عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الخميس، ٢٤ أيلول ٢٠٠٩

متابعات

سلوان.. أغنيةُ مجدٍ على فم الزمان!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

أينما ذهبتَ، وأنّى توجهتَ في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس.. وأينما سرتَ في تلك الأحياء التاريخية العتيقة التي سار فيها الأنبياء والأولياء والخلفاء والفاتحون، وجدتَ لسلوان فيها ذِكرًا وأيّ ذكر، وشاهدتَ من سلوانَ أثرًا وأيّ أثر، وقرأتَ عن سلوانَ فيها خبرًا بل أخبارًا، وشنّفتْ أذنيكَ أغنيةُ مجدٍ وفخار وعزٍّ غنّاها الزمان: هذي سلوان ما أحلاها!! بلد الأمجاد.. أرض الرّواد.. درع الأقصى ما أغلاها.. ما أغلاها.

    إلى الجهة الجنوبية الشرقية من القدس القديمة بناها أهلها العرب القدماء يوم بنَوا القدس الخالدة، وغير بعيد عن أسوار القدس، وحائط المسجد الأقصى المبارك، ونوافذه من الجهة الجنوبية والشرقية، وغير بعيد أيضًا عن عين سلوان التي شبهها الأقدمون بعين زمزم أقام الأجداد هذه البلدة الغنية بمياهها، وينابيعها، وبساتينها، وكرومها وأرضها الخصبة الممتدة شرقًا حتى البحر الميت.. عبر الخان الأحمر.. والممتدة أيضًا جنوبًا وشمالاً.. لتُسقى القدس من مياه سلوان، وليأكل أهل القدس من ثمار أرض سلوان، ولتعيش القدس بأمن وأمان على مرِّ الزمان في أحضان سلوان، وأهل سلوان، وعيونهم الساهرة التي لا تبرح أسوار القدس، وحائط الأقصى المبارك من باب الغوانمة حتى باب الزاهرة.

    أقامها أهلها العرب القدماء على مساحة من الأرض واسعة ممتدة تبلغ آلاف الدونمات (5421) دونمًا، ولأهل سلوان عشرات آلاف الدونمات المنتشرة شرقًا على امتداد ما عُرف عبر التاريخ بأراضي السلاونة (65000) دونم صودرت في أعقاب حرب سبعة وستين لتقام عليها مستوطنة "معالي أدوميم".. كما صودرت مساحات أخرى من ارض سلوان خلال الهجمات الاستيطانية الشرسة التي شهدتها منطقة القدس، وسائر مناطق الضفة الغربية، ولا تزال.

    ولئن أقدم هؤلاء على إزالة أحياء بكاملها داخل أسوار القدس القديمة منذ عام سبعة وستين، ولئن قاموا بأعمال هدم وتجريف ومصادرة واستيطان في مناطق شتى من القدس القديمة والجديدة، ولئن وضعوا الخطط والمخططات التي تستهدف "تهويد" القدس، وترحيل أهلها العرب عنها كلما كان ذلك ممكنًا؛ فكان الجدار الذي عزل مئة ألف من أهلها، وكانت الضرائب، وكانت أعمال المصادرات، وأعمال "التطفيش" وسحب الهويات بهدف التخلص من عرب القدس بمرور الزمن، وحصر من تبقّى منهم في معازل، وأحياء منفصلة لا تواصلَ بينها وسط استيطان يهودي منظَّم تبدو المدينة معه وكأنها مدينة "إسرائيلية" لا غبار عليها.. قد ورثها الخلف عن السلف منذ أقدم العصور!! وليس أدل على ذلك من هذه الحفريات التي يجرونها منذ الأيام الأولى لاحتلال سبعة وستين بهدف العثور على ما يثبت صلتهم بهذه الأرض.. دون جدوى.. ولعل حكاية الحجر الأموي شاهد على صحة هذا القول.. ولعل كل حوادث هذه المدينة المقدسة، وكل أحداثها منذ فجر التاريخ وحتى هذه اللحظة تقف شواهد على عروبة هذه المدينة.. كما تقف شاهدًا على أنها وقف إسلاميّ منذ الفتح العمري لهذه المدينة العربية الإسلامية التاريخية الخالدة.

    ومما لا شك فيه أنهم قد شرعوا بتنفيذ مشروع تهويد حي سلوان بتحويل هذه البلدة التاريخية المحاذية للجهة الجنوبية للمسجد الأقصى إلى مركز سياحي يهوديّ، ورغم المخالفات والمغالطات والتجاوزات والاعتداءات على حقوق الآخرين، بل على وجودهم إلا أنهم ماضون في خططهم، ورغم العظام والجماجم المتطايرة من المقابر الإسلامية التاريخية، ورغم صياح الموتى والأحياء استنكارًا لهذه الأعمال إلا أن الحفريات مستمرة، وأعمال نقل ملكية العقارات في البلدة القديمة إلى غير أصحابها العرب دون وجه حق تتم على قدم وساق من أقصى شمال القدس في الشيخ جراح وشعفاط وغيرهما من الأحياء المجاورة وحتى سلوان في الجنوب... وفي الوقت نفسه فإنهم ماضون في تنفيذ هذه المخططات في كثير من مناطق الضفة الغربية الأخرى في جنوب نابلس، وفي الأغوار.. ولعل ما صدر عن المحكمة العليا قبل أيام بشأن هدم خمسين بناية في يتما والسّاوية.. وما قيل عن هدم عشرات آلاف البيوت في الضفة الغربية بدعوى البناء غير المرخّص هو دليل قاطع على النوايا المبيّتة ضد عرب هذه الديار، بالتزامن مع  ما يجري في الجليل والنقب من أعمال مشابهة تحت مسمًّى مختلف هو تطوير الجليل والنقب!!

    إن كل هذا الذي يجري في المحتل من عام ثمانية وأربعين، وفي المحتل من عام سبعة وستين يدل دلالة قاطعة على مخططات هؤلاء، وعلى نيتهم في السيطرة على فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، لتكون منطلقًا لسيطرتهم على كل هذه المنطقة من العالم كما يتصورون!!

    إن ما يجري في سلوان اليوم، وفي حي البستان، وفي سائر أنحاء بيت المقدس لا يختلف في مغزاه ومبناه عما يحدث في كافة أرجاء الضفة الغربية، وعما يحدث في الجليل والنقب وكافة أرض فلسطين التاريخية.. ولكن الفرق هو أن ما يجري في سلوان له علاقة وثيقة بما يخطط له هؤلاء للحرم القدسي الشريف.. وهو فارق جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار، وجدير أن يُنظر إليه بالخطورة التي ينطوي عليها.. مع الأخذ بعين الاعتبار أيضًا أن ذلك لا يعني التقليل من الأخطار التي تنطوي عليها عملية "التهويد" في أي مكان من هذه الديار، ومع الأخذ بعين الاعتبار أيضًا عدم التقليل من كل محاولة يريد بها هؤلاء تثبيت وجودهم على أي شبر من الأرض العربية المحتلة.. أو غير المحتلة!!

    ولعل ما يصرح به رئيس وزرائهم (نتانياهو) من أنّ أعمال البناء في القدس لا تعني استيطانًا، وأن على الفلسطينيين أن يوافقوا على أن "إسرائيل" هي دولة لليهود كشرطين مسبقين من جانبه لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.. أقول إن هذين الشرطين اللذين يتقدم بهما (نتانياهو) لأكبر دليل على أنه لا يريد السلام مع الفلسطينيين، ولا يريد السلام مع العرب، ولا يريد السلام مع المسلمين.. وإنما يريد تنفيذ خططه ومخططاته في بلادهم دون قيد أو شرط، ودون أدنى نقاش أو جدل!!

    إن ما يحدث في سلوان.. وإن ما يحدث في القدس، وإن ما يحدث في فلسطين كل فلسطين، وإن ما يحدث في الأراضي العربية المحتلة، وغير المحتلة لَيؤكد بما لا يدع أدنى مجال لأدنى شك أن على العرب أن يفهموها.. وأنه قد آن الأوان ليفهموها.. وقد آن الأوان كي يستفيق النيام من نومهم..والحالمون من أحلامهم.. والواهمون من أوهامهم.. وأن يقوم هؤلاء أيضًا بما يفرضه عليهم واجب الدفاع عن الأوطان، وكرامة المواطنين، والمقدسات.

    وإن ما يجري في سلوان، وفي القدس، وفلسطين لدليلٌ قاطع على أن السلام لا يمكن أن يتحقق بمجرد الكلام، وبمجرد إبداء الرغبة فيه، وإنما بإعادة الحقوق إلى أصحابها.. فالسلام عدل وعدالة.. والسلام أمن وأمان.. والسلام حياة وبناء وإعمار.. والسلام تقدم وتطور وازدهار.. والسلام خلاص من التحكم والتبعية والاحتلال.

24/9/2009

  


السبت، ١٩ أيلول ٢٠٠٩

ومَن لي "بِعيدٍ" لا يُشابهُ غَيرَهُ؟!!

نسخة معدَّلة

متابعات

ومَن لي "بِعيدٍ" لا يُشابهُ غَيرَهُ؟!!

أ.عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لئن كان العيد يومًا من أيام العام.. ولئن كان الشاعر مغرقًا في التفاؤل عندما كان في حالة نفسيّة دفعته إلى رفع سقف طلباته وأمنياته آملاً في أن يحظى مع بني وطنه بعامٍ يختلف عما سبقه من أعوام.. فقال:" ومن لي بعامٍ لا يشابه غيره؟" فإننا وبعد نحو ثمانية عقود نستعير صدر هذا البيت لِنطلبَ يومًا مختلفًا عما سبقه من أيام، لا عامًا يختلف عما سبقه من أعوام... ولئن كان الشاعر مسرفًا في "الثوريّة" في عَجُزِ هذا البيت عندما قال:" أرى فيه أظفارَ البُغاةِ تُقلَّمُ" فإننا في هذا اليوم الذي نريده، ونتمنى حلوله فينا لا نطالب بتقليم أظافر أحد، بل نريده يومًا مختلفًا عن كل أيام البؤس والشقاء التي سبقته.. يومًا يفرح فيه الصغار، وتصفو فيه نفوس الكبار، ويصافح فيه الجار جاره، ويهنّئ الأخ أخاه، ويقابل فيه الناسُ بعضُهم بعضًا بابتسامة صادقةٍ صافيةٍ نابعةٍ من القلب بعيدةٍ عن المداهنة والنفاق الاجتماعيّ، والتقلب السياسيّ، وهل هنالك ما هو أجمل من الابتسامة الصادقة، والكلمة الحلوة في يوم العيد؟؟

    ولئن كان العيد يومًا من أيام العام، وساعةً من آلاف الساعات التي ينطوي عليها، فإن فيه دروسًا ومعاني كبيرة لا نجد مثيلاً لها في سالف الأيام.. دروسًا ومعاني لا نجدها إلا في هذا اليوم، وفي هذه الساعة من هذا اليوم؛ فالعيد ساعة، والصبر ساعة، والشجاعة صبر ساعة، ومراجعة النفس، ومصارحتها، ومكاشفتها، ومحاسبتها، وكفّها عن هواها وضلالها ليس بحاجة إلا لجزءٍ يسيرٍ من هذه الساعة.. فمتى تحين هذه الساعة؟ متى يعود كل المحتفلين بهذا العيد إلى هذه الساعة التي من شأنها أن تطهّر نفوسهم، وتسمو بمشاعرهم، وتؤلف بين قلوبهم، وتجمع شتاتهم، وتقضي على ما بينهم من غِلٍّ وحقد وكراهية.. فإذا بهم أمة واحدة.. هدف واحد.. نبض واحد.. نَفَس واحد.. نَفْسٌ واحدة.. فِعلٌ واحد.. قوةٌ واحدة تعجز كل قوى الشر والإثم والعدوان عن مواجهتها.. عندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.. وعندئذ تكون الفرحة.. ويكون العيد الذي لا يشبه كثيرًا من الأعياد التي سبقته.. وتكون الساعة التي لا تشبهها ساعة.. وتكون الساعة التي قُبِلتْ فيها الطاعة.. فكان بعد ذلك ما كان من فرحة، وعزّة، وعنفوان.. وسلامةٍ للأبدان، والأديان، والأوطان.

     نعم يا قوم: ومن لي "بيومٍ" لا يشابه غيره؟ بل، ومن لنا بيوم كهذا؟ من لهذه الأمة بيوم كهذا اليوم، وساعة كهذه الساعة يعطف فيها الكبير على الصغير، ويحترم فيها كل مواطن نفسه، ويبتعد فيها الناس جميعًا عن الأذى والكيد والعدوان، ويترفع فيها الناس عن الخلافات والأهواء.. ويعودون فيها –كما كانوا- سادةً كرامًا في أوطانهم، يصادقون مَن يصادقهم، ويعادون مَن يعاديهم، دون أن تأخذهم في الحق لومة لائم، ودون أدنى خضوع لمعتد أثيم متغطرس، ودون أدنى اعتبار لموت، أو حياة، أو مكاسب، أو مناصب، وألقاب لا تسمن ولا تغني من جوع، وأوهام، وسراب خادع يحسبه الظمآن ماءً وما هو بماء.

    لقد آن لنا يا قوم أن نصحو من غفلتنا.. لقد آن لضمائرنا أن تستفيق من سباتها، لقد آن لعقولنا أن تتحرر من أوهامها وتخيلاتها، وأحلام اليقظة التي باتت تحكمها، وتتحكم في كل ما يصدر عنها من أفكار وتصوّرات!! لقد آن لهذا المجتمع أن يتوحد، ولهذه الأمة أن تتوحد، ولهذه الشعوب أن تستفيق، ولهذه الأرض أن تُزرع.. لقد آن لهذه الأمة أن تتمرد على أمراضها، وعللها، وأصنامها التي أضلتها، وزّينت لها سوء أعمالها.. لقد آن لهذه القوى أن تتوحد في قوة واحدةٍ عاملةٍ ضاغطةٍ من أجل تحقيق أهداف هذه الأمة وطموحاتها في عيش شريف كريم، وفي لقمة نظيفة، غير مغموسة بدموع الفقراء، وأنين المرضى، ودماء الجرحى والشهداء.. لقد آن لهذه الأمة أن تتوحد، وأن تعيش حياتها بعيدًا عن المذلة والتبعية، والخضوع.. لقد كنا في هذه الديار، وفي كل ديار العروبة والإسلام، وما زِلنا، وسنبقى عربًا مسلمين أباةً متحابّين متعاونين على البر والتقوى.. كنّا وسنبقى أمةً واحدة تزرع أرضها، وتبني مؤسساتها، وتحرص على سلامة مواطنيها وأمنهم وأمانهم.. أمة يشهد تاريخها على عظمتها ومنعتها وعزّتها عندما أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور، وصنعت أعظم حضارة عرفها تاريخ الإنسان.. وكل عيد وأنتم جميعًا بخير.

14/9/2009



__________ Information from ESET Smart Security, version of virus signature database 4441 (20090919) __________

The message was checked by ESET Smart Security.

http://www.eset.com

من أعلام الإسلام.....(29)

من الأرشيف لضيق الوقت... فمعذرة

 

 

 

 

رمضــــانيات        يكتبها عدنان السمان

 
 

 


من أعلام الإسلام.....(29)

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

هو محمد عبده خير الله، من مواليد قرية "محلة نصر" بمركز شبراخيت من مديرية البحيرة، وأمه "جنينة" من أسرة معروفة هي أسرة "عثمان" في مديرية الغربية، وقد ولد في أواخر سنة (1849) تسع وأربعين وثمانمئة وألف.

لم يدرس شيخنا في الكتاتيب، بل إنه قد حفظ القرآن الكريم في منزل والديه على حافظ خاص، وفي سنة (1862) اثنتين وستين وثمانمئة وألف أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا، وبعد أن قضى الفتى في تجويد القرآن نحو سنتين جلس في دروس العلم بالمسجد الأحمدي؛ فبدأ بتلقي قواعد اللغة العربية، وبعد عام ونصف من محاولات فهم النحو العربي لم يفهم الفتى منه قليلاً ولا كثيرًا لعقم أساليب التدريس، وجفاف المادة وجمودها، وخشونة الشيخ الذي يتولى عملية التدريس، وفظاظته.

يغادر محمد طنطا، وقد قرر أن لا يعود إلى طلب العلم مهما كلف الأمر، وعليه فقد تزوج سنة (1865) خمسة وستين وثمانمئة وألف، ولكن والده أجبره على العودة إلى المسجد الأحمدي ليواصل دراسته، فتظاهر بالإذعان، وقد قرر الهرب، وهكذا كان.

ولقد كان من حسن حظه أن تولى أمره في القرية التي لجأ إليها أحد أخوال أبيه "الشيخ درويش" الذي استطاع أن يهدّئ من روعه، وأن يُحدث تحولاً في حياته بالعودة إلى طلب العلم بعزيمة وهمة ونشاط رغم كل المعوقات، وهكذا عاد محمد إلى المسجد الأحمدي بنفس راضية في أواخر العام (1865) خمسة وستين وثمانمئة وألف، ليشد الرحال في مطلع العام التالي إلى الأزهر الشريف في القاهرة كي يواصل دراسته هناك.

لم يكن التدريس في الأزهر بأحسن حالاً منه في المسجد الأحمدي، بل ربما كان الوضع أسوأ في ذلك العهد القاتم الذي ينطق كل ما فيه بالتخلف والتسلط والفظاظة والجمود، ولقد قضي محمد عبده من شبابه سنوات طوالاً من نكد العيش ومرارته (قبل أن يحصل على شهادة "العالمية" سنة 1877) في هذه البيئة العلمية التي وصفها الدكتور طه حسين في "الأيام" فأجاد الوصف، إلى أن حل في مصر رائد النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر السيد جمال الدين الأفغاني سنة (1869) تسع وستين وثمانمئة وألف؛ فكان ذلك بداية عهد جديد في تاريخ مصر، وفي تاريخ الأزهر، وفي حياة الشاب الثائر على جمود التعليم، وجفاف أساليبه، وعقم مشايخه ومعلميه في الأزهر، وفي كافة المساجد والكتاتيب في مصر وفي كل ديار العروبة والإسلام.

ويصبح الشيخ الشاب أستاذًا في الأزهر الشريف يلقي فيه دروسًا في التوحيد والمنطق والأخلاق.. وفي أواخر سنة (1878) ثمان وسبعين وثمانمئة وألف عين الشيخ الأستاذ مدرّسًا للتاريخ بمدرسة "دار العلوم"، ومدرّسًا للغة العربية في "مدرسة الألسن".. وفي الخامس والعشرين من حزيران سنة (1879) تسع وسبعين وثمانمئة وألف أُجبر الخديوي "إسماعيل" على التنازل عن العرش إلى ولده "توفيق" الذي يعتبر السيد الأفغاني، والشيخ محمد عبده من أقوى أنصاره، ولكنه، وبدلاً من تنفيذ وعده لهما بالإصلاح، وتحت تأثير خصومهما السياسيين أمر بإبعاد الأفغاني إلى الهند، وبفرض الإقامة الجبرية على الشيخ في قريته "محلة نصر".

بعد عودة رئيس الوزراء "رياض باشا" من السفر عرف ما حلّ بصديقيه، فاستشار صديقيه: الشيخ حسين المرصفي، ومحمود سامي البارودي بشأن الشيخ محمد عبده، فأشارا بتعيينه محررًا في "الوقائع المصرية" وكانت الجريدة الرسمية في مصر، وهكذا كان.. وبعد أن أصبح الشيخ الإمام رئيسًا لتحرير "الوقائع المصرية" عمل على إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في البلاد، ونشر المقالات النقدية عن سياسة التعليم؛ فكان من نتيجة هذا كله أن أنشئ المجلس الأعلى للمعارف في الحادي والثلاثين من آذار من العام (1881) وانتُخب الشيخ الإمام  عضوًا فيه، فاستأنف جهوده من خلال هذا المجلس للنهوض بالتعليم.. كما أن جهود الشيخ محمد عبده ومعاونيه في تحرير "الوقائع" كانت باعثًا لنهضة أدبية شاملة، وتجديد في أساليب الكتابة.

كان الأستاذ الإمام من مؤيدي وزارة رياض باشا الإصلاحية، وكان يرى في هذا الرجل صورة حسنة للمستبد العادل الذي يستطيع "أن يصنع في خمس عشرة سنة مالا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنًا" هكذا تكلم الأستاذ الشيخ في مقال له مشهور عنوانه "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل" قال فيه إن هذا المستبد يُكره المتناكرين على التعارف، ويُلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة!!

عندما ضُربت الإسكندرية بقنابل الأسطول البريطاني في الحادي عشر من حزيران سنة (1882) هبّ الشيخ محمد عبده يدعو إلى التطوع في صفوف الجيش للدفاع عن مصر، وإمداد هذا الجيش بالمقاتلين والإعانات والتبرعات.. ولكن الإنجليز يحتلون الإسكندرية، ويدخلون مصر، وفي الخامس والعشرين من أيلول سنة (1882) عاد الخديوي من الإسكندرية إلى القاهرة تسانده قوة الجيش الإنجليزي.. وقُبض على زعماء العرابيين، وغيرهم من الضباط والعلماء والأعيان والوطنيين، ويُحكم على الشيخ بالنفي إلى سوريا مدة ثلاث سنوات، ويلجأ شيخنا إلى بيروت، ومعه طائفة من المصريين منهم الشيخ أمين أبو يوسف، وإبراهيم اللقاني، وأحمد عبد الغفار، ومحمد الزمر.. فأكرم السوريون مثواهم.. وبعد عام واحد تلقى محمد عبده كتابًا من السيد جمال الدين الأفغاني يدعوه فيه إلى لقائه في فرنسا التي كان قد استقر فيها بعد مغادرة منفاه في الهند، وهكذا كان.. وهكذا خرج شيخنا من بيروت في أوائل عام (1884) متوجهًا إلى باريس.

في مدينة الأنوار شكّل محمد عبده مع أستاذه الأفغاني "جمعية العروة الوثقى" وأصدرا بعد ذلك جريدتهما "العروة الوثقى" التي صدر عددها الأول في الثالث عشر من آذار سنة (1884) وعددها الأخير في الثامن عشر من تشرين الأول من العام نفسه، وبهذا أغلقت "العروة الوثقى" بعد ثمانية أشهر من صدورها بسبب الحرب التي شنتها عليها الحكومة البريطانية في الغرب والشرق على السواء.

ويغادر شيخنا باريس إلى لندن ويحل ضيفًا على صديقه الإنجليزي مستر "بلنْت"، ويزور مجلس النواب الإنجليزي، ويخوض المعارك السياسية من أجل مصر، مطالبًا بانسحاب القوات البريطانية منها.. وتنشر جريدة "بول مول غازيت" لقاء مع الشيخ في السابع عشر من آب سنة (1884) أجراه أحد مندوبيها جاء فيه قول المحرر: "نعتقد أن الشيخ محمد عبده هو أول مصري أصيل يزور هذه البلاد.. لم نعرف مصريًّا عريقًا في مصريته كالشيخ محمد عبده الذي قدم لزيارة لندن اليوم: فهو يقينًا فلاح، يلبس جبة زرقاء، وعمامة بيضاء، ولا يتكلم الفرنسية، ولا الإنجليزية، بل ولا التركية، إنما يتكلم العربية لغة قومه، وليس عليه أدنى مسحة من التقاليد الأوروبية، وهو متوسط الطول، أسمر اللون، ذو لحية سوداء، حاد البصر، ذو وقار ومظهر مهيب، له ابتسامه جذابة، وإذا استثاره محدثه تكلم كلام الفصيح المتواضع، قوي الحجة، وثّاب الذكاء، مشرق الطلعة، وضّاح الجبين". وكذلك فقد نشرت بعض الجرائد الأخرى الإنجليزية كجريدة "تروث" التي يحررها النائب "لابوشير" وجريدة "التيمس" المشهورة شيئًا عما جرى بين محمد عبده ورجال السياسة الإنجليزية من محادثات في الأحوال المصرية. ونشرت "العروة الوثقى" مقتطفات مما جرى بين الشيخ المصري و "لورد هرتنجتون" وزير الحرب الإنجليزي آنذاك.

ويعود شيخنا من لندن إلى باريس، ثم يسافر إلى تونس، وإلى بلاد أخرى، ويذهب إلى مصر متنكرًا (كما جاء في كتاب سرّي إلى بعض أعضاء جمعية "العروة الوثقى" كتبه في أوائل سنة 1885) ويعود شيخنا إلى بيروت بعد أيام، ثم يُستدعى في أواخر سنة (1885) للتدريس في المدرسة السلطانية التي أسسها أنصار "مدحت باشا" فقام بتدريس العربية وعلوم التوحيد والمنطق والمعاني والإنشاء والتاريخ الإسلامي والمعاملات من الفقه الحنفي على خير وجه، وفي نهاية ذلك العام الدراسي أقيم احتفال كبير طلب فيه أحد الأدباء من شيخنا أن يخطبهم في موضوع يختاره، فوقف الأستاذ، وارتجل خطبة مفصلة استغرقت أكثر من ساعة  عن "علة تأخر الشرق" وقد أدهش أستاذنا الحاضرين ببلاغته، وتدفق أفكاره، وسلامة لغته، وقوة حجته.. ونزولاً عند رغبة السوريين أخذ أستاذنا يلقي دروسًا في تفسير القرآن في مسجدين من مساجد بيروت هما: المسجد الكبير، ومسجد الباشورة، فأقبل البيروتيون إقبالاً منقطع النظير على دروس ذلك العالم المتسامح الواسع الأفق الذي قال عنه أحمد عرابي: "إن رأسه أصلح للبس القبعة من لبس العمامة!!) ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من الإخوة المسيحيين كانوا يتجمعون عند باب المسجد ليسمعوا دروسه، ثم استأذنوه في دخول المسجد ليستمعوا إليه فأذن لهم.

وعلى الرغم من اشتغال شيخنا الأستاذ بالتدريس إلا أنه وجد وقتًا للتأليف، وكتابة المقالات في الصحف والمجلات: فترجم من الفارسية إلى العربية رسالة "الرد على الدهريين" للسيد جمال الدين الأفغاني، وصدّرها بمجمل من سيرة أستاذه، وأعدّ للنشر الدروس التي ألقاها على تلاميذه  السوريين في شرح "نهج البلاغة" لعلي بن أبي طالب، و"مقامات" بديع الزمان الهمذاني"؛ وفي بيروت اهتدى إلى نسخة من كتاب "البصائر النصيرية" للساوي في المنطق: فدرس الكتاب، وشرحه، ونشره بعد ذلك في مصر سنة (1898) وفي بيروت أيضًا أملى على تلاميذه دروسًا في علم التوحيد ظهرت خلاصتها بعد ذلك في مصر في "رسالة التوحيد" التي تعد بحق من أطرف ما كُتب في الفلسفة وعلم الكلام، وأخيرًا كتب أستاذنا رسالتين مسهبتين إصلاحيتين إحداهما إلى شيخ الإسلام بالآستانة عن إصلاح التعليم الديني، والثانية إلى والي بيروت عن "إصلاح القطر السوري" من طريق التربية والتعليم.

ويعود شيخنا الأستاذ محمد عبده من بيروت إلى مصر في ظروف غاية في الغرابة (بحسب رواية للشيخ عبد الوهاب النجار) تدخلت فيها "الملكة فيكتوريا" والسلطان "عبد الحميد" ليعود إلى مصر أحد قادة الثورة العرابية!! وفي مصر يعيَّن شيخنا سنة (1888) قاضيًا في المحاكم الأهلية الابتدائية، ويعيَّن قاضيًا في محكمة بنها، ثم في محكمة الزقازيق، ثم في محكمة عابدين، وبعد عامين يعيَّن مستشارًا في محكمة الاستئناف.. ويطلب شيخنا أن يعود إلى التدريس في "دار العلوم" ولكن الخديوي يرفض طلبه خوفًا من تأثير آرائه السياسية في الطلاب!! وفي أثناء عمله في القضاء أتقن شيخنا اللغة الفرنسية، وقد أملى الأستاذ الإمام في مرض موته فصلاً بالفرنسية نشره المسيو "دي جرفيل" في كتاب له عن "مصر الحديثة" بعنوان: "وصية سياسية للمرحوم المفتي الشيخ محمد عبده" وقد ترجم شيخنا عن الفرنسية كتاب "التربية" للفيلسوف الإنجليزي "هربرت سبنسر" ترجمة تدل على تمكنه من تلك اللغة. من كل هذا ومن كثير غيره يتبين لنا أن شيخنا كان على صلة قوية بكثير من مثقفي الغرب وسياسييه.

وفي مصر أيضًا يضع أستاذنا الإمام محمد عبده مشروعًا كاملاً لإصلاح الأزهر إصلاحًا معنويًّا مادّيًّا شاملاً، ولكنه –للأسف- لم يستطع أن ينفذه لقيام العراقيل في وجهه من كل صوب... وفي الثالث من حزيران سنة (1899) صدر الأمر العالي بتعيين الشيخ محمد عبده مفتيًا للديار المصرية، وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه يعيَّن الشيخ الإمام في مجلس الشورى، وفي سنة (1900) يُنتخب شيخنا رئيسًا للجمعية الخيرية الإسلامية التي كان من مؤسسيها سنة (1892) ومن أبرز الشخصيات العاملة فيها... وفي مصر كذلك يفكر شيخنا في إنشاء الجامعة المصرية إلى جانب الأزهر الشريف وقد أقنع غنيًّا من أغنياء مصر هو "أحمد المنشاوي" بأن يوقف لبناء الجامعة قطعة أرض في ضواحي القاهرة، وشرع المنشاوي في إعداد العدة لذلك، ولكنه قضى نحبه، فتوقف المشروع. ويقضي شيخنا رجل الإصلاح نحبه في الحادي عشر من تموز سنة (1905) ولم يمضِ إلا قليلٌ من الزمن حتى أنشئت جامعة الشعب ثم "الجامعة المصرية" صدًى لأمنية الأستاذ الإمام، وتحقيقًا لرغبته.

رحم الله شيخنا الأستاذ الإمام رجل الإصلاح والمواقف المرحوم محمد عبده، ورحم الله من وافانا بأدق التفصيلات عن أستاذنا الشيخ في كتابه "أعلام الإسلام" الصادر في تموز (1944) عن لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية في مصر المرحوم" عثمان أمين"، ورحم الله العلامّة المرحوم "عادل زعيتر" الذي قامت أسرته الكريمة بإهداء مكتبته القيمة إلى مكتبة بلدية نابلس، ومنها هذا الكتاب.. جزاهم الله جميعًا عنا خير الجزاء.

(28/1/2009)

من أعلام الإسلام.......(28)


من الأرشيف لضيق الوقت ...فمعذرة

 

 

 

 

رمضــــانيات        يكتبها عدنان السمان

 
 

 


من أعلام الإسلام.......(28)

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

ولد الشيخ جمال الدين الأفغاني في قرية "أسعد آباد" من أعمال "كابل" في بلاد الأفغان، سنة 1839م (1254هـ)، وكانت وفاته بالآستانة في التاسع من آذار 1897م .

ويعود نسب الأفغاني الى أصول عربية حيث سكن أجداده بلاد الحجاز، ويرتفع نسبه إلى الترمذي أحد أشهر رواة الحديث، ثم يرتقي هذا النسب الى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب. وعندما كان جمال الدين في الثامنة من عمره انتقلت أسرته للعيش في "كابل" العاصمة، ومنذ تلك الأيام أخذ أبوه في تربيته وتعليمة حيث درس مبادئ العربية، وعلوم الشريعة من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول، وكلام، وتصوف.. كما درس العلوم العقلية، والعلوم الرياضية، والفلك، كما درس نظريات الطب والتشريح، فأتم ذلك كله وهو في الثامنة عشرة من عمره كما يقول تلميذه الإمام الشيخ محمد عبده في مقدمة رده على الدهريين.

     تنقل الأفغاني في كثير من الأقطار إضافة الى أفغانستان منها : الهند، ومصر، وإيران، وتركيا، وروسيا القيصرية، وفرنسا، ولندن التي دعاه الإنجليز لزيارتها. ولقد كان له في كل بلد زارها حكاية، بل حكايات تؤكد في مجملها وتفصيلاتها على ثورية هذا الرجل، وتمرده على الاستعمار والاستبداد والاستكبار، وتؤكد بما لا يقبل أدنى شك على تمسك هذا الثائر، وتشبثه بوحدة بلاد العرب والمسلمين في إطار الجامعة الإسلامية التي دعا إليها طيلة أيام حياته، وتجرع في سبيلها آلام السجن والنفي والتشريد... لقد كان الأفغاني مثقفًا أجاد العربية، والتركية، والأفغانية، والفارسية، والفرنسية، وألمّ بالإنجليزية والروسية.. وكان الأفغاني كاتبًا يتذوق الشعر ويقرضه، وكان صحافيًّا أصدر (العروة الوثقى) في باريس، ولم يصدر منها إلا ثمانية عشر عددًا نظرًا للحرب الشعواء التي شنها عليها المستعمرون أعداء الشعوب، وعلى الرغم من ذلك فقد كانت تلك المجلة الأسبوعية مدرسة فكرية، ونهجًا نضاليًّا، وملهمًا للأحرار والمنفيين من أجيال العرب والمسلمين التي تربّت على يدي هذا المفكر الإسلامي، ونهجت نهجه وهي تقارع الاستعمار والمستعمرين.

        مما قاله عنه تلميذه وصديقه الشيخ الإمام محمد عبده: "لقد توافرت فيه قوى الفلاسفة، ومواهب رجال الأعمال، وقد نشأ قطبًا من أقطاب الفلسفة، وعاش ركنًا من أركان السياسة، فكأنه حقيقة كليّة تجلّت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحيّة قامت لكل نظر بشكل يشاكله". ومما قاله عنه المستشرق الفرنسي آرنست رينان: "وقد خيل إلي من حرية فكره، ونبالة شيمه وصراحته وأنا أتحدث إليه، أنني أرى وجهًا لوجهِ أحدِ مَن عرفتُهم من القدماء، وأنني أشهد ابن سينا، أو ابن رشد، أو أحد أولئك العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار". وعندما قال بعض خطباء ثورة سنة 1919 لسعد زغلول: إنك خالق هذه النهضة، رد عليهم قائلاً: "لست خالق هذه النهضة، كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا أدّعيه، بل لا أتصوره، وإنما نهضتكم قديمة، من عهد محمد علي وعرابي، وللسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير فيها"، ومن أقوال الأفغاني: "إن هذا الشرق، وهذا الشرقي لا يلبث طويلاً حتى يهبّ يومًا من رقاده، ويمزق ما تقنّع وتسربل به هو وأبناؤه من لباس الخوف والذل، فيأخذ في إعداد عدة الأمم الطالبة لاستقلالها المستنكرة لاستعبادها". ومن أقوال الأفغاني أيضًا: " لا سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها، فالأمة العربية هي عرب قبل كل دين ومذهب، وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان ما لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان". ومن أقواله : "إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يستجلي بعقله ما غمض وخفي من أسرار الطبيعة، وسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته، فيرى ما كان من التصورات مستحيلاً قد صار ممكنًا" . ومن كتابه "خاطرات" هذه الترجمة الذاتية: "وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة 1254هـ، وعُمّرتُ أكثر من نصف عصر، واضطررت لترك بلادي "الأفغان" مضطربة تتلاعب بها الأهواء والأغراض، وأُكرهتُ على مبارحة الهند، وأُجبرتُ على الابتعاد عن مصر، أو إن شئتَ قل نفيتُ منها، ومن الآستانة، ومن أكثر عواصم الأرض، كل هذه الأحوال "خاطرات" لا تسرني، وليس فيها أدنى فائدة للقوم.

        أما القول بأنها لا تسرني، لا بمعنى أني نفيتُ من البلاد، أو سجنتُ، كلا.. لأني أعتقد أن السجن بطلب الحق من الظالمين العتاة "رياضة"، والنفي في ذلك السبيل "سياحة"، والقتل "شهادة"، وهي أسمى المراتب.

        فأنا عن نفسي غير راضٍ، ذلك لأن الخمول قد قعد بي، فلم يوصلني إلى أسمى مرتبة، وهي "مرتبة الشهادة"، وحطني في مصاف المنفيين من أرض إلى أرض، والمسجونين فيها، فما أبعدني في كل هذا عن أولي الهمم، ومن قام بالأعمال الخطيرة، أو المطلب الجلل!".

        رحمك الله يا شيخنا، وأمطرك وابلاً من شآبيب رحمته، وجزاكَ عن أمة العروبة والإسلام خير الجزاء؛ فقد كنت لهذه الأمة معلّمًا وأي معلم.. وكنت قائدًا أخذ بيدها نحو شاطئ العزة والمجد، وكنت ثائرًا وخطيبًا دعاها إلى الحرية والوحدة والتضامن والإخاء.

(25/12/2008)


من الأرشيف لضيق الوقت... فمعذرة

 

 

 

 

رمضــــانيات        يكتبها عدنان السمان

 
 

 


من أعلام الإسلام.....(29)

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

هو محمد عبده خير الله، من مواليد قرية "محلة نصر" بمركز شبراخيت من مديرية البحيرة، وأمه "جنينة" من أسرة معروفة هي أسرة "عثمان" في مديرية الغربية، وقد ولد في أواخر سنة (1849) تسع وأربعين وثمانمئة وألف.

لم يدرس شيخنا في الكتاتيب، بل إنه قد حفظ القرآن الكريم في منزل والديه على حافظ خاص، وفي سنة (1862) اثنتين وستين وثمانمئة وألف أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا، وبعد أن قضى الفتى في تجويد القرآن نحو سنتين جلس في دروس العلم بالمسجد الأحمدي؛ فبدأ بتلقي قواعد اللغة العربية، وبعد عام ونصف من محاولات فهم النحو العربي لم يفهم الفتى منه قليلاً ولا كثيرًا لعقم أساليب التدريس، وجفاف المادة وجمودها، وخشونة الشيخ الذي يتولى عملية التدريس، وفظاظته.

يغادر محمد طنطا، وقد قرر أن لا يعود إلى طلب العلم مهما كلف الأمر، وعليه فقد تزوج سنة (1865) خمسة وستين وثمانمئة وألف، ولكن والده أجبره على العودة إلى المسجد الأحمدي ليواصل دراسته، فتظاهر بالإذعان، وقد قرر الهرب، وهكذا كان.

ولقد كان من حسن حظه أن تولى أمره في القرية التي لجأ إليها أحد أخوال أبيه "الشيخ درويش" الذي استطاع أن يهدّئ من روعه، وأن يُحدث تحولاً في حياته بالعودة إلى طلب العلم بعزيمة وهمة ونشاط رغم كل المعوقات، وهكذا عاد محمد إلى المسجد الأحمدي بنفس راضية في أواخر العام (1865) خمسة وستين وثمانمئة وألف، ليشد الرحال في مطلع العام التالي إلى الأزهر الشريف في القاهرة كي يواصل دراسته هناك.

لم يكن التدريس في الأزهر بأحسن حالاً منه في المسجد الأحمدي، بل ربما كان الوضع أسوأ في ذلك العهد القاتم الذي ينطق كل ما فيه بالتخلف والتسلط والفظاظة والجمود، ولقد قضي محمد عبده من شبابه سنوات طوالاً من نكد العيش ومرارته (قبل أن يحصل على شهادة "العالمية" سنة 1877) في هذه البيئة العلمية التي وصفها الدكتور طه حسين في "الأيام" فأجاد الوصف، إلى أن حل في مصر رائد النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر السيد جمال الدين الأفغاني سنة (1869) تسع وستين وثمانمئة وألف؛ فكان ذلك بداية عهد جديد في تاريخ مصر، وفي تاريخ الأزهر، وفي حياة الشاب الثائر على جمود التعليم، وجفاف أساليبه، وعقم مشايخه ومعلميه في الأزهر، وفي كافة المساجد والكتاتيب في مصر وفي كل ديار العروبة والإسلام.

ويصبح الشيخ الشاب أستاذًا في الأزهر الشريف يلقي فيه دروسًا في التوحيد والمنطق والأخلاق.. وفي أواخر سنة (1878) ثمان وسبعين وثمانمئة وألف عين الشيخ الأستاذ مدرّسًا للتاريخ بمدرسة "دار العلوم"، ومدرّسًا للغة العربية في "مدرسة الألسن".. وفي الخامس والعشرين من حزيران سنة (1879) تسع وسبعين وثمانمئة وألف أُجبر الخديوي "إسماعيل" على التنازل عن العرش إلى ولده "توفيق" الذي يعتبر السيد الأفغاني، والشيخ محمد عبده من أقوى أنصاره، ولكنه، وبدلاً من تنفيذ وعده لهما بالإصلاح، وتحت تأثير خصومهما السياسيين أمر بإبعاد الأفغاني إلى الهند، وبفرض الإقامة الجبرية على الشيخ في قريته "محلة نصر".

بعد عودة رئيس الوزراء "رياض باشا" من السفر عرف ما حلّ بصديقيه، فاستشار صديقيه: الشيخ حسين المرصفي، ومحمود سامي البارودي بشأن الشيخ محمد عبده، فأشارا بتعيينه محررًا في "الوقائع المصرية" وكانت الجريدة الرسمية في مصر، وهكذا كان.. وبعد أن أصبح الشيخ الإمام رئيسًا لتحرير "الوقائع المصرية" عمل على إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في البلاد، ونشر المقالات النقدية عن سياسة التعليم؛ فكان من نتيجة هذا كله أن أنشئ المجلس الأعلى للمعارف في الحادي والثلاثين من آذار من العام (1881) وانتُخب الشيخ الإمام  عضوًا فيه، فاستأنف جهوده من خلال هذا المجلس للنهوض بالتعليم.. كما أن جهود الشيخ محمد عبده ومعاونيه في تحرير "الوقائع" كانت باعثًا لنهضة أدبية شاملة، وتجديد في أساليب الكتابة.

كان الأستاذ الإمام من مؤيدي وزارة رياض باشا الإصلاحية، وكان يرى في هذا الرجل صورة حسنة للمستبد العادل الذي يستطيع "أن يصنع في خمس عشرة سنة مالا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنًا" هكذا تكلم الأستاذ الشيخ في مقال له مشهور عنوانه "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل" قال فيه إن هذا المستبد يُكره المتناكرين على التعارف، ويُلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة!!

عندما ضُربت الإسكندرية بقنابل الأسطول البريطاني في الحادي عشر من حزيران سنة (1882) هبّ الشيخ محمد عبده يدعو إلى التطوع في صفوف الجيش للدفاع عن مصر، وإمداد هذا الجيش بالمقاتلين والإعانات والتبرعات.. ولكن الإنجليز يحتلون الإسكندرية، ويدخلون مصر، وفي الخامس والعشرين من أيلول سنة (1882) عاد الخديوي من الإسكندرية إلى القاهرة تسانده قوة الجيش الإنجليزي.. وقُبض على زعماء العرابيين، وغيرهم من الضباط والعلماء والأعيان والوطنيين، ويُحكم على الشيخ بالنفي إلى سوريا مدة ثلاث سنوات، ويلجأ شيخنا إلى بيروت، ومعه طائفة من المصريين منهم الشيخ أمين أبو يوسف، وإبراهيم اللقاني، وأحمد عبد الغفار، ومحمد الزمر.. فأكرم السوريون مثواهم.. وبعد عام واحد تلقى محمد عبده كتابًا من السيد جمال الدين الأفغاني يدعوه فيه إلى لقائه في فرنسا التي كان قد استقر فيها بعد مغادرة منفاه في الهند، وهكذا كان.. وهكذا خرج شيخنا من بيروت في أوائل عام (1884) متوجهًا إلى باريس.

في مدينة الأنوار شكّل محمد عبده مع أستاذه الأفغاني "جمعية العروة الوثقى" وأصدرا بعد ذلك جريدتهما "العروة الوثقى" التي صدر عددها الأول في الثالث عشر من آذار سنة (1884) وعددها الأخير في الثامن عشر من تشرين الأول من العام نفسه، وبهذا أغلقت "العروة الوثقى" بعد ثمانية أشهر من صدورها بسبب الحرب التي شنتها عليها الحكومة البريطانية في الغرب والشرق على السواء.

ويغادر شيخنا باريس إلى لندن ويحل ضيفًا على صديقه الإنجليزي مستر "بلنْت"، ويزور مجلس النواب الإنجليزي، ويخوض المعارك السياسية من أجل مصر، مطالبًا بانسحاب القوات البريطانية منها.. وتنشر جريدة "بول مول غازيت" لقاء مع الشيخ في السابع عشر من آب سنة (1884) أجراه أحد مندوبيها جاء فيه قول المحرر: "نعتقد أن الشيخ محمد عبده هو أول مصري أصيل يزور هذه البلاد.. لم نعرف مصريًّا عريقًا في مصريته كالشيخ محمد عبده الذي قدم لزيارة لندن اليوم: فهو يقينًا فلاح، يلبس جبة زرقاء، وعمامة بيضاء، ولا يتكلم الفرنسية، ولا الإنجليزية، بل ولا التركية، إنما يتكلم العربية لغة قومه، وليس عليه أدنى مسحة من التقاليد الأوروبية، وهو متوسط الطول، أسمر اللون، ذو لحية سوداء، حاد البصر، ذو وقار ومظهر مهيب، له ابتسامه جذابة، وإذا استثاره محدثه تكلم كلام الفصيح المتواضع، قوي الحجة، وثّاب الذكاء، مشرق الطلعة، وضّاح الجبين". وكذلك فقد نشرت بعض الجرائد الأخرى الإنجليزية كجريدة "تروث" التي يحررها النائب "لابوشير" وجريدة "التيمس" المشهورة شيئًا عما جرى بين محمد عبده ورجال السياسة الإنجليزية من محادثات في الأحوال المصرية. ونشرت "العروة الوثقى" مقتطفات مما جرى بين الشيخ المصري و "لورد هرتنجتون" وزير الحرب الإنجليزي آنذاك.

ويعود شيخنا من لندن إلى باريس، ثم يسافر إلى تونس، وإلى بلاد أخرى، ويذهب إلى مصر متنكرًا (كما جاء في كتاب سرّي إلى بعض أعضاء جمعية "العروة الوثقى" كتبه في أوائل سنة 1885) ويعود شيخنا إلى بيروت بعد أيام، ثم يُستدعى في أواخر سنة (1885) للتدريس في المدرسة السلطانية التي أسسها أنصار "مدحت باشا" فقام بتدريس العربية وعلوم التوحيد والمنطق والمعاني والإنشاء والتاريخ الإسلامي والمعاملات من الفقه الحنفي على خير وجه، وفي نهاية ذلك العام الدراسي أقيم احتفال كبير طلب فيه أحد الأدباء من شيخنا أن يخطبهم في موضوع يختاره، فوقف الأستاذ، وارتجل خطبة مفصلة استغرقت أكثر من ساعة  عن "علة تأخر الشرق" وقد أدهش أستاذنا الحاضرين ببلاغته، وتدفق أفكاره، وسلامة لغته، وقوة حجته.. ونزولاً عند رغبة السوريين أخذ أستاذنا يلقي دروسًا في تفسير القرآن في مسجدين من مساجد بيروت هما: المسجد الكبير، ومسجد الباشورة، فأقبل البيروتيون إقبالاً منقطع النظير على دروس ذلك العالم المتسامح الواسع الأفق الذي قال عنه أحمد عرابي: "إن رأسه أصلح للبس القبعة من لبس العمامة!!) ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من الإخوة المسيحيين كانوا يتجمعون عند باب المسجد ليسمعوا دروسه، ثم استأذنوه في دخول المسجد ليستمعوا إليه فأذن لهم.

وعلى الرغم من اشتغال شيخنا الأستاذ بالتدريس إلا أنه وجد وقتًا للتأليف، وكتابة المقالات في الصحف والمجلات: فترجم من الفارسية إلى العربية رسالة "الرد على الدهريين" للسيد جمال الدين الأفغاني، وصدّرها بمجمل من سيرة أستاذه، وأعدّ للنشر الدروس التي ألقاها على تلاميذه  السوريين في شرح "نهج البلاغة" لعلي بن أبي طالب، و"مقامات" بديع الزمان الهمذاني"؛ وفي بيروت اهتدى إلى نسخة من كتاب "البصائر النصيرية" للساوي في المنطق: فدرس الكتاب، وشرحه، ونشره بعد ذلك في مصر سنة (1898) وفي بيروت أيضًا أملى على تلاميذه دروسًا في علم التوحيد ظهرت خلاصتها بعد ذلك في مصر في "رسالة التوحيد" التي تعد بحق من أطرف ما كُتب في الفلسفة وعلم الكلام، وأخيرًا كتب أستاذنا رسالتين مسهبتين إصلاحيتين إحداهما إلى شيخ الإسلام بالآستانة عن إصلاح التعليم الديني، والثانية إلى والي بيروت عن "إصلاح القطر السوري" من طريق التربية والتعليم.

ويعود شيخنا الأستاذ محمد عبده من بيروت إلى مصر في ظروف غاية في الغرابة (بحسب رواية للشيخ عبد الوهاب النجار) تدخلت فيها "الملكة فيكتوريا" والسلطان "عبد الحميد" ليعود إلى مصر أحد قادة الثورة العرابية!! وفي مصر يعيَّن شيخنا سنة (1888) قاضيًا في المحاكم الأهلية الابتدائية، ويعيَّن قاضيًا في محكمة بنها، ثم في محكمة الزقازيق، ثم في محكمة عابدين، وبعد عامين يعيَّن مستشارًا في محكمة الاستئناف.. ويطلب شيخنا أن يعود إلى التدريس في "دار العلوم" ولكن الخديوي يرفض طلبه خوفًا من تأثير آرائه السياسية في الطلاب!! وفي أثناء عمله في القضاء أتقن شيخنا اللغة الفرنسية، وقد أملى الأستاذ الإمام في مرض موته فصلاً بالفرنسية نشره المسيو "دي جرفيل" في كتاب له عن "مصر الحديثة" بعنوان: "وصية سياسية للمرحوم المفتي الشيخ محمد عبده" وقد ترجم شيخنا عن الفرنسية كتاب "التربية" للفيلسوف الإنجليزي "هربرت سبنسر" ترجمة تدل على تمكنه من تلك اللغة. من كل هذا ومن كثير غيره يتبين لنا أن شيخنا كان على صلة قوية بكثير من مثقفي الغرب وسياسييه.

وفي مصر أيضًا يضع أستاذنا الإمام محمد عبده مشروعًا كاملاً لإصلاح الأزهر إصلاحًا معنويًّا مادّيًّا شاملاً، ولكنه –للأسف- لم يستطع أن ينفذه لقيام العراقيل في وجهه من كل صوب... وفي الثالث من حزيران سنة (1899) صدر الأمر العالي بتعيين الشيخ محمد عبده مفتيًا للديار المصرية، وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه يعيَّن الشيخ الإمام في مجلس الشورى، وفي سنة (1900) يُنتخب شيخنا رئيسًا للجمعية الخيرية الإسلامية التي كان من مؤسسيها سنة (1892) ومن أبرز الشخصيات العاملة فيها... وفي مصر كذلك يفكر شيخنا في إنشاء الجامعة المصرية إلى جانب الأزهر الشريف وقد أقنع غنيًّا من أغنياء مصر هو "أحمد المنشاوي" بأن يوقف لبناء الجامعة قطعة أرض في ضواحي القاهرة، وشرع المنشاوي في إعداد العدة لذلك، ولكنه قضى نحبه، فتوقف المشروع. ويقضي شيخنا رجل الإصلاح نحبه في الحادي عشر من تموز سنة (1905) ولم يمضِ إلا قليلٌ من الزمن حتى أنشئت جامعة الشعب ثم "الجامعة المصرية" صدًى لأمنية الأستاذ الإمام، وتحقيقًا لرغبته.

رحم الله شيخنا الأستاذ الإمام رجل الإصلاح والمواقف المرحوم محمد عبده، ورحم الله من وافانا بأدق التفصيلات عن أستاذنا الشيخ في كتابه "أعلام الإسلام" الصادر في تموز (1944) عن لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية في مصر المرحوم" عثمان أمين"، ورحم الله العلامّة المرحوم "عادل زعيتر" الذي قامت أسرته الكريمة بإهداء مكتبته القيمة إلى مكتبة بلدية نابلس، ومنها هذا الكتاب.. جزاهم الله جميعًا عنا خير الجزاء.

(28/1/2009)

من أعلام الإسلام..... (27)

من الأرشيف لضيق الوقت ... فمعذرة

 

 

 

 

رمضــــانيات        يكتبها عدنان السمان

 
 

 


من أعلام الإسلام..... (27)

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

هو عز الدين بن عبد القادر بن مصطفى القسّام، وأمه حليمة قصّاب، وكان أبوه قد تزوج من امرأتين: حليمة (وأنجب منها فخر الدين، وعز الدين، ونبيهة) والثانية آمنة جلّول (وأنجب منها أحمد، ومصطفى,وكامل,وشريف) وهو من مواليد بلدة جبلة في محافظة اللاذقية على الساحل الشمالي لسورية في اليوم العشرين من تشرين الثاني من العام اثنين وثمانين وثمانمئة وألف. أتم دراسته الابتدائية في كتاتيب بلدتة جبلة، وفي زاوية الإمام الغزالي.. ومن ثم ارتحل إلى مصر عام 1896 مع عدد من فتيان منطقته، حيث درس في الأزهر الشريف عشر سنوات نال بعدها شهادة الأهلية الأزهرية... لقد نشأ عز الدين نشأة إسلامية، وكان أستاذه في الكتّاب شديد الإعجاب بذكائه وأخلاقه واستقامته.. كما كان قوي الشخصية عصاميًّا شديد الثقة بنفسه.. ففي الأزهر الشريف، وبعد تأخر المصاريف من الأهل مدة طويلة، ونفاد ما في الجيب واليد صنع القسام الهريسة، وباعها للطلاب أمام الأزهر الشريف، وهو ينادي بأعلى صوته على بضاعته، بينما زميله عز الدين التنوخي يقف إلى جانبه في حال من الخجل الشديد.. وهكذا خرج الصديقان من أزمتهما.. ومما يُذكر في هذا السياق أن التنوخي والد عز الدين قد توجه في تلك الأثناء لزيارة ابنه فوجده مع القسام على هذه الحال أمام باب الأزهر، ولما حاول التنوخي أن يوضح لأبيه –وهو يشعر بالحرج- أن الأمر من تدبير صديقه القسام لمواجهة الوضع الصعب، قال له أبوه: لقد علَّمك القسام معنى الحياة يا ولدي... وزوجته بنت عمته أمينة نعنوع التي أنجب منها ثلاث بنات: خديجة، وعائشة، وميمنة، ثم ابنه الوحيد محمد عام 1929خاضت إلى جانبه ثورته ضد الفرنسيين... آما أبوه فكان يدرّس أبناء القرية أصول القراءة، وحفظ القرآن في الكتّاب، ثم اشتغل لفترة مستنطقًا في المحكمة الشرعية.

وفي الأزهر الشريف تتلمذ القسام على الشيخ محمد عبده، وأحب دروسه، كما تتلمذ على الشيخ محمد أحمد الطوخي.. وفي الأزهر الشريف تأثر القسام أيما تأثر بروح العداء للاحتلال البريطاني الذي جثم على صدر مصر منذ العام 1882، كما تأثر بموقف الأزهر من الحملة الفرنسية على مصر قبل الغزو البريطاني بزمن طويل (1798) كما تأثر تأثّرًا كبيرًا بفكر الشيخ جمال الدين الأفغاني، ودعوته المستمرة للثورة على الغزاة الذين يستهدفون ديار العروبة والإسلام.. ولعل القسام قد تأثر أيضًا برشيد رضا وبمقالاته التي كان ينشرها منذ مطلع القرن الماضي في مجلته الأسبوعية "المنار" حول الدولة اليهودية التي تعتزم الصهيونية إقامتها في فلسطين.. وفي الأزهر الشريف جمع القسام بين علوم العربية، وعلوم الشريعة، وتفاعل أيما تفاعل مع كل ما يجري على الساحة العربية الإسلامية من كبار الحوادث والأحداث على امتداد سنوات دراسته التي بلغت عشر سنوات تمكن القسام خلالها من بناء شخصيته الإسلامية الثائرة الملتزمة المتسلحة بالعلم والوعي والعزيمة والإيمان.

ويعود عز الدين إلى جبلة بعد التخرج، ويعرض عليه أبوه أن يذهبا معًا إلى قصر الآغا ليسلّما عليه، ولكن عز الدين يرفض ذلك مبتسمًا، وهو يقول: المقيم – يا أبي- هو الذي يسلّم على العائد من السفر.. وعليه فإنه يجدر بالآغا أن يأتي لزيارتنا. وما إن عاد حتى راح يمارس التدريس في زاوية والده، وفي جامع السلطان إبراهيم بن أدهم، كما تولى خطابة الجمعة في مسجد المنصوري وسط البلدة.. وارتفع بهذا شأن عز الدين، ولم يتمكن حاسدوه من النيل منه شعبيًّا أو رسميًّا، بل إنه وبعد عمله موظفًا في مسجد المنصوري رفع من شأن أسرته، ومنع أمه وأخواته من العمل في بيت الآغا.

وتدخل جيوش الحلفاء دمشق في مطلع تشرين الأول 1918، ويكون القسام أول ثائر في وجه هذه الجيوش، ومعه تلاميذه ومريدوه ومحبوه من شبان المنطقة، وقد استشهدت غالبيتهم في تلك المواجهات التي استمرت دون توقف مدة عام كامل (1919 – 1920)  ويخوض تلك الثورة المبكرة ضد الاحتلال الفرنسي أيضًا كل من إبراهيم هنانو، والشيخ الثائر صالح العلي، وعمر البيطار.. وتستمر هذه الثورة حتى آذار 1921... ويحاول الفرنسيون استمالة القسام بتوليته القضاء، ولكنه يرفض ذلك محرّمًا كل أشكال التعامل مع الاحتلال، ويحكم عليه الديوان العرفي الفرنسي في اللاذقية بالإعدام غيابيًّا.

وفي النصف الثاني من العام 1920 (وتحديدًا ما بين شهر آب حتى نهاية ذلك العام) يدخل القسام فلسطين (التي كانت تسمى آنذاك جنوب سوريا) ومعه أتباعه الستة: أحمد إدريس، الحاج علي عبيد، الشيخ محمد الحنفي، الحاج خالد، ظافر القسام، عبد المالك القسام.. وفي عكا قرر الشيخ أحمد إدريس العودة، وانتقلت المجموعة من عكا إلى حيفا المدينة الجميلة ذات الخليج البحري الهام، المتصلة بحرًا بالمدن اللبنانية والسورية الساحلية، وذات العلاقة التاريخية الوثيقة بهذه الموانئ، وبدمشق عاصمة بلاد الشام، وفوق ذلك فإن حيفا بعيدة عن نفوذ العائلات الفلسطينية المتصارعة آنذاك، ثم إن في حيفا القديمة – حيث استقر الشيخ القسام ورفاقه- أحد عشر ألف فقير فلسطيني (نزحوا إلى حيفا القديمة من القرى المجاورة بعد أن فقدوا بيوتهم) يعيشون في بيوت من الصفيح، ثم إن الانتداب البريطاني – وهذا هو الأهم- قد اتخذ من حيفا قاعدة لأسطوله.. لهذه الأسباب، وربما لأسباب أخرى، أتخذ القسام مدينة حيفا مقرًّا لإقامته، ومنطلقًا لثورته في فلسطين.

جاء في كتاب "الوعي والثورة" لسميح حمودة عن الصحافي العربي الفلسطيني عبد الغني الكرمي أن القسام رآه بعد أسبوع من إعدام الثوار الثلاثة على المشانق في 17/6/1930 يلعب النرد في جمعية الشبان المسلمين، وسمعه وهو يسخر من قروي جاء للعلاج في عيادة الجمعية الإسلامية إذ أشكل عليه التفريق بين الاسمين: "الجمعية الإسلامية" وجمعية الشبان المسلمين" لتقاربهما في التسمية، فانتهره القسّام، وأخذ بيد القروي إلى العيادة، ولم يتركه حتى اشترى له الدواء. وهذه واحدة من القصص الكثيرة التي تناقلها الناس عن حب القسام للفلاحين والعمال، ويكفي أن نذكر أن غالبية مؤيدي القسام كانوا من عمال سلطة القطارات في حيفا ومن موظفي هذه السلطة، ويكفي أن نذكر أيضًا أن عمال الحجارة في الكبابير وعددهم سبعمئة حجّار كانوا من القساميين.. ولا بد هنا من الإشارة السريعة إلى عدد من رجال القسام وعلى رأسهم الشيخ فرحان السعدي، وهو من قرية المزار قضاء جنين، وكان على علاقة وثيقة بالقسام. ومنهم حسن الباير من قرية برقين قضاء جنين، ومحمود سالم من الرملة وكان يعمل حارسًا في محطة القطار بحيفا، والشيخ نمر السعدي من غابة شفا عمرو، وهو ابن عم فرحان السعدي، والشيخ عبد الله يوسف زيباوي من قرية الزيب قضاء عكا، وعبد قاسم وهو فلاح كان يبيع الكاز في شوارع حيفا، ومحمد زعرورة وكان يبيع الكاز أيضًا، ومحمد الصالح حمد "أبو خالد" من سيلة الظهر، وكان عاملاً في حيفا، وخليل محمد عيسى "أبو إبراهيم الكبير" من قرية المزرعة الشرقية قضاء رام الله، وأحمد الغلاييني وكان يعمل سمكريًّا في حيفا، وعطيفة أحمد المصري، وهو عامل سفن من مصر، وأحمد الطيب أبو منصور، وكان من أوائل من عملوا في تهريب الأسلحة وتخزينها بعد أن تبناه القسام وقوّم اعوجاجه، وألحقه بالحركة الجهادية، ومحمد أبو قاسم خلف من حلحول قضاء الخليل.

استشهد الشيخ عز الدين القسام في أحراش يعبد في اليوم العشرين من تشرين الثاني من العام خمسة وثلاثين وتسعمئة وألف بعد أن حوصر هناك مع عدد من أصحابه المجاهدين.. ولقد أورد الدكتور عبد الستار قاسم في كتابه " الشهيد الشيخ عز الدين القسام" وصفًا مثيرًا لوقائع تلك المعركة، ولمقدماتها ونتائجها، كما أورد في هذا الكتاب تعليقًا وتحليلاً سياسيًّا يجدر بكل متابع للحركة الوطنية في فلسطين أن يقرأه.. كما وردت في كتاب "الوعي والثورة" لمؤلفه سميح حمودة تفصيلات وتحليلات ومعلومات جمعها المؤلف مما كُتب عن القسام وعن هذه المعركة تحديدًا، ومما تناقله رفاق القسام، وبعض المجاهدين الذين شاركوا في معركة الأحراش... ويجدر بكل دارس، وبكل مهتم بحركة التاريخ في هذه الديار أن يقرأه ليطّلع على سيرة مجاهد كبير، وعلم من أعلام الإسلام جاهد بعلمه ولسانه وماله، وضحى بدمه ملبّيًا داعي الجهاد في سبيل الله على أرض البطولات ومهد الرسالات أرض فلسطين.

وقبل أن أنهي هذا المقال ينبغي أن أشير إلى عدد ممن كتبوا في استشهاد هذا الشيخ المجاهد شعرًا ونثرًا.. أما المراثي الشعرية فمنها: 1- قصيدة قتلوك لليعقوبي. 2- قصيدة شهيد فلسطين للصارخ. 3- قصيدة إلى روح شهيد الوطن الخالد لواصف عبد الرحمن. 4- قصيدة سموك زورًا  بالشقي للشيخ نديم الملاح. 5- قصيدة يا رحمتنا للشاعر ابن خلدون. 6- مرثيّة الشاعر فؤاد الخطيب. 7- قصيدة الشهيد عز الدين القسام للشاعر صادق عرنوس. 8- قصيدة يا خسارة يا عز الدين للشاعر الشعبي نوح إبراهيم. 9- قصيدة الشهيد للشاعر إبراهيم طوقان ومنها هذه الأبيات:

عبس الخطبُ فابتَسَمْ            وطغى الهولُ فاقتَحَمْ

رابط الجأش والنهى            ثابت القلب والقَدَم

لم يبـالِ الأذى ولمْ             يثنه طارئُ الألـمْ

نفسُـه طَوعُ همـةٍ             وجمتْ دونها الهممْ

تلتقي في مزاجهـا              بالأعاصير والحممْ

تجمع الهائج الخضمَّ             إلى الراسخ الأشمّ

وهي من عنصر الفدا           ء ومن جوهر الكرمْ

سار في منهج العلا             يطرق الخلدَ منزلا

لا يبـالي مكبّـَلا               نالـه أم مجنـدَلا

فهو رَهْنٌ بما عزمْ    (جريدة فلسطين – يافا 24/11/1935 ص7.)

وأما المراثي النثرية فمنها: ليس من صانوا الحمى بالأشقياء. بقلم الأستاذ أكرم زعيتر.(الجامعة الإسلامية 22/11/1935) . ومنها بررة أتقياء ، لا فجرة أشقياء.. لا تظلموا الموتى بعد أن ظلمتم الأحياء للفاروقي (سليمان التاجي الفاروقي/ رئيس تحرير الجامعة الإسلامية- يافا 22/11/1935) هذه عصابة الحق فمجّدوها. بقلم الشيخ حسين حسونة – اللد. الشيخ عز الدين القسام وصحبه ماتوا شهداء في سبيل الله والوطن. بقلم الشيخ أسعد الشقيري- عكا (جريدة فلسطين- يافا 24/11/1935، ص3) الشهيد الجليل والعالم الكبير فضيلة الشيخ عز الدين القسام. بقلم بدر الدين الخطيب- دمشق (الجامعة العربية. 26/11/1935) أيها الشاهد الخالد.. حياك الله. لطفي ريال (جريدة الدفاع 28/11/1935) خذوا العبرة من استشهاد القسام. حلمي الإدريسي (الجامعة الإسلامية 28/11/1935) الشيخ عز الدين القسام المجاهد والشهيد الفلسطيني الخالد. محمد مجذوب – طرطوس (جريدة الجامعة العربية/ القدس 20/12/1935).

كلمة جميل مردم بك في حفل تأبين الشيخ القسام (الجمعة 3/1/1936) كلمة نائب حماة الدكتور توفيق الشيشكلي (نشرت في جريدة الجامعة العربية 7/1/1936). خطاب جمال الحسيني رئيس الحزب العربي الفلسطيني في حفل تأبين القسام (نشر في جريدة الجامعة العربية 7/1/1936). أحب من الناس المجانين بقلم عيسى السفري (كتاب رسالتي لعيسى السفري – يافا 1936).

كلمة الأستاذ إبراهيم الشنطي رئيس تحرير جريدة الدفاع – يافا، والتي نشرت في جريدة الدفاع بتاريخ 7/1/36، ومنها هذه السطور:

في يعبد لنا ثأر .. لنا حسين .. لنا كربلاء
في يعبد لنا جامعة .. لنا أساتذة .. لنا شهداء
أيها الناقدون .. كفى انتقادا
أيها القاعدون .. حسبكم اقتعادا
أشرف الممات.. ما اقتحم المذلَّ الظالم
وأرذل الحياة. أن تكون المذعن المسالم


لو لم يُستشهد القسام على ذلك الوجه، لما زحفت البلاد إلى سكنه.. رحم الله شهيد يعبد.. أيّنا يتحدث عن الشجاعة بعد الشيخ الشجاع؟ أيّنا يقول بالتضحية بعد الذي شرى وباع؟! سخفت الحياة ، وذلّت الرجولة، وتلك يعبد لمن قال: أنا فتى في الرجال.

طال حسابنا مع الإنجليز. منذ أول الاحتلال، ونحن ندفع الثمن، عدًّا ونقدًا، كوارث ومحنًا. آلام تسعة عشر عامًا ضاقت بها جسومنا، فمتى التصفية؟

رحمك الله يا شيخنا رحمة واسعة، وجزاك عن فلسطين، وعن كل ديار العروبة والإسلام خير الجزاء.

 

مصادر البحث:

_ الوعي والثورة، لسميح حمودة.

2_ الشيخ المجاهد للدكتور عبد الستار قاسم.

3_ أرشيف الصحافة الفلسطينية في مكتبة بلدية نابلس العامة.   

 

 

(9/1/2009)   


 

adnanalsamman.publish@blogger.com



Hotmail: Free, trusted and rich email service. Get it now.