عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأحد، ١٨ تشرين الأول ٢٠٠٩

حتى لا تُصاب بالصدمة.. توقّع الأسوأ دائمًا!!

حتى لا تُصاب بالصدمة.. توقّع الأسوأ دائمًا!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    هذه ليست دعوة للتشاؤم.. بل إن عكس ذلك هو الصحيح.. فالهدف هنا أن نبتعد جميعًا عن كل ما من شأنه أن يضعنا في دائرة التشاؤم، وأن يجلب لنا اليأس والإحباط، أو أن يصيبنا بكثير أو قليل من الاكتئاب، أو الانزواء، أو الانكفاء والانغلاق على الذات، والعيش مدة أو مُددًا تطول أو تقصر في ليل الصدمة التي تلقي بظلالها القاتمة على النفس، وتصيبها بغير قليل من اليأس والقنوط وانعدام الثقة إلى أن نتمكن من استعادة التوازن، واستعادة الثقة بالنفس، وتخليص شخصياتنا مما علق بها، وران على جدران مشاعرها وأحاسيسها وسائر مقوّماتها ومكوّناتها من شوائب ومنغّصات ومعوَّقات.

    إذا تقدمت لامتحان (عزيزي الدارس) فلا تخرج منه معلّلاً النفس بأعلى العلامات، وأفضل التقديرات.. وإذا تقدمت (أيها الخريج) بطلب للعمل، فلا تفرط في التفاؤل، ولا تسرف في التخيّلات والأحلام التي قد تصل حد الأوهام، وقد تلامس حدود الخرافات والأساطير التي تحلّق بك من واقع الفقر والجوع إلى فضاء لم يبلغه أحد من رغد العيش.. وإذا خفق قلبك (أيها المحب) لجمال هذه الفتاة، وكمالها، واحتشامها، وخفة روحها، ورجاحة عقلها، ورحت تحدث النفس بأنها هي، وهي وحدها فتاة الأحلام التي ستملأ عليك البيت حبًّا وخيرًا وسعادةً وبناتٍ وبنين.. فلا تسرف على نفسك بكل هذه التخيلات، ولا تغرقها في أحلام اليقظة هذه.. وإذا شاركت في عمل تجاريّ، أو في مشروع ربحيٍّ، فلا تذهب بتخيلاتك وتصوراتك كل مذهب، ولا تضع نفسك في مصاف الأثرياء الذين تتحدث عنهم الفضائيات.. وإذا قُدّر لك أن تضع كتابًا في الأدب أو السياسة أو الاقتصاد، فلا تتوقع أن يغيّر كتابك هذا نظام الكون، ولا تتوقع أن تشتغل الصحف المحلية والإقليمية والدَّولية بالحديث عن عبقريتك وإلهامك وإبداعاتك ردحًا من الزمن، لأنك سبقت معاصريك، وسبقت كل الأوائل أيضًا في هذا الذي جئت به، وحدَّثتنا عنه!! وإذا كنت في مجلسٍ متحدثًا، فلا تظنَّنَّ أنك كلما أكثرت من الكلام كنتَ أكثر إجادةً وإثارةً، وكان الناس من حولك أكثر إعجابًا بكلامك، وهيامًا بأفكارك!! وإذا كنتَ موظفًا كبيرًا أو صغيرًا، فلا تعتقد أنك وحيد زمانك، وفريد عصرك وأوانك، ولا يداخلْك الغرور لحظةً أن هذا الوضع الذي أنت فيه سيستمر إلى ما لا نهاية!! وإذا ابتسمت لك الدنيا وأذاقتك من أفاويقها؛ فلا تطمئنّ إليها، ولا تركنْ إلى نعيمها الزائل، ولونها الكالح الحائل.

    فنتيجة الامتحان (أيها الدارس) قد تكون مخيبةً تمامًا للآمال، وطلب العمل (أيها الخريج) قد لا يفجّر في نفسك إلا الغضب والسخط والشعور بالمرارة والقهر، وخفقان قلبك (أيها المحب) قد يكون من طرف واحد، وقد لا يؤدي بك إلا إلى مجموعة أمراض القلب -وقانا الله شرورها-، ومشاركتك في عمل أو مشروع (عزيزي المستثمر) قد تؤدي بك إلى الرصيف على قارعة الطريق، أو أمام واحد من بيوت الله!!، وكتابك (أيها المؤلف الحصيف) قد يكون سببًا في الحكم عليك بالإفلاس سنواتٍ طوالاً إن أنت طبعته على نفقتك، وقد يكون سببًا في نهايتك المبكرة إن طبعتْه هذه الجهة أو تلك، أو سببًا في نهايتك بغض النظر عن زمانها إن كان " الوحي والإلهام" قد عرفا طريقهما إليك في سن متأخرة!!! وإكثارك من الكلام (أيها المتحدث في المجالس) قد يكون مدعاةً للسخرية والتندّر والغمز واللمز -لا أصابنا الله بمثل هذه السهام، ووقانا شر أصحابها-، ووجودك في الوظيفة (عزيزي الموظف) قد يكون مؤقتًا، وقد تخسرها لتعود أدراجك من حيث أتيت، وتصبح شماتةً للشامتين بين عشية وضحاها - وقانا الله ذلك، فالشماتة لؤم كما يقول الأقدمون السابقون السباقون إلى المكارم وحميد الأخلاق والصفات!!- وابتسام الحياة (أيها المنعَم المترَف) نعيمٌ زائل، فلا تطمئن إليه.. فبعد الأفاويق الحلوة التي تذيقك إياها الآن ستجمح بك نافرة، وسترمحك مولِّية، فيملح عذبها، ويخشن لينها، فتصرفك عن الإخوان، وتبعدك عن الأوطان، والكلام هنا لعبد الحميد بن يحيى الكاتب الذي قيل إن الكتابة العربية الفنية قد بُدئت به (بُدئت الكتابة بعبد الحميد، وانتهت بابن العميد) ثم استؤنفت بعد ذلك بفضل الله، وها هي كتابتنا العربية الفنية تملأ الدنيا كلها اليوم بنماذجها الغنية المفعمة بالقوة والأصالة والسموّ والإبداع.

    وإذا كان الأمر كذلك – وهو قطعًا كذلك- فإن من الحكمة وسداد الرأي أن يتوقع الإنسان الأسوأ حتى لا يصاب بالصدمة، وحتى لا يقع فريسة الشعور بالمرارة وألم الخيبة، وحتى لا يدفع ثمن ذلك التفاؤل المبالَغ فيه من أعصابه، ومعنوياته، وتوازنه، واتزانه، وصحته النفسية، وطموحاته الشخصية والعامة، وسعيه المستمر نحو تحقيق الغايات والأهداف، وحتى لا يقضي على نفسه بنفسه، ويحكم عليها بالموت المبكر أو غير المبكر نتيجة تفاؤل بلغ حد الهوس والغرور الجامح، وصدمة مدمرة أعقبت هذا الغرور.

    وبعد

    فإنه ينبغي أن نبتعد عن الإغراق في التفاؤل الوهميّ في كل أفعالنا، وفي كل توقعاتنا، وأن نكون واقعيين في حساباتنا وتقديراتنا، نعدّ للأمر عدته، ونبذل كل ما بوسعنا بذله من أجل تحقيق الغايات والأهداف سواء كان ذلك على صعيد العمل الفردي أو الجماعي.. إذا نحن توقعنا نتيجة سيئة لعمل ما عملناه ثم جاءت النتيجة أفضل مما توقعناه فإننا نجنب أنفسنا آثار الصدمات القاتلة.. صحيحٌ أن التفاؤل أكثر من ضروري لاستمرار الحياة، وأكثر من ضروري لاستمرار العمل من أجل هذه الحياة، وأكثر من ضروري للتطورات والتغيرات والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأكثر من ضروري لتحقيق الانتصارات في كافة المجالات، وعلى كافة الجبهات، وأكثر من ضروري للسير بالحياة الخاصة للأفراد، والحياة العامة للمجتمعات قُدمًا في كل يوم، وفي كل ساعة.. ولكن صحيحٌ أيضًا أنه ينبغي في كثير من الأحيان أن لا يكون تفاؤلنا وهميًّا غير محسوب أو مدروس، وأن لا يكون تفاؤلنا مبالغًا فيه حتى لا نصاب بالصدمة وخيبة الأمل واليأس والقنوط والإحباط عندما نفاجأ بالنتيجة المرة التي تقف مع كل ما كنا نتوقع -قبل ظهورها- على طرفي نقيض!!

18/10/2009


الأربعاء، ١٤ تشرين الأول ٢٠٠٩

هذه المفاوضات.. إلى متى ستستمر؟؟

هذه المفاوضات.. إلى متى ستستمر؟؟

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    إلى متى ستستمر هذه المفاوضات ( الإسرائيلية الفلسطينية) التي أنهت منذ شهر عامها السادس عشر دون أن تسفر عن شيء، ودون أن تحقق شيئًا للفلسطينيين، ودون أن يلوح في الأفق ما يشير إلى أنها ستحقق شيئًا غير هذا الاستيطان الدّاهم الذي جرّد كثيرًا من القرى والبلدات والمدن التي كانت زراعية من أراضيها، وحاصر كثيرًا من القرى والبلدات والمدن حصارًا رهيبًا تستحيل معه الحياة بدون تنفّس اصطناعي، وبدون كل هذه المنح والمساعدات التي من شأنها أن تُبقي على الناس أحياءً، ولكن لا يُرزقون؟!! فالرزق لم يكن، ولن يكون فتاتَ موائدَ يقيمها المترفون والموسرون من هؤلاء وأولئك.. إنما الرزقُ عمل وكدح وسعيٌ واضطراب في الأرض يأكل معه الناس مما يزرعون، ويلبسون مما يصنعون!!

    إلى متى ستستمر هذه المفاوضات التي لم تحقق غير هذا الاستيطان، وغير هذا الجدار الذي يتلوى ليلَ نهارَ مثل أفعى محمومة تحمل في أنيابها السمّ الزّعاف القاتل أنّى توجَّهتْ، وحيثما حلّتْ، وأنّى مرَّتْ، وكيفما نفثتْ، أو انسابتْ وهاجمتْ، أو لدغتْ؟؟ هذه الملايين من العرب الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية (أو في يهودا والسامرة كما يسميها الإسرائيليون) عيشًا أشبه بعيش مؤقت لا يدري معه الناس إلى أين سيفضي بهم، وكيف ستكون نهاية المطاف وأين؟؟ وأولئك المحاصَرون الرازحون في مدن القطاع ومخيماته وقراه تحت وطأة الحصار الخانق، والموت الزّؤام الخاطف الزاحف المتربّص بهم تحت الأرض، وفوق الأرض.. داخل أكواخهم وخيامهم ومزارعهم، أو في بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم ومنازلهم.. تعصف بقلوبهم وأفئدتهم وسمعهم وأبصارهم تباريح الصَّبابة والجوى، وتمزّق سكون الكون من حولهم، كما تمزق أجسادهم الغضّة قذائف عرفت طريقها إليهم، فباتت جزءًا من حياتهم اليومية، وأصبحتْ جزءًا من قُوْتهم وغذائهم، يقتاتون من نيرانها وأوارها فيما يقتاتون، ويغتذون جحيمها وشواظها الحاقد الحارق المزمجر المدمّر فيما يغتذون!!

    هذه الملايين من العرب الفلسطينيين في هذا المحتل من الأرض منذ سبعة وستين تعيش أسوأ حياة يمكن أن يعيشها شعب من شعوب هذه الأرض بسبب كل هذه الحقائق الجديدة التي تُفرض على هذه الأرض في كل يوم، وبسبب هذه السيطرة المستمرة على هذه الأرض في كل يوم، وبسبب هذا الظلم الصارخ الذي يئن تحت وطأته أهل هذه الأرض في كل يوم، وبسبب كل إجراءات التهويد، وكل أشكال التهديد والعزل والحصار الذي تتعرض له القدس في كل يوم، وبسبب هذا الواقع الرهيب الذي يُفرض على الخليل وبلدتها القديمة في كل يوم، وبسبب هذه الإجراءات الغريبة التي يرزح تحت وقعها أهل غزة، ويدفعون ثمنها دموعًا ودماءً في كل يوم، وبسبب كل هذا التضييق والحصار والتحكم بحياة الناس في هذه الديار، ومصادرة أرضهم، ومصادر رزقهم، والتنكر لأبسط حقوقهم في الحرية والعيش بكرامة وأمن وأمان، وبسبب الإمعان في الاعتقال، والزج بالآلاف من أبناء هذا الشعب الصابر في المعتقلات والسجون، وبسبب نهب كافة مقدّرات هذه البلاد، ووضع اليد على مواردها وثرواتها الطبيعية، وبسبب شطب قطاع الفلاحين، وشطب قطاع العمال، واختزال هذا الشعب في فئة متناقضة من الموظفين!! وما ترتّب على ذلك كله من إصابة قطاع الزرّاع والصنّاع والتجار بالشلل، وإصابة قطاع الطلبة بالاضطراب واليأس والقنوط، وإصابة المجتمع كله بالارتباك، والشعور بالمهانة، والخوف من المجهول.

    ما الذي جناه هذا الشعب من هذه المفاوضات؟ وما الذي خسره من توقّفها؟ وما الذي سيجنيه من استئنافها إذا كان الإسرائيليون أنفسهم يستثنون القدس من هذه المفاوضات؟ وإذا كان الإسرائيليون أنفسهم يرفضون عودة أي لاجئ فلسطيني إلى بيته الذي هُجّر منه، وأُبعد عنه عام ثمانية وأربعين؟ وإذا كان الإسرائيليون أنفسهم يعتبرون هذا الجدار حدودًا بين الدولتين اللَّتين يتحدث المتحدثون عنهما؟ وإذا كان الإسرائيليون أنفسهم يرفضون رفع أيديهم عن أي معبر من هذه المعابر الحدودية؟ وإذا كان الإسرائيليون أنفسهم يرفضون التخلي عن المستوطنات؟ وإذا كان المستوطنون الذين يبلغ تعدادهم اليوم في الضفة الغربية نصف مليون مستوطن يرفضون مغادرة أيٍّ من مستوطناتهم مهما كانت الظروف؟ وإذا كان هؤلاء المستوطنون يعملون جاهدين من أجل توسيع مستوطناتهم في كل يوم؟ وإذا كانوا يقيمون مستوطنات جديدة، وأحياء استيطانية جديدة، وبؤرًا استيطانية جديدة في كل مناطق "يهودا والسامرة" كلما دعت "الحاجة" واقتضت "الضرورة" ذلك، حتى قطّعوا أوصال هذه المناطق، وفصلوا جنوبها عن شمالها، وأصبحوا يسيطرون سيطرة كاملة على سبعين بالمئة منها، وشبه سيطرة كاملة على كافة مظاهر تحركات الناس ووسائل عيشهم في الجزء المتبقي منها؟؟ ما الذي من الممكن أن يجنيه هذا الشعب من مفاوضات كهذه سوى مزيد من الخيبة، ومزيد من الخسارة، ومزيد من التراجع، ومزيد من إضاعة الحقوق، ومزيد من الندم بعد ذلك كله ولات حين مندم؟؟

    وإذا كانت مصر وهي كبرى "الدول" العربية، وصانعة "نصر" أكتوبر قد فشلت في تحرير سيناء المحتلة تحريرًا فعليًّا عن طريق المفاوضات، وإذا كانت مصر هذه بكل ثقلها، وبكل المعارك والحروب التي خاضتها، ووقوف إدارة جيمي كارتر إلى جانبها قد عجزت عن تحقيق شيء ذي بال عن طريق هذه المفاوضات التي أصرَّ السادات على خوض غمارها، فماذا عسى الصغار أن يحققوا؟  أغلب الظن أنهم لن يحققوا شيئًا، وأغلب الظن أن هذه المفاوضات لن تسفر عن شيء، ولن تساهم إلا في فرض هذا الواقع الجديد، وتكريسه في هذه الديار!!

     فإلى متى ستستمر هذه المفاوضات التي لم تكن يومًا سوى فرص عمل ذهبية للمشتغلين بهذه القضية؟ هذه المفاوضات لم تكن يومًا، ولن تكون أكثر من مصدر دخل لم يكن أحد يتوقعه في يوم من الأيام، هذه المفاوضات لم تكن أكثر من وسيلة للكسب والجاه والسلطان والنفوذ وتحقيق المآرب والغايات والأهداف الشخصية حتى ولو كان ذلك مؤقتًا ينتهي باستغناء المشغِّلين عن المشغَّلين، والمستخدِمين عن مستخدَميهم في يوم بات أقرب مما يتوقع كثيرٌ من الناس.

14/10/2009


السبت، ١٠ تشرين الأول ٢٠٠٩

رؤية شاملة.. لتجفيف منابع الصراع ومنطلقاته!!

  متابعات

رؤية شاملة.. لتجفيف منابع الصراع ومنطلقاته!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

  إذا كان الفلسطينيون يصرون على اعتبار القدس أرضًا محتلة منذ العام سبعة وستين، شأنها في ذلك شأن مدن الضفة الغربية وقراها.. وإذا كان الفلسطينيون يصرون على اعتبار المسجد الأقصى المبارك مسجدًا إسلاميًّا منذ أن كان، ويرفضون أن يشاركهم فيه أحد، أو أن يعتدي عليه أحد.. وإذا كانوا يعتبرون قضية اللاجئين والمهجَّرين قضية غير قابلة للنقاش والمساومة، ويجب أن تحل وفق القرار رقم (194) بدون أدنى تحريف أو تزييف.. وإذا كانوا يعتبرون الاستيطان أمرًا غير مشروع منذ أن كان وحتى هذه اللحظة، ويعتبرون المستوطنات بكل أشكالها وصورها ومواقعها وأحجامها مستوطنات غير مشروعة، ولن تكون مشروعة تحت أي ظرف، وبأي حال من الأحوال، بمعنى أنها تكتلات يجب أن تزال، أو أن تُخلى من مستوطنيها في أحسن الأحوال.. وإذا كان الفلسطينيون أيضًا يعتبرون وجود أسراهم في السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف أمرًا لا يمكن التسليم به، ويعتبرونه عدوانًا صارخًا على حرية هؤلاء الأسرى، وعلى حقهم الطبيعي المشروع في العيش الحر الكريم فوق أرضهم التي يفدونها بالغالي والنفيس.. وإذا كان الفلسطينيون يعتبرون هؤلاء الأسرى مقاومين ومقاتلين يمارسون حقًّا مشروعًا ومقدَّسًا في الدفاع عن حريتهم وأرضهم واستقلال وطنهم، ويعتبرون الأسر عدوانًا على هؤلاء المقاومين الذين يجب أن يُخلى سبيلهم دون قيد أو شرط.. وإذا كان الفلسطينيون يؤمنون بحقهم الطبيعي المشروع في العيش الحر الآمن الكريم فوق تراب وطنهم، وفوق أرضهم التي عمروها جيلاً بعد جيل منذ فجر التاريخ، ومنذ أن كانوا، وكانت هذه الأرض.. وإذا كانوا تحت أي ظرف، بل وفي أسوأ الظروف وأقساها سيتشبّثون بهذه الأرض، وسيزدادون تمسّكًا بها، وإصرارًا على تملّكها، والعيش فيها، والتضحية في سبيلها.. وإذا كانت كل هذه الوساطات واللجان والقرارات والاجتماعات والتوصيات والمؤتمرات والضغوطات والمخططات والإغراءات والتهديدات والحروب والمعارك التي شهدتها هذه الديار مذ كانت هذه القضية قد فشلت حتى الآن في التوصل إلى حل لهذا الصراع المستحكم في هذه المنطقة من العالم.. وإذا كانت كل هذه المحاولات التي بذلتها الدول والحكومات والمؤسسات واللجان والأفراد والزعماء الكبار منهم والصغار قد فشلت في التوصل إلى أدنى اتفاق بين القوى المتصارعة كما فشلت في عقد راية الصلح بين هذه القوى... ولما كانت المشكلات في هذه الديار تتفاقم، ولما كانت الأزمات والأخطار الناجمة عنها تتعاظم، ولما كانت الإعدادات والاستعدادات للمواجهات القادمة في هذه المنطقة من العالم تزداد ضراوة وحدّةً يومًا بعد يوم، بحيث غدت هذه المنطقة مسرحًا لكل أعمال العنف والعنف المضاد، وبؤرة من بؤر التوتر، وميدانًا من ميادين سباق التسلّح بأبشع أشكاله وصوره، ولما كان من الواجب أن يدلي كلٌّ بدلوه، وأن يساهم كلٌّ برأيه في تشخيص الداء، ووصف الدواء وصولاً إلى حل يجنّب هذه المنطقة من العالم، بل يجنّب العالم بأسره عواقب هذه المخاطر الرهيبة المحدقة بهذه المنطقة من العالم؛ فإنني أرى من حقي أن أقول:

    إن نظرة سريعة إلى كل مناطق التوتر تثبت بما لا يدع مجالاً للشك في أنها قد تكون محصورة في هذا العالم العربي الإسلامي، وإن مراجعة سريعة لكل هذا الذي يحدث في فلسطين ولبنان وسائر بلاد الشام، وفي العراق وأفغانستان، وباكستان، وسائر أقطار المشرق الإسلامي، وذاك الذي يحدث في اليمن ومصر والسودان والصومال وغيرها من أقطار المغرب العربي، وأقطار إفريقيا يثبت أن العالم العربي الإسلامي هو مسرح كل هذه الحوادث والأحداث التي ترقى إلى أكثر من الفواجع والمآسي والكوارث على مختلف الصعد العسكرية، وما يصاحبها من احتلال وعدوان وتقتيل وسفك دماء وتشريد وتخريب لكل أوجه الحياة في كثير من هذه البلدان.. وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والنفسية، بحيث لا يتردد منصف محايد في استنتاج أن هذه القوى الاستعمارية الكبرى التي كانت سببًا في إذلال العالم كله ذات يوم، لا تزال تحاول بكل الوسائل، ومختلف الأساليب فرض سيطرتها على هذا العالم العربي الإسلامي، وربطه بسياساتها ليدور في فلكها، ولتضمن بالتالي سيطرتها على موارده وثرواته الزراعية والنفطية والحيوانية والمعدنية... ولتحدث فيه هذا التراجع الاجتماعي والثقافي والفكري الذي يجعل منه مناطق خاضعة لهذه القوى الاستعمارية، بعد أن تُسند أمر الحل والربط فيه إلى أولئك الذين جنّدتهم لهذه الغاية من أبنائه الذين استمرأوا ثقافة تلك الدول الباغية، واستطابوا العمل معها، والانضواء تحت لوائها إمعانًا في التنكر لشعوبهم، والاستعلاء على ما هي فيه من "تخلّف" بدلاً من العمل على تحريرها من ربقة الغزاة المحتلين الذين كانوا ولا يزالون سبب هذا "التخلّف" وسبب هذا الفقر والجوع والخوف والرعب الذي تتردى فيه تلك الشعوب.. وإمعانًا منهم في إغراق هذه الشعوب في مستنقعات الفساد والاقتتال والصراعات الداخلية والانقسامات التي تُضعف ولا تقوّي، وتفرّق ولا توحّد، وتمكّن الأعداء الطامعين من الرقاب بدون تمييز!!

    وإن نظرة سريعة إلى كل هذا الذي يجري في كثير من ديار العروبة والإسلام، وفي كثير من أقطار العرب والمسلمين وأمصارهم من معارك وحروب وصراعات داخلية وفقر وجهل وصراعات قبلية ونفسية يندى لها الجبين لتؤكد أن أولئك الأقوياء هم المسئولون عن كثير من هذا الذي يجري ويدور في كثير من هذه الأقطار.. صحيح أن كثيرًا من أبناء هذه الأقطار يتحملون جانبًا من المسئولية، وصحيح أن كثيرًا منهم مسئولون عن كل هذا، أو عن بعضه، وصحيح أن العدو الداخلي في كثير من الأحيان هو أشد خطرًا من العدو الخارجي.. ولكن صحيحٌ أيضًا أن أولئك الأقوياء لو لم يكونوا طامعين في ثروات الضعفاء، وفي بلادهم، ومقدّراتهم ومقدساتهم، ولو لم يكونوا رؤوس الرذيلة في هذا الوجود لما وَجَدَ هؤلاء المنحرفون المتخاذلون الخانعون من أهل تلك الأقطار موجةً  يركبونها كي توصلهم إلى أمجاد كاذبة، وعظمة مزعومة، وألقاب يربأ بنفسه عنها كل مواطن يحترم نفسه من أبناء تلك الأقطار:

                         أمةٌ قد فتَّ فــي ساعدها//بُغضُها الأهلَ، وَحُبُّ الغربا

                          تعشقُ الألقاب في غير العلا//وتفدّي بالنفـوس الرُّتَبا!!

    إن من واجب هذه الدول الكبرى إن كانت حريصةً على صنع سلام عالمي، وإن كانت حريصةً على أمن الشعوب وأمانها وحريتها ورِفائها في هذا العالم، وإن كانت حريصةً على الأمن والسلم الدَّوليين راغبةً فيه، وإن كانت حريصةً على كرامة الإنسان وحرياته، حريصةً على تمتعه بكافة الحقوق التي نصت عليها المعاهدات والمواثيق الدولية، وإن كانت حريصةً على إشاعة العدل والعدالة والمحبة والتسامح والإخاء في هذا الكون، وإن كانت حريصةً على إغلاق المعتقلات والسجون، والتوسع في بناء المدارس والمعاهد والجامعات، والسموّ بإنسانية الإنسان، والأخذ بيده نحو شاطئ السلامة، وبرّ الأمان، وإن كانت حريصةً على إعادة الحقوق إلى أصحابها، والمهجّرين إلى ديارهم، وإن كانت حريصةً على رفع الظلم عن المظلومين، والحصار عن المحاصَرين المضطهدين فإن عليها أن تعمل من أجل ذلك فورًا، وبدون تردد، أو تلكُّؤ، أو مراوغة!!

    إن بإمكان هذه الدول الكبرى، ومعها كل القوى الخيّرة في هذا العالم أن تحل مشكلات هذا الكون في أيام، وأن تعيد الحقوق إلى أصحابها في أيام، وأن ترفع الظلم والضيم عن المظلومين في أيام، وأن تزرع الابتسامة الجميلة على شفاه كل الأطفال في هذا العالم في أيام، وإن بإمكان هذه الدول الكبرى انطلاقًا من رؤية إنسانية شاملة، وانطلاقًا من نيّة نظيفة صادقة، ومبادئ أخلاقية حميدة سامية أن تجفّف كل مصادر الصراع ومنطلقاته وأسبابه، وان تقضي على كل أسباب التوتر والتأزم والحروب في أيام، وأن تجعل من هذا الكون كله واحة أمن وطمأنينة وسلام.

    بإمكان هذه الدول أن تفعل هذا كله، وبإمكانها أن لا تفعل، وعندئذ تكون هي المسئولة عما يجري، وعما سيجري في هذا الكون من مقاومة، وعما سيجري في هذا الكون من سباق للتسلح، ومن محاولات لخلق توازن في القوى، وتوازن في الرعب، وتوازن في العمل الجادّ الذي يستهدف إعادة الأمور إلى نصابها في كل مكان من هذا العالم ولو كره الكارهون!!

10/10/2009

    


الخميس، ٨ تشرين الأول ٢٠٠٩

الاستيطان الفلسطيني في يهودا والسامرة!!!

متابعات

الاستيطان الفلسطيني في يهودا والسامرة!!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    ليس سرًّا أن الضفة الغربية المحتلة قد أصبحت منذ الخامس من حزيران من عام سبعة وستين وتسعمائة  وألف (من وجهة نظرهم) يهودا والسامرة.. وليس سرًّا أن الضفة الغربية البالغة مساحتها (5879) خمسة آلاف وثمانمائة وتسعة وسبعين من الكيلومترات المربعة قد ضُمّت إلى ما سبقها من الأرض التي احتُلتْ عام ثمانية وأربعين، تمامًا كالقدس التي أعلنوا ضمها إلى "دولتهم" بعد أيام من تلك الحرب التي أسمَوْها "حرب الأيام الستة".. وليس سرًّا أنهم يريدون الأرض كل الأرض، ويريدون  الحدود المفتوحة مع كل العرب، ومع كل المسلمين، ويريدون السلام الذي يخدم هذه الأهداف، ويلبي هذه الغايات.. السلام الذي يفصّلونه ويصنعونه وفق هواهم، وبحسب مقاييسهم وتصوراتهم لتلبسه كافة الأطراف التي يريدون صنع السلام معها من نواكشوط حتى ما وراء طشقند، ووراء أوزبكستان على هذه الأرض البالغة مساحتها أكثر من خمسة وعشرين مليونًا من الكيلومترات المربعة، والتي يعيش عليها أكثر من مليار ونصف المليار من العرب والمسلمين.. وليس سرًّا أنهم نجحوا في ذلك إلى حد بعيد.. وليس سرًّا أنهم ما زالوا يبذلون الجهود المكثَّفة لتحقيق مزيد من المكاسب في الأقطار التي انقادت لمشيئتهم في دنيا العروبة والإسلام، ولممارسة مزيد من الضغوط على الأقطار التي ما زالت ترفض الانقياد لإرادتهم، والانصياع لمشيئتهم.. ليس سرًّا أن كثيرًا من العرب، وكثيرًا من المسلمين يصنَّفون على أنهم من "الموالاة"، وأن كثيرًا منهم أيضًا يصنَّفون على أنهم من "الممانعة" التي تصرّ على أن لا تكون الاستجابة لشروطهم بدون ثمن.. والتي تصرّ على أن تكون هذه الاستجابة لتلك الشروط بعد تحقيق الحد الأدنى من المطالب المشروعة التي أقرّها المجتمع الدولي، وأقرّتها المرجعيات والوثائق والمؤتمرات والاتفاقات الموقّعة، وأقرتها أيضًا حقائق التاريخ، ووقائع الجغرافيا، كما أقرّتها وتقرّها كافة المقوّمات الثقافية والدينية والقومية والُّلغوية، وكافة المكوِّنات والمورِّثات الجينية التي تؤكد بما لا يدع أدنى مجال للشك عمق هذه الصلة بين هذه الأرض العربية الإسلامية وبين أهلها من العرب والمسلمين الذين امتلكوها وتملّكوها منذ فجر التاريخ، ولا زالوا يمتلكونها ويتملكونها، وسيبقَوْن كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما عليها أيضًا.

    ولكن هؤلاء الذين يريدون كل شيء، ولا يعترفون لغيرهم بأي شيء، يرفضون التسليم بكل هذه الحقائق الدامغة، ويرفضون الاعتراف بأن مطامعهم في هذه البلاد لا تكاد تقف عند حد، ويرفضون الاعتراف بأنهم إنما يجدّفون ضد التيار، ويرفضون تصوّر ما يؤدي إليه هذا التجديف من مخاطر، وما تلحقه هذه المغامرات من أضرار بمن يخالف قوانين الطبيعة، وبمن يجدّف ضد التيار، وبمن لم يأخذوا العبر والدروس من التاريخ القديم والوسيط، ومن التاريخ الحديث أيضًا!!

    هؤلاء الذين يريدون كل شيء دون أدنى سند من حق، أو حُجّة، أو برهان، أو دليل يقفون اليوم وقفة صاحب الحق المُدافع عن حقه!! يقفون اليوم متشبثين "بحقوقهم" في هذه الأرض التي احتلّوها، ولا زالوا يحتلونها، ويغيّرون معالمها في كل يوم، وفي كل ساعة.. ويستعيرون لغة أصحابها ولهجتهم وحججهم في وقف الاستيطان، وفي ضرورة أن يخرج المحتلون إلى حدود الرابع من حزيران على كل الجبهات العربية، كما يقضي بذلك المجتمع الدولي، وكما يقضي بذلك البيت الأبيض، وكما تقضي بذلك المبادرة العربية، وكما تقضي بذلك الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين، وكما تقضي بذلك رغبة سائر الدول في هذا العالم!!!

    هؤلاء الذين يريدون كل شيء، والذين يطلقون اسم "يهودا" على جنوب الضفة، واسم "السامرة" على شمالها يطالبون اليوم بصوت مرتفع بضرورة أن يتوقف الاستيطان الفلسطيني العشوائي في هذا الجزء الذي لا يتجزأ من أرض إسرائيل!! إنهم يعلنون ذلك على الملأ، ويطالبون به بأصوات مرتفعة دون أدنى وازع، ودون أدنى رادع، ولقد بلغ بهم حرصُهم على قلب الحقائق، وتزوير التاريخ، والعبث بالجغرافيا إلى الادّعاء بأن الفلسطينيين قد أقاموا عشرات الآلاف من المباني التي يجب أن تُزال (بموجب القانون) لأنها تمثّل الاستيطان الفلسطيني العشوائي!! وقد بنيت بدون تراخيص، ناسين أن الفلسطينيين هم أصحاب هذه الأرض ، وأن الاحتلال أمر غير شرعي، وأنه إلى زوال، وناسين أن هذا الاحتلال هو الذي رفض، ولا زال يرفض منح الناس التصاريح اللازمة للبناء، وأن هذا الاحتلال هو الذي يشترط الموافقة على طلباته لكي "يمنح" الناس رخصًا كي يتمكنوا من البناء بموجبها.. وناسين أن هذه الشروط التي يشترطها الاحتلال كفيلة بتجريد أهل هذه البلاد من حقهم في البناء على أرضهم، ومن حقهم أيضًا في العيش على هذه الأرض!!! وناسين أيضًا أن القرار رقم(242) والذي صاغه اللورد كرادون والصادر في أعقاب احتلال عام سبعة وستين قد طالب بخروج الاحتلال من الأراضي العربية المحتلة، وأن القرار (338) قد طالب أيضًا بذلك، وناسين أن الدنيا كلها تطالبهم بذلك، وأن المبادرة العربية قد طالبتهم بذلك، ولكنه العناد والإصرار على المراوغة لكسب الوقت وتكريس الاحتلال الاستيطاني.. كل ذلك وراء هذه المواقف التي يمارسونها اليوم جهارًا نهارًا.. هذه المواقف التي تفضح أطماع الطامعين، وتكشف مخططاتهم، وتعكس سوء نواياهم، وتهرّبهم من استحقاقات السلام، لأنهم يريدون الأرض كل الأرض، ويريدون العلاقات الطبيعية مع كل العرب، ومع كل المسلمين، ويريدون "السلام" الذي يصنعونه على هواهم، وبحسب مقاييسهم، ليخدم أطماعهم في السيطرة على كل هذه المنطقة من العالم، والتحكم بشعوبها، ووضع يدهم على مقدّراتها ومقدّساتها، ومصادر عيشها، والتحكم بمستقبل أجيالها!!

    لقد نسي هؤلاء أنهم يطلبون المستحيل.. ولقد نسي هؤلاء أنهم يخالفون بذلك طبيعة الأشياء.. ولقد نسي هؤلاء أنهم يجدّفون ضد التيار.. ولقد نسي هؤلاء أن السلام لا يمكن أن يتحقق بدون عودة الحقوق إلى أصحابها، وأنه لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان عادلاً مقنعًا ترضى به الشعوب، ولا يؤسس لصراعات جديدة، وحروب جديدة تثيرها أطماع الطامعين، ومغامرات المغامرين الذين لم يقرأوا التاريخ، ولم يستفيدوا من دروسه.. وقديمًا قال الحكماء: السعيد مَن وُعظ بغيره، والشقيّ من وُعظ بنفسه.. فهل من مستمع؟ وهل من مستجيب؟ نرجو ذلك.

 8/10/2009

الاثنين، ٥ تشرين الأول ٢٠٠٩

في الذكرى المئوية الأولى لميلاد الشاعر عبد الكريم الكرمي

متابعات

في الذكرى المئوية الأولى لميلاد الشاعر عبد الكريم الكرمي

               أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

      ولد عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) في بلدة طولكرم التابعة لمدينة نابلس (والتي أصبحت مركز قضاء بني صعب في أواخر القرن التاسع عشر) في مثل هذه الأيام من سنة (1909)، كما يستفاد من الأوراق الخاصة التي عثرت عليها (غادة أحمد بيلتو) مؤلفة كتاب: عبد الكريم الكرمي- أبو سلمى- هذا الكتاب الذي أمدّني بكثير من المعلومات المتعلقة بحياة هذا الشاعر العربي الفلسطيني، وبكثير من وجهات نظر المؤلفة في شعر الكرمي ونثره، مما لم يرد في غيره من المراجع التي اعتمدتُ عليها، واستندتُ إليها عند كتابة هذا المقال في الذكرى المئوية الأولى لميلاد هذا الشاعر الكبير، إضافة إلى ما كان قد استقر في الذاكرة من سيرة هذا الشاعر، ومن أشعاره وأخباره، وعلاقاته، وأسفاره، ونشاطاته في سائر مراحل حياته الغنية الحافلة بالعطاء والإبداع على امتداد تاريخه الأدبي النضالي الطويل.

     ولئن كان عبد الكريم شاعرًا وناثرًا وثائرًا لا يُشق له غبار، فلقد كان مدينًا بكثير من هذه المواهب والمزايا والخصال لنشأته في أسرة علم وأدب.. فجدّه لأبيه الشيخ (علي المنصور) عالم كبير تتلمذ على خيرة شيوخ دمشق، وعاد إلى فلسطين ليكون حُجة في الفقه والإفتاء والقضاء، وعلمًا من أعلام الإسلام فيها.

    وهو ابن الشيخ سعيد الكرمي (1852م) الذي تلقى علومه في الأزهر الشريف، وحضر دروس جمال الدين الأفغاني، وكانت له صلات بالشيخ الإمام محمد عبده.. وبعد تخرجه، وحصوله على الشهادة العالمية الأزهرية عاد إلى فلسطين ليكون علمًا من أعلامها، ومفتشًا ومُفتيًا في القضاء الوليد، وليكون أيضًا من مؤسسي المجمع العلمي العربي بدمشق، ورائدًا من رواد الثقافة العربية، والفكر والصحافة فيها قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى (1935م) ويدفن في مسقط رأسه طولكرم.

    أما أخوه (أحمد شاكر) الكرمي الكاتب الناقد المولود في طولكرم (1892م) فقد درس في الأزهر الشريف، و في الجامعة المصرية، وساهم في تحرير "الكواكب" المصرية، وفي دمشق – بعد عودته إليها من مصر بعد الحرب العالمية الأولى- أنشأ مجلة أسبوعية أدبية أسماها "الميزان"، كما حرر أيضًا جريدة "الفيحاء" واشتهر بتوقيع (قدامة) تحت عنوان "مفكرة المحرر".

    ومن إخوته أيضًا الأديب الذائع الصيت "حسن الكرمي" صاحب برنامج "قول على قول" الذي كان يذاع من هيئة الإذاعة البريطانية في لندن، وهو الذي كتب كثيرًا من المقالات في كثير من الصحف والمجلات الإنجليزية والعربية، ومن إخوته كذلك "محمود الكرمي" المدرّس والمحاضر والمناضل الذي اغتاله خصومه السياسيون في صبيحة الخامس والعشرين من كانون الأول سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة وألف. لقد تزوج الشيخ سعيد الكرمي أربع نساء، وأنجب منهنّ ستةً وعشرين ولدًا، وثلاث بنات هن أخوات عبد الكريم وإخوته الذين كانوا في غالبيتهم العظمى أعلامًا من أعلام فلسطين، ورجالاً من خيرة رجالها.

    في الأوراق التي عثرت عليها مؤلفة كتاب "عبد الكريم- أبو سلمى" جاء قوله : "ما أزال وأنا طفل، أذكر كيف كنت واقفًا مع بعض الأطفال أمام دارنا في طولكرم، عندما جاء جنود أتراك، ومعهم ضابط، ودخلوا إلى الديوان، ثم خرجوا، وذهب الوالد معهم، ولم يعد، وكلما سألت عنه كانوا يقولون إنه ذهب إلى الشام.. وكثيرًا ما كنت أذهب مع لداتي إلى محطة طولكرم، ويقف كل واحد منا إلى جانب عمود من أعمدة الهاتف التي نُصبت حديثًا، ويدق عليه بالحجر، ثم يخاطب من يريد، ويضع أذنه على العمود حتى يسمع الجواب، ولا أزال أذكر تمامًا عند ضرب عمود الهاتف قولي: أين أبي؟؟ وكأني كنت أفسر الجواب من الصدى: هو في الشام.

    في فترة غياب الشيخ سعيد عن بيته التي استمرت سنتين وسبعة أشهر في سجن الوالي بتهمة المطالبة بالاستقلال يقول عبد الكريم: " أكلنا كراديش الذرة، والجراد في الحرب العظمى الأولى في أثناء سجن والدي بدمشق"، ويذكر العذاب الذي لقيته أمه، فيقول: " مرة، رأيت تينًا كثيرًا عندنا، بيع منه قسم وأكلنا قسمًا، وفهمت بعد ذلك أن والدتي كانت تذهب مع بعض النسوة، ولا تُخبر أحدًا، إلى قرية الطيرة، وتشتري تينًا، وتحمله على رأسها، وتعود ماشيةً إلى طولكرم، وتذهب في الصباح الباكر لبيعه" لقد بقيت والدته على هذه الحال إلى أن عاد الشيخ سعيد من دمشق بعد الإفراج عنه.

    وعندما انتقل الشيخ سعيد إلى دمشق بعد قيام الدولة العربية المستقلة برئاسة الملك فيصل اصطحب معه ابنه عبد الكريم ووالدته، حيث تابع دراسته الابتدائية في المدرسة الظاهرية هناك، ثم عاد إلى طولكرم مع أمه المريضة، حيث فارقت الحياة فيها تاركةً وحيدها في رعاية جدته.. ويعود أخوه (أحمد شاكر) من مصر ليسافر الأخوان إلى دمشق من جديد، وليواصل عبد الكريم دراسته الابتدائية في المدرسة الظاهرية، وفي مكتب عنبر بدمشق، حيث درس مع إخوته حسن وحسين وعبد الغني فيه، وكانوا ينامون في القسم الداخلي في هذا المكتب، ويذكر الكرمي (أبو سلمى) من أساتذته في هذا المكتب (الذي كان مركزًا للإضرابات والثورات الطلابية في دمشق) جودة الهاشمي، وسليم الجندي، والشيخ محمد الداودي الذي أطلق عليه لقب أبي سلمى، ومسلم عناية، وحسن يحيى الصبّان، وعبد القادر المبارك، وأستاذ اللغة الفرنسية التونسي صالح جميلو ومحمد البزم، وأبو الخير القواص.. أما من رفاقه فيذكر زكي المحاسني، وجميل سلطان، وأنور العطار، وكانوا يقولون الشعر كأبي سلمى.. وقد بقي أبو سلمى في هذا المكتب حتى سنة سبع وعشرين وتسعمائة وألف حيث تقدم لامتحان البكالوريا، ولم يواصل دراسته الجامعية في دمشق، بل عاد إلى القدس ليواصل دراسته في معهد الحقوق..

    على أنه لا بد من الإشارة إلى أن المجمع العلمي بدمشق قد أقام حفلاً تكريميًّا لشعراء الشباب: أبي سلمى، وزكي المحاسني، وجميل سلطان، وأنور العطار.. ومن الطريف أن جريدة "القبس" لصاحبها المرحوم "نجيب الريّس" قد أفردت صدر صفحتها الأولى في كل يوم لواحد من هؤلاء الشعراء الأربعة، تنشر قصيدته مع صورة له، وقد كانت قصيدة الكرمي تحت عنوان "تلة رضوان"، وكانت أول قصيدة تُنشر له في دمشق.

    ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن أستاذه الشيخ محمد الداودي هو الذي أطلق عليه الكنية التي عُرف بها طوال حياته "أبو سلمى" وفي هذا يقول الكرمي: "كنت في الصف الثامن، وكان أستاذنا في اللغة العربية الشيخ محمد الداودي من رجال الخلق والأدب والدين، أعطانا مرة قصيدة في مدح السيف، لحفظها، ولما طلب مني في الدرس التالي تسميع القصيدة، قلت له إنني لم أحفظها، وقد حفظت بدلاً منها قصيدة أخرى، فقال: أسمعنا إياها، فأنشدتها، وكانت قصيدة ابن عبد ربه التي مطلعها:

            ودّعــــتني بزفرةٍ واعتناقِ     ثم قالـــت: متى يكون التلاقي؟

   فضحك، رحمه الله، وقال: اتفقنا، القصيدة التي لا تعجبك تحفظ بدلاً منها قصيدة تعجبك، وهكذا بقيت الحال بيننا، ومرة من المرات، طلب منا موضوعًا إنشائيًّا، فأتيت، وقد نظمت قصيدة غزلية، فطلب مني أن أنشدها أمام الطلاب، فوقفت وألقيتها، وهي تغزل بفتاة اسمها "سلمى" ومطلعها:

          سلمى! انظري نحوي فقلبي يخفقُ    لما يشيرُ إلـــيّ طَرْفُك أُطرقُ!

    وأخذ – رحمه الله- يبدي ملاحظاته، ويسأل الطلاب رأيهم أيضًا، وفي الفرصة بين الدرسين أخذ رفاقي الطلاب ينادونني: يا حبيب سلمى، يا أبا سلمى، فكنت أغضب، وألاحقهم، وفي الدرس اللاحق قال أستاذي الشيخ محمد الداودي: يا أبا سلمى، تعال أسمعنا ماذا نظمت.. فهدأت ثائرتي، وتقبّلتُ هذه الكنية، واللقب الشعري، ومن بعدها أخذت أنشر في صحف دمشق، وفي مجلة الزهراء في القاهرة قصائد لي بتوقيع " أبو سلمى" ولازمني هذا التوقيع حتى الآن، وبه عُرفتُ أكثر من اسمي الحقيقي.

      لقد استوقفتني أدق التفصيلات في حياة أبي سلمى، وفي سيرته ومسيرته، فوقفت عند كثير منها، وربما أطلتُ الوقوف لعلمي وقناعتي أن التفصيلات هي مفاتيح الشخصية، وهي مكوناتها التي لا تقل أثرًا عما يرثه الإنسان من أبويه وأجداده، وعما ينتقل إليه من إرث اجتماعي وبيئي عام.. وبدونها يصعب على الدارس والناقد والمحلل والمعلم والمتعلم أن يجد طريقه إلى فهم هذه الشخصية أو تلك، وأن يجد الطريق إلى فهم أعمالها، وإلى تفسير هذه الأعمال بردّها إلى منطلقاتها، ومكوناتها الأولى الضاربة في أعماق هذه الشخصية ( بخلاف ما يقوله بعض دارسي الأدب ومدرّسيه ونقّاده من أن النص هو وسيلتنا لفهم صاحبه، وهو وسيلتنا للحكم العادل عليه) ولعلمي وقناعتي أيضًا أنه من الصعب أن نفهم نصًّا أدبيًّا بدون معرفة مناسبته، وبدون الرجوع إلى هذه المناسبة، وبدون معرفة الحالة الشعورية والنفسية التي كان عليها الشاعر أو الناثر عند كتابة النص.. إن المقدمات هي التي تفضي إلى النتائج، والنتائج تفضي بدورها إلى الأحكام الصائبة فيما يتعلق بالواقع المعاش الذي تظل فيه هذه الشخصية أو تلك فاعلة مؤثرة قائمة ماثلة بين الناس على الرغم من بعد المسافة، وتعاقب العصور والأجيال. وكما أن فهم أسباب النزول شرط مسبق في فهم آيات القرآن الكريم، فإنّ الوقوف على مكونات شخصية المفكر والأديب ناثرًا كان أو شاعرًا، وإنّ فهم الظروف والأحوال المحيطة بالأديب عند كتابة هذا النص الأدبي أو ذاك هي عوامل مساعدة على فهم هذه النصوص الأدبية من جهة، وهي عوامل مساعدة على فهم هذا الأديب أو ذاك من جهة ثانية.

    ولسوف أقف هنا على دقائق وتفصيلات أرى أن لها صلة في تكوين هذا الشاعر الكبير، وفي إثراء شاعريته، ورسم معالم مسيرتها وتوجهاتها وإبداعاتها، وانعكاس ذلك كله على دائرته المحلية والإقليمية والقومية، وأثر هذا كله على الدائرة الدولية، وعلى البعد الإنساني في إنتاجه الأدبي.

    وإذا كانت ثقافة الإنسان، وتجاربه، وبيئته الخاصة، وبيئته العامة، وعلاقته بغيره في محيطه الصغير، وفي محيطه الكبير، وأحواله المادية، والنفسية، وخصائصه الجسدية، وقدراته العقلية والذهنية والفكرية، وفكرته عن نفسه.. إذا كانت كل هذه العوامل وكثير غيرها، مما نعرف، ومما لا نعرف، تفعل فعلها في الإنسان – أي إنسان- فإنها في الأديب ناثرًا أو شاعرًا، أو ناقدًا، أو قاصًّا، أو روائيًّا، أو كل ذلك، أو بعضًا مما ذُكر، أو واحدًا منه تكاد تكون هي المكوّنات، وهي اللبنات الأولى التي تشكل عالمه الأدبي، وتلوّنه بألوانها القاتمة، أو الزاهية، أو الرمادية، وتلقي عليه من ظلالها، وتطبعه بطابعها، وتضفي عليه من جمالها وبهائها وروائها وتألّقها وحياتها.. أو قبحها وظلامها وعبوسها وسوادها وموتها.. إنها حاضره ومستقبله، وحضوره بين الناس، وقربه منهم، أو ابتعاده عنهم خلال حياته، وبعد مماته.

    وإذا كانت حادثة صغيرة مما لا يثير انتباه الناس تفعل فعلها في نفس الأديب الذي يرى ما لا يرى غيره، فإن من الطبيعي أن يفعل الألم بكل صوره وأشكاله فعله في هذه النفس المرهفة المحبة دائمًا للحق والخير والجمال.. ومن الطبيعي أن تترك الكلمة في نفسه آثارًا لا تُمحى، وكذلك النظرة العابرة، والمؤامرة مهما صغرت، وكذلك الاستخفاف به، أو الاستعلاء عليه، أو الإساءة إليه.. ويفعل فعله في النفس المرهفة الفقر، والجوع، واليتم، والعري، والظلم، واللون، وزوجة الأب، وزوج الأم.. وكذلك الزملاء، والمعلمون، والآباء، والأمهات، والجدات، والعمات، والخالات، والأخوال، والأعمام.. ومن العوامل التي تترك آثارًا من الصعب أن تمحى في النفس المرهفة الجهل، والتخلف، والمرض، والقبح، والموت، والغضب، والحرمان، والاضطهاد، والاستبداد، والاستعباد..إلى أقصى اليمين قد تندفع هذه النفس لسلبيات في كل ما ذُكر، أو في بعضه، أو إلى أقصى اليسار.. وقد تضطرب هذه الشخصية، وقد تنحرف عن مسارها الذي سلكته قبل أن تلم بها النوازل، وتحل بساحتها الآلام.. وقد لا تضطرب.. وقد تقوى على مواجهة ذلك كله بفعل أب حكيم، أو معلم عظيم، أو صديق طيب، أو كتاب يحصّنها بالوعي، ويسلّحها بالحب، ويغذيها بالفضيلة، ويفتح عينيها على الجمال، ويكسبها شعورًا عامًّا بالرضى، ويمكِّنها من شق طريقها في الحياة بقوة وثبات، وعزم وعزيمة وإصرار.

    ماذا كان بوسع هذا الطفل أن يفعل وقد سُجن والده، بعد أن اقتيد من مضافته أمام ناظريه، لو لم يكن له مَن شدّ أزره، وهدَّأ روعه؟ ماذا كان بوسعه أن يفعل لولا هذه الأسرة المتماسكة التي ملأت فراغ أبيه طوال فترة غيابه؟ لقد ظل هذا الطفل الذي لم يدخل المدرسة بعد يبحث عن أبيه، ويسأل أعمدة الهاتف عنه (تمامًا كما كنّا نفعل بعد ذلك إذ كنّا صغارًا!!) حتى عاد.. ولو لم تكن هذه الأسرة المتماسكة، وهذا الأب المثقف الواعي لما انتصر هذا الطفل على أحزانه بعد موت أمه، ولما عاد مع شقيقه (أحمد شاكر) إلى دمشق حيث يقيم فيها والده منذ مدة.. ولما استأنف فيها دراسته حتى حصل على (البكالوريا) الثانوية العامة.. ولولا شرف الانتماء، ووضوح الرؤية لما عاد عبد الكريم إلى فلسطين المشتعلة بالثورة ضد الانتداب البريطاني، ولآثر البقاء في دمشق مثل كثير من الناس.. ولكنه آثر العودة إلى فلسطين، وإلى القدس تحديدًا ليدرس الحقوق في معهدها، وليقوم بالتدريس في المدرسة العمرية داخل أسوارها قريبًا من كنيسة القيامة، ثم لينتقل بعد سنة واحدة للتدريس في المدرسة البكرية في المصرارة.. يقول الكرمي عن هذه الفترة من حياته: "كنت أدرس مع بعض رفاقي، في غرفتي القائمة في المصرارة آنذاك دروس الحقوق، ومنهم الشيخ عبد الله غوشة من القدس، والمحامي مصطفى رشيد من جنين، وعباس الفاهوم من الناصرة.. وكان مدير الحقوق "مستر غودبي" المختص بالقانون الدولي، ومن الأساتذة العرب علي جاد الله، وعادل زعيتر، وكان على الطلاب الذين يريدون الدخول إلى مدرسة الحقوق التقدم للفحص باللغة الانجليزية، وكان الممتحن هو المستر "بندويش" النائب اليهودي العام في حكومة فلسطين، ونجح الطلاب اليهود جميعًا، فاتفقنا نحن أن نؤدي الامتحان أمام الأستاذ موسى العلمي الذي كان أكبر محام في النيابة العامة، ويحمل لقب "محامي التاج"، وهكذا كان التدريس باللغات الثلاث: العربية، والإنجليزية، والعبرية، وهي اللغات الرسمية، ولكن أوراق الفحوص كانت تذهب إلى لندن لتوقيعها".

    وفي هذه الفترة من حياته كان يكتب بعض مقالاته في جريدة " مرآة الشرق" لصاحبها بولس شحادة، وكانت تصدر في القدس، وتعبّر عن رأي حزب الدفاع الذي كان يرئسه "راغب باشا النشاشيبي" رئيس بلدية القدس آنذاك، وكان يُعرف باسم حزب المعارضين مقابل حزب المفتي (الحاج أمين الحسيني) الذي كان يسمى حزب المجلسيين.. وقد ربطته صلة قوية بإبراهيم طوقان، وقد كانا يعدّان صفحة أسبوعية في إحدى الصحف التي كانت تصدر في يافا، كما قاما بتشكيل جمعية "عصبة القلم" في القدس، وكان من أعضائها: رئيف خوري، وخليل البديري، وإبراهيم طوقان، وعارف العزوني، وأبو سلمى، ورجا حوراني.. وكانت له صلات قوية بكثير من المفكرين والأدباء العرب منهم: عمر الفاخوري، وأمين نخلة، ووالده الشيخ رشيد نخلة، والأخطل الصغير، وتوفيق يوسف عواد، والشاعر الشعبي عمر الزعبي، وخير الدين الزركلي، وشفيق جبري، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، ومعروف الرصافي، ومحمد مهدي الجواهري، الذين زاروا فلسطين، وعمل بعضهم فيها، وأقاموا فيها الندوات، وألقوا المحاضرات، وكذلك فإن للكرمي صلات وثيقة بالكاتب عبد القادر المازني، وأحمد أمين، وزكي مبارك.. ومما قاله الكرمي عن نشاطه في النادي الأرثوذكسي العربي: " كان لي نشاط في القدس أولاً، ثم في حيفا، في النادي الأرثوذكسي، العربي. وكان لوجود الصديق حنا نقارة المحامي رئيس هذا النادي أثر كبير في ازدهاره، وأقيمت فيه ندوات سياسية وثقافية واجتماعية... وأذكر أننا قرأنا ونحن في حيفا عن موعد إقامة حفل تأبين لعمر الفاخوري، فأسرعنا إلى بيروت، في أول حفلة تأبينية، وألقيت قصيدة في الحفل، وقد سررت حين علمت أن حنا نقارة يكتب عن ذكرياته في النادي الأرثوذكسي العربي"

    وفي المعرض الفلسطيني الأول الذي أقيم في القدس سنة 1935، ولقائه هناك "رقية حقي" التي أصبحت زوجته فيما بعد، وأم وحيده "سعيد" يقول الكرمي: " في ذلك اليوم، وفي أثناء المعرض، أقمنا حفلة تمثيلية لرواية " أميرة الأندلس" تأليف أحمد شوقي، وفي أثناء الحفلة ألقى إبراهيم طوقان قصيدة (غيد إشبيلية) وكانت أمسيات المعرض الأولى في القدس أجمل أمسياته، وفي ذات مساء رأيت فتاتين، وقد سرتُ خلف إحداهما، وعلمت أنها رئيسة الاتحاد النسائي في عكا، وابنة توفيق حقي العبد الله رئيس بلدية عكا، وأحد رجالات فلسطين المرموقين. فقلت فيها قصيدة نشرتها في جريدة "فلسطين" التي كانت تصدر في يافا وكانت القصيدة تحت عنوان "حمامة الشاطئ الغربي" ومنها:

         

             حمامةَ الشاطئ الغــربيِّ سال دمي          ردّي الجناح على جـرحِ الهوى الدّامي

            ياربةَ الخالِ يحــمي الثغرَ معترضًا          فِدًى لخالكِ أخـــــوالي وأعمامي

             يا ليتني في ظلال الـــدارِ زنبقةٌ           تهدي إليكِ شذى حــــبي وتهيامي

            أو ليتني في حــــماها طائرٌ غرِدٌ         حيــــــرانُ ما بين إقدامٍ وإحجام

             ياربةَ الخــالِ إن الخالَ بلبـلني             نامي فإنك أيــــقظت الهوى نامي

    وقد  كتب فيها كثيرًا من القصائد في الصحف الفلسطينية واللبنانية بعناوين "ذات الخال" أو "فتاة الشمال" وأحيانًا بتوقيع "ذو الخال".. وكان يسافر إلى عكا، ويسهر معظم الليل على الشاطئ، وينام في فندق متواضع اسمه "فندق عوض" في البلدة القديمة.. وكان في الصيف يذهب إلى لبنان حيث كانت تصطاف في "عاليه" وكان ينشر قصائده في الصحف الفلسطينية واللبنانية والسورية، وكانت عناوين القصائد (ما لبنان لولاها؟) أو (نحن في لبنان) وقد نشرت صحيفة المعرض لصاحبها (ميشال زكور) ثلاث قصائد له، ولإبراهيم طوقان، ولجلال زريق... وفي 17/1/1936 تم عقد قران الكرمي على الآنسة رقية حقي في عكا.. كما يقول أبو سلمى في مذكراته، وفي 29/10/1937 أنجبت وحيدهما سعيد. ومن الجدير بالذكر أن رقية زوجته، وأم وحيده سعيد كانت تكبره بعشر سنوات، ومما قاله الكرمي في مواقفها إلى جانبه، وفي فضلها عليه في أيام أزمته بعد فصله من التعليم بسبب قصيدته "جبل المكبر" ما يلي:" كنتُ أغضب إذا لقيتُ إجحافًا من أحد، أو نكرانًا للجميل من صديق، أو افتئاتًا على الحق..فكانت لا يهدأ لها بال حتى تزيل الغضب، وكانت تقول: يجب أن تعمل المعروف دون مقابل.. كان قلبها الكبير يسع الدنيا.. لقد سرنا معًا في هذا الدرب الطويل الدامي، في فلسطين، فكانت الجناح الوارف يقي من كل حر، والبلسم الشافي يداوي كل جرح"

    بقي أبو سلمى في حيفا، حيث كان يعمل محاميًا، وأرسل زوجته إلى منزل أسرتها في عكا، ولكنه اضطر بعد أيام لمغادرة حيفا إلى عكا في زورق بخاري، وتسقط حيفا بتاريخ 22/نيسان/1948 فيغادر أبو سلمى وأسرته عكا إلى دمشق عن طريق ترشيحا والجبل، ومعه مفاتيح البيت والمكتب على أمل العودة بعد أسبوعين.. وتسقط عكا في 16/أيار/1948، وفي هذا يقول الكرمي:" كنتُ في حيفا عندما سقطتْ عام ثمانية وأربعين، أما عائلتي فكانت في عكا، ولم أستطع الالتحاق بها برًّا، فركبت البحر حاملاً بعض أوراقي ومفتاح البيت، ومن عكا خرجت في الثامن والعشرين من نيسان عام ثمانية وأربعين، وأتيت إلى دمشق، وحين تحسستُ المفتاح في جيبي، تذكرتُ الأندلس، نعم تذكرتُ الطلاب المغاربة الذين كانوا يدرسون في مدارس مدينة نابلس، تذكّرتهم عندما كانوا يتحدثون إليّ، ويقولون بأن مفاتيح بيوتهم في الأندلس ما تزال معهم، لقد ظلّت كلماتهم محفورة في عقلي وقلبي".

     استقر الكرمي في دمشق، و عمل فيها محاميًا تمامًا كما كان في حيفا، وقد ظل جنديًّا في خدمة قضيته على كل المستويات إلى أن أسلم الروح خلال عملية جراحية في يوم السبت الحادي عشر من تشرين الأول سنة ثمانين وتسعمائة وألف... ولئن كنتُ أكتب هذه السطور في الذكرى المئوية الأولى لميلاد هذا الشاعر الكبير؛ فإنني أيضًا أستطيع القول إنني أكتب ما أكتب في الذكرى التاسعة والعشرين لوفاته رحمه الله.

    هذه سطور سريعة من سيرة هذا الشاعر، ومن مسيرته أضعها بين يدي القاريء الكريم وفاءً لذكرى الشاعر الكبير.. على أنه لا ينبغي أن أنهي هذه السطور  قبل أن أعد بدراسة نقدية لشعره، و بدون أن أضع بين يدي القارئ الآن شيئًا من شعر الكرمي.. يقول أبو سلمى:

        

        

         يا أخي أنتَ معي في كل درب//فاحمل الجرحَ وسر جنبًا لجـنبِ

         قد مشيناها خطًى دامـــيةً//أنبتتْ فوق الثرى أنضــرَ عشبِ

         فهنا الأيتامُ في أدمــــعهمْ// وهنا تهوي العذارى مثل شُهبِ

         وشيوخٌ حملوا أعوامَــــهمْ//مثقلاتٍ بشظــايا  كلِّ خَطْـبِ

         هم ضحايا الظلمِ هل تعرفُهم//إنهم أهلي على الدربِ وصحبـي!!

 

ومن قصيدته "الخالدان الشعب والموطنُ" قوله:

         دمي روى فلتصـــمت الألسنُ//أروعُ شعر القلب لا يُعـــلَنُ

         ما أروعَ الصمـــتَ إذا ما رَوى// مأساةَ شعبي قلبيَ المثْــخنُ

         يعبقُ شعري بشـذى موطـــني//لولاه لا يزكـــو ولا يَحسُنُ

         شعريَ جسرٌ يلــــــتقي فوقه// أهلي بما يحلو وما يُشـجنُ

         وكلّ شعرٍ لم يصـــــغه الهوى//وتربتي السـمراءُ مستَهْجَنُ

         وكلُّ حرفٍ لم يكـــــــن نورُه// مقَتَبَسًا من نارنا يُلــعَنُ

         نقصفُ كالأرمـــــاحِ لا ننثني//في الروع أو نخضعُ أو نذعنُ

         ولا نُبالي في ســـــبيل اللقاء//نُقتلُ أو نُصــلبُ أو نُسجنُ

         يا وطنــــــي حتّامَ لا نلتقي؟//وأنت في قلـــوبنا تسكنُ

4/10/2009

 


الأربعاء، ٣٠ أيلول ٢٠٠٩

في السّفر الذي كان.. بين نابلس وعمّان!!

متابعات

في السّفر الذي كان.. بين نابلس وعمّان!!

أ‌.       عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لم يبق أمام نابلس بعد عام ثمانية وأربعين إلا أن تتحرك صوب جنين شمالاً، وصوب طولكرم وقلقيلية غربًا.. أما جنوبًا فقد كثّفت تحركها صوب القدس بشكل مباشَر مثلما كثّفته صوب رام الله.. أما الخليل فكانت الحركة صوبها بشكل غير مباشَر، لوعورة الطريق، وبُعد  المسافة، وللعلاقة الخاصة القائمة بينها وبين القدس منذ أقدم العصور، حيث كانت الحركة بين المدينتين قوية قبل عام ثمانية وأربعين، وقد ازدادت قوة بعد ذلك العام.. وأما غزة فقد فُصلت عن "الضفة" فصلاً كاملاً، وأصبحت منطقة مستقلة بحسب تقسيمات وكالة الغوث، وكانت الجامعة العربية قد وضعتها في أعقاب النكبة أمانة في يد مصر تشرف عليها، وترعاها، إلى أن تُحل قضية فلسطين.. في الوقت الذي وُضعت فيه "الضفة الغربية" أمانة بيد الأردن.. على أن وحدة اندماجية قد أقيمت بين ضفتي الأردن الشرقية والغربية في أعقاب النكبة، وقد استمرت حتى صباح الخامس من حزيران من عام سبعة وستين.

    لستُ هنا بصدد كتابة مقال تاريخي، أو جغرافي، أو سياسي عن تلك الفترة.. ولكنه حديث ذكريات –ليس إلا- في الاتصالات والمواصلات والتحركات التي شهدتها هذه الديار في تلك الفترة، وتحديدًا في السفر الذي كان بين نابلس وعمّان، لا لأن نابلس شيء مختلف عن القدس أو الخليل، ولكن لأنها الأكثر مثولاً في الذاكرة، ولأنها منطلَق تحركنا في كل مناطق الشمال صوب الشرق.. صوب عمّان، وصوب إربد أيضًا في طريقنا إلى دمشق التي تضاعفت المسافة بيننا وبينها بسبب ما جرى، أو في طريقنا إلى لبنان الذي كان ذات يوم على مرمى حجر من أرض الجليل، ومن مياه الساحل الفلسطيني في منطقة عكا.

    قلقيلية التي كانت أراضيها تلامس مياه البحر المتوسط قبل عام ثمانية وأربعين أصبحت البلدة المغلقة الأكثر التصاقًا بخط الهدنة بعد ذلك، وأصبحت تمثّل أقصى امتداد للواء نابلس (وبعد ذلك لمحافظة نابلس) غربًا، تليها طولكرم مع فارق بسيط، وإلى الشمال الشرقي منهما، وعلى بعد أربعين كيلو مترًا إلى الشمال من نابلس تتربع جنين على الطرف الجنوبي لمرج ابن عامر غير بعيد عن بيسان، وعين جالوت، ومياه نهر المقطَّع.

    ولئن كانت السُّبل قد تقطّت بأهل هذه الديار في أعقاب النكبة، ولئن أصبح ثلث السكان فيها من اللاجئين والمهجَّرين القادمين من الغرب، فإن المجال قد بات مفتوحًا أمامهم للتوجه شرقًا صوب الأردن، ومنه إلى كافة الاتجاهات.. أهل محافظة القدس وبيت لحم، ومحافظة الخليل يتوجهون إلى الأردن عبر جسر "اللنبي" وأهل محافظة نابلس، ولواء جنين يتوجهون عبر جسر "دامية".. بمعنى أن سكان المحافظات الثلاث، وما تشتمل عليه من ألوية وأقضية ونواحٍ بحسب التقسيمات الإدارية الأردنية آنذاك قد باتوا يتحركون في مواصلاتهم (ويرتبطون في اتصالاتهم، وعلاقاتهم، ومختلف نواحي حياتهم) صوب العاصمة عمّان، ومنها إلى كافة الأقطار.

    لم تكن نابلس آنذاك أكثر من بلدة كبيرة، أو مدينة صغيرة من شارعين يربطها أحدهما بالقدس جنوبًا، والآخر بعمّان شرقًا.. يضاف إليهما شارع ضيق كثير التعرجات يتجه شمالاً نحو جنين، وشارعان يتجهان غربًا إلى طولكرم وقلقيلية.. أما شارع طولكرم فكان في مجمله جيدًا مريحًا، وأما شارع قلقيلية فكان أسوأ من شارع جنين.. ولم تكن نابلس آنذاك سوى مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف في ذروة الانتداب البريطاني على فلسطين ليرتفع إلى خمسة وأربعين ألفًا عام ستة وستين قبل عام واحد من هزيمة حزيران.. ولكنها نابلس التي احتفلنا منذ أيام بمرور مئة وأربعين عامًا على تأسيس أول مجلس بلدي فيها خلال حكم الأتراك العثمانيين (1869م) ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قلقيلية كانت تتمتع بمجلس بلدي نشط وفاعل في العام ثمانية وأربعين، وقد استحوذ ذلك المجلس على حب الناس، وتفاعلهم معه، حتى قال شاعرهم:

              يا بائعَ الفجلِ بالملّيمِ واحدةٌ//كم للعيالِ؟ وكم للمجلس البلدي؟!

    وهي أيضًا نابلس التي قدّمت قرضًا لمشروع روتنبرغ بقيمة خمسة وأربعين ألف جنيه فلسطيني (45000) عام خمسة وأربعين، وبحسب مصادر بلدية نابلس، فإن هذا المبلغ الكبير لم يُسترجع حتى اليوم!! ونابلس أيضًا هي التي اشتُهرت ببساتينها وينابيعها وصناعاتها المختلفة وحلوياتها وزيتها وزيتونها وحجارتها ومحاجرها منذ أقدم العصور، وهي التي شاركت بامتياز في كل مراحل النضال الوطني، والكفاح بمختلف أشكاله وصوره، وهي التي أنجبت العلماء، والأدباء، والشعراء، والفقهاء، والإعلاميين، والمؤرخين، والسياسيين، والأساتذة، والمعلمين، وصدّرت كثيرًا منهم إلى مختلف ديار العروبة.. كما صدّرت إلى كثير من الأقطار العربية أنواع الحمضيات، والخضراوات، وأنواع الفواكه من أغوارها الشرقية التي كانت حتى الأمس القريب سلة الخبز الفلسطيني.. ومن أغوارها الغربية (قلقيلية وطولكرم) وما أنتجته أرضهما الطيبة من أنواع الحبوب والخضراوات، ومن أنواع الحمضيات والجوافة التي اشتُهرت بها قلقيلية بعد ذلك.. يُضاف إلى هذا كله ما جادت به ولا تزال أراضي جنين من مختلف أنواع الفواكه والخضراوات.. ويُضاف إلى كل هذا أيضًا ما أنتجته هذه المنطقة من زيت الزيتون، وأجود أنواع الصابون... لقد حققتْ نابلس كل هذه الإنجازات، وكثيرًا غيرها على امتداد العقود الستة الماضية رغم كل الجراح، ورغم كل الآلام، ورغم كل ما تعرضتْ له، وتعرض له معها أبناء المدن والقرى والمخيمات في شمال نابلس وشرقها، وغربها، وجنوبها من ألوان الأذى، وأشكال العدوان، وصنوف التضييقات والمصادرات والمداهمات والاعتقالات، وفنون التجويع والتركيع والتيئيس والإذلال، وعوامل التهجير والتطفيش والاقتلاع والإقصاء والإحلال، ومختلف أصناف الجدران والبوابات والحواجز، وكل أشكال الاستيطان.

    أما كيف تحركت هذه المدينة الصغيرة، وكيف تعاملت مع ذلك الواقع الجديد الذي فُرض على الناس في هذه الديار، وكيف تصرفت على صعيد الحركة والتحرك والسفر منذ ستة عقود، فالأمر يدعو إلى أكثر من وقفة تأمل، وإلى أكثر من استرجاع للذاكرة، وتنشيط لها، واستنهاضٍ لمخزونها على أكثر من محور، وفي أكثر من اتجاه، وعلى أكثر من صعيد!!

    لقد عملتْ سيارات نابلس، وحافلاتها، وشاحناتها على مختلف خطوط المواصلات في "الضفة الغربية" رغم بدائية كثير من هذه الخطوط، فكانت عونًا، وكانت رديفًا، وكانت سندًا لكل وسائل المواصلات في مناطق الشمال والوسط والجنوب.. لقد كانت سببًا في تماسك هذه المناطق، وفي تواصلها، وكانت سببًا في شحذ العزائم والهمم في صراع البقاء الذي خاضه الناس ويخوضونه في هذه الديار منذ النكبة، وحتى يومنا هذا..

    ولئن كان هذا في حد ذاته كافيًا لتقديم الشكر إلى كافة أعمدة الاقتصاد الوطني في "الضفة الغربية" بعامة، وإلى أعمدة الاقتصاد الوطني في نابلس بخاصة، نظرًا لما قام به الاقتصاد المحلي، ورؤوس الأموال المحلية من جهد في سبيل ربط مدن هذا الوطن وبلداته ومخيماته بعضها ببعضها الآخر، وفي سبيل نقل البضائع من بلد لآخر، ومن منطقة إلى أخرى رغم صعوبة ذلك آنذاك؛ فإن ما قامت به أعمدة الاقتصاد المحلي، وسواعد أبناء هذه الديار من ربط هذه المناطق بالعالم العربي، وغير العالم العربي عبر الأردن، يُعتبر محطة أخرى لابد من التوقف فيها لتقديم شهادات على ذلك العصر، قد تكون ضرورية لهذه الأجيال الشابة في كل مناطق الوطن، وفي الشتات في حربها المستمرة ضد كل عوامل النسيان واليأس والقنوط والإحباط.

    في البداية لا بد من التأكيد على أن الناس في هذه الديار كانوا على جانب عظيم من الخلق، وعلى جانب عظيم من التكافل، وعلى جانب عظيم من التعاون فيما بينهم.. كانوا يحبون بعضهم بعضًا، ويعطف بعضهم على بعض، ويقدم الأخ لأخيه كل ما بوسعه أن يقدمه دون ضجر أو تأفف!! كثير من فقراء هذه البلاد ومعدميها تمكنوا من السفر للعمل في الكويت، وغير الكويت دون أن يكون معهم شيء من أجرة الطريق! لقد كان كثير منهم يصل إلى حيث يريد على مراحل.. بل إن كثيرًا من أصحاب السيارات وسائقيها كانوا بعد أن يحملوا هذا الشاب أو ذاك مجّانًا دون مقابل يقدّمون له ما يعينه على الاستمرار في الرحلة.. وفي البداية أيضًا لا بد من الإشارة إلى أن كثيرًا من الناس كانوا يتنقلون في المواصلات العامة دون أن يدفعوا شيئًا لتلك الحافلات والسيارات دون أن يسيء إليهم أحد لأنهم لا يملكون ما يدفعون لتلك السيارات.. فإذا ما فرغنا من الحديث عن هذه الإيجابيات، وعن تلك الشهامة، والأخلاقيات قلنا إن أجور التحركات والتنقلات كانت زهيدة تحرّكها القناعة، وهي كنز لا يفنى، كما كان الناس يقولون في ذلك الزمان، ولا تتحكم بها المطامع والأهواء والرغبة في الاستغلال والاستغفال.. ولكل مقام مقال!!

    كنت تسافر من نابلس إلى عمان في ذلك الزمان لقاء خمسة قروش، بمعنى أنك تستطيع القيام بعشرين رحلة بين المدينتين بدينار واحد!! وأهم من ذلك أنك لم تكن تتوقف خلال الرحلة لأي سبب، اللهم إلا إذا أردت أن تشرب من جرة الماء الكبيرة هناك على الجانب الشرقي للنهر، ثم تواصل السفر حتى تبلغ مرادك!! فإذا أردت السفر إلى العراق، أو الكويت، أو الشام، أو لبنان كانت وسائل المواصلات المختلفة، وكانت الأسعار المعقولة، وكان التعاطف والتسامح مع من لا يملك الأجرة.. لقد كان الناس بخير.. وقد كانوا على جانب كبير من الخلق، والشعور مع الآخرين، والتعامل معهم بشهامة وطيبة ومسئولية ومحبة.

    لم يكن بين نابلس وعمّان، أو بين القدس وعمّان حواجز.. ولم تكن بحاجة لأكثر من ساعة كي تصل عمّان، ولم تكن بحاجة بعد ذلك لأكثر من ساعة كي تكون في ضواحي دمشق الجنوبية، ولم تكن بحاجة بعد ذلك لأكثر من ساعة كي تكون في الأراضي اللبنانية... كنتَ تسافر من نابلس إلى عمّان، أو إلى إربد، ثم إلى الشام، ثم بيروت، وكنتَ تقضي هنالك في دمشق، أو حلب، أو غيرهما من المدن السورية أيامًا وليالي، ثم تعود إلى نابلس أو القدس دون أن يكلفك هذا شيئًا مذكورًا.. إن تكلفة وصول "الاستراحة" في أريحا اليوم، والمبيت هناك ليلة واحدة، ومواصلة السفر إلى عمّان، والعودة إلى القدس أو نابلس في اليوم التالي تفوق كثيرًا تلك الرحلة إلى الشام، وإلى لبنان، والعودة إلى القدس أو نابلس، وفيها من المشقة والعنت والإرهاق والخسائر بأنواعها ما فيها!! لقد كنتَ تسافر في تلك الأيام للنزهة والمتعة، أو للعلم والمعرفة؛ فكنتَ في غاية النشاط والسعادة رغم بعض المنغِّصات.. أما اليوم فإنك إن سافرتَ لأي سبب لا تشعر إلا بالضِّيق، والرعب، والتعب، والغضب، والإرهاق، والبؤس، والاكتئاب.. تعود وأنت تترحم على ذلك الزمان، وعلى السفر الذي كان بين نابلس وعمّان، في الوقت الذي لم تكن فيه راضيًا آنذاك عن أوضاعك وأحوالك.. بل كنتَ تطالب بالتغيير، والتحرير، والتطوير، والتعمير بكل ما في الدنيا من عزم وإصرار، وبكل ما في القلب من آلام وآمال.. فسبحان مغيّر الأحوال!!

    وها أنت اليوم تراوح مكانك.. لا تستطيع التوجه غربًا.. ولا تستطيع التوجه شرقًا.. إنك محصورٌ محاصَرٌ في نابلس.. محصورٌ محاصَرٌ في الخليل.. محصورٌ محاصَرٌ في القدس يا ولدي!! قد يسمحون لك بالحركة والتنقل داخل قريتك، أو بلدتك، أو مخيمك، أو مدينتك..وقد لا يسمحون!! وقد يسمحون لك بالكلام، والتعبير عن نفسك، وآلامك، وآمالك، وأحلامك، وتطلعاتك، وآهاتك.. وقد يسمحون لك بالحصول على طعامك وشرابك.. وقد لا يسمحون!! كل ذلك رهنٌ بحسن سيرتك وسلوكك، وكل ذلك رهنٌ بموافقتك على كل ما يقوله الكبار، ويردده الصغار، ويروجون له!! ورحم الله من قال:

      وأبخل أرضٍ بالرجولةِ بقعةٌ//يُضام الفتى فيها ولا يتبرَّمُ!!

1/10/2009

   


الاثنين، ٢٨ أيلول ٢٠٠٩

الاقتصاد مقوّمات وإمكانات.. لا هِباتٌ ومساعدات!!

 

متابعات

الاقتصاد مقوّمات وإمكانات.. لا هِباتٌ ومساعدات!!

أ.عدنان السمان

www.sammman.co.nr

 

    إذا كان الحديث في السياسية أمرًا صعبًا لا تستطيع الخوضَ فيه، والتجديفَ في بحوره المتلاطمة إلا هذه النخبُ المتخصصة المتمرسة الغنية بالتجارب ومعايشة الأحداث والتقلبات، واستخلاص النتائج والدروس والعبر من كل هذا وذاك، ومن أحداث التاريخ التي لم تعشْها هذه النخب، بل درستْها حتى صارت أعلم بها ممن عاشوا وقائعها، وخاضوا غمراتها، وركبوا صهواتها في كثير من الأحيان.. إذا كان الحديث في السياسة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً أمرًا صعبًا فإن الحديثَ في الاقتصاد أمرٌ أشد صعوبة..

    ولئن كانت السياسة في كثير من الأحيان خاضعة لنصر عسكري يحرزه مغامر، أو يحققه مقامر في غفلة من الزمان.. ولئن كانت السياسة أيضًا أحلافًا وتحالفاتٍ وتكتلات من أجل تحقيق الأمجاد تارةً، ومن أجل حماية الأوطان تارة أخرى.. ومن أجل التسلية وإضاعة الوقت، والعبث، والتلهي بما لا طائل تحته.. حتى قال بعضهم في السياسيين ما نأبى بأنفسنا عن تكراره.. فإن الاقتصاد شيء مختلف، وإن الخوض فيه لا يتأتى لرجال السياسة والعلاقات العامة، وللمتسكعين في شوارع الضباب، وفي الصالونات الدافئة، في ليالي الشتاء الباردة.. بل إنه لا يتأتى إلا لرجال المال والأعمال، وللمتخصصين في هذا المجال، لا بالأقوال بل بالأفعال.. وقد يتأتى لبعض السياسيين ممن جمعوا بحكم التجربة، والدراسة، والخبرة الواسعة بين الأمرين.

    الاقتصاد مقومات وإمكانات.. وهو إعداد واستعداد تدخل فيه، وتتحكم بخط سيره طبيعة الناس، وطبيعة الحياة التي يحيَوْنها، وطبيعة الأرض التي يعيشون عليها، وطبيعة النظم السياسية والاجتماعية والفكرية التي تحكم حياتهم الخاصة والعامة، وتنتظم كل أوجه حياتهم اليومية، وتطلعاتهم وطموحاتهم المستقبلية.

   وهو إما أن يكون صناعيًّا، أو زراعيًّا، أو صناعيًّا زراعيَّا، أو عسكريًّا، أو مدنيًّا، أو تقليديًّا، أو سبّاقًا إلى كل جديد مبتكر بفعل أدمغة أبنائه، وتلهفها للابتكار والتجديد والإبداع، ونفورها من الاجترار والمحاكاة والتقليد، وإضاعة الوقت في كل ما لا يُجدي، ولا يفيد.

    فإلى أي لون من هذه الاقتصادات ينتسب اقتصادنا، وإلى أيٍّ منها ينتمي؟ أين هو هذا الاقتصاد الذي نتحدث عنه؟ أين هي مقوماته في الوقت الذي لا نمتلك فيه أرضًا وماءً وهواء؟ أين هي مقوماته، ونحن لا نملك السماد والبذار والغذاء وأبسط مقومات الحياة؟ أين هي مقوماته ونحن لا نستطيع أن نمارس أبسط أشكال الحياة على أرضنا، ولا نستطيع أن نبني بيوتنا على الغالبية الساحقة من مساحات هذا الوطن إلا بإذن، وإلا بشروط أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها تنازل عن ملكيتنا لهذه الأرض التي امتلكناها منذ فجر التاريخ؟ إن كنا نتحدث عن هِباتٍ ومساعدات تأتي من هنا، ومن هناك، فهذه ليست مقومات اقتصاد.. وهذه ليست الإمكانات التي تُبنى عليها دعائم وجود اقتصادي، ونهضة اقتصادية شاملة.. بل هي شيء مؤقَّت يزول بزوال أسبابه، وانتهاء الغاية منه!!

    إذا كان ما يقدّمه المانحون هباتٍ خالصةً لوجه الله الكريم، فلماذا لا يقدم هؤلاء المانحون شيئًا لشعوب كثيرة في هذا العالم تعاني من الجوع والموت بسبب المجاعات والأوبئة والتصحّر ونقص في الأموال والثمرات؟ لماذا لا يقدم هؤلاء المانحون شيئا لمعظم شعوب إفريقيا التي تعيش البؤس بأسوأ معانيه، وأقبح صوره؟ لماذا لا يقدّمون شيئًا لشعوب أمريكا الوسطى، ولكثير من شعوب آسيا، بل لماذا يصرون على نهب ثروات تلك الشعوب؟ ولماذا يصرون على غزو كثير منها، وتدمير ما كانت سواعد أبنائها قد بنته بالعرق والدم والدموع؟؟

    وإذا كان الهدف من هذه المساعدات والمنح بناء اقتصاد وطني، فلماذا تُنفق هذه الأموال جميعها في وجوه الاستهلاك المختلفة، ولا تُستثمر في مشاريع إنتاجية صناعية وزراعية بحيث تضمن دخلاً لفئة أو فئات من أبناء هذا الشعب؟؟ ولماذا تتحول غالبية هذا الشعب إلى فئة من الموظفين تعدد أيامًا وتقبض راتبًا؟؟ أو فئة من طالبي الإحسان من أبناء هذا الشعب الذين حوّلهم هذا الواقع المرّ إلى فئة من الفقراء المعوزين بعد أن كانوا كرامًا يأكلون خبزهم بعرق الجبين؟؟

    ها نحن نترسم خطى ألمانيا التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية، ومزّقتْ أراضيها، واحتُلَّتْ عاصمتها عام خمسة وأربعين؟ هل نحن نفعل ما فعلته ألمانيا التي كانت من دول العالم الكبرى بعد عشرين عامًا فقط من هزيمتها في تلك الحرب؟ هل نحن نترسم خطى اليابان التي تعرضت لقنبلتين ذريتين في أواخر الحرب العالمية الثانية عام خمسة وأربعين، ثم خرجت من تلك الحرب مهزومة لتوقع على وثيقة الاستسلام؟ هل نحن نقتدي باليابان التي تمكنت رغم هذا كله من أن تصبح اليوم على رأس الدول الصناعية في هذا العالم؟هذان مثلان اثنان، ولا أريد أن أضيف هنا أمثلة أخرى: ألمانيا، واليابان أقوى قوتين اقتصاديتين في هذا العالم، لماذا حققنا كل هذا التقدم الأسطوري في العلم، والمعرفة، والعلوم، والآداب، والفنون، والزراعة، والتجارة، والاقتصاد، والصناعة المدنية، والتطور الحضاري، والثقافي، والازدهار، والرِّفاء، والمدنية، والنهضة المعرفية الشاملة؟؟ إن نحن عرفنا الإجابة عن هذه الأسئلة، فإننا بالتالي نكون قد عرفنا أنفسنا.. وقديمًا قال سقراط: "اعرف نفسك!!".

    إن إزالة حاجز هنا، وآخر هناك، واستيعاب عدد من العمال في هذا المصنع الإسرائيلي، أو ذاك هنا في المحتل من الأرض منذ سبعة وستين، أو هناك على أرض ثمانية وأربعين لا يعني ازدهارًا وانتعاشًا اقتصاديًّا، أو اجتماعيًّا، أو سياسيًّا.. لأن الاقتصاد في انهيار مستمر بسبب السيطرة اليومية المستمرة على الأرض، وبسبب تكريس الاستيطان والجدران، وبسبب تخريب كافة مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين، أو تجييرها لصالح المستوطنين، وبسبب كل هذه المضايقات، وكل هذا التحكم، وكل هذه المحاولات التي تستهدف القضاء على كل عوامل النهوض الاقتصادي، والوجود الاقتصادي الفلسطيني.. بل الإصرار على ربط ما تبقّى من هذا الاقتصاد المدمَّر ربطًا وثيقًا مُحْكَمًا بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي حتى لا تقوم له قائمة، وحتى لا يتكرر هنا ما حدث في ألمانيا، واليابان بعد الهزائم العسكرية!! فأي أثر أو تأثير لهذا الاقتصاد الكسيح الذي لا يكاد يبلغ اثنين بالمئة من ذاك؟ بل أيّ وجود لاقتصاد يتحول معظم الناس فيه إلى مجموعات متناقضة متباينة من الموظفين، ومجموعات بائسة يائسة من العمال العاطلين أو شبه العاطلين، ومجموعات من الفلاحين التعساء البائسين الذين يلهثون وراء الجدار وأمامه ومن خلفه بحثًا عن شبر أرض يزرعونه، فلا يكادون يظفرون به إلا بشق الأنفس، بعد أن فقدوا أرضهم وزروعهم وأشجارهم وثمارهم؟!!!

    الاقتصاد والتنمية الاقتصادية أمران شديدا الالتصاق بالتحرر السياسي، والاستقلال، واستغلال موارد البلاد، وإمكاناتها أفضل استغلال، بل وتنمية هذه الموارد والإمكانات وصولاً لبناء اقتصادي متين يساهم في تدعيم الاستقلال السياسي، ويحميه من عبث العابثين، وتلاعب المتلاعبين، وطمع الطامعين الذين يتربصون به الدوائر.

    وإن الاقتصاد، والتنمية الاقتصادية، والسير بالبلاد والعباد نحو شاطئ الأمان والنجاة والرِّفاء والأمن الغذائي، والنمو الاقتصادي ليس حبّاتٍ من بطيخ جنين تُباع هنا أو هناك، وليس حبات من عنب الخليل، ولا حبّات من الجوافة تجود بها علينا بقية أرض كانت لقلقيلية ذات يوم!!

28/9/2009


السبت، ٢٦ أيلول ٢٠٠٩

في الانهيارات والانتصارات والتحالفات... وارتفاع سقف التوقّعات

متابعات


في الانهيارات والانتصارات والتحالفات... وارتفاع سقف التوقّعات


أ.عدنان السمان


www.samman.co.nr


إذا كانت السياسة هي فن الممكن -كما يقول كثير من السياسيين- فإن عوامل كثيرة تتحكم في هذا الفن وتحكمه، وتتحكّم في سقف هذا الممكن، وفي جدرانه، وفي أرضيته أيضًا.. إذ لا يُعقَل أن تخوض أمةٌ مقطّعةُ الأوصال (ممثَّلةً في شراذم متناحرة) معارك وحروبًا مصيرية بدون إعداد أو استعداد، وبدون أن يكون لها يدٌ في التخطيط لهذه المعارك والحروب، أو تحديد زمانها، ومكانها، والأهداف المرجوّة منها؛ فتخرج منها خاسرة.. وتخرج اشدَّ خسارة من المعارك السياسية التي تعقبها بطبيعة الحال، ثم يأتي مِن رجالها مَن يقول: هذا ما استطعنا تحقيقَه! وهذا ما استطعنا إنقاذَه من منطَلَق حرصنا على إنقاذ ما يمكن إنقاذُه! وليس بالإمكان أبدعُ مما كان!! وكأن من المفروغ منه أن نخوض كل هذه المعارك المصيرية ونحن على هذه الحال! وكأن من المفروغ منه أيضًا أن نتصّدى نحن- ولا أحد سوانا- لحلحة كل قضايا هذا العصر، وكل تراكماته حتى لا تضيع هذه القضايا كما ضاع غيرها، وحتى لا يكون مصير اللاحق منها كمصير السابق عندما ضاع ذات يوم!!!


لا يمكن أن تخوض شراذمُ متناحرةٌ مأزومة، وأنظمة تدين بالولاء والتبعية لقوًى أجنبية طامعة دون أن تخسر كل شيء، ودون أن تفرِّط في كل شيء، ودون أن تهبط من هذا السقف الذي وضعتْه ابتداءً لمطالبها، ومطالباتها، وأهدافها، وغاياتها.. لا إلى هذا المدى أو ذاك من هذا الجدار، أو تلك الجدر التي يقوم عليها هذا السقف، بل إلى الأرضية حيث مواطئ أقدام السابلة، والمتسكعين، وعابري السبل، والمتفرجين.. أو إلى ما دون هذه الأرضية.. حيث يكون باطن الأرض في كثير من الأحيان خيرا من ظاهرها.. وحيث يكون الاختفاء والاختباء والانكفاء والانطواء في كثير من الأحيان خيرًا من الظهور لقوم لم يجيدوا سوى التبعية، ولم يتقنوا سوى فن التملق والتذبذب والنفاق والكذب، ولم يحرصوا إلا على هذه المكاسب الشخصية الرخيصة، فكانت لهم هذه العاقبة، وكان لهم هذا المصير، وكانت لهم هذه النهاية… ويبقى التهريج والدجل والخداع والتزوير والرقص على جماجم الأبرياء من المستضعفين والنساء والولدان والشهداء سيد الموقف!!!


فإذا قال لهم قائل إنهم مخطئون، وإنهم قد أساءوا إلى أنفسهم، وإلى مواطنيهم وأوطانهم، وإلى تاريخ أمتهم، وثقافتها، ومستقبل أجيالها، وإنهم قد باعوا كل ذلك بثمن بخس دراهم، وبامتيازات يربأ أهل الخلق والضمير بأنفسهم عنها، وبمكاسب رخيصة فانية، وإنهم قد جَنَوْا على شعوبهم، وباعوها بأرخص الأثمان ثارت ثائرتهم، وراحوا يتهددون، ويتوعدون، ويصولون، ويجولون، ويرغون، ويزبدون، ويسرفون على أنفسهم، وعلى غيرهم من عباد الله وراحوا يوغلون في التقرب من السادة الكبار، والتودد إليهم، والإغراق في تقديم كل فروض الطاعة والولاء لهم، ظنًّا منهم أن هؤلاء السادة الكبار سيستبدلونهم بغيرهم، وأنهم سيستغنون عنهم، وسيصرفونهم عن الكراسي كما أَتَوْا بهم إليها!! وإذا سألهم سائل عن سر هذه التصرفات، وعن كل هذه الحركات، والتحركات، والتوجّسات، والتخوّفات، والتجاوزات، والتعديات، والاعتداءات قالوا إنه أمن المواطن وأمانه! وعزة الأوطان! والحرص على سلامتها من العدوان! وإنها الأمانة التي عُرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان!..وإنها المسئولية! وواجب الدفاع عن الحقوق والثوابت والمقدسات! وإنها المصلحة الوطنية العليا! والحرص على السلم الأهلي! والأمن الاجتماعي والقومي! والحرص على حياة الأجيال، وعيشها على أرضها بكرامة وعزة ورخاء وازدهار!!!


وإذا خرج من رحم هذه الأرض مَن يُثبت أن هذه الأمة بخير، وأن هذه الأمة قادرة على صد العدوان، وتحرير الأوطان، وتحويل الهزائم والانهيارات والمهازل والمسرحيات إلى انتصارات.. وإذا خرج من رحم هذه الأرض مَن يحررها، ويحميها، ويذود عنها، ويفديها بكل غالٍ ونفيس، ويصون مجدها، ويحفظ ودّها وعهدها، ولا يسمح لمعتد بالاقتراب منها، أو تدنيس تُربها.. وإذا خرج من رحم هذه الأرض من يحقق التوازنات بالاعتماد على الذات، وعن طريق التحالفات، باعتماد التكتيكات، وبناء الاستراتيجيات، ليرتفع بذلك سقف كافة التوقعات، ولتلوح في الأفق كل ألوان التوازن والتوازنات، وصولاً إلى توازن الرعب الذي يردع كل معتدٍ، ويصرفه عن مجرد التفكير بالعدوان لا تَعفُّفًا وكرم أخلاق، ولكنْ خوفًا من الردّ، وخوفًا من النتائج المدمرة التي سيجرّها العدوان، وخوفًا من العواقب الوخيمة التي سيُفضي إليها هنا على أرض المعارك، وهناك في كل مكان ومكان.. إذا خرج من رحم هذه الأرض من يحقق هذا كله، وكثيرًا غيره، بل إذا خرج من رحم هذه الأرض مَن يحققون هذا راح هؤلاء، ومَن هم على شاكلتهم يشكّكون في هذا، ويروّجون الإشاعات الباطلة، ويثيرون الفتن، والنعرات الطائفية، والمذهبية، ويخوّفون البسطاء، ويحذّرونهم من هذه التحالفات الإقليمية، والخلافات المذهبيّة والتاريخية!! وكأن الصراع في هذا الجزء من العالم صراع طائفيٌّ مذهبيٌّ!.. وكأن ما أصاب أهل هذه الديار ذات يوم من نكبات وتشرّد واغتراب كان بسبب أولئك الأعداء الطامعين في نشر مذهبهم، والترويج لفكرهم الديني المغاير لفكر الأغلبية الساحقة من أهل هذه الديار!!..وكأن المشكلة في هذه المنطقة من العالم سببها ولاية الفقيه، وأهل تلك العمائم السوداء!! وكأن هؤلاء المشككين المروّجين لكل هذه الوساوس، المحذّرين من كل هذه النعرات والكمائن والدسائس هم الأمناء المؤتمنون على حياض السنّة، وشرف الإسلام العظيم، وبلاغة القرآن الكريم، وإعجازه، وسِحر بيانه!!!


إن ما يجري في هذه المنطقة من العالم خطير، وإنّ ما يُراد بهذه الديار، وبغيرها من ديار العروبة والإسلام خطير، وإن كل وقائع التاريخ ومعطياته وحوادثه وأحداثه منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها لَتؤكد بما لا يدع أدنى مجال للشك على أن العالم لا يمكن أن يحترم إلا الأقوياء، ولا يمكن أن ينظر بعين النِدِّيَّة والاحترام إلا للأقوياء، ولا يمكن أن يُحقَّ حقوقًا إلا إذا كان وراءها قوة تطالب بها.. قد يُشفق المجتمع الدولي على ضعيف، وقد يُشفق هذا المجتمع على مظلوم، وقد ينتصر لمعتدًى عليه.. ولكنّ هذا المجتمع الدَّولي –يقينًا- لا يمكن أن يحارب نيابةً عن هذا المظلوم، ولا يمكن أن يتبنى المطالبة بحقوقه كاملةً غير منقوصة نيابةً عنه، ولا يمكن أن يضع هذا كله، أو شيئًا منه موضع التنفيذ إلا إذا قام أصحاب الحق بانتزاع حقهم، وقديمًا قال الحكماء:


ما حكَّ جلدّكّ مثلُ ظُفرِكْ//فَتَوَلَّ أنتَ جميعَ أمرِكْ!!


وبعد


فإن للانهياراتِ أسبابَها ومسبباتِها.. وإن للانتصاراتِ أسبابَها ومسبباتِها.. وإنّ الإصرار والإرادة والعزيمة الصادقة والإعداد والاستعداد هو الوسيلة لتحقيق هذه الانتصارات، على أنه في كثير من الأحيان لا بد من التجمعات والتكتلات والتحالفات لتحقيق هذه الإنجازات، ورفع سقف التوقعات من هذه التكتلات والتحالفات، بحيث يرتفع منسوب فن الممكن من الأرضية السياسية ومواطئ الأقدام، إلى الجدران، ومواصلة الزحف وصولاً إلى السقف، وإلى ما وراء السقف الذي يرتفع بارتفاع طموحاتنا، ويهبط بهبوطها، وينعدم بانعدامها… على أنه من الضروري أن لا يغيب لحظةً عن البال أن على رأس هذه الانتصارات، وتلك الإنجازات موضوع الحديث هنا يقف الانتصار على النفس بتطهيرها ومغالبتها وكفّها عن شرورها وأهوائها.. وكذلك تحرير الذات من أحلامها وأوهامها، والارتفاع بها عن السفاسف والصغائر.. ففي الارتفاع بها ارتفاعٌ لأقدارنا، وفي السموّ بها سموٌّ لغاياتنا وأهدافنا في حياة كريمة فاضلة ترفض الظلم، وتحرّمه على نفسها، وعلى غيرها من الناس.


26/9/2009