين عامًا، وإذا كان هذا القرار قد قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية، وعربية؛ فإن يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني في أحسن أحواله سيؤدي إلى وقوف كثير   من الدول إلى جانب الفلسطينيين في إقامة دويلة متواضعة على أقل من  نصف المساحة التي ضمنها القرار (181) هذا إذا وافق الإسرائيليون على ذلك، ولن يوافقوا: فالقدس الموحدة بمساحتها البالغة عشرة بالمئة من مساحة الضفة الغربية هي عاصمتهم الأبدية، واللاجئون الفلسطينيون لن يعودوا بحال من الأحوال، والمستوطنات هي المستوطنات.... وهذا باختصار شديد يعني أن شيئًا مما يريده الفلسطينيون لن يتحقق، وأن شيئًا مما يطالب به المجتمع الدولي أيضًا لن يتحقق، فلماذا كل هذا اللف والدوران؟ ولماذا كل هذه الحركات والتحركات؟ ولماذا كل هذه الأسماء والمسميات والمناسبات التي ما أدت في الماضي، ولن تؤدي في المستقبل إلا لمزيد من الخسارة، ومزيد من التشرد، ومزيد من الخيبة والفشل والتراجع والهوان؟!!

    إن في فلسطين متسعًا لكل من فيها، ولكل أبنائها الذين أُبعدوا عنها قسرًا في عام النكبة، وإن في القدس أيضًا متسعًا لكل من فيها من أبنائها المقيمين، ومن أبنائها الذين أُجبروا على النزوح عنها والخروج منها، ولا زالوا يُجبرون!! وإن دولاً في هذا العالم فيها من السكان أكثر مما في فلسطين التاريخية على الرغم  من أن مساحتها قد تكون  أقل.. فلماذا يختلف الوضع هنا كل هذا الاختلاف؟؟

    إن وضع القرار (194) موضع التنفيذ هو أولاً وقبل كل شيء حق تاريخيٌّ سياسيٌّ فرديٌّ أبديٌّ (لكل فلسطيني) لا يسقط بالتقادم، وهو ثانيًّا حقٌّ ضمنه المجتمع الدولي، وهو أيضًا حقٌّ أخلاقيٌّ، وهو حقٌّ إنساني، وهو إلى جانب هذا كله وكثير غيره حق لا يمكن تجاوزه والقفز عنه إذا أُريدَ لهذه القضية الفلسطينية أن تُحَلّ... ومع ذلك فإن وضع هذا القرار موضع التنفيذ، والاعتراف المطلق بحق اللاجئين والمهّجرين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم لا يعني بالضرورة أن يعود هؤلاء جميعًا في يوم وليلة إلى بلادهم، ولكنه يعني أن لهؤلاء الحق في هذه العودة، ومن الممكن أن يعود هذا المواطن أو ذاك اليوم، ثم يعود إلى مكان عمله خارج البلاد،  وقد يعود  بعد ذلك، وقد لا يعود تمامًا مثل كثير من اللبنانيين المنتشرين في كل أرجاء هذا العالم.

     في لبنان قرابة خمسة ملايين لبناني، وفي هذا الكون خمسة وعشرون مليونًا من اللبنانيين.. هؤلاء جميعًا لهم كل الحق في أن يعودوا إلى وطنهم في أي وقت، ولكنهم لا يعودون لأسباب متعلقة بهم، وليس لأن القانون في لبنان يمنعهم من ذلك!! فهل مثل هذا المثال من شأنه أن يُقنع هؤلاء الذين يريدونها دولة يهودية نقية بخطأ ر[يهم؟ وهل مثل هذا الحديث الصريح الواضح من شأنه أن يبدد المخاوف والهواجس التي قد تنأى بأصحابها عن الامتثال لمبادئ الحق والعدل والعدالة؟ وهل في مثل هذا العرض حافز للمتطرفين المتعصبين للتخلي عن التطرف والتعصب والمغالاة ونظرة الاستكبار والاستعلاء على الآخرين، ولا سيما إن كانوا أصحاب الحق المبين الذي لا حلّ لكل قضايا المنطقة بدون رضاهم واقتناعهم وموافقتهم بعد حصولهم على حقوقهم التاريخية والوطنية والإنسانية في بلادهم فلسطين؟؟      

    أليس من الضروري جدًّا في هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان أن يعمل الناس جميعًا في هذا الكون من أجل احترام  إنسانية الإنسان، ومن أجل حصول البشر جميعًا على حقوقهم كاملة غير منقوصة، ليُصار بعد ذلك لبناء مجتمع إنساني متحضر متطور متعاون متسامح ترفرف عليه رايات السلام العادل الشريف، ولا مكان فيه لجائع أو خائف أو مضطهد أو مظلوم؟؟ نرجو ذلك!!

(9/12/2010)


الثلاثاء، ٧ كانون الأول ٢٠١٠

في العام الهجري الجديد!!

متابعات

في العام الهجري الجديد!!

أ/عدنان السمان

www.samman.co.nr.

    في عيد الهجرة لا بد للناس أن يتذكّروا الدعوة، وما واجهه الرسول الكريم في سبيلها من الصعاب، وإصراره (عليه السلام) على تبليغ هذه الرسالة، وأداء هذه الأمانة حتى كان له ما أراد... وفي عيد الهجرة لا بد للناس أن يعرفوا أسبابها، وأن يقفوا على مضامينها ومعانيها، ولا بد لهم أن يربطوا بين هذه الهجرة التي يحتفل بذكراها المسلمون اليوم، وقيام دولة الإسلام في المدينة المنوّرة لأول مرة في تاريخ العرب، ولأول مرة أيضًا في تاريخ هذا الكون... وفي عيد الهجرة لا بد للناس أن يوازنوا بين تلك الدولة التي أقامت العدل، وحكمت بالعدل، وأرست دعائم العدل، والعدالة، والإخاء، والمساواة بين الناس على اختلاف ألوانهم، وأديانهم، وألسنتهم.. وهذه الدول التي تستبيح دماء الناس، وأموالهم، وأوطانهم في هذا الزمن الذي يسمونه زورًا وبهتانًا زمنَ الحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة أيضًا!! لا بد للناس أن يوازنوا بين دول النظام الرأسمالي هذه التي تمتصّ – أول ما تمتص – دماء شعوبها، وتقذف بهذه الشعوب إلى جحيم أهوائها وأطماعها، وتضحّي بهم على مذابح التحالفات والاعتداءات الغاشمة على الشعوب الضعيفة المسالمة في هذا العالم!!

    لا بد لنا – ونحن نستقبل هذه الذكرى – أن نحسن الموازنة بين عدالة الإسلام، وتسامح المسلمين من جهة، وهؤلاء الذين يستبيحون اليوم كل ديار الإسلام، فينهبون، ويحرقون، ويعتدون... وأمرّ من ذلك وأدهى أنهم بعد كل ممارساتهم المدانة في ديار العروبة والإسلام يتهمون المسلمين والعرب بالتطرف والتعصب والإرهاب!!

    إن هذه الأمة الإسلامية التي تحتفل في الأول من شهر محرم من كل عام بعامٍ هجري جديد تخليدًا لهذه الذكرى العطرة، وتمجيدًا لهذه المناسبة التي يهل هلالها اليوم على أمة الإسلام إنما تفعل ذلك وهي في حال من التشرذم والتمزق والضَّياع ليس من السهل وصفها، وليس من السهل تصديقها..فهذه الأمة رغم الوفرة والكثرة، ورغم أنها لم تغادر ديارها وأوطانها، إلا أنها لا تملك هذه الأوطان والديار، بل لا تملك شيئًَا من قرارها، وأمر نفسها.. وتلك الأمة، بل ذاك النفر الذي ارتحل "سرًّا " من بلدٍ ترك فيه كل ما يملك، إلى بلد ليس له فيه إلا إخوة المعتقَد.. ذاك النفر، أو تلك الأمة كانت تملك كل شيء!! كانت تملك سلاح الحق والإيمان.. كانت تملك مكة التي غادرتْها، والمدينة التي ذهبت تستقري أهلَها، وتحلُّ بين ظهرانيهم، وكانت تملك شبه الجزيرة العربية كلها، بل كانت تملك كل بلاد العرب، وما وراء تلك البلاد منذ اللحظة التي تركتْ فيها كل شيء هنا، وهاجرتْ لتقيم دولتها هناك.. أصبحت تملك كل شيء منذ اللحظة التي اعتنقتْ فيها هذا الدين، واتبعت فيها تعليمات هذا النبي الأميّ العربيّ القائد المعلم صلوات الله وسلامه عليه.. هذا النبي الذي إنما جاء ليصنع مجد هذه الأمة، ويعلي من شأنها بين الأمم، وليضمن لها – صلاة الله وسلامه عليه- سعادة الدارين، وليخرجها من الظلمات إلى النور.

    إننا – ونحن نستقبل هذه الذكرى – نقول : إن أحدًا في شبه الجزيرة لم يكن يتوقع أن يكون للعرب في يوم من الأيام كل هذا الشأن، وكل  هذه الأمجاد.. بل لم يكن ليخطر على بال أحد في هذا الكون أن يخرج العرب من شبه جزيرتهم بهذه القوة، وأن تنطلق أمة الصحراء بكل هذا العنفوان، وأن تتوحد تلك القبائل العربية المتخاصمة المتحاربة لتبني للناس هذه الحضارة العربية الإسلامية في شرق الدنيا وغربها، لتصبح الحواضر العربية الإسلامية، والمدن العربية الإسلامية مشاعل نور وهداية للبشرية.. ولتصبح دمشق عاصمة الدنيا كلها، وكذلك – واحر قلباه – بغداد العروبة والإسلام.. ولتصبح كل المدن العربية، والمدن الإسلامية في بلاد الشام، والعراق ، ومصر، وشبه الجزيرة، والمغرب العربي، والأندلس، وفي بلاد المشرق الإسلامي التي لا تكاد تُحصى عددًا مراكز علم وحضارة يقصدها طلاب العلم والمعرفة من سائر أقطار الدنيا... إن أحدًا لم يكن يتوقع أن يحدث كل هذا لولا هذا الإسلام الذي وحّد العرب.. ولولا هذه الهجرة التي أقامت دولة الإسلام في مدينة الرسول الأعظم.. ولولا أولئك الرجال الأباة الذين ما انحنت هاماتهم إلا لله، فكانت لهم الغلبة، وكانت لهم العزة، وكانت لهم الدنيا التي عمروها ونشروا في ربوعها رسالة الحق والعدل والسلام.

    في هذا العام الهجري الجديد لا بد من وضع وحدة الهدف والموقف والمصير على رأس سلّم الأولويّات في سائر أقطار العروبة والإسلام.. ولا بد من العمل الفوريّ الجاد لتحقيق التكافل والتضامن والتعاون بين شعوب العرب والمسلمين في محاولة جَسورة لوضع شعار التضامن الإسلامي موضع التنفيذ العملي.. وضرورة التزام سائر أقطار العروبة والإسلام بالمواقف والقرارات النابعة من مصالح هذه الأقطار في الحرية، والتحرر ، والسيادة، والتقدم، والرِّفاء، والبناء، والإعمار...لابد أن يعود المسلمون كما كانوا أمة كريمة عزيزة مرهوبة الجانب حرة أبية.

    وفي هذا العام الهجري الجديد لا نريد أن تكون هذه الذكرى العطرة – كغيرها من مناسباتنا العظيمة – مجرد يوم عطلة رسمية تغلق فيه مدارسنا ودوائرنا أبوابها؛ فقد كره الناس هذه العطل التي لم تعد عليهم إلا بالضرر والخسران... في عيد الهجرة – وفي غيره من أعيادنا – نريد عملاً، وجهدًا مضاعفًا.. نريد علمًا ومعرفة..  نريد رجولة وصلابة في المواقف.. نريد تشبُّثًا بالحقوق .. نريد عزّةً وكرامة.. نريد وحدة في المواقف والمشاعر وفي الغايات والأهداف.

وفي هذا العام الهجري الجديد لا ننسى أن نشد على أيدي كافة الأُباة الأحرار الكرام في سائر ديار العروبة والإسلام، ولا ننسى أن نشيد بمواقف أنصار الحق والعدل والحرية في كافة أنحاء هذا العالم.وكل عام وانتم بخير

 

7/12/2010

   

  


الاثنين، ٦ كانون الأول ٢٠١٠

كلمات .. في الانتخابات والاحتجاجات والاعتقالات التي واكبتها !!

متابعات    

كلمات .. في الانتخابات والاحتجاجات والاعتقالات التي واكبتها !!

          أ.عدنان السمّان

www.samman.co.nr

         

الانتخابات المصرية التي أجريت في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني الماضي، لاختيار مجلس الشعب المصري رافقتها – مع الأسف- أعمال عنف، وأعمال شغب، كما شهدت حوادث مؤلمة أسفرت عن ضحايا بريئة، واعتداءات وتجاوزات واستخفاف بأبسط قيم هذا الشعب، وبأبسط حقوقه الطبيعية في اختيار ممثليه في إطار من النزاهة والشفافية، وفي إطار من الحرية الكاملة التي ضمنها القانون، وكفلتها كافة التشريعات والشرائع التي عرفها هذا الشعب العريق، وآمن بها منذ بداية عهده بهذه الحياة.

إن شعب مصر صاحب أقدم حضارة في هذه المنطقة من العالم، وصاحب أقدم تجربة سياسية ونيابية فيها، وصاحب التاريخ الحافل بالمعالي والأمجاد والنضال من أجل حرية مصر واستقلالها وكرامتها، ومن أجل حرية شعوب هذه المنطقة، وعزتها، وسيادتها على أرضها.. شعب مصر هذا كان يجب أن يخوض هذه المعركة الانتخابية بشكل أفضل، وكان يجب أن يعبر عن نفسه بطريقة بعيدة عن كل هذا العنف الذي رافقها، وأعمال الشعب التي واكبتها، والتهم الكثيرة التي وُجهت إليها، والاحتجاجات والاعتصامات والاعتقالات والانسحابات التي شهدها العالم كله في يوم الانتخابات ذاك على الساحة المصرية.. شعب مصر كان يجب أن يخوض معركته الانتخابية دون أن تحرق أي من دوائره الانتخابية، ودون أن يُمنع مندوبو المرشحين المعارضين والمستقلين من دخول اللجان الانتخابية، ودون أن يُمنع مراقبو المجتمع المدني من الإشراف الفعلي على عملية الانتخابات، ودون أن تضطر لجنة الانتخابات العامة لإلغاء هذه الانتخابات في عدد كبير من الدوائر الانتخابية، ودون أن يحدث كل هذا التزوير والتدخل في الشأن الانتخابي، ودون أن تمارس كل هذه الضغوط على الناخبين خلال العملية الانتخابية ترغيبًا وترهيبًا، ودون أن يقوم عدد كبير من مرشحي الحزب الحاكم بالدعاية الانتخابية لأنفسهم خلال سير الانتخابات، ودون أن تبرز على الساحة كل هذه التناقضات القانونية، وما واكبها من استخفاف هؤلاء المتنفذين بسيادة القانون وسلطة القضاء، الأمر الذي مسّ كثيرًا بهيبة القضاء المصري لأول مرة في تاريخه الحديث.

إن من المؤلم أن يلجأ المتنفذون في أي بلد إلى وسائل الضغط والتزوير والتهديد والتأثير على الناخبين لضمان سير الانتخابات في البلد لصالحهم، ولحرمان وجهات النظر الأخرى، وأحزاب المعارضة، والمستقلين، وسائر فئات الشعب من حقها الطبيعي المشروع في الترشح والانتخاب، وإن من المؤلم جدًّا أن يبلغ الأمر بالمتنفذين حدّ إطلاق النار على خصومهم السياسيين، وحدّ إراقة الدماء على الساحة الانتخابية، وحدّ تهديد الناخبين، واعتقال الخصوم السياسيين من أمام الدوائر الانتخابية، وحدّ إرهاب الشارع كي يمنح أصواته للمتنفذين قسرًا وإكراهًا وإلاّ !! وإن من المؤلم أيضًا أن يصار بعد ذلك إلى تمجيد كل هذه الأفعال والممارسات المسيئة لأصحابها والمسيئة للمجتمع، والمسيئة لمجموعة القوانين والأنظمة التي تحكمه، والمسيئة لمجموعة القيم والأخلاق التي تواضع عليها الناس في البلد خلال مسيرتهم الطويلة، وعلى طول درب الحياة الطويل، وإن من المؤلم حقًّا وصدقًا أن يهلل المهللون بعد ذلك للتزوير، وأن يسبّحوا بعد ذلك بحمد القمع، والكبت، وكمّ الأفواه، وتقييد الحريات، وشراء الضمائر، وكل أشكال الاستزلام، التي ما كانت يومًا إلاّ وبالاً على المجتمعات التي مارستها، والشعوب التي ابتليت بها.

إن الشعوب لا تنهض إلا بالحرية، والتربية الوطنية الأخلاقية، واحترام فكر الإنسان وعقله، واحترام رغبة الشعوب في الحرية والتحرر والاستقلال، ونفورها من التبعية والتزوير والاستغفال والاستخفاف بالناس وقمعهم ومحاولة سوقهم كالقطيع.. فمتى تفهم أمتنا كل هذه الحقائق؟ ومتى يدرك من يعنيهم أمر هذه الأمة أنه لا يصح في نهاية الأمر إلا الصحيح؟ ومتى يفهمون أيضًا أن الانتخابات التي لا يشارك فيها إلا منتسبو الحزب الحاكم وأعوانهم لا يمكن أن تكون انتخابات عامة، ولا يمكن أن تمنح الشرعية "للفائزين" فيها، لأنهم ليسوا ممثلين للشعب بموجب هذه الانتخابات الباطلة؟

6/12/2010


السبت، ٤ كانون الأول ٢٠١٠

القدس تنادي.. فمن يلبي النداء ؟؟

متابعات                                                            

 

القدس تنادي.. فمن يلبي النداء ؟؟

 أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

        العرب والمسلمون والفلسطينيون جميعًا مدعوون لتلبية النداء.. الدنيا كلها مدعوة للتلبية.. ليس من القدس ولن يكون.. وليس من أحبابها ولن يكون.. وليس محبًّا للحق والعدل والخير والجمال والحرية ولن يكون من لا يلبي نداءها.. القدس تنادي أبناءها ومحبيها.. تنادي الطلبة العرب، والمثقفين العرب، والعمال العرب، والفلاحين العرب، والأحرار العرب، كي يفعلوا شيئًا من أجلها، وكي يفعلوا شيئًا من أجل أهل القدس، ومؤسسات القدس، ومنكوبي القدس، ومهجَّريها، وفقرائها، ومشرديها القدس تنادي أمة العرب كي تفعل شيئًا من أجل الأقصى والقيامة ومسجد عمر وكافة الكنائس والمساجد والمقدسات المسيحية والإسلامية في مدينة الصلاة "قلب فلسطين" عاصمة المحبة والتسامح والصفاء والضياء والسناء والوئام والسلام.. المسجد الأقصى ينادي أُمةً تَرَكَتْه أضعفَ ما يكونُ مكانًا.. القدس تنادي أمة العروبة والإسلام كي تفعل شيئًا من أجل أطفال القدس، وصبايا القدس، وشبابها، ونسائها ورجالها، وسائر مواطنيها.. وكي تفعل شيئًا من أجل هُوية القدس العربية، ومن أجل تاريخ القدس العربي، وجغرافية القدس العربية، وثقافة القدس العربية، ومعالم القدس العربية، وتراث القدس العربي، وأمجاد القدس عبر التاريخ منذ فجر التاريخ عندما أقام "يَبوسُ" أولَ بيت من مخطط البناء العربي في هذه المدينة العربية الفلسطينية الخالدة.. وعندما أطل عمر مكبّرًا في جيشٍ مكبّرٍ من الصحابة الأبرار، في جبل مكبِّرٍ يبلّغ السماءَ نداءَ الأرض واحتفالَها بهذا اليوم الأَغَر.. وعندما أصدر الخليفة الأموي المرواني عبد الملك تعليماتِه ببناء المصلى المرواني ومسجد الصخرة، وعندما أصدر تعليماتِه بأن تُطلى قبةُ الصخرة المشرّفة بالذهب الخالص بعد أن انطلق رسلُهُ في بلاد العرب والمسلمين بحثًا عن فقراءَ ومحتاجينَ فلم يجدوا!!.. وعندما دخلها القائد الأسطوري التكريتي الخالد صلاح الدين محرِّرًا حاملاً المنبرَ من دمشق إلى القدس في مسيرة ظافرة من البطولات والانتصارات على أرض فلسطين من الشمال إلى الوسط إلى الجنوب، ليضع هذا المنبر في مكانه من المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين.

        القدس تنادي.. فمن يلبي النداء؟ القدس تنادي أبناءها في العالم الإسلامي كي يفعلوا شيئًا من أجل سلامها، وسلامتها، وسلامة مقدساتها، وسلامة أجيالها على هذه الأرض المقدسة.. وكي يفعلوا شيئًا من أجل إعادة البسمة إلى عيون أطفالها، وكل أطفال فلسطين الذين أنستهم الهموم والأحزان والآلام طعم المحبة والحنان، ومعنى الفرح والابتسام، والعيش بأمن وأمان وثقة واحترام.. وكي يفعلوا شيئًا من أجل سلام هذه المنطقة الذي بات مهدَّدًا تتقاذفه الرياح ذات اليمين وذات الشمال، دون أن يتقدم أحد لإنقاذه، ووضع حد للمخاطر والانهيارات التي تتهدده منذرةً بشرٍّ مستطير يغشى البلاد والعباد، ويأتي على الأخضر واليابس أو يكاد.

        شعوب العالم كله مدعوة لتلبية نداء القدس.. الولايات المتحدة الأمريكية، والقارة الأوربية، ودول العالم الثالث، ودول أمريكا اللاتينية، والصين، وروسيا، وكافة الشيوعيين والرأسماليين مدعوون جميعًا لتلبية النداء.. العالم كله مدعوٌّ لوضع حد لكل ما يجري في القدس، ولكل ما يستهدف المقدسيين العرب ومقدساتهم وممتلكاتهم وحرياتهم وحقوقهم ومعتقداتهم.. العالم كله مدعوٌّ لحماية القدس والمقدسيين، ووضع حد لكل مظاهر التهويد والهيمنة والتضييق والاستعلاء والاستكبار والمداهمات والملاحقات والمصادرات والاعتقالات، ووضع حد لكل أساليب القمع والتهديد والتخويف والعقوبات الجماعية التي يتعرض لها شعب مسالم أعزل يئن تحت احتلال استيطاني إحلالي إقصائي منذ عقود وعقود.. العالم كله مدعوٌّ اليوم لحماية المسجد الأقصى من المخاطر التي تتهدد وجوده، وحماية سائر المقدسات الإسلامية والمسيحية في هذه المدينة العربية المسالمة العصيّة على الغزاة والمحتلين.  

        مجلس الأمن مدعوٌّ لعقد اجتماع طارئ يتدارس فيه الأوضاع في القدس، ويتخذ القرار المناسب الذي يضع حدًّا لكل معاناة المقدسيين وآلامهم ومخاوفهم، والاعتداء على مقدساتهم، وحقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي لا يجوز لأحد أن ينتقص منها، مهما كانت الذرائع والحجج والمسوّغات، لأن أحدًا لا يملك حق العدوان على الشعوب، ولأن أحدًا لا يحق له استعباد الآخرين مهما كانت أسبابه، ومهما كانت أساليبه، ومهما كانت ذرائعه!! الشعوب جميعًا يجب أن تمتلك حريتها، وتستعيد كرامتها وحقوقها السليبة.. إن مجلس الأمن قادر على إنقاذ القدس، وإنقاذ المقدسيين.. وقادر على إنقاذ الفلسطينيين جميعًا داخل بلادهم فلسطين وخارجها بقرار واحد يأخذه بالإجماع بعيدًا عن "الفيتو" الأمريكي.. يُلزم فيه المعتدي بالكف عن عدوانه، ويُلزم فيه المحتلين بالخروج من الأراضي التي يحتلونها خدمة للعدل والامن والسلم الدَّولي.. فهل تفعل أمريكا ذلك ؟ وهل تلبي أمريكا نداء القدس ؟ وهل تلبي أمريكا نداء الفلسطينيين والعرب والمسلمين في إنقاذ القدس من المخاطر التي تتهددها؟ وهل تنتصر أمريكا الآن، وقبل فوات الأوان لنداء الحق والعدل والسلام؟ نرجو ذلك.

 (4/12/2010 )


الأربعاء، ١ كانون الأول ٢٠١٠

متابعات       

في اليومين العالميين للمعاقين وإلغاء الرق!!

                         أ.عدنان السمان

www.Samman.co.nr

        لئن قرر المجتمع الدولي أن يكون اليوم الثاني من هذا الشهر الثاني عشر من كل عام يومًا مخصصًّا ومكرّسًا لإلغاء الرقّ، وتحرير الرقيق في هذا العالم، فإن هذه الأمة العربية الإسلامية التي تعتبر بدورها جزءًا لا يتجزأ من هذا المجتمع الدولي، قد مارست ذلك بمختلف الوسائل والسبل، وأنها قد تصدت لهذه الظاهرة منذ فجر الإسلام، حين أصرت الشريعة الإسلامية على تحرير الرقيق كلما كان ذلك ممكنًا، على أن تراعى في ذلك دائمًا مصلحة هذا "العبد المملوك" وعلى أن تراعى أيضًا ظروفه وأحواله، وأن تؤخذ في الاعتبار مقدرته على الاستقلال بشأنه الخاص؛ فإن كان مسنًّا مريضًا عاجزًا عن تدبير أموره، وتوفير متطلبات معيشته، وإن كان البقاء في كنف ذلك السيد (الذي جمعت بينه وبين مملوكه أخوةُ الإسلام) ولو مؤقتًا هو في صالح هذا "العبد" فلا بأس من استمرار الحال على ما هي عليه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، ويكفي أن يشار هنا إلى أنه يترتب على السيد أن يعامل هذا "العبد" معاملة حسنة تليق بإنسانيته وآدميته، وأنه يترتب عليه أن يطعمه مما يأكل، وأن يلبسه مما يلبس، وأن لا يكلفه من الأعمال فوق ما يطيق، وأن لا يحول بينه وبين حريته إذا هو طلبها وأصرّ عليها.. صحيح أن هذه الشريعة لم تحرم الرق، ولم تحرر الرقيق في نص صريح مباشَر، وكل ما فعلته –كما يقولون- أنها فتحت الآفاق أمام المجتمع للتخلص من هذه الظاهرة بالتدريج، ومع مرور الوقت، وأنها قد شجعت الناس وحثتهم على التخلص منها، وإن كانت قد أبقت عليها في بعض الأحيان للأسباب التي قد مرّ ذكرها.

        ومما لا شك فيه أن هذه الأمة، وأن هذه الشريعة قد حرصت كل الحرص على كرامة الإنسان، وعلى صيانة حقوقه واحترامها، وأن الإسلام لم يفرق بين الناس من حيث اللون والجنس والدين والمعتقد والوضع الاجتماعي والاقتصادي، وأنه لم يفرق بين "سيد" و "عبد"، وحاكم ومحكوم، ورئيس ومرءوس، إذ كثيرًا ما حضر خليفة الإسلام إلى مجلس القضاء، للنظر في قضية رُفعت ضده، وكثيرًا ما كان حكم القاضي النزيه لصالح المواطن ضد رأس الدولة، وضد كثيرٍ من أركانها، دون محاباة، ودون التفاف على القانون، ودون انحياز لصالح المنصب والسلطان!! كل هذا، وكثير كثير غيره، يؤكد بما لا يدع أدنى مجال للشك على أن هذه الأمة كانت السباقة لبناء المجتمع الإنساني السليم المعافى العامل القائم على أسس العدل والعدالة والمحبة والتسامح والمساواة بين جميع فئاته، وجميع مستوياته، وجميع ألوانه وأطيافه وأديانه وأعراقه.. لا فرق بين كبير وصغير، وغني وفقير، وطويل وقصير، وأبيض وأسود، وأحمر وأصفر، إلاّ بالتقوى، وإلا بالعمل الصالح، وإلا بما يقدم هذا أو ذاك من خدمة للناس؛ فأحب الناس إلى الله أنفعهم لعباده.

ولئن قرر المجتمع الدولي أيضًا أن يكون اليوم الثالث من هذا الشهر الثاني عشر من كل عام يومًا لإنصاف المعاقين، والاهتمام بهم، وتلبية طلباتهم، واحتياجاتهم، فإن هذه الأمة التي جبلت على التعاطف، والمواساة، والشعور مع المصابين، وعيادة المرضى والمنكوبين، وحب الخير للآخرين، قد ضربت المثل الأعلى في القيام بهذا الواجب المقدس تجاه كل المعاقين من أبنائها، وبناتها، وما أكثر هؤلاء المعاقين! وما أكثر هذه الإعاقات، وما أشد وطأتها على النفس والشعور والوجدان! وما أشد حاجتنا للعمل من أجل هؤلاء المعاقين الذين هم جزء لا يتجزأ من هذه المجتمعات البشرية التي يفترض أن تعمل من أجل سعادة أبنائها، ومن أجل هنائهم، وطيب عيشهم ورِفائهم.

ولعل من هؤلاء المعاقين من يولد معاقًا، ولعل منهم المعاق حركيًّا، أو سمعيًّا، أو بصريًّا، أو عقليًّا.. ولعل منهم من كانت إعاقته ناجمة عن مرض ألمّ به، أو حادث سير تعرض له.. ولعل منهم من نجمت إعاقته عن إصابة أو اعتداء همجي أفقده بصره، أو يده، أو رجله، أو رجليه كلتيهما، أو اعتداء وحشي أصابه بالشلل الجزئي، أو النصفي، أو الكلي.. وها نحن في مجتمعنا هذا نشهد آلافًا من هذه الحالات التي أصيب فيها شباب في عمر الورود بهذه الإعاقات.. وسواء كانت الإعاقة طبيعة ولدت مع المعاق عندما رأت عيناه النور، وعند بداية عهده بالحياة إن لم تتمكن عيناه من رؤية النور، أو كانت بفعل فاعل، أو لهذا السبب أو ذاك؛ فإن المجتمع الإسلامي قد حرص منذ أقدم العصور على علاج هؤلاء المعاقين علاجًا جسديًّا ونفسيًّا، عندما كان هذا المجتمع في يومٍ من الأيام أكثر مجتمعات العالم تقدمًا وتطورًا، وأكثرها سبقًا في ميادين الطب وغير الطب، وأكثرها رأفةً بالإنسان، وحرصًا على حياته ومشاعره وكرامته، وعندما كان الإحسان إلى الناس أصحائهم ومعاقيهم من أفضل الأعمال التي يتقرب بها صاحبها من الله.. وعندما كان هذا المجتمع أيضًا أكثر مجتمعات الأرض رفقًا بالحيوان، وأشدها حرصًا على راحته وسلامته، وأكثر مجتمعات الأرض رفقًا بالشجر والزرع، وحرصًا على الطبيعة وجمالها... نعم لقد حرص المجتمع الإسلامي، وحرصت شريعة الإسلام على هذا كله، وعلى كثير غيره مذ كانت هذه الشريعة، ومذ كان هذا المجتمع، والأمر ليس بحاجة لضرب الأمثلة، والإتيان بالشواهد، فكل ذلك من الأمور المعروفة في تاريخ هذه الأمة، ومن الأمور التي يشهد بها العدو قبل الصديق.

بقي أن نقول في اليوم العالمي لإلغاء الرقّ الذي يصادف اليوم الثاني من هذا الشهر، وفي اليوم العالمي للمعاقين الذي يصادف اليوم الثالث منه: إن على هؤلاء الذين ما زالوا يتجرون بالرقيق الأسود والأبيض، والذين ما زالوا يتاجرون بالشعوب ويسترقّونها وينهبون ثرواتها ومقدَّراتها ويقصفونها بوابل من حمم الموت والدمار والإبادة في كثير من أقطارها، ويتسببون في إعاقات ومصائب لا تعد ولا تحصى لشيبها وشبابها أن يتعلموا من تاريخ الإسلام، وثقافته، وعدالته، وتسامحه، وحرصه على سعادة البشرية وأمنها وأمانها، وأن يتعلموا من مبادئ الإسلام وتعاليمه كيف تكون الحياة، وتصان الحريات والكرامات، وتلغى العبودية، وتصان كرامة المعاق وحقوقه.

1/12/2010


الاثنين، ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٠

متابعات        

قرار تقسيم فلسطين .. في ذكراه الثالثة والستين !!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

في ذكرى صدور قرار التقسيم الذي يحمل الرقم (181) منذ ثلاثة وستين عامًا، وفي هذا اليوم الذي أسماه المجتمع الدولي فيما بعد يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني لا بد من تقديم بعض الحقائق التاريخية لهذه الأجيال العربية، ولهذه الأجيال الفلسطينية التي لا تكاد تعرف شيئًا مذكورًا عن هذه المناسبة التي حدثت في مثل هذا اليوم من عام سبعة وأربعين، وقبل ستة أشهر ونيف من قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين عام ثمانية وأربعين، لا بد لهذه الأجيال أن تعلم أنه في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف بذلت الولايات المتحدة الأمريكية قصارى جهدها لإقرار مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين.. وعلى الرغم من أن هذا القرار الذي حظي بأغلبية ثلاثة وثلاثين صوتاً ضد ثلاثة عشر, وامتناع عشر دول عن التصويت, هو قرار صادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة لا عن مجلس الأمن الدولي, إلاّ أنّ اليهود والصهيونية العالمية والولايات المتحدة قد اعتمدته أساسًا لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين على مساحة تبلغ (56.5%) تقريبًا من مساحة البلاد في الوقت الذي كانت فيه الجالية اليهودية آنذاك تملك نحو سبعة بالمئة من المساحة الإجمالية البالغة (27009) كيلو مترًا مربعًا.. وفي الوقت الذي كان فيه عدد السكان اليهود (560.000) خمسمائة وستين ألفًا من مجموع سكان البلاد البالغ آنذاك (1.690.000) مليونًا وستمائة وتسعين ألف ساكن, وفي هذا السياق يُشار إلى أن دافيد بن غوريون, كان يعتمد على عامل الزمن من أجل وضع اليد على ما تبقّى من فلسطين, وعلى ما يمكن الوصول إليه من أرض العرب... وهذا ما حدث قبيل إنهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين, وبعد خروجها منها عندما احتل اليهود بقوة السلاح مناطق واسعة من فلسطين كانت مخصصة للدولة العربية بموجب قرار التقسيم.. وأصبحوا يسيطرون على قرابة ثمانين بالمئة من أراضي البلاد يوم الخامس عشر من أيار عام ثمانية وأربعين, إضافة إلى افتعال عدد من المجازر بهدف تهجير الغالبية العظمى من العرب الفلسطينيين من ديارهم, والاستيلاء على ممتلكاتهم, وهذا ما حصل فعلاً بعد تهجير قرابة ثمانمائة ألف فلسطيني بقوة السلاح من مدنهم وقراهم.. ويشكل هذا العدد أكثر من سبعين بالمئة من عرب فلسطين آنذاك.. ويبلغ تعداد اللاجئين الفلسطينيين اليوم قرابة ستة ملايين لاجىء.

وعلى الرغم من أن الصهيونية العالمية كانت المستفيد الأول من قرار التقسيم.. وعلى الرغم من مؤازرة الولايات المتحدة لهذا القرار قبل التصويت عليه وبعد التصويت, إلا أنّ الولايات المتحدة قد اقترحت في آذار من عام ثمانية وأربعين وضع فلسطين تحت وصاية دولية بدلاً من تنفيذ قرار التقسيم.. وذلك بسبب رفض المسلمين والعرب وكثير من الفلسطينيين لهذا القرار, والمقاومة الشرسة التي خاضوها منذ صدوره ضد القوات البريطانية المنتدبة على فلسطين, والقوات اليهودية التي تنسّق مع بريطانيا لتنفيذ هذا القرار.. وبسبب خوف الولايات المتحدة من تعرّض مصالحها في المنطقة للخطر.. ولكنّ الحركة الصهيونية ظلت تضغط حتى تراجعت أمريكا عن هذا الاقتراح.. وعادت لتؤيد من جديد قرار التقسيم.

إنّ هذه الدولة التي أقامها اليهود عام ثمانية وأربعين قد توسعت عام سبعة وستين لتشمل فلسطين كلها ومناطق واسعة من أرض العرب.. وهكذا وقعت فلسطين كلّها لأول مرة في تاريخها تحت احتلال يهودي استيطاني يطلق على المدن والقرى والجبال والأنهار والسهول والوديان والمواقع الأثرية والدينية والتاريخيّة أسماء قديمة يقول هو إنها عبريّة, ويقول الفلسطينيون إنها كنعانية أو يبوسيّة (عربيّة قديمة).. ويذهب معهم هذا المذهب كثير من المؤرخين وعلماء الآثار المحايدين المنصفين.. وكانت حكايتنا مع ضم القدس الشرقية, عام سبعة وستين إلى الشطر المحتل عام ثمانية وأربعين.. وحكايتنا مع: الاستيطان.. ومصادرة الأراضي.. وهدم البيوت.. واقتلاع الأشجار.. وتلويث البيئة.. ونهب المياه.. وغلاء الأسعار.. وغسل أدمغة الناس ولا سيّما الشباب.. والسّجون, والتعذيب.. والاعتقال الإداري.. واعتقال الأطفال.. والأحكام العسكرية.. وقوانين الطوارىء.. ونشر الفساد.. وقلب الحقائق.. والتلاعب بالتاريخ والجغرافيا.. لقد بات واضحًا أن الهدف هو تهويد الأرض المحتلة عام سبعة وستين, والقضاء على الإنسان العربي الفلسطيني وتصفيته نفسيًّا وجسديًّا وفكريًّا.. وشلّ طاقاته وقدراته.. وقهره.. وحصر همه في الحصول على لقمة العيش في أحسن الأحوال.

لقد رفض كثير من الفلسطينيين قرار التقسيم عام سبعة وأربعين, كما رفضوا قيام "إسرائيل" على الجزء الأكبر من فلسطين عام ثمانية وأربعين.. وعبّروا عن رفضهم هذا بالمقاومة المسلحة الشرسة التي خاضوها ضد القوات البريطانية واليهودية على أرض فلسطين.. كما رفضت ذلك شعوب العالمين العربي والإسلامي.. وكثير من الأنظمة التي كانت قائمة آنذاك.. وقد ظلت المنطقة كلّها مسرحًا للحروب والمعارك والأحداث الدامية منذ تلك الأيام وحتى أيامنا هذه..

ومع أن كل أطراف الصراع كانت ولا تزال تعلم جيدًا أن شعب فلسطين كان ضحية مؤامرة رهيبة منذ صدور وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام سبعة عشر وتسعمائة وألف.. وأنه استُهدف للاقتلاع والتهجير من أرض آبائه وأجداده.. وأُجبر على النزوح عن وطنه والعيش في المنافي وديار الغربة منذ أكثر من اثنين وستين عامًا.. أقول على الرغم من معرفة الدنيا كلها بما جرى لشعب فلسطين, إلا أن أحدًا لم يفعل شيئًا حتى الآن من أجل إعادة الأمور إلى نصابها والحق إلى أصحابه.. وعلى الرغم مما يفعله هؤلاء المحتلون بمن بقي من الفلسطينيين على أرض الوطن من تقتيل وتعذيب وتجويع وعزل وإهانة واعتقال واعتداء وإذلال وحصار.. وما ينتج عن ذلك كله وكثير غيره مما لا يُرى ولا يُقال من تدمير كامل للاقتصاد, وتشويه للأوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية.. وتعهير لكل المبادىء والقيم والمثل العليا.. وتحطيم للأطفال الذين كثيرًا ما رأوا آباءهم يضربون ويهانون وأصبح زادهم اليومي آباء يُضربون ويُهانون وأحيانًا يُقتلون أمامهم بدم بارد.. وكثيرًا ما رأوا أمهاتهم وهن يتعرضن لكل ألوان الإهانة والعري والجوع والموت عند الحواجز وغير الحواجز.. وكثيرًا ما رأوا زملاء وأقرانًا تتناثر أشلاؤهم لتملأ الدنيا دمًا وهلعًا وفزعًا وخوفًا ورعبًا وحقدًا أسود تكفي شحنة منه لتدمير الحياة على هذا الكوكب.. نقول: على الرغم من هذا كله إلاّ أن أحدًا لم يتقدم حتى الآن لإنقاذ هذا الشعب: شبابه, وشيبه, ونسائه, وأطفاله, ومصالحه, وحرياته, وكل أوجه حياته اليومية من الانهيار والتلاشي والزوال.. وردود الفعل اليائسة كلما كان ذلك ممكنًا !!!

وبعد,

فإلى متى سيظل هذا الشعب يرسف في أغلال العبودية والذل والهوان والجوع والفقر والمرض.. وإلى متى سيبقى هكذا بنصفيه: المقيم هنا على جمر الوطن, والمحترق هناك بنيران اللجوء والاغتراب؟؟ ألا يرى المجتمع الدولي كل هذا؟ ألا يسمع؟ أما آن لهذا الشعب أن يعيش في وطنه مثل شعوب هذا العالم؟

لقد جُنّت أمريكا وطار صوابها ولم يعد إليها العقل حتى الآن نتيجة بضع ضربات هدمت عددًا من المباني, وأودت بحياة بضعة آلاف من الناس.. فماذا يقول شعبنا الذي يتعرض للتهجير والاقتلاع والإبادة منذ عقود؟

وفي هذه الذكرى أيضًا لا بد من القول إن هذه القضية الفلسطينية التي تريد لها أطراف كثيرة أن تتلاشى وتزول دون أن يحصل الفلسطينيون على شيء من حقوقهم لن تتلاشى، ولن تزول، ولن ينسى شعب فلسطين العربي شيئًا من حقه في بلاده فلسطين، وسوف يظل كثير من العرب، وكثير من الناس في هذا العالم يعملون إلى جانب الفلسطينيين الذين يصرون كل الإصرار على عودة حقوقهم المشروعة في بلادهم فلسطين إلى أن تعود تلك الحقوق كاملة غير منقوصة.

 

29/11/2010


متابعات          

ليس بالإغراءات والمراوغات وصفقات الأسلحة والمحفِّزات تُحل المشكلات ويُصنع السلام!!

"3"

أ.عدنان السمّان

www.samman.co.nr

 

ولقد تمكن لبنان من الوقوف في وجه كثير من الحوادث والأحداث التي استهدفته، بل إن اللبنانيين تمكنوا من الوقوف في وجه كثير من الأعاصير التي هبت عليهم لتدمير لبنان وتخريبه، والعبث بكل مواطنيه، وإحباط كافة محاولاته الرامية للخروج من مشكلاته وأزماته.. وهكذا كانت قوة لبنان في ضعفه، وكانت قوة لبنان في حرية صحافته، وكانت قوته في أحزابه، وكانت قوته في اتفاق كافة قواه السياسية والدينية والاجتماعية على هذا النظام السياسي الطائفي على الرغم من كل سيئاته وعيوبه، وكانت قوته في إصرار كثير من أبنائه على الخروج به سليمًا معافًى من كل أزماته، ومن عبث بعض العابثين به من أبنائه، ومن كل ارتباطات هؤلاء العابثين بأعداء لبنان واللبنانيين، وبكل المتربصين بلبنان واللبنانيين الدوائر.. وما من شك في أن نكبة العرب في فلسطين عام ثمانية وأربعين، وهجرة كثير من الفلسطينيين في ذلك العام إلى لبنان وغير لبنان قد ألحق كثيرًا من الأضرار بلبنان واللبنانيين، كما ألحق أبلغ الأضرار بالفلسطينيين الذين قيل يومها إنهم قد أخلوا بالتوازن الطائفي في البلد، كما قيل إنهم قد أخلوا بالأمن والأمان في ربوعه .. إن من الحقائق التي يعرفها الفلسطينيون جميعًا في لبنان أن الحكومة اللبنانية قد منحت الجنسية اللبنانية لكثير من الفلسطينيين عام النكبة، ولكنها توقفت عن فعل ذلك عندما أدركت أن عملها هذا قد أخل بالتوازن الطائفي، وهكذا أصبحت إحدى الأختين اللاجئتين لبنانيةً، بينما بقيت الثانية على فلسطينيتها في عين الحلوة، أو الرشيدية، أو برج البراجنة.. وإن من الحقائق التي يعرفها الفلسطينيون في لبنان أيضًا أن كثيرًا منهم قد أخرجوا من مخيماتهم مرارًا وتكرارًا في ليالي الشتاء الباردة للاستجواب والتحقيق، وربما استدعى الأمر أكثر من ذلك.. وإن منها ما كان ينشر في أعمدة الحوادث في كثير من الصحف اللبنانية آنذاك من أنه قد ألقي القبض على الفلسطينية فلانة بنت فلان متلبسة بكذا وكذا، وفي العمود نفسه كان القارئ يقرأ أن رجال الشرطة اللبنانية قد اشتبهوا بإحدى اللبنانيات.. وقد أعادوها إلى بيتها معززة مكرمة.. يضاف إلى هذا وكثير غيره حياة الفقر والجوع التي عاشها الفلسطينيون في مخيماتهم، وعليه فقد كان الفلسطينيون في لبنان وغير لبنان أول من تناغم مع صيحات الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي ملك على الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج سمعها وبصرها، وكان الفلسطينيون في لبنان وغير لبنان أكثر المؤيدين لجمال عبد الناصر، وأكثر المحبين له، بل لقد كانوا سيف عبد الناصر المصلت على رقاب كثير من أعدائه في بلاد العرب، عندما كانت مصر أقوى أقطار العرب، وأكثرها نفوذًا في كل بلاد العرب، وفي كل أقطار أفريقيا، وفي كثير من أقطار آسيا، وعندما كان عبد الناصر واحدًا من أبرز الشخصيات العالمية، ومن أقرب المقربين إلى الاتحاد السوفياتي، ومن أكبر أعداء الغرب وحلفائه وعملائه في بلاد العرب، ومن أكبر أصدقاء شعب فلسطين في كل مكان.. ولا ينسى الفلسطينيون في لبنان وغير لبنان ما قدمه عبد الناصر لشعوب الأمة العربية، وللشعب اللبناني، وللفلسطينيين في لبنان من خدمات ومساعدات ورفع للروح المعنوية، وكفى تلك الفترة من حياة لبنان، وحياة الفلسطينيين في لبنان أن بنى لهم نظام عبد الناصر العربي جامعة بيروت العربية، وزودها بخيرة المحاضرين والأساتذة، وأهدى إلى اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان بعثة الأزهر الشريف التي كان لها أبلغ الأثر في إرساء دعائم العروبة في هذا القطر العربي.. ولا ينسى الفلسطينيون في لبنان وغير لبنان التفاف الفلسطينيين حول منظمة التحرير الفلسطينية، وحول المقاومة الفلسطينية، وحول رمزها القائد الشهيد ياسر عرفات الذي اتخذ من الفاكهاني في محيط الجامعة العربية مقرًّا لقيادته.. ولا ينسى الفلسطينيون، في لبنان أنهم عاشوا أجمل أحلامهم، وأروع أيامهم خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي تسعة وستين واثنين وثمانين، أي منذ توقيع اتفاق القاهرة الذي نظم العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، وخروج تلك المقاومة من لبنان في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي، ومجازر مخيمي صبرا وشاتيلا، وما حاق بالفلسطينيين بعد ذلك من مذلة وهوان وبؤس وشقاء لا زالوا يتجرعون كؤوسه المرة حتى يومنا هذا، ولعل من الضروري جدًّا أن يشار هنا إلى أن كثيرًا من اللاجئين الفلسطينيين قد آثروا الهجرة من لبنان إلى كثير من أقطار الغرب، وبهذا فقد انخفض عددهم هناك كما انخفض وزنهم وفعلهم وتأثيرهم في الحوادث والأحداث قبل ذلك بزمن طويل!!.

لا أقول هذا من باب الوقوف على الآثار والأطلال، ولا أقوله من قبيل بكاء ليلى، والطرب إلى هند، ولا من باب الدعوة والترويج لصهباء كالورد وغير الورد، ولا أقوله تأسِّيًا أو تشفِّيًا، وإنما أقوله لهذه الأجيال العربية التي فقدت كثيرًا من مقومات وجودها اليوم، وفقدت كثيرًا من ذاكرتها العربية، وذاكرتها الوطنية، وذاكرتها الفلسطينية، وفقدت كثيرًا من مقومات شخصيتها العربية العظيمة التي قارعت الظلم والطغيان، وانتصرت للحق وبالحق في يوم من الأيام... وأقوله أيضًا ليكون مقدمة تاريخية لما حدث بعد ذلك، وزادًا لجيل الشباب العربي في لبنان وغير لبنان، وأقوله أيضًا ليكون زادًا لكل الفلسطينيين الذين يربو تعدادهم اليوم على اثني عشر مليون فلسطيني، يعيش نصفهم هنا على أرض وطنهم فلسطين التاريخية، ويعيش نصفهم الآخر هناك في أقطار الجوار، وهنالك في أقطار التشرد واللجوء والاغتراب.

لقد أدرك اللبنانيون أن أرضهم المحتلة منذ اجتياح عام اثنين وثمانين لا يمكن أن تتحرر إلا بالمقاومة، وهكذا كان، كما أدركوا أن الوسيلة الوحيدة لحماية أرضهم من أطماع الطامعين فيها هي امتلاك القوة الرادعة، وامتلاك الإرادة والعزيمة والإصرار على ذلك، فكان لهم ما أرادوا، ولقد أدرك هؤلاء اللبنانيون أن الانتصارات العسكرية التي أحرزوها في مواجهة الإسرائيليين قد ألّبت عليهم كثيرًا من القوى والجهات والدول التي أرقها وقضّ مضاجعها هذا التحول في موازين القوى، وموازين الرعب، بعد أن عكفت سوريا على تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل في أعقاب حرب العاشر من رمضان من عام ثلاثة وسبعين، وإعلان السادات آنذاك أن تلك الحرب ستكون آخر الحروب، ودخوله في محادثات كامب ديفيد التي أسفرت عن اعتراف السادات بإسرائيل، وإقامته علاقات طبيعية معها.. لقد اعتبرت هذه الدول والقوى والجهات أن هذه المقاومة اللبنانية التي تمكنت من تحرير الجنوب اللبناني، وتمكنت من إحراز الانتصارات في المواجهات والمناوشات التي خاضتها مع الإسرائيليين ما هي إلا شكل من أشكال الرد السوري على احتلال الأرض العربية، والرد السوري على الرفض الإسرائيلي للانسحاب من هذه الأرض العربية المحتلة، وهي شكل من أشكال التوازن الاستراتيجي الذي حرصت سوريا على تحقيقه في أعقاب حرب تشرين التحريرية، كما أدركت هذه الجهات بالطبع أن سوريا هي التي تزود المقاومة اللبنانية بالسلاح وغير السلاح، وأن سوريا هي التي تقف وراء حركات المقاومة والممانعة في فلسطين، وأنها قد لعبت دورًا بارزًا في نجاح الثورة الإسلامية في إيران، كما كانت لها اليد الطولى في هذا التحول الذي شهدته تركيا، ولا زالت تشهده.. ولقد حاولت هذه الجهات، ومنها جهات عربية، وغربية أوروبية، ومنها كذلك الولايات المتحدة وإسرائيل أن تثني سوريا عن سياستها هذه، تارة بالاستعداد لإعادة الجزء المحتل من الجولان إلى الوطن الأم سوريا، وتارة برفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا منذ أواخر القرن الماضي، وطورًا بتقديم المساعدات والتسهيلات لسوريا والسوريين، حتى أن الأمر قد بلغ بإحدى تلك الجهات أن عرضت على السوريين إطلاق أيديهم في لبنان ضمن الصفقات الكثيرة التي عرضت على السوريين، ولكن الردود الإسرائيلية كانت دائمًا هي الأكثر حسمًا، وهي الأكثر لفتًا لانتباه السوريين؛ لقد تمثلت الردود الإسرائيلية منذ تلك الأيام وحتى يومنا هذا في إعلان ضم الجولان المحتل، وفي تكثيف الاستيطان الإسرائيلي فيه، وفي الإصرار على التنكر لحقوق الفلسطينيين، والإصرار على ضم القدس وتهويدها، ومواصلة الاستيطان في الضفة الغربية، أو يهودا والسامرة كما يسمونها، والاستمرار في حصار قطاع غزة، والاستمرار في انتهاج سياسة "الترانسفير" تجاه عرب الجليل والمثلث والنقب، والاستمرار في انتهاج سياسة العداء والتربص بلبنان وسوريا وفلسطين وإيران وتركيا، والاستمرار في مناصبة كل من يبدي شيئًا من التعاطف مع الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين أشد أنواع العداء، ولا بد من الإشارة هنا إلى هذا القانون الجديد الذي تبناه "الكنيست" الإسرائيلي بأغلبية كبيرة بشأن "التنازل" عن أي شبر من أرض القدس والجولان!! والذي يعني إصرار هؤلاء على عدم التخلي عن أي شبر من هذه الأرض العربية المحتلة مهما كلف الأمر، ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن هنالك كثيرًا من مشاريع القوانين التي تنتظر الخروج إلى حيّز التنفيذ في الأوقات المناسبة !!

وهكذا يواصل الإسرائيليون سياستهم المعلنة ضد الحقوق الوطنية المشروعة الثابتة للفلسطينيين في وطنهم فلسطين، وهكذا يواصلون موقفهم المعادي للبنان واللبنانيين، ولسوريا والسوريين، ولكل من يتعاطف مع قضايا التحرر العربي.. ولعل المراقبين وغير المراقبين في هذه الديار، وفي غير هذه الديار يعرفون جيدًّا أن الإسرائيليين قد برعوا منذ أمد بعيد في الاستفادة من كافة التناقضات والعداوات والأحقاد بين الناس في هذه الديار، ومن كافة أوجه التخلف والجهل والأمية والفقر والمرض والتشرد والقهر والقمع والكبت في كل ديار العروبة والإسلام، كما برعوا في أساليب التودد والتقرب من كثير من الناس في بلاد العرب والعجم، وأنهم قد تمكنوا منذ عشرات السنين من تأسيس شبكة واسعة من العلاقات العامة في كثير من أقطار العروبة والإسلام، ومنها فلسطين ولبنان وغيرهما من أقطار الجوار وغير الجوار.. كما أن هؤلاء المراقبين يعرفون كيف يتمكن الإسرائيليون من الارتقاء بأصدقائهم في هذا البلد أو ذاك إلى أعلى المناصب، وكيف يتمكنون من شراء هذا النظام أو ذاك، وكيف يتمكنون أيضًا من تسليط أصدقائهم وأحبابهم على هذه الأنظمة والقوى والهيئات والأحزاب والجماعات والتجمعات الكثيرة التي لم يتمكنوا من شرائها، ولم يتمكنوا من اختراقها، ولم يتمكنوا من ليّ ذراعها أو غمز قناتها، أو النيل من عزيمتها وإرادتها وإصرارها على مواصلة الدرب نحو أهدافها.. من السهل عليهم تسليط أصدقائهم على هذا النظام الذي فشلوا في "ترويضه"، ومن السهل عليهم أن يسخّروا أقوى قوى العالم في الشرق والغرب للوقوف إلى جانبهم في مساعيهم هذه.. فأصدقاؤهم هؤلاء المرتبطون بهم من أبناء ذلك البلد هم "معارضون"، والنظام يجب أن يحترم المعارضة، ولكن هذا النظام يقمع تلك المعارضة، فلا بد من عقابه، ولا بد من حصاره، ولا بد من إسقاطه بهذه الحجة، وبهذه الذريعة !! وما يقال في النظام، يقال في الحزب والجماعة والهيئة التي يقررون حصارها وإسقاطها بالأسلوب المشار إليه !! وفي الوقت نفسه فإن أنظمة "الاعتدال" التي تقيم معهم العلاقات، ويرضى عنها حلفاؤهم وأصدقاؤهم في دول الغرب، وترضى عنها منظمات الضغط في أمريكا وأوربا وغيرهما من الأقطار والأمصار يكون من حقها أن تزوّر، وأن تعتقل، وأن تقتل، وأن تنكل بالناس، وأن تجوعهم، وتجهّلهم، وتزيد من معاناتهم وأمراضهم، وأن تنهب خيراتهم، وتدمر مكتسباتهم، وتهدم مؤسساتهم التي بَنَوها بالعرق والدم والدموع؛ فإذا ارتفع صوت من هذه المدرسة، أو تلك المؤسسة، أو تلك الجامعة، أو هذا المسجد، أو هذا البيت، أو تلك الهيئة، وإذا ارتفع صوت هذا المحاضر، أو ذاك الكاتب، أو هذا الإعلامي، أو ذاك البرلماني، مطالبًا بالعدل والعدالة، واحترام القانون، والمحافظة على المال العام، والعمل من أجل إحقاق الحق، ونشر الوعي، واحترام الحريات، والتصدي للجرائم والموبقات، فإن كل هؤلاء الذين يطالبون بحق الأمة في الحياة الكريمة الآمنة، وإن كل هؤلاء الذين يطالبون بحقهم في الرغيف وحبة الدواء وشربة الماء هم إرهابيون، وعلى المجتمع الدولي أن يقف إلى جانب ذلك النظام (المعادي للشعب وتطلعاته) في محاولاته الجادة للقضاء عليهم!!

بالعودة إلى النموذج اللبناني الذي اعتمده هذا البحث، يجد الباحث أن المقاومة اللبنانية قد تمكنت من التغلغل في الشارع اللبناني، وأنها قد نفت عن نفسها صفة الفئوية والطائفية والمذهبية والحزبية الضيقة بإقامتها أمتن الصلات، وأوثق العلاقات بكثير من الفئات والتيارات والمذاهب والمستويات اللبنانية المعروفة بين اللبنانيين بحسن سيرها وسلوكها، وبانتمائها العربي الذي لا تشوبه شائبة، وعليه، فقد تمكنت هذه المقاومة من انتزاع إعجاب كافة فئات الشعب اللبناني ومستوياته في كافة مناطق لبنان، كما تمكنت هذه المقاومة من إفحام خصومها السياسيين وإحراجهم، بل وتعريتهم بصدق الكلمة، وقوة الحجة، والوفاء لدماء الشهداء، والمحافظة على عزة لبنان وكرامته.. وعلى الرغم من ذلك كله، إلا أن هذه الجهات المعادية للبنان واللبنانيين لا زالت تراهن على محكمة شهود الزور الدولية، وعلى قرارها الظني الذي سيصدر قريبًا، ظنًّا منها أن ذلك سيغير من الحقيقة، وظنًّا منها أن ذلك سينال من المقاومة، وظنًّا منها أن ذلك سيضعف من عزيمة سوريا، وظنًّا منها أن ذلك سيكون المفتاح لتجريد المقاومة من سلاحها..وعلى الرغم من تبرئة هذه المحكمة لسوريا مؤخرًا، وعلى الرغم أيضًا من العلاقات الجيدة التي ربطت رئيس الوزراء اللبناني بعد ذلك بسوريا، وعلى الرغم من تبرئة رئيس الوزراء اللبناني للمقاومة اللبنانية عشية زيارته لطهران، إلا أن ذلك لم يمنع نائب وزير الدفاع الأمريكي من توجيه أسوأ تهديد بتمزيق المقاومة اللبنانية، لأنه يعتبرها العقبة الكأداء في وجه مخططاته ومخططات حلفائه لفرض سيطرتهم على لبنان وغير لبنان، وعلى فلسطين وغير فلسطين، من أقطار الجوار، وغير الجوار، والسيطرة بالتالي على كل بلاد العرب دون استثناء.

لقد تعرضت هذه الأمة في الماضي لكثير من الانتكاسات والهزائم، ولكنها كانت تخرج منها دائمًا أشد قوة، وأعظم أيدًا، وإن حال الأمة في أيامنا هذه ليست بأسوأ من حالها في فترة الحروب الصليبية التي تزامنت مع زحف المغول.. وإن حال هذه الأمة اليوم ليست بأسوأ من تلك الأيام التي أُحرقت فيها بغداد، واحتُلت سوريا، فقامت مصر بواجب التصدي، وقادت مصر جيش التحرير والنصر على الغزاة في حطين وعين جالوت.

وبعد، فإن السلام العادل الشريف المتكافئ الذي يقف فيه جميع الناس على قدم المساواة، دون أن يكون هناك غالب أو مغلوب، والذي يعيد الحقوق إلى أصحابها، وتعود معه ثروات الأرض العربية إلى هذه الأمة العربية التي آن لها أن تتوحد، وآن لها أن تتقدم وتتطور، وآن لها أن تبني وتعمر وتنهض مثل كل شعوب الأرض، وآن لها أن تأخذ مكانتها اللائقة بها تحت الشمس، وآن لها أن توفر العيش الآمن الحر الكريم لكل أبنائها وبناتها، وآن لها أن تقول "لا" لكل محاولات السيطرة والاستغلال والاستغفال والعدوان، وأن تقول "نعم" لكل دعوات التغيير والإصلاح والتعمير والتطوير.. هذا السلام هو هدف الناس في هذه الديار، أو هكذا يجب أن يكون.. فمتى يفهم هؤلاء وأولئك كل هذه الحقائق؟ متى يفهمون أنه ليس بإغراءات البيت الأبيض، ومراوغات نتانياهو وابتزازاته، وصفقات الأسلحة، وأسراب الطائرات، وليس بالمليارات التي تنفق بدون حساب، وليس بالمحفّزات والمكافآت، وبناء المستوطنات، وتهويد القدس والجليل والخليل ونابلس وكل أرض فلسطين، وليس بالاستكبار والاستعلاء والكذب والتزوير وقلب الحقائق، والتبعية للآخرين، وليس بالاستبداد والاستعباد والتنكيل والتقتيل والتجهيل واستغفال الشعوب،ونهب خيراتها، تحل المشكلات، وتزول العداوات والخصومات، ويصنع السلام العادل الدائم الشريف المتكافئ الذي يؤسس لعلاقة جديدة قائمة على المحبة والتسامح والتعاون والاحترام بين شعوب هذا العالم.

29/11/2010