| ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 27. عائشة www.samman.co.nr عائشــــــة أمام بيتها الكائن عند مدخل مخيم الدهيشة القريب من مدينة بيت لحم كانت السيدة عائشة في انتظارنا.. وما إن توقفت السيارة التي كانت تقلنا أمام هذا البيت المتواضع حتى تجمع حولها عدد من الفتية يتفحصونها.. بينما راحت نظراتهم الحادة تنتقل بسرعة بين اللوحة الصفراء التي تحملها السيارة، ومعدّات التصوير التلفزيوني التي بدأ أفراد الطاقم التلفزيوني الأمريكي (A.B.C) الثلاثة بإنزالها من السيارة.. وسمعتُ أكبرهم - وهو شاب في الرابعة عشرة من عمره – يقول لهم: هؤلاء صحافيون أجانب،وهذا شاب فلسطيني يرافقهم.. أنظروا – وأشار إلى اللوحة المثبتة أسفل الواجهة الزجاجية الأمامية للسيارة، وقد كتب عليها "صحافة" باللغتين العربية والإنجليزية - فقال فتىً آخر لا يتجاوز الحادية عشرة هامسًا: أخشى أن تكون خدعة... نظرتُ إليه مبتسمًا، وقلت: لا يا عزيزي.. اطمئن.. فهؤلاء فعلاً صحافيون أمريكيون أصدقاء، وقد حضرنا لزيارة السيدة عائشة – أم ثائر- وإجراء حديث معها.. قال الفتى مندهشًا: تقول أمريكيون أصدقاء؟ قلت: نعم يا عزيزي. إنهم أصدقاء.. وأنا أعرفهم جيِّدًا.. إن هدفهم هو خدمة الحقيقة، وتصوير الأمور، ونقلها إلى شعبهم كما هي بكل تجرد ونزاهة... في هذه الأثناء كان أفراد الطاقم يحملون أجهزتهم، ويقفون أمام البيت.. بينما كانت أم ثائر ترحب بهم، وتفتح الباب على مصراعيه.. ودخلنا، ودخل البيت معنا عدد من الفتيان، بينما بقي عدد منهم إلى جانب السيارة أمام البيت... كان البيت نظيفًا، وكان كل شيء فيه مرتَّبًا بشكل يلفت النظر... وتوجهنا بصحبة أم ثائر إلى غرفة الجلوس ليأخذ الضيوف قسطًا من الراحة قبل إنجاز المهمة التي جاءوا من أجلها... كانت أم ثائر تجلس قبالتنا في الغرفة مبتسمة مرحبة، وقد ارتدت الزي الشعبي الفلسطيني المطرز والموشى بخيوط ذهبية صفراء بدت في غاية الجمال والانسجام على الثوب الفلسطيني الأسود.. بينما كانت تضع على رأسها "يانسًا" أبيض نظيفًا، وكأنه أخذ من الثلج لونه ونقاءه.. وعلى الرغم من أن أم ثائر قد أمضت ستين سنة (بالكمال والتمام) من عمرها إلا أنها تبدو أصغر من سنها بكثير.. فوجهها الأبيض المبتسم، وعيناها السوداوان الواسعتان الذكيتان، وطولها الفارع في غير إفراط، إضافة إلى ما يلمسه الزائر فيها من حيوية ونشاط.. كل هذه الأمور تقول إن أم ثائر لم تتجاوز الخامسة والأربعين من عمرها... دخلت البيت الذي كنا نشغل أرائكه النظيفة المتواضعة صبيَّةٌ في السابعة عشرة من عمرها وهي تحمل القهوة العربية، وراحت تقدمها لضيوفها مبتسمة مرحّبة.. ولما انتهت من ذلك جلست إلى جانب أمها فبدا واضحًا ما بينهما من شبه... ووجهت كلامها – في أدب – إلى الفتيان الذين كانوا واقفين يشغلون نصف مساحة البيت قائلة: ماذا يريد الشباب؟ قال أكبرهم: ها أنت تقولينها يا "فلسطين".. ما دمنا شبابًا – كما تقولين- فأين القهوة؟ ضحكت فلسطين، كما ضحكت أمها.. وضحك الضيوف بعد أن فهموا ما قاله كبير الفتية، ونهضت فلسطين قائلة لهم: ما دام الأمر كذلك، هيا معي إلى المطبخ أيها الشباب لتشربوا القهوة كما تريدون. كان الضيوف قد انتهوا من شرب قهوتهم.. عندما توجهتُ بالسؤال إلى أم ثائر: أترغبين في أن يدور الحديث هنا أم تفضّلين أن يشارك أبناؤك فيه؟ تنهدت أم ثائر، وقالت: عندي رغبة شديدة في الحديث هذا اليوم، ولا أعتقد أن وقتكم يتسع لجزء بسيط مما أرغب في قوله.. إذن فلتتحدثوا إلى أولادي أولاً، وبعد ذلك نقرر ما سنفعل. قلت: حسنًا. دخلنا البيت المجاور حيث كان يرقد الإخوة الثلاثة محمد ومنصور وخالد في أسرّتهم.. كانت الغرفة تشبه – إلى حد كبير – غرفة طوارئ في مستشفًى ميداني.. كان أول ما فعله الصحافيون الأجانب أن وجهوا عدسات آلاتهم صوب الإخوة.. وبدأوا التصوير.. قال محمد (20 سنة) (وهو يرسم بأصبعي يده اليسرى علامة النصر.. بينما كانت يده اليمنى من المرفق حتى الرسغ قد لُفَّت تمامًا بالجبس، وثُبّتت إلى صدره.. كما لُفّت بالجبس أيضًا ساقه اليسرى.. بينما كانت الكدمات والرضوض تبدو بجلاء ووضوح في وجهه وأنحاء متفرقة من جسمه): لقد دخلوا المخيم بأعداد كبيرة، وكنت مع أخويّ منصور وخالد أمام بيتنا، وانهالوا علينا ضربًا بأيديهم، وأرجلهم، ورؤوسهم، وأعقاب بنادقهم حتى أغمي علينا.. كانت أعداد منهم تشتبك مع نساء الحي وفتياته.. وأُصبتُ – كما ترون- بعدة كسور في يدي اليمنى، ورجلي اليسرى، وبهذه الكدمات والرضوض في مختلف أنحاء جسمي... أما أخي منصور (18 سنة) فها هو – كما ترون- مصاب بالرضوض والجراح في مختلف أنحاء جسمه.. أما خالد (15 سنة) فقد تسببوا له بكسر في فكّه الأسفل، وكسر في ساعده الأيسر.. وانطلقوا بعد ذلك إلى داخل المخيم ينكلون بمن يرون في طريقهم، ويتلفون كل ما تصله أيديهم ورصاصهم من أثاث وممتلكات... وكانوا يقتحمون البيوت بعد أن يكسروا أبوابها، ويضربوها برصاص رشاشاتهم... قالت أمهم: لقد فضّلت أن يعالجوا في البيت، وأخبرتُ ابن شقيقتي (وهو طبيب يعمل في رام الله) بما جرى، حيث حضر على الفور، وأحضر معه بعض زملائه.. وقاموا جميعًا بإجراء اللازم كما ترون. سجل الضيوف ما سمعوه، وصوّروا ما رأَوْه، وهزّ كبير المجموعة رأسه بينما كانت نظراته تتنقّل بين الأشقاء الثلاثة وأمهم.. وتمتم بكلمات سمعت شيئًا منها: هذا كثير لا أصدق ما أرى.. يجب أن ينعم هؤلاء بالعدالة والأمن. قلت لأم ثائر: يريد هؤلاء الصحافيون أن يقوموا الآن بجولة سريعة في المخيم، ومن ثم سيتوجهون إلى نابلس،ومنها إلى جنين.. إنني أرحب بكل ما تريدين قوله.. وأحترم بشدة رغبتك في الحديث.. بإمكاني الآن أن أسمعك.. وهي فرصة كي يسمعك فيها هؤلاء الأصدقاء أيضًا إن كنت راغبة في ذلك.. قالت: لا.. اذهب الآن مع"جماعتك"، وقم بالواجب كما ينبغي.. ثم عد في أي وقت لتسمعني.. إن عندي ما أقوله.. وبعد ذلك بإمكانك أن تتصرف بحديثي كما تريد.. ليس هنالك ما يدعو لتأخيركم.. ما أرغب في قوله لا يعدو كونه حديثًا شخصيًّا عاديًّا، أو قل ثرثرة نسائية، أو حديث ذكريات.. قلت: سأعود بعد ثلاثة أيام. عدت لزيارة "أم ثائر" ولكن بعد ثلاثة أشهر... وجدت باب البيت مغلقًا.. لم يكن فيه أحد.. هو كالمهجور! سألت الجيران عنها.. أخذوا ينظرون إليَّ في وجوم.. تقدم مني أحدهم وقال: هل أنت من أقربائها؟ قلت: لا. قال آخر: هل كنت مسافرًا؟ قلت: لا. قال ثالث: أين كنت إذن؟ قلت: هي الدنيا يا أخي.. لها أحكامها. قالت إحدى جاراتها: هل تعرفها؟ ومتى رأيتها آخر مرة؟ وأحسستُ بدوار عنيف يجتاحني، وصداع شديد يضرب رأسي ضرب المطارق فتضطرب له عيناي.. ووضعت يدي على صدري وأنا أشعر أن قلبي قد بدأ يتمزق فعلاً... وقلت لهذه السيدة: لقد رأيتها مرة واحدة منذ ثلاثة أشهر عندما حضرت مع فريق من الصحافيين الأجانب، ولم أرها منذ ذلك اليوم... اغرورقت عينا السيدة بالدموع، وقالت – وهي تشير إلى باب بيتها – تفضل يا أخي بالدخول.. أما الجيران فقد دخل كلٌّ بيته واجمًا كما خرج.. وأما أنا فقد دخلت بيت هذه السيدة مشدوهًا خائر القوى. قالت السيدة: أم ثائر هي خالتي.. وهي التي أشرفت على تربيتي وتربية إخوتي الثلاثة بعد وفاة أمنا.. وكانت خالتنا خير الأمهات.. ولقد علمتنا جميعًا، وزوّجتنا.. أما أنا – كما ترى- فإنني أعيش في الدهيشة.. وأما إخوتي، فلقد استقر أحدهم في بيت لحم، ويعمل تاجرًا.. وأما الآخران، فيعملان موظفين في رام الله، وقد استقرا هناك.. قلت مقاطعًا: لم تقولي أين خالتك أم ثائر.. سـالت دمـوع السيدة، وتناولت كتابًا من خزانة صغيرة بجانبها قرأتُ على غلافه "العصا والجزرة"، وفتحت السيدة الكتاب، وناولتني رسالة كانت مطوية بين صفحاته، وقالت بصوت تخنقه العبرات: لقد تركتْ لك هذه الرسالة قبل أن ترحل. قلت في ذهول: ماذا تقصدين؟ - لقد انتقلت إلى جوار ربها... وساد المكان صمت قاتل قبل أن أسأل بصوت أجش متهدج: - ومتى كان ذلك؟ وما أخبار أولادها؟ - لقد توفي محمد منذ أكثر من شهرين، واعتُقل في أعقاب ذلك منصور وخالد.. ولا نعلم عنهما شيئًا حتى الآن.. أما خالتي فقد توفيت منذ أسبوع. وضعتُ الرسالة في حقيبة جلدية صغيرة تلازمني منذ سنوات طويلة، حتى كادت أن تصبح جزءًا مني، وقلت متوسلاً: - هل بإمكانك أن تصحبيني إلى المقبرة لأزور قبرها؟ - لم تُدفن هنا في الدهيشة، بل دفنت في أريحا.. إنها قريبة على أية حال من مكان إقامتك.. - ولماذا دفنت في أريحا؟ - هــذه هــي وصـيتها أن تُـدفن في أقرب نقطة ممكنة من قبر ابنها ثائر الذي لبى نداء الواجب منذ عشرين سنة أو يزيد قليلاً (في العام 1968) ودفن هناك.. وعلى أية حال فإن لها أختًا في مخيم عقبة جبر تستطيع زيارتها بسهولة. - وماذا عن ابنتها فلسطين؟ - تعيش في بيت خالها في مخيم الجلزون. - حدثيني عن خالتك أم ثائر. - لقد كتبتْ لك كل شيء في هذه الرسالة المطولة. - متى كتبتْها؟ - قبل أيام من رحيلها. - معنى ذلك أنها استعرضتْ فيها ما حلّ بأبنائها. - نعم.. وعندما أحضرت لي الرسالة قبل أيام من رحيلها قالت يا ابنتي هنالك شاب حضر إلى بيتنا مع بعض الصحافيين الأجانب، ووعد أن يزورني بعد ثلاثة أيام بناء على رغبتي، ولكنه لم يعد، ولديّ إحساس بأنه سيعود.. خذي هذه الرسالة يا ابنتي، فقد كتبت له فيها كل ما كنت أرغب في قوله. قمـتُ مصـافحًا السيدة معزِّيًا ومودعًا.. وألحتْ عليّ بكل ما في هذا الشعب الطيب من أصالة وشهامة وكرم أن أتأخر قليلاً لأتناول طعام الغداء مع زوجها الذي سيحضر بعد قليل.. قلت: لن أقول لك يا سيدتي إنني سأعود.. بل أقول إنني متوجه إلى أريحا لأزور أم ثائر... وما إن مشيت بضع خطوات في المخيم حتى كان صوت الرصاص يمزق سكون تلك الظهيرة في ذلك المخيم الشامخ مختلطًا بأصوات سكان المخيم التي تشق عنان السماء: لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله.. بالروح بالدم نفديك يا شهيد.. بالروح بالدم نفديك يا فلسطين. زرتُ قبر أم ثائر.. وقرأت رسالتها هناك عند قبرها.. وتحاورنا كثيرًا في محتويات تلك الرسالة.. سألتها، وأجابت.. وعاهدتني، وعاهدتُها، وألحت عليّ كثيرًا في أن أكون سندًا ل "فلسطين" وأن أزورها أينما كانت .. وأن أختار لها أحسن الأزواج.. قلت: لك ذلك يا أم ثائر،بل يا أم الثوار... طلبت منها أن أنشر شيئًا مما جاء في رسالتها.. لم تمانع أم ثائر، بل ابتسمت قائلة: سأكون سعيدة لو نشرت رسالتي هذه، وكسبتْ قضيتنا جراء ذلك بعض الأنصار.. فنحن يا ولدي بحاجة في كل يوم لمزيد من الأنصار والمؤيدين... لقد احتفظتُ برسالة أم ثائر، وسأبقى محتفظًا بها ما حييت.. ومما جاء في هذه الرسالة: لا أدري – يا ولدي- لماذا فُتح لك قلبي، وشُرح لرؤيتك صدري، وأحسستُ مذ رأيتك أنك واحد من أبنائي، بل وجدتُ فيك شبهاً من ولدي إياد الذي يعمل منذ سنوات في إحدى الصحف الكويتية... أترغب في أن تعرف شيئًا عني؟ حســنًا.. ولــدتُ يا ولدي في يافا، وفيها أنهيتُ دراستي الثانوية، وتزوجت من شاب حيفاوي كان يتردد كثيرًا على يافا بحكم عمله في الموانئ الفلسطينية.. وهناك أنجبتُ ولدي البكر "ثائر" الذي استُشهد بعد اثنين وعشرين عامًا من ولادته، ودفن في أريحا.. أما بقية أولادي وبناتي فقد أنجبتهم بعد النكبة وهم: صابر، وعائد، وعائدة، وإياد، ورائد، ومجاهد، ورائدة، ومحمد، ومنصور، وفلسطين، وخالد.. ألم أقل لك إنني اعتبرتُك مذ رأيتك واحدًا منهم؟ فمن حقك إذن أن تتعرف عليهم... بعد استشهاد محمد، واعتقال أخويه منصور وخالد لم يبق من أولادي هنا سوى مجاهد، أما إياد فيعمل – كما قلت لك- في الكويت، وأما بقية أبنائي وبناتي فهم يقيمون خارج أرض الوطن... مات زوجي في العام الماضي،وهو في عامه السبعين، بعد أن ضربوه لرفضه مسح الشعارات المكتوبة على جدار بيتنا... لي يا ولدي خمس أخوات بقي منهن ثلاث: واحدة تقيم في مخيم عقبة جبر، والثانية في غزة، والثالثة في مخيم الوحدات في عمان. لي أخ يقيم في مخيم الجلزون، وعنده طلبت من ابنتي "فلسطين" أن تقيم إذا حُمّ القضاء.. وأما الأخوان الآخران فقد كانا يقيمان في مخيم صبرا، وهما بعد الذي جرى يقيمان في صيدا.. أما إخوة زوجي فيقيمون جميعًا في مخيمات لبنان، وكذلك أختاه الاثنتان. قمتُ في السنوات الماضية بعدة زيارات لكل الأقطار العربية المجاورة، زرت الأردن، وسوريا، ولبنان،والعراق،والكويت، والسعودية، ومصر وعددًا من أقطار الخليج العربي حتى مُنعتُ من السفر في أوائل عام ثلاثة وثمانين.. فلم أغادر البلاد منذ تلك الأيام. لقد أرعبتني يا ولدي حقيقة الأوضاع في كل الأقطار التي زرتُها، وازددتُ قناعةً بأن قضيتنا لا تحظى حقيقةً باهتمام أحد.. وإن حظيت بشيء من هذا فهو من باب رفع العتب وعلى مستوى وسائل الإعلام فقط.. هذه الحقيقة عرفناها وعشناها منذ عام 1948.. وازددنا إيمانًا بها مع مرور الأيام،وتوالي الأحداث التي شهدتها الساحتان الفلسطينية والعربية. إن قضيتنا بحاجة ماسة لكسب المؤيدين والأنصار.. ابحثوا عنهم أيها الشباب بين شعوب الأمة العربية.. وابحثوا عنهم بين كل الشعوب المتحضرة المحبة للسلام والحرية.. بل ابحثوا عنهم داخل فلسطين المحتلة منذ عام ثمانية وأربعين بين الإسرائيليين أنفسهم.. خاطبوا كل شعوب العالم باللغة التي يفهمها كل شعب.. وتسلحوا بالعلم والمعرفة؛ فهما أقصر الطرق للنفاذ إلى قلوب الناس في هذا العالم من حولكم.. أكثروا من اللقاءات والاتصالات بكل القوى والهيئات والمنظمات الإنسانية المؤمنة بحقوق الإنسان.. أكثروا من الندوات والمحاضرات والمهرجانات في كل أقطار الدنيا لشرح أبعاد قضيتكم.. كونوا في كل مكان سفراء شرفاء لقضيتكم العادلة، ووطنكم المغتصب المستباح.. أقيموا أوثق العلاقات والصلات مع أجهزة الإعلام المختلفة في كل بلاد الدنيا.. وانفذوا من خلال وسائل الإعلام تلك إلى عقول الناس وقلوبهم.. قولوا لهم: إن شعبًا تعداده ستة ملايين إنسان.. وينتشر في كل بقاع الدنيا لا بد لقضيته من حل عادل يحقق له الحد الأدنى من طموحاته.. قولوا لهم: إلى متى ستظل الأسرة الفلسطينية هكذا مبعثرة موزعة مشتتة في زوايا هذا العالم؟ ما معنى أن يكون الفلسطيني في يافا والقدس والناصرة إسرائيليًّا، وأخوه من أمه وأبيه في عمان أو إربد أردنيًّا، وأخوهما الثالث في كاليفورنيا أمريكيًّا، والرابع في السويد سويديًّا، والخامس في المملكة المتحدة بريطانيًّا، والسادس في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام سبعة وستين بلا هوية؟ قولوا لهم: إن أم ثائر – هذه اللاجئة الفلسطينية التي تقيم مرغمةً خارج مسقط رأسها - ستقضي نحبها بعد أيام في مخيم الدهيشة - كما قضى غيرها- دون أن ترى أبناءها، وإخوتها، أو أيًّا من أسرة زوجها الذي قضى هو الآخر منذ عام دون أن يراهم أو يروه.. قولوا لهم: إننا شــعب متحضر جدير بالحياة.. وحتى لو لم نكن متحضرين فمن حقنا أن نعيش بحرية على أرض وطننا مثل كل الشعوب غير المتحضرة!! يا ولدي.. أنتم معشر الإعلاميين والصحافيين والكتاب تتحملون جانبًا كبيرًا من المسئولية.. عليكم من خلال أنشطتكم المختلفة تعميق الوحدة الوطنية، والعمل الجاد من أجل القضاء على الخلافات، والتناقضات، وكل مظاهر التشرذم بين صفوف شعبنا الفلسطيني.. عليكم أن تنهضوا بصحافتنا المحلية، وأن تكونوا عونًا لها في حمل رسالتها المقدسة، كي تقوم بدورها الطبيعي في خدمة أهداف شعبنا في هذه الظروف المصيرية الحرجة التي يعيشها شعبنا، وتمر بها قضيتنا.. اكتبوا قناعاتكم بتجرد وموضوعية بعيدًا عن "العشائرية" والفئوية والمحسوبية.. وبعيدًا عن المصالح الشخصية، والمكاسب الرخيصة، وكل مظاهر التبعية، والاستزلام، وشراء الذمم والضمائر... خوضوا في الأحاديث التي تعود بالنفع والفائدة على قضيتكم، وعلى شعبكم الرابض هنا على أرض الوطن، والمضَّيع هنالك في كل أرجاء الأرض، ومختلف مناطق الشتات.. إنني يا ولدي قارئة جيدة،وأعرف ما أقول.. إنني أشعر بكثير من الثقة والتفاؤل وأنا أرى الرواد من أبناء يافا والقدس وغيرهما من أبناء مدن هذا الوطن وقراه وهم ينهضون بهذه الصحافة الملتزمة التي تكرّس جلّ صفحاتها لخدمة هذه القضية المصيرية.. قضيتنا جميعًا.. قضية العرب الأولى.. إنني فخورة بهؤلاء الإعلاميين والكتّاب من أبناء هذا الوطن الذين يَصِلون الليل بالنهار من أجل خدمة هذه القضية العادلة حتى غدت صحافتنا هذه في أغلب الأحوال مرآة لشعبنا وقضاياه وأحواله، واهتماماته، وطموحاته، وأفراحه، وأتراحه.. وحتى باتت مفتوحة أمام الكتّاب الذين يطرحون قضايا الوطن، ويدافعون عن حقوقه بثقة وعزيمة واقتدار... لقد قُدّر لي أن أرى كبير هذا الشعب نصير الثكالى والأرامل والأطفال أكثر من مرة.. وبودي أن أراه، وأتحدث إليه ولو مرة واحدة قبل أن تفيض روحي.. ولكنني أحسّ أن هذا لن يحدث أبدًا.. فأنا راحلة بعد يوم أو بعض يوم.. فاكتبوا له يا ولدي.. اكتبوا مؤيدين مبايعين.. جدّدوا له الوعد.. فنحن معه.. نحن مع حق تقرير المصير لشعبنا.. مع حقه في إقامة دولته المستقلة، ومع القدس عاصمة لهذه الدولة.. نحن مع السلام العادل المشرف الدائم.. نحن مع حق العودة.. هذا الحق الذي ضمنه لنا القرار (194) والذي لا تنازل عنه، ولا بد من تنفيذه.. لا بد من عودتنا نحن اللاجئين المهجّرين إلى ديارنا وبيوتنا التي أُخرجنا منها... اكتبوا إلى كافة ممثلي الاتجاهات الفكرية من أبناء شعبنا: تعالَوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نختلف إلا في حق .. وأن لا تتجاوز خلافاتنا حدود إبداء الرأي بطريقة ديمقراطية تهدف أولاً وأخيرًا إلى إغناء تجربتنا، ورفدها بدم جديد.. ومدّها بأسباب القوة والمنعة... قولوا لهم إنكم فلسطينيون بمقدار ما تقدّمون لفلسطين، وبمقدار ما تتفاعلون مع الخط الوطني العام مؤثرين فيه متأثرين به كي تُصهر كافة الاجتهادات، والأفكار، والآراء، والمعتقدات في بوتقة واحدة تنتج فكرًا فلسطينيًّا، ووحدة فلسطينية حقيقية تمنح القوة لشعبنا وقضيتنا.. وإذا كان لا بد من خلاف فليأخذ شكل المعارضة الديمقراطية وصولاً إلى الرأي الأصوب، والموقف الأصح.. فالحق أبلج، ولا يماري فيه أو يجادل إلا مغرض أو جاهل.. والإنسان خارج حدود المجتمع البشري إما أن يكون شيطانًا، ولا أريد أن أقول إلهًا (بحسب نص الحكمة الإنجليزية) وإنما أقول أو قدّيسًا... فليتق الله كل أبناء هذه الوطن في وطنهم، وقضيتهم، ومستقبـل أجيالهــم.. وليعلمــوا أن الفرج بعد الشدة، وأن النصر بعد الصبر، وأن مع العسر يسرا. يا ولدي: هذه رسالتي إليك إن شئت احتفظت بها لنفسك، وإن شئت كشفت عنها، أو عن بعضها النقاب لمن تشاء... وإن قدّر لك الله أن تلتقي أبنائي، وبناتي، وأخواتي، وإخواني، وأقرباء زوجي، فإنني أوصيك بتبليغ السلام. آه يا ولدي، قاتل الله الحمى.. لقد أنستني أن أتمنى لكم من الأعماق أن يسدد الله على النور خطاكم، وأن يلهمكم سبل الرشاد، وأن يمن عليكم بنصر مؤزر من عنده، وما النصر إلا من عند الله... فسيروا يا أبنائي على بركة الله متعاونين متكاتفين صفًّا واحدًا، وقلبًا واحدًا، وشعبًا واحدًا.. حددوا هدفكم، واستمروا في السعي لتحقيقه؛ فالدنيا لا تدين إلا للقوي القادر على مواجهة الصعاب، والحق لا يعود إلى نصابه إلاّ بالعمل والجهد.. وكونوا يا أبنائي في مسيرتكم الظافرة – إن شاء الله – يقظين منضبطين واسعي الأفق واثقين بأنفسكم وبعدالة قضيتكم... كونوا دائمًا الأمناء الأوفياء الشرفاء الموفين بالعهد، إن العهد كان مسئولا.. واعلموا أنكم تقفون اليوم أمام إحدى الحسنيين؛ فكونوا الرجال الرجال "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلاً" صدق الله العظيم. سلام عليكِ يا أم ثائر في العالمين.. سلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم ستبعثين.. سلام عليك يا فلسطينية الوجه واليد واللسان والجَنان من مهدك إلى لحدك... سلام عليك يوم تعودين إلى مسقط رأسك.. نامي قريرة العين.. فلن يكون لك إلاّ ما تريدين.. وسلام عليك في الخالدين. (1989) |
عزيزتي .. عزيزي
ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008
الخميس، ١٢ آذار ٢٠٠٩
الأربعاء، ١١ آذار ٢٠٠٩
أيها المتحاورون.. لا بديل عن الاتفاق..
متابعات أيها المتحاورون.. لا بديل عن الاتفاق.. أ/ عدنان السمان www.samman.co.nr تجتمعون في هذه الأيام لوضع حد لحالة التشرذم والانقسام والضَّياع التي يعيشها شعبنا العربي الفلسطيني في بلاده فلسطين، وفي بلاد الغربة والّشتات.. تجتمعون لإخراجه من حالة التمزق التي تستبد بشيبه وشبابه وأطفاله ونسائه نتيجة هذه الصراعات التي تعصف بكل فئاته وشرائحه ومستوياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية.. تجتمعون لإخراج هذا الشعب الصابر المرابط من ظلمات التِّيه، ودياجير الفقر والجهل والمرض واليأس والإحباط إلى نور اليقين، ونعمة الأمن والأمان، وفجر الحرية والتحرر والاستقرار والعزة والتقدم والبناء.. تجتمعون لإنقاذ هذا الشعب المنكوب، ولوضع حد لمعاناته واضطرابه وصراعه مع كل قوى العدوان التي تفرض عليه التحدي بعد التحدي، والتشريد في أعقاب التشريد ، والإذلال، والمهانة، والتجويع، والتركيع، ونهب الأرض، ومصادرة الحريات، والحصار، والجدار، والتحكم بالمعابر، والمخارج، والبوابات ، وكافة نقاط "الحدود" والتحكم المطلق بالأرض، والبحر، والبر، والجبل ، والسهل، والغور، والنجد، والماء، والفضاء، والسماء، والكهرباء، والدواء، ولقمة الخبز، وحليب الأطفال... تجتمعون في هذه الأيام للبحث في مسائل محددة، وموضوعات قد أعدت مسبقًا وفق أجندة متفق عليها.. وتجتمعون أيضًا للتداول في واقع هذا الشعب، وفي مستقبله.. وما من سبيل إلى هذا المستقبل إلاّ بفهم الماضي وأخْذ الدروس والعبر منه مذ كانت نكبة هذا الشعب، ومذ كانت قضية هذا الشعب، ومذ كان تشريد هذا الشعب في كل أرجاء الأرض، ومذ كانت حرب حزيران، ووقوع ما كان قد تبقّى من أرض فلسطين في الضفة والقطاع في قبضة هذا الاحتلال الذي أضحى جاثمًا على كل أرض فلسطين التاريخية، وعلى مساحات واسعة من الأرض العربية المجاورة لفلسطين. أيها المتحاورون، قلوبنا معكم، ودعاؤنا لكم أن تتكلل مساعيكم بالنجاح، وثقوا أن شعبكم العربي الفلسطيني هنا على أرض الوطن، وهناك في كل أماكن اللجوء والشتات ينتظر بفارغ الصبر نتائج حواراتكم.. مؤكدًا أنه لا بد من النجاح، ولا بد من تحقيق الأهداف، ولا بد من إنقاذ شعبنا العربي الفلسطيني. ولا بد من وضع حد لمعاناته.. شعبكم العربي الفلسطيني يؤكّد على أنه لا بديل عن الاتفاق، ولا بديل عن التفاهم والوفاق، ولا بديل عن المصالحة بين أبناء الشعب الواحد قبل المصالحة مع الآخرين، ولا بديل عن المصالحة الداخلية قبل محاولة إجرائها مع الأجنبي... وإذا كانت المصالحة الداخلية وسيلة لهدف، فإنه لا بد من الحوار الداخلي لتحقيق هذه المصالحة، وكلما كان هذا الحوار واعيًا ناضجًا مسئولاً مخلصًا يستهدف التوصل إلى حلول مقنعة، ونتائج مشرّفة تحقّ حقًّا وتزهق باطلاً كانت المصالحة الداخلية المنبثقة عنه قوية تضمن لهذا الشعب العربي الفلسطيني على المدى المنظور كامل حقوقه في العيش الكريم على أرض وطنه، وتحقيق أهدافه في الحياة والحرية، ووضع ثوابته الوطنية موضع التنفيذ. أيها المتحاورون، لستم بحاجة إلى توجيه أو تنبيه أو تذكير أو إرشاد.. فأنتم الموجهون المرشدون القادة الذين أفنوا أعمارهم في ميادين العمل والكفاح في سبيل إحقاق حقوق هذا الشعب.. ولستم بحاجة إلى من يناشدكم، أو يستصرخ ضمائركم، أو يستنهض هممكم، أو يحدد لكم المطالب والأهداف.. فأنتم نُخبة النخب، وأنتم صفوة الصفوة، وأنتم أصحاب الهمم، وأعلم الناس بالمطالب، وأخبرهم بأهداف هذا الشعب، وبسائر حقوقه الوطنية الثابتة في بلاده فلسطين... ولكنها – كما يقولون- معونةٌ للعاقل، وتذكرةٌ للغافل.. متّعكم الله بالعقل الراجح، وأبعد عنكم الغفلة، وهداكم إلى سواء السبيل، وأنار دروبكم وقلوبكم بنور اليقين، وزيّنها وكلّلها بحب فلسطين، وبالقدس العربية عاصمة لدولة فلسطين بعد جلاء سائر الغرباء والمستوطنين، وعودة كافة اللاجئين والمهجّرين إلى ديارهم وممتلكاتهم أجمعين أجمعين.. وما ذلك على الله بعزيز. وفقكم الله، وسدد على طريق الحق والخير والنور خطاكم إنه سميع قدير وبالإجابة جدير. 11/3/2009 |
| ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 26. وطن وطــــــــن انتصف الليل أو كاد..وقد أوى الناس إلى مضاجعهم..وبقي المعذبون المسهّدون مؤرّقين ساهرين..بينهم وبين مضاجعهم حواجز ليس من السهل اختراقها..وقد آثروا عليها –كارهين- كؤوسًا من القهوة يشربونها في صمت، وسجائر تحترق، وتحترق معها صدورهم وقلوبهم المتعَبة..ينفثون دخانها: طورًا في عصبية ظاهرة، وتارة في تراخٍ مصطنع..يجترّون همومهم وآلامهم في صمت دونه صمت هذه المقابر التي أودعوها كثيرًا من ذويهم، وأحبابهم..وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من حُفَرها الرطبة المظلمة الرهيبة..كم هي لعينة تلك الحفر والدهاليز التي يعدّها الطغاة لضحاياهم من الفقراء والضعفاء والمتمردين على شرائع الجور والطغيان والفساد، وطبائع العدوان والاستبداد. انتصف الليل أو كاد..وقد فرغت من كتابة صفحات صاخبة صخب هذه الزلازل المدمرة والفيضانات التي تضرب بعنف هذه القارّة منذ أيام..أشعر الآن بشيء من الاسترخاء والارتياح الذي يعقُب لحظة الميلاد..لولا صوت هذا الانفجار الذي مزّق سكون الليل..فقمتُ أصنع القهوة.. وأفتح الباب للقائك وقد انتصف الليل..وهل هنالك ما هو أجمل من العيش مع من نحبّ بعيدًا عن أعين الرقباء وفضولهم؟ انتصف الليل منذ سبعة آلافٍ من الأعوام كتبتُ خلالها على الحجر والشجر والطين، وجلود الأفاعي العملاقة قبل لقائي الأول و"يبوس" على تلال القدس باحثًا عن كهف يضع فيه خطط البناء والإعمار ومخططاته..وقبل أن أرى "كنعان" يحبو على شواطئ عسقلان ورمال بئر السبع وجبل جرزيم..مكتفيًا بتسجيل أفكار تفرض عليّ نفسها في خضمّ هذه الحياة المتلاطم موجُها بالأحداث الجسام في هذا "الغِربال" الصغير..."عربانيوس" يسقط في الحفرة.. يتوارى خجلاً.. يتصبب عرقًا.. ينهض محترقًا يتطاير منه الرماد.. يذرف دمعًا أحمر..ينفث شررًا.. يقذف حممًا..يرسل لهبًا..يعدو شرقًا.. يهفو شوقًا.. يدخلُ بغداد. انتصف الليل، واختفى اليوم الخامس من هذا الشهر..ويسيطر علي الآن شبح الخامس من شهر قادم..أسمع صوتًا مزعجًا يمزق سكون الليل وهدوءه من جديد..إنه أشبه ما يكون بنقيق الضفادع رغم البعد عن فصل الربيع..هذه الأصوات لا تثيرني.. للمحبين عالمهم الخاص بهم..لا يخافون إلا على ما يحبون، وعلى من يحبون: على أرضهم الطيبة، وإنسان هذه الأرض الذي أحبّ فيها أمّه، وقبّل التراب قبل أن يرتقي إلى الأعالي مخضّبًا بحناء الأرض، ومعمّدًا بنَفس الثوّار الأحمر..وشقائق النعمان..ألم أقل لكِ إن للمحبين عالمهم؟ ألم أحدثْكِ عن الأنانية في الحب؟ ألم أقل لكِ إنها استبدتْ بي عندما ركبتُ البحر صبيًّا..تائهًا فيه شقيًّا.. ضاع مجدافي.. وحار اللبُّ.. وانهارَ الرجاءْ!!! الفرق ليس كبيرًا بين حب الوطن، وحب الإنسان...الإنسان الذي نحبه جزء من الوطن..فهو أيضًا وطن...مزّقَ سكون الكون من حولي في هذه الدقائق الأولى من صباح هذا اليوم السادس من شهرنا هذا...في بلدنا هذا...أصوات قذائف تبدو قريبة...لستُ وحدي في هذه الساعات، فعيناك لي وطن..وقلبك لي سكن .. وأنتِ معي ثائرة متمردة..تنسفين الجسور، وتهدمين الحواجز..وتدخلين عالمي الذي صنعته لكِ دون أن يقــوى أحـد علـى دخولـه..وأنّى له ذلك وقد نسفتِ الجسور المؤدية إلى جزيرة الأحلام هذه؟؟لا أدري لماذا تحضرني في هذه اللحظة أبيات من الشعر لصديقي علي خليل: لا تلُمْني إذْ تراني مُطْرقــا أعبُد الأرضَ على حبٍّ كبيــرْ مِنْ لِبانِ الأرضِ قلبي خُلِقـا وإليها ذاتَ يومٍ سَأصيـــــــرْ وَمنَ الأرضِ خدودُ الغانياتْ والعيونُ الساحراتُ السّاحراتْ فلماذا وهي أَصْلٌ في الْبَهــــا لا نُرى نَدْفَعُ بعضَ الواجباتْ؟ وإذا كان لزامًا علينا أن نقوم ببعض الواجبات تجاه الأرض فنحن ملزمون أيضًا بذلك تجاه من نحبهم..إن من طبيعة العاشق أن يذوب في المعشوق كما يقول إمام العاشقين ابن الفارض..وكما قضى سيد شهداء العشق الإلهي على صليبه في سبيل عشقه فإن أبسط مبادئ هذا العشق تفرض علينا أن نُسعِدَ من نعشقه ولو بكلمة نابعة من القلب، وصادرة عن الوجدان..وبسمة تعبّر عما في النفس من نشوة وفرح بلقاء المحبوب..وإذا زاد الأمر عن ذلك، وارتقت البسمة إلى مرتبة الضحكة فإن هذه "السيمفونية" العذبة كفيلة بإنعاش النفس والروح..فالموسيقى غذاء للنفوس والأرواح..وأيُّ غذاء!! في هذه الساعات الأولى من فجر هذا اليوم السادس من هذا الشهر الأول من كل عام نحن نتحدث عن الحب..وأولئك يصعّدون من إطلاق قذائفهم التي باتت لا تُخيف أحدًا.. فالحب يا صديقتي أقوى من الكراهية..الحب هو القوة..والكراهية هي الضعف..سَهَرُنا معًا في هذه الساعات هو القوة..عالمنا هذا الذي صنعناه معًا رائع رائع لأنني لا أراكِ حائرة خائفة مضطربة مترددة تخشَيْن الحديث عن الموانئ، والبحار الطليقة، وما يسببه الغوص فيها للمبتدئين من الهواة.. وما تفجّره من نشوة وعنفوان، وشعور بالعظمة للمتمرسين بركوب البحار الطليقة، واللجوء إلى الاستراحات المريحة اللطيفة في الموانئ الساحرة سحر عينيك الآسرتين هاتين أشرب فيهما قهوتي، وأسبُرُ أغوارَهما، وأغوص فيهما..كما يسبر أغوارَ المحيطات غوّاصٌ عنيد.. فيا وطن النجوم.. يا وطن الذكريات والأحلام والآلام والآمال... أنا هنا حدّقْ.. "أتذكر من أنا"؟ (1991) |
ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 25. كفاكم... www.samman.co.nr كفاكــــــــم... التقيته على قارعة الطريق، وكان- على غير مألوف عادته- مهمومًا شاحب الوجه، وكأنه يحمل هموم الدنيا على كتفيه... قلت: ما الذي صرفك عنا كل هذه المدة؟ قال: تقصد الأسبوع الماضي؟ قلت: نعم.. وهل تعتقد أن انقطاعك عنا أسبوعًا أمر سهل يا صاحب السعادة؟ قال: السعادة! هكذا مرة واحدة تتحدث عن " السعادة" بهذه البساطة؟ قلت: هذا تشاؤم، ولم أعهدك متشائما! فما الذي جرى؟ قال: كنت أبحث عن حل لهذا الوضع المرعب. قلت: أين؟ قال: على أفواه الدروب، ووجوه الناس، وفي بطون الكتب. قلت: وبماذا خرجت هذه المرة؟ قال: أهازل أنت؟ قلت: عرفتك هادئ الأعصاب، لم تنل منك الخطوب والأحداث الجسام على ضراوتها و مرارتها. قال: قمة المأساة - يا عزيزي- أن الناس هنا طيبون، وأن الغالبية العظمى منهم على قدْر كبير من الوعي، وأنهم متفقون على أن هذا الذي يحدث ليس في مصلحة أحد، وأنهم يرفضون كل هذه المسلكيات والممارسات الشاذة، وأنهم يبكون دمًا كلما وقع حادث أليم، وأنهم يجتمعون .. ويصرخون.. ويستنكرون.. ويقسمون على منع تكرار مثل هذه الأحداث والحوادث.. ثم سرعان ما تتكرر، وربما بشكل أكثر بشاعة، ولا يستطيعون لها منعًا، أو دفعًا، أو ردعًا، وكأنها القضاء، أو الأجل المحتوم الذي لا رادَّ له.. وهكذا أضحت حياة الناس مسلسلاً متصل الحلقات من مسلسلات الرعب والدم التي يدفع الأبرياء والمستضعفون ثمنها في معظم الأحوال. قلت: هذا الدرس سمعناه كثيرًا حتى حفظناه عن ظهر قلب.. فهل من جديد؟ هل وجدت شيئًا على أفواه الدروب، ووجوه الناس، وفي بطون الكتب التي تحدثت عنها؟ قال: أما الكتب فقد قررت نسيان أمرها، لأنني لم أجد فيها تشخيصًا لهذه الحالة التي يعيشها شعبنا.. إنها حالة فريدة من نوعها في تاريخه، وبالتالي فليس لها علاج في هذه الكتب.. وأما أفواه الدروب، ووجوه الناس فقد وجدت فيها كثيرًا من المرارة، والخوف، والإحباط... لقد سمعت كثيرًا من الصراخ، والعويل، وصيحات الغضب، وصليل السيوف، ودوي الرصاص... وسمعت أيضًا كثيرًا من الآراء، والأفكار، والتعليقات التي أضيفها اليوم إلى ما سبقها على امتداد السنين التي أصابتنا بأرزائها منذ البدايات الأولى لعهدنا بهذه الحياة. قلت: والحصيلة؟ قال: دعوات الناس بأن يتغمد الله الفقيد بواسع رحمته.. واستماتة الشرفاء، ووجوه الخير في محاصرة الحدث المفجع.. وتطييب خاطر ذوي الفقيد الشهيد.. واستنكار كافة الممارسات والمسلكيات التي تلحق الضرر بمجتمعنا، وضرورة وضع حد لها، وتخليص المجتمع من أخطارها المدمرة.. والضغط في الاتجاه المؤدي إلى الكشف عن ملابسات الحادث الجلل، ومحاكمة المسئولين عنه محاكمة قانونية عادلة، وإنزال العقوبات القانونية بالمذنبين. قلت: أعتقد أن هذه هي رغبة الغالبية العظمى من الناس في هذه الديار. قال: ولا بد من تحقيق هذه الرغبة.. لا بد من سيادة حكم القانون.. لابد من إحقاق الحقوق، لأن في ذلك خلاص شعبنا من كثير من آلامه وأوجاعه... قلت: وماذا بعد؟ فإنني أقرأ في عينيك كلامًا كثيرًا تريد أن تقوله. قال: أجل والله إنه لكذلك: لست أدري والله ما الذي أصاب هذا الشعب الطيب ، وما الذي دهاه، وأتى على كثير من الفضائل التي تحلى بها على مر العصور... ما الذي ألمَّ بهذا الشعب حتى قلب حياته، وأحالها في كثير من الأحيان جحيمًا لا يطاق: هذا يهاجم ذاك ويحاربه، وهذه تحرق الأرض تحت أقدام تلك.. هؤلاء يأكلون لحوم أولئك، وينعتونهم بأبشع النعوت، ويصفونهم بأحقر الصفات... ينام الناس على الصفير والزعيق والتهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويفيقون على قطع الأرزاق والأعناق والحرائق وشتى أشكال الدمار والخسران... الشتائم والاتهامات تكال بلا حساب حتى لم يبق داخل البلاد وخارجها أحد لم تمسسه نيران هذه الفتنة الكبرى التي تغشى البلاد والعباد.. فلان في نظر فريق من الناس ملاك طاهر يشار إليه بالبنان، وفي نظر فريق آخر زنديق فاجر، وساقط متآمر يشار إليه بالوسطى!! وفي غمرة الهلوسة، وطوفان السباب، وسيل الاتهامات ترى الناس تائهين يائسين محبطين فقدوا الثقة بأنفسهم، ومن فقد ثقته بنفسه فقد تهدم كيانه، وتهاوى بنيانه ، وتحطمت أركانه ... وكأن هدف كثير من الناس في مجتمعنا هذا قد أصبح تحطيم هذا المجتمع بشتى أساليب المكر والخداع والدسيسة والإشاعة والكذب، ومختلف صنوف العدوان، وضرب الناس بعضهم ببعض. يا قوم! لستم بحاجة إلى توجيه، فأنتم الموجهون، لستم بحاجة الى وعظ، فأنتم الواعظون، لستم بحاجة إلى مصلحين ومرشدين، فأنتم المصلحون المرشدون، لستم بحاجة الى معلمين .. فأنتم المعلمون!! إنني على ثقة أن كل صغير وكبير في هذه البلاد يميز تمييزًا دقيقًا بين الخطأ والصواب، ويعرف الضار من النافع ، ويميز بين الحق والباطل... وما من كاذب إلا ويعرف أنه كاذب، ولا سارق إلا ويعرف أنه سارق، ولا خائن إلا ويعرف أنه خائن، وما من مفترٍ إلا ويعرف أنه مفترٍ، وما من معتدٍ متطاولٍ إلا ويعرف جيِّدًا كل ما يرتكب من حماقات وآثام ... فالحق أبلج ، والباطل لجلج ... فما الذي حصل حتى اختلط الحابل بالنابل، وأصبح أمرنا عجبًا: شراذم تحارب شراذم .. ومقموعون يلاحقون مقموعين.. وجياع يعضون بنواجذهم على هياكل جياع .. ومهزومون يتعالَوْن على مهزومين، ويسومونهم سوء العذاب !!! يا لَلهول! يا لَسوء العاقبة! يا لَلتَّفاهة! يا لَلصَّغار والشَّنار ولبئس عقبى الدار.. فمصيرنا جهنم وبئس القرار!! يا قوم عودوا إلى أنفسكم، لتستفق ضمائركم.. إن كلمة طيبة أفضل من كل كنوز الدنيا .. إن ابتسامة نابعة من القلب تعادل كل ما في الدنيا من ذهب. يا قوم ! ليحترم الصغير الكبير، ليعطف الكبير على الصغير .. لينفق ذو سعة من سعته .. ليعرف كلٌّ قدْره ومقداره وحدوده.. ليثق كلٌّ بنفسه كي يثق بالآخرين.. لنبتعد عن الرذيلة والحرام والكذب والعدوان .. لنكن جميعًا بنعمة الله إخوانا. يا قوم! كفاكم ما آلت إليه أموركم .. كفاكم تشرذمًا وتمزقًا وتفسُّخًا ومهانةً.. ألجموا من يريد إشعال الفتنة. كفاكم فقد كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .... ولا حول ولا قوة إلا بالله. 1992 |
السبت، ٧ آذار ٢٠٠٩
متابعات تحية إلى أم الكامل في عيدها.. أ. عدنان السمان تحية إليك في عيدك عيد المرأة العالمي.. تحية إليك أيتها المقدسية الصابرة وأنت تتشبثين بالأرض والبيت والهوية.. تحية إليك وأنت تتشبثين بأنقاض بيت عشت فيه كل أيام العمر بحلوها ومرها حتى أضحيت جزءًا منه لا يمكن أن ينفصل عنه، وأضحى جزءًا لا يتجزأ من أسرة كانت هنا، عاشت هنا، وأولاد لعبوا هنا، غنوا هنا للحب والفرح والحرية والحياة، وأضحى الآن – واحرَّ قلباه- حديث ذكريات لا تنتهي، وقصة أسرة شُرِّدتْ في الأرض، وهامت في كل واد!! تحية إليك أيتها المقدسية الحرة الأبية وأنت تناشدين أمة العرب، وتستغيثين بملوكها ورؤسائها وأمرائها وقادتها وزعمائها من مختلف المراتب والرتب والمرتّبات والمواقع والمستويات.. تحية إليك وأنت تهزين ضمير هذا المجتمع الدولي وهو يغط في سبات عميق منذ ستين عامًا أو يزيد.. تحية إليك أيتها المقدسية الماجدة.. تحية إليك، وسلام عليك... سلام عليكِ في سلوان.. تحية إليك وأنت تحرسين الأقصى، وتدفعين عنه غائلة الجوع والخوف وعاديات الزمان.. تحية إليك وأنت تعمرينه، وتؤنسين وحشته عابدةً زاهدةً مؤمنةً متشبثةً بأولى القبلتين وثالث الحرمين، ملبيةً نداء الروح والواجب والضمير.. تحية إليك في سلوان، وفي بساتين سلوان ، في كل بيوتها وبيوتاتها، وعلى أرضها الطهور المعطاء.. سلام عليك يا سلوان العراقة والتاريخ والأمجاد... سلام عليكِ في شعفاط .. تحية إليك في رأس خميس .. في الرام، وفي قلندية والشيخ جراح .. سلام عليك في شمال القدس، وشرق القدس، وغرب القدس، وجنوبها.. سلامٌ عليك يا قدس يا زهرة المدائن، يا عبق التاريخ والتراث والأمجاد، يا أرض يبوس وكنعان والفاروق عمر، ويا تاج بني أمية في دمشق العروبة والإسلام وهم يعقدون مجالس الحرب والإدارة والتخطيط في مسجدهم الكبير مسجد بني أمية الكبير عندما كان العرب سادة الدنيا، وقادة الناس، وصانعي التاريخ والحضارة.. عندما كانت دمشق – صنو القدس- عاصمة الدنيا كل الدنيا في شرق الكون وغربه!! تحية إلى المرأة العربية في القدس عاصمة الثقافة العربية.. سلام على قدس العرب والمسلمين.. سلام على كنائسها ومدارسها ومساجدها ومعاهدها .. سلام على القيامة والأقصى.. سلام على كل نساء بيت المقدس، ورجال بيت المقدس، وأحرار بيت المقدس في هذا العيد.. سلام عليك أيها الوطن المضيَّع والمكبَّل، أيها الوطن الممزَّق النازف الجريح المستباح المذبوح من الوريد إلى الوريد!! سلام عليك أيتها المرأة العربية الفلسطينية في غزة.. سلام عليك وأنت تلملمين الجراح، وتقفين شامخة في وجه الجوع والخوف والبرد والرياح.. تحية إليك.. سلام عليك.. على أحرارك وحرائرك.. على أشبالك وزهراتك.. سلام عليك يا غزة .. سلام عليك أيتها الأبية الصابرة.. سلام عليك في هذا العيد، وفي كل عيد.. فأنتِ العيد أنتِ العيد يا غزة!! في عيد المرأة نزجي كل التحية والسلام والإجلال لكل أمهات شهداء هذا الشعب الصابر المكافح المرابط.. ونزجي كل التحية والسلام والاحترام لكل أمهات جرحى هذا الشعب ومشرديه وأسراه.. ونزجي كل التحية والسلام والإكبار إلى كل أم تحسن تربية أبنائها، وتشرف على تعليمهم وإرشادهم إلى سواء السبيل... في عيد المرأة نوجه التحية إلى كل امرأة في سائر مواقع العمل والانتاج والبناء: في الحقل في المصنع في المدرسة في العيادة في البيت في وسائل الإعلام الجادة الجريئة المسئولة التي تحق حقًّا، وتزهق باطلاً، فالحق أبلج، والباطل لجلج، ولا بدَّ للباطل أن يزول!! سلام على المرأة في عيدها.. سلام على أم الكامل..سلام على القدس والخليل وغزة.. سلام على نابلس غربها وشمالها وجنوبها وأغوارها.. سلام على عقربة، وعلى نساء عقربة، وعلى مزارعها وأشجارها وبيوتها.. سلامٌ على غزة.. سلام على غزة.. سلام عليك يا فلسطين، وتحية إلى المرأة في عيدها. 8/3/2009 |
الخميس، ٥ آذار ٢٠٠٩
ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 24. قطرة www.samman.co.nr قـطــــــرة قال: يعيش الناس في هذه الأيام الذكرى السادسة والعشرين للخامس الأسود من حزيران 1967. قلت: هو ذاك. قال: لماذا لم تكتب شيئًا بهذه المناسبة؟ قلت: كتبتُ كثيرًا عن الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والرابع عشر والثاني والعشرين والتاسع والعشرين... وكتبتُ كثيرًا قبل ذلك عن الخامس عشر.. كتبت عن أيام الشهر كاملة، وعن غيره من الشهور... أنظر ... قال: ما هذا؟ سفر يعجز الحمار عن حمله. قلت: كعجزه عن فهمه. قال: لم أقرأ منه شيئًا رغم قدمه. قلت: أنت صغير، بعض الكبار قرأوا شيئًا منه. قال: وماذا قالوا؟ قلت لا أعرف. قال: فليقرأوا مزيدًا منه.. اكتب.. أقترح أن تطبع هذا السفر.. أنا مستعد أن أساهم في تكاليف طباعته. قلت: بل سأمزّقه. قال: إنه تاريخ. قلت: لقد مزقوا الجغرافيا. قال: نحتفظ بالتاريخ. قلت: لا نفع فيه في غياب الجغرافيا. قال: آخذه خير من تمزيقه أو إحراقه. قلت: لم؟ قال: أعمل على نشره. قلت: لستُ معنيًّا بذلك. قال: أنتحله.. أتبناه .. أنشره في الصحف المحلية والأجنبية باسمي.. فأنا أحب الظهور. قلت: حب الظهور يقصم الظهور. قال: لا يهمني ما دمت واثقًا من الوصول. قلت: بعد ذلك تصبح من ألدّ أعدائي، وأحرص الناس على قتلي بكل الوسائل. قال: والسبب؟ قلت: لأنني الشاهد على كذبك وتفاهتك. قال: وهل يعقل هذا؟ قلت: هو ما يعقل، وما حدث فعلاً خلال العقود الماضية من هذا التيه. قال: عجيب! قلت: إنها النفس الخبيثة الأمّارة بالسوء! قال: إنني بريء مما تقول. قلت: براءة الذئب من دم يوسف؟ قال: هو ذاك. قلت: والكذب والكيد والافتراءات؟ كيف يجد الإنسان نفسه في هذه المستنقعات؟ قال: الأمور بنتائجها.. ويوسف نفسه هو الدليل. قلت: بغضّ النظر عن المعاناة وصنوف الأذى.. فلقد كان ذلك في زمن المعجزات. قال: وهذا الزمان؟ قلت: زمن الكبائر والموبقات.. زمن الحرام والمنافع المتبادلة، والارتقاء على جماجم الأبرياء والضعفاء. قال: هذا كثير! قلت: إنه أول الغيث. (1993) |
| ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 23. اعتراض اعتـــراض قال محدثي: إن كنت من مؤيدي الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني فأنت على حق... وإن كنت من معارضيه فأنت على حق... إن كنت ترى أن مشروع غزة – أريحا هو الخطوة الأولى على طريق إقامة الدولة، واستعادة الحقوق فأنت من المؤيدين.. وإن كنت ترى أنه نهاية المطاف فأنت من المعارضين... فالمؤيدون عندهم ما يقولونه... والمعارضون كذلك... والخلاف والاتفاق أمران طبيعيان في حياة الناس ابتداءً بأبسط الأمور وأصغرها، وانتهاءً بأكبرها وأشدها تعقيدًا.... والحكم بالصواب أو الخطأ أمر متروك للزمن.. والتاريخ خير شاهد على ذلك... والاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني دخل التاريخ منذ توقيعه، فأصبح بذلك على المحك.. فإما أن يستمر، أو يكون مثله كمثل حلول كثيرة ولدت وهي تحمل في أحشائها جرثومة فنائها. ليس المقصود بهذا تغييب دور المواطن الفلسطيني أو الشارع الفلسطيني، بل إن من الضروري أن يكون للمواطن الفلسطيني دوره، وأن يكون للشارع الفلسطيني أيضاً دوره في نجاح الاتفاق أو فشله... وهذا ما سيحدث على أرض الواقع بعد أن دخل الاتفاق مرحلة التطبيق العملي... ولا شك في أن المؤيدين سيبذلون قصارى جهدهم من أجل إنجاح الاتفاق الذي يرون فيه الخطوة الأولى على الطريق.. أما المعارضون الذين يرون فيه نهاية المطاف فإنهم سيضغطون بكل قواهم في الاتجاه المعاكس... وهذا أمر طبيعي لا اعتراض عليه، ولا غبار. إن أشد ما يخشاه المواطن الفلسطيني أن يلجأ هؤلاء أو أولئك إلى أسلوب العنف والإكراه في فرض قناعاتهم على الآخرين... وهذا ما نعترض عليه ونرفضه وندينه ونحذر من عواقبه الوخيمة... فالمواطن الفلسطيني بات في وضع لا يحتمل معه أي صراع أو اقتتال... فالصراع مرفوض... والاقتتال أمر محرم... ومحاولة فرض الشعارات التي أثبتت التجربة عقمها لن تقود الناس إلا إلى متاهات جديدة، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من التشتت والضياع.. وكذلك فإن محاولة الهيمنة على الشارع، والتسلط على الناس دون وجه حق لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخلافات والانقسامات، وربما إلى توتر الجو وتسخينه بحيث يصبح قابلاً للانفجار في كل لحظة... وهذا أمر يرفضه المواطن، ويعترض عليه أيما اعتراض. في بداية عام خمسة وسبعين رفعنا أصواتنا محذرين من وقوع كارثة لن تحمد عقباها على أرض لبنان.. وكانت الكارثة.. وبعدها حذرنا مما سيحدث في الجزائر، ولاسيما بعد إلغاء الانتخابات... وها نحن اليوم نرفع أصواتنا معترضين ومحذرين من سوء عاقبة أي تصرف فيه مساس بحرية المواطن وقناعاته، وحقه في التفكير والتعبير وإبداء الرأي... نرفع أصواتنا محذرين من المهاترات والاتهامات والتطاول والمبالغة في التنظير.. ونرفع أصواتنا محذرين أيضًا من محاولات الهيمنة والتسلط وفرض الرأي على الآخرين بالقوة.... من حقي أن أكون مؤيدًا للاتفاق.. ومن حقي أن أكون معارضًا... ولكل فئة أن تعبر عن موقفها ورأيها بأسلوب حضاري مهذب بعيدًا أيضًا عن محاولات التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور كما يقولون... وصناديق الانتخاب هي الحكم بين الاتجاهات كافة... وللتاريخ بعد ذلك كله أو قبل ذلك كله كلمة سوف تقرأها الأجيال القادمة. قلت لمحدثي: لا فضّ فوك.. وجزاك الله عنا خير الجزاء.. وصرف عنا جميعًا كل سوء!! (1994) |