عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأربعاء، ١١ آذار ٢٠٠٩

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

26. وطن    

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

وطــــــــن

 

    انتصف الليل أو كاد..وقد أوى الناس إلى مضاجعهم..وبقي المعذبون المسهّدون مؤرّقين ساهرين..بينهم وبين مضاجعهم حواجز ليس من السهل اختراقها..وقد آثروا عليها –كارهين- كؤوسًا من القهوة يشربونها في صمت، وسجائر تحترق، وتحترق معها صدورهم وقلوبهم المتعَبة..ينفثون دخانها: طورًا في عصبية ظاهرة، وتارة في تراخٍ مصطنع..يجترّون همومهم وآلامهم في صمت دونه صمت هذه المقابر التي أودعوها كثيرًا من ذويهم، وأحبابهم..وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من حُفَرها الرطبة المظلمة الرهيبة..كم هي لعينة تلك الحفر والدهاليز التي يعدّها الطغاة لضحاياهم من الفقراء والضعفاء والمتمردين على شرائع الجور والطغيان والفساد، وطبائع العدوان والاستبداد.

    انتصف الليل أو كاد..وقد فرغت من كتابة صفحات صاخبة صخب هذه الزلازل المدمرة والفيضانات التي تضرب بعنف هذه القارّة منذ أيام..أشعر الآن بشيء من الاسترخاء والارتياح الذي يعقُب لحظة الميلاد..لولا صوت هذا الانفجار الذي مزّق سكون الليل..فقمتُ أصنع القهوة.. وأفتح الباب للقائك وقد انتصف الليل..وهل هنالك ما هو أجمل من العيش مع من نحبّ بعيدًا عن أعين الرقباء وفضولهم؟

    انتصف الليل منذ سبعة آلافٍ من الأعوام كتبتُ خلالها على الحجر والشجر والطين، وجلود الأفاعي العملاقة قبل لقائي الأول و"يبوس" على تلال القدس باحثًا عن كهف يضع فيه خطط البناء والإعمار ومخططاته..وقبل أن أرى "كنعان" يحبو على شواطئ عسقلان ورمال بئر السبع وجبل جرزيم..مكتفيًا بتسجيل أفكار تفرض عليّ نفسها في خضمّ هذه الحياة المتلاطم موجُها بالأحداث الجسام في هذا "الغِربال" الصغير..."عربانيوس" يسقط في الحفرة.. يتوارى خجلاً.. يتصبب عرقًا.. ينهض محترقًا يتطاير منه الرماد.. يذرف دمعًا أحمر..ينفث شررًا.. يقذف حممًا..يرسل لهبًا..يعدو شرقًا.. يهفو شوقًا.. يدخلُ بغداد.

    انتصف الليل، واختفى اليوم الخامس من هذا الشهر..ويسيطر علي الآن شبح الخامس من شهر قادم..أسمع صوتًا مزعجًا يمزق سكون الليل وهدوءه من جديد..إنه أشبه ما يكون بنقيق الضفادع رغم البعد عن فصل الربيع..هذه الأصوات لا تثيرني.. للمحبين عالمهم الخاص بهم..لا يخافون إلا على ما يحبون، وعلى من يحبون: على أرضهم الطيبة، وإنسان هذه الأرض الذي أحبّ فيها أمّه، وقبّل التراب قبل أن يرتقي إلى الأعالي مخضّبًا بحناء الأرض، ومعمّدًا بنَفس الثوّار الأحمر..وشقائق النعمان..ألم أقل لكِ إن للمحبين عالمهم؟ ألم أحدثْكِ عن الأنانية في الحب؟ ألم أقل لكِ إنها استبدتْ بي عندما ركبتُ البحر صبيًّا..تائهًا فيه شقيًّا.. ضاع مجدافي.. وحار اللبُّ.. وانهارَ الرجاءْ!!!

    الفرق ليس كبيرًا بين حب الوطن، وحب الإنسان...الإنسان الذي نحبه جزء من الوطن..فهو أيضًا وطن...مزّقَ سكون الكون من حولي في هذه الدقائق الأولى من صباح هذا اليوم السادس من شهرنا هذا...في بلدنا هذا...أصوات قذائف تبدو قريبة...لستُ وحدي في هذه الساعات، فعيناك لي وطن..وقلبك لي سكن .. وأنتِ معي ثائرة متمردة..تنسفين الجسور، وتهدمين الحواجز..وتدخلين عالمي الذي صنعته لكِ دون أن يقــوى أحـد علـى دخولـه..وأنّى له ذلك وقد نسفتِ الجسور المؤدية إلى جزيرة الأحلام هذه؟؟لا

أدري لماذا تحضرني في هذه اللحظة أبيات من الشعر لصديقي علي خليل:

           لا تلُمْني إذْ تراني مُطْرقــا             أعبُد الأرضَ على حبٍّ كبيــرْ

          مِنْ لِبانِ الأرضِ قلبي خُلِقـا            وإليها ذاتَ يومٍ سَأصيـــــــرْ

وَمنَ الأرضِ خدودُ الغانياتْ            والعيونُ الساحراتُ السّاحراتْ

         فلماذا وهي أَصْلٌ في الْبَهــــا                لا نُرى نَدْفَعُ بعضَ الواجباتْ؟

    وإذا كان لزامًا علينا أن نقوم ببعض الواجبات تجاه الأرض فنحن ملزمون أيضًا بذلك تجاه من نحبهم..إن من طبيعة العاشق أن يذوب في المعشوق كما يقول إمام العاشقين ابن الفارض..وكما قضى سيد شهداء العشق الإلهي على صليبه في سبيل عشقه فإن أبسط مبادئ هذا العشق تفرض علينا أن نُسعِدَ من نعشقه ولو بكلمة نابعة من القلب، وصادرة عن الوجدان..وبسمة تعبّر عما في النفس من نشوة وفرح بلقاء المحبوب..وإذا زاد الأمر عن ذلك، وارتقت البسمة إلى مرتبة الضحكة فإن هذه "السيمفونية" العذبة كفيلة بإنعاش النفس والروح..فالموسيقى غذاء للنفوس والأرواح..وأيُّ غذاء!!

    في هذه الساعات الأولى من فجر هذا اليوم السادس من هذا الشهر الأول من كل عام نحن نتحدث عن الحب..وأولئك يصعّدون من إطلاق قذائفهم التي باتت لا تُخيف أحدًا.. فالحب يا صديقتي أقوى من الكراهية..الحب هو القوة..والكراهية هي الضعف..سَهَرُنا معًا في هذه الساعات هو القوة..عالمنا هذا الذي صنعناه معًا رائع رائع لأنني لا أراكِ حائرة خائفة مضطربة مترددة تخشَيْن الحديث عن الموانئ، والبحار الطليقة، وما يسببه الغوص فيها للمبتدئين من الهواة.. وما تفجّره من نشوة وعنفوان، وشعور بالعظمة للمتمرسين بركوب البحار الطليقة، واللجوء إلى الاستراحات المريحة اللطيفة في الموانئ الساحرة سحر عينيك الآسرتين هاتين أشرب فيهما قهوتي، وأسبُرُ أغوارَهما، وأغوص فيهما..كما يسبر أغوارَ المحيطات غوّاصٌ عنيد.. فيا وطن النجوم.. يا وطن الذكريات والأحلام والآلام والآمال... أنا هنا حدّقْ.. "أتذكر من أنا"؟

 

 (1991)


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

25.  كفاكم...     

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

 

كفاكــــــــم...

 

    التقيته على قارعة الطريق، وكان- على غير مألوف عادته- مهمومًا شاحب الوجه، وكأنه يحمل هموم الدنيا على كتفيه...

قلت: ما الذي صرفك عنا كل هذه المدة؟

قال: تقصد الأسبوع الماضي؟

قلت: نعم.. وهل تعتقد أن انقطاعك عنا أسبوعًا أمر سهل يا صاحب السعادة؟

قال: السعادة! هكذا مرة واحدة تتحدث عن " السعادة" بهذه البساطة؟

قلت: هذا تشاؤم، ولم أعهدك متشائما! فما الذي جرى؟

قال: كنت أبحث عن حل لهذا الوضع المرعب.

قلت: أين؟

قال: على أفواه الدروب، ووجوه الناس، وفي بطون الكتب.

قلت: وبماذا خرجت هذه المرة؟

قال: أهازل أنت؟

قلت: عرفتك هادئ الأعصاب، لم تنل منك الخطوب والأحداث الجسام على ضراوتها و مرارتها.

قال: قمة المأساة - يا عزيزي- أن الناس هنا طيبون، وأن الغالبية العظمى منهم على قدْر كبير من الوعي، وأنهم متفقون على أن هذا الذي يحدث ليس في مصلحة أحد، وأنهم يرفضون كل هذه المسلكيات والممارسات الشاذة، وأنهم يبكون دمًا كلما وقع حادث أليم، وأنهم يجتمعون .. ويصرخون.. ويستنكرون.. ويقسمون على منع تكرار مثل هذه الأحداث والحوادث.. ثم سرعان ما تتكرر، وربما بشكل أكثر بشاعة، ولا يستطيعون لها منعًا، أو دفعًا، أو ردعًا، وكأنها القضاء، أو الأجل المحتوم الذي لا رادَّ له.. وهكذا أضحت حياة الناس مسلسلاً متصل الحلقات من مسلسلات الرعب والدم التي يدفع الأبرياء والمستضعفون ثمنها في معظم الأحوال.

قلت: هذا الدرس سمعناه كثيرًا حتى حفظناه عن ظهر قلب.. فهل من جديد؟ هل وجدت شيئًا على أفواه الدروب، ووجوه الناس، وفي بطون الكتب التي تحدثت عنها؟

قال: أما الكتب فقد قررت نسيان أمرها، لأنني لم أجد فيها تشخيصًا لهذه الحالة التي يعيشها شعبنا.. إنها حالة فريدة من نوعها في تاريخه، وبالتالي فليس لها علاج في هذه الكتب.. وأما أفواه الدروب، ووجوه الناس فقد وجدت فيها كثيرًا من المرارة، والخوف، والإحباط... لقد سمعت كثيرًا من الصراخ، والعويل، وصيحات الغضب، وصليل السيوف، ودوي الرصاص... وسمعت أيضًا كثيرًا من الآراء، والأفكار، والتعليقات التي أضيفها اليوم إلى ما سبقها على امتداد السنين التي أصابتنا بأرزائها منذ البدايات الأولى لعهدنا بهذه الحياة.

قلت: والحصيلة؟

قال: دعوات الناس بأن يتغمد الله الفقيد بواسع رحمته.. واستماتة الشرفاء، ووجوه الخير في محاصرة الحدث المفجع.. وتطييب خاطر ذوي الفقيد الشهيد.. واستنكار كافة الممارسات والمسلكيات التي تلحق الضرر بمجتمعنا، وضرورة وضع حد لها، وتخليص المجتمع من أخطارها المدمرة.. والضغط في الاتجاه المؤدي إلى الكشف عن ملابسات الحادث الجلل، ومحاكمة المسئولين عنه محاكمة قانونية عادلة، وإنزال العقوبات القانونية بالمذنبين.

قلت: أعتقد أن هذه هي رغبة الغالبية العظمى من الناس في هذه الديار.

قال: ولا بد من تحقيق هذه الرغبة.. لا بد من سيادة حكم القانون.. لابد من إحقاق الحقوق، لأن في ذلك خلاص شعبنا من كثير من آلامه وأوجاعه...

قلت: وماذا بعد؟ فإنني أقرأ في عينيك كلامًا كثيرًا تريد أن تقوله.

قال: أجل والله إنه لكذلك:

    لست أدري والله ما الذي أصاب هذا الشعب الطيب ، وما الذي دهاه، وأتى على كثير من الفضائل التي تحلى بها على مر العصور... ما الذي ألمَّ بهذا الشعب حتى قلب حياته، وأحالها في كثير من الأحيان جحيمًا لا يطاق: هذا يهاجم ذاك ويحاربه، وهذه تحرق الأرض تحت أقدام تلك.. هؤلاء يأكلون لحوم أولئك، وينعتونهم بأبشع النعوت، ويصفونهم بأحقر الصفات... ينام الناس على الصفير والزعيق والتهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويفيقون على قطع الأرزاق والأعناق والحرائق وشتى أشكال الدمار والخسران... الشتائم والاتهامات تكال بلا حساب حتى لم يبق داخل البلاد وخارجها أحد لم تمسسه نيران هذه الفتنة الكبرى التي تغشى البلاد والعباد.. فلان في نظر فريق من الناس ملاك طاهر يشار إليه بالبنان، وفي نظر فريق آخر زنديق فاجر، وساقط متآمر يشار إليه بالوسطى!! وفي غمرة الهلوسة، وطوفان السباب، وسيل الاتهامات ترى الناس  تائهين يائسين محبطين فقدوا الثقة بأنفسهم، ومن فقد ثقته بنفسه فقد تهدم كيانه، وتهاوى بنيانه ، وتحطمت أركانه ... وكأن هدف كثير من الناس في مجتمعنا هذا قد أصبح تحطيم هذا المجتمع بشتى أساليب المكر والخداع والدسيسة والإشاعة والكذب، ومختلف صنوف العدوان، وضرب الناس بعضهم ببعض.

    يا قوم! لستم بحاجة إلى توجيه، فأنتم الموجهون، لستم بحاجة الى وعظ، فأنتم الواعظون، لستم بحاجة إلى مصلحين ومرشدين، فأنتم المصلحون المرشدون، لستم بحاجة الى معلمين .. فأنتم المعلمون!! إنني على ثقة أن كل صغير وكبير في هذه البلاد يميز تمييزًا دقيقًا بين الخطأ والصواب، ويعرف الضار من النافع ، ويميز بين الحق والباطل... وما من كاذب إلا ويعرف أنه كاذب، ولا سارق إلا ويعرف أنه سارق، ولا خائن إلا ويعرف أنه خائن، وما من مفترٍ إلا ويعرف أنه مفترٍ، وما من معتدٍ متطاولٍ إلا ويعرف جيِّدًا كل ما يرتكب من حماقات وآثام ... فالحق أبلج ، والباطل لجلج ... فما الذي حصل حتى اختلط الحابل بالنابل، وأصبح أمرنا عجبًا: شراذم تحارب شراذم .. ومقموعون يلاحقون مقموعين.. وجياع يعضون بنواجذهم على هياكل جياع .. ومهزومون يتعالَوْن على مهزومين، ويسومونهم سوء العذاب !!! يا لَلهول! يا لَسوء العاقبة! يا لَلتَّفاهة! يا لَلصَّغار والشَّنار ولبئس عقبى الدار.. فمصيرنا جهنم وبئس القرار!!

    يا قوم عودوا إلى أنفسكم، لتستفق ضمائركم.. إن كلمة طيبة أفضل من كل كنوز الدنيا .. إن ابتسامة نابعة من القلب تعادل كل ما في الدنيا من ذهب.

    يا قوم ! ليحترم الصغير الكبير، ليعطف الكبير على الصغير .. لينفق ذو سعة من سعته .. ليعرف كلٌّ قدْره ومقداره وحدوده.. ليثق كلٌّ بنفسه كي يثق بالآخرين.. لنبتعد عن الرذيلة والحرام والكذب والعدوان .. لنكن جميعًا بنعمة الله إخوانا.

    يا قوم! كفاكم ما آلت إليه أموركم .. كفاكم تشرذمًا وتمزقًا وتفسُّخًا ومهانةً.. ألجموا من يريد إشعال الفتنة. كفاكم فقد كنتم  خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

                                                                              

1992

 


السبت، ٧ آذار ٢٠٠٩

متابعات

تحية إلى أم الكامل في عيدها..

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

    تحية إليك في عيدك عيد المرأة العالمي.. تحية إليك أيتها المقدسية الصابرة وأنت تتشبثين بالأرض والبيت والهوية.. تحية إليك وأنت تتشبثين بأنقاض بيت عشت فيه كل أيام العمر بحلوها ومرها حتى أضحيت جزءًا منه لا يمكن أن ينفصل عنه، وأضحى جزءًا  لا يتجزأ من أسرة كانت هنا، عاشت هنا، وأولاد لعبوا هنا، غنوا هنا للحب والفرح والحرية والحياة، وأضحى الآن – واحرَّ قلباه- حديث ذكريات لا تنتهي، وقصة أسرة شُرِّدتْ في الأرض، وهامت في كل واد!! تحية إليك أيتها المقدسية الحرة الأبية وأنت تناشدين أمة العرب، وتستغيثين بملوكها ورؤسائها وأمرائها وقادتها وزعمائها من مختلف المراتب والرتب والمرتّبات والمواقع والمستويات.. تحية إليك وأنت تهزين ضمير هذا المجتمع الدولي وهو يغط في سبات عميق منذ ستين عامًا أو يزيد.. تحية إليك أيتها المقدسية الماجدة.. تحية إليك، وسلام عليك...

    سلام عليكِ في سلوان.. تحية إليك وأنت تحرسين الأقصى، وتدفعين عنه غائلة الجوع والخوف وعاديات الزمان.. تحية إليك وأنت تعمرينه، وتؤنسين وحشته عابدةً زاهدةً مؤمنةً متشبثةً بأولى القبلتين وثالث الحرمين، ملبيةً نداء الروح والواجب والضمير.. تحية إليك في سلوان، وفي بساتين سلوان ، في كل بيوتها وبيوتاتها، وعلى أرضها الطهور المعطاء.. سلام عليك يا سلوان العراقة والتاريخ والأمجاد...

    سلام عليكِ في شعفاط .. تحية إليك في رأس خميس .. في الرام، وفي قلندية والشيخ جراح .. سلام عليك في شمال القدس، وشرق القدس، وغرب القدس، وجنوبها.. سلامٌ عليك يا قدس يا زهرة المدائن، يا عبق التاريخ والتراث والأمجاد، يا أرض يبوس وكنعان والفاروق عمر، ويا تاج بني أمية في دمشق العروبة والإسلام وهم يعقدون مجالس الحرب والإدارة والتخطيط في مسجدهم الكبير مسجد بني أمية الكبير عندما كان العرب سادة الدنيا، وقادة الناس، وصانعي التاريخ والحضارة.. عندما كانت دمشق – صنو القدس- عاصمة الدنيا كل الدنيا في شرق الكون وغربه!!

    تحية إلى المرأة العربية في القدس عاصمة الثقافة العربية.. سلام على قدس العرب والمسلمين.. سلام على كنائسها ومدارسها ومساجدها ومعاهدها .. سلام على القيامة والأقصى.. سلام على كل نساء بيت المقدس، ورجال بيت المقدس، وأحرار بيت المقدس في هذا العيد.. سلام عليك أيها الوطن المضيَّع والمكبَّل، أيها الوطن الممزَّق النازف الجريح المستباح المذبوح من الوريد إلى الوريد!!

    سلام عليك أيتها المرأة العربية الفلسطينية في غزة.. سلام عليك وأنت تلملمين الجراح، وتقفين شامخة في وجه الجوع والخوف والبرد والرياح.. تحية إليك.. سلام عليك.. على أحرارك وحرائرك.. على أشبالك وزهراتك.. سلام عليك يا غزة .. سلام عليك أيتها الأبية الصابرة.. سلام عليك في هذا العيد، وفي كل عيد.. فأنتِ العيد أنتِ العيد يا غزة!!

    في عيد المرأة نزجي كل التحية والسلام والإجلال لكل أمهات شهداء هذا الشعب الصابر المكافح المرابط.. ونزجي كل التحية والسلام والاحترام لكل أمهات جرحى هذا الشعب ومشرديه وأسراه.. ونزجي كل التحية والسلام والإكبار إلى كل أم تحسن تربية أبنائها، وتشرف على تعليمهم وإرشادهم إلى سواء السبيل...

    في عيد المرأة نوجه التحية إلى كل امرأة في سائر مواقع العمل والانتاج والبناء: في الحقل في المصنع في المدرسة في العيادة في البيت في وسائل الإعلام الجادة الجريئة المسئولة التي تحق حقًّا، وتزهق باطلاً، فالحق أبلج، والباطل لجلج، ولا بدَّ للباطل أن يزول!!

    سلام على المرأة في عيدها.. سلام على أم الكامل..سلام على القدس والخليل وغزة.. سلام على نابلس غربها وشمالها وجنوبها وأغوارها.. سلام على عقربة، وعلى نساء عقربة، وعلى مزارعها وأشجارها وبيوتها.. سلامٌ على غزة.. سلام على غزة.. سلام عليك يا فلسطين، وتحية إلى المرأة في عيدها.

8/3/2009

   


الخميس، ٥ آذار ٢٠٠٩

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

24.  قطرة      

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

قـطــــــرة

 

    قال: يعيش الناس في هذه الأيام الذكرى السادسة والعشرين للخامس الأسود من حزيران 1967.

    قلت: هو ذاك.

    قال: لماذا لم تكتب شيئًا بهذه المناسبة؟

    قلت: كتبتُ كثيرًا عن الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والرابع عشر والثاني والعشرين والتاسع والعشرين... وكتبتُ كثيرًا قبل ذلك عن الخامس عشر.. كتبت عن أيام الشهر كاملة، وعن غيره من الشهور... أنظر ...

    قال: ما هذا؟ سفر يعجز الحمار عن حمله.

    قلت: كعجزه عن فهمه.

    قال: لم أقرأ منه شيئًا رغم قدمه.

    قلت: أنت صغير، بعض الكبار قرأوا شيئًا منه.

    قال: وماذا قالوا؟

    قلت لا أعرف.

    قال: فليقرأوا مزيدًا منه.. اكتب.. أقترح أن تطبع هذا السفر.. أنا مستعد أن أساهم في تكاليف طباعته.

    قلت: بل سأمزّقه.

    قال: إنه تاريخ.

    قلت: لقد مزقوا الجغرافيا.

    قال: نحتفظ بالتاريخ.

    قلت: لا نفع فيه في غياب الجغرافيا.

    قال: آخذه خير من تمزيقه أو إحراقه.

    قلت: لم؟

    قال: أعمل على نشره.

    قلت: لستُ معنيًّا بذلك.

    قال: أنتحله.. أتبناه .. أنشره في الصحف المحلية والأجنبية باسمي.. فأنا أحب الظهور.

    قلت: حب الظهور يقصم الظهور.

    قال: لا يهمني ما دمت واثقًا من الوصول.

    قلت: بعد ذلك تصبح من ألدّ أعدائي، وأحرص الناس على قتلي بكل الوسائل.

    قال: والسبب؟

    قلت: لأنني الشاهد على كذبك وتفاهتك.

    قال: وهل يعقل هذا؟

    قلت: هو ما يعقل، وما حدث فعلاً خلال العقود الماضية من هذا التيه.

    قال: عجيب!

    قلت: إنها النفس الخبيثة الأمّارة بالسوء!

    قال: إنني بريء مما تقول.

    قلت: براءة الذئب من دم يوسف؟

    قال: هو ذاك.

    قلت: والكذب والكيد والافتراءات؟ كيف يجد الإنسان نفسه في هذه المستنقعات؟

    قال: الأمور بنتائجها.. ويوسف نفسه هو الدليل.

    قلت: بغضّ النظر عن المعاناة وصنوف الأذى.. فلقد كان ذلك في زمن المعجزات.

    قال: وهذا الزمان؟

    قلت: زمن الكبائر والموبقات.. زمن الحرام والمنافع المتبادلة، والارتقاء على جماجم الأبرياء والضعفاء.

    قال: هذا كثير!

    قلت: إنه أول الغيث.

(1993)

 


ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

23.  اعتراض      

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

اعتـــراض

 

    قال محدثي:

    إن كنت من مؤيدي الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني فأنت على حق... وإن كنت من معارضيه فأنت على حق... إن كنت ترى أن مشروع غزة – أريحا هو الخطوة الأولى على طريق إقامة الدولة، واستعادة الحقوق فأنت من المؤيدين.. وإن كنت ترى أنه نهاية المطاف فأنت من المعارضين... فالمؤيدون عندهم ما يقولونه... والمعارضون كذلك... والخلاف والاتفاق أمران طبيعيان في حياة الناس ابتداءً بأبسط الأمور وأصغرها، وانتهاءً بأكبرها وأشدها تعقيدًا.... والحكم بالصواب أو الخطأ أمر متروك للزمن.. والتاريخ خير شاهد على ذلك... والاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني دخل التاريخ منذ توقيعه، فأصبح بذلك على المحك.. فإما أن يستمر، أو يكون مثله كمثل حلول كثيرة ولدت وهي تحمل في أحشائها جرثومة فنائها.

    ليس المقصود بهذا تغييب دور المواطن الفلسطيني أو الشارع الفلسطيني، بل إن من الضروري أن يكون للمواطن الفلسطيني دوره، وأن يكون للشارع الفلسطيني أيضاً دوره في نجاح الاتفاق أو فشله... وهذا ما سيحدث على أرض الواقع بعد أن دخل الاتفاق مرحلة التطبيق العملي... ولا شك في أن المؤيدين سيبذلون قصارى جهدهم من أجل إنجاح الاتفاق الذي يرون فيه الخطوة الأولى على الطريق.. أما المعارضون الذين يرون فيه نهاية المطاف فإنهم سيضغطون بكل قواهم في الاتجاه المعاكس... وهذا أمر طبيعي لا اعتراض عليه، ولا غبار.

    إن أشد ما يخشاه المواطن الفلسطيني أن يلجأ هؤلاء أو أولئك إلى أسلوب العنف والإكراه في فرض قناعاتهم على الآخرين... وهذا ما نعترض عليه ونرفضه وندينه ونحذر من عواقبه الوخيمة... فالمواطن الفلسطيني بات في وضع لا يحتمل معه أي صراع أو اقتتال... فالصراع مرفوض... والاقتتال أمر محرم... ومحاولة فرض الشعارات التي أثبتت التجربة عقمها لن تقود الناس إلا إلى متاهات جديدة، ولن تؤدي إلا إلى  مزيد من التشتت والضياع.. وكذلك فإن محاولة الهيمنة على الشارع، والتسلط على الناس دون وجه حق لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخلافات والانقسامات، وربما إلى توتر الجو وتسخينه بحيث يصبح قابلاً للانفجار في كل لحظة... وهذا أمر يرفضه المواطن، ويعترض عليه أيما اعتراض.

    في بداية عام خمسة وسبعين رفعنا أصواتنا محذرين من وقوع كارثة لن تحمد عقباها على أرض لبنان.. وكانت الكارثة.. وبعدها حذرنا مما سيحدث في الجزائر، ولاسيما بعد إلغاء الانتخابات... وها نحن اليوم نرفع أصواتنا معترضين ومحذرين من سوء عاقبة أي تصرف فيه مساس بحرية المواطن وقناعاته، وحقه في التفكير والتعبير وإبداء الرأي... نرفع أصواتنا محذرين من المهاترات والاتهامات والتطاول والمبالغة في التنظير.. ونرفع أصواتنا محذرين أيضًا من محاولات الهيمنة والتسلط وفرض الرأي على الآخرين بالقوة....

    من حقي أن أكون مؤيدًا للاتفاق.. ومن حقي أن أكون معارضًا... ولكل فئة أن تعبر عن موقفها ورأيها بأسلوب حضاري مهذب بعيدًا أيضًا عن محاولات التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور كما يقولون... وصناديق الانتخاب هي الحكم بين الاتجاهات كافة... وللتاريخ بعد ذلك كله أو قبل ذلك كله كلمة سوف تقرأها الأجيال القادمة.

    قلت لمحدثي: لا فضّ فوك.. وجزاك الله عنا خير الجزاء.. وصرف عنا جميعًا كل سوء!!

 

(1994)

 


السبت، ٢٨ شباط ٢٠٠٩

متابعات

كنتُ في الحج.. مشاهد وذكريات

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

    لم تغب صورة الأستاذ طارق عبد الكريم محمود عني لحظة وأنا أقرأ كتابه " كنت في الحج" لسبب بسيط هو أن كتابة طارق نثرًا كانت أو شعرًا تصور شخصيته أصدق تصوير وأدقه، ولما كانت شخصية طارق قريبة من قلب من يعرفه، محببة إلى نفسه فقد جاء كتابه هذا كذلك حتى أنني قرأته دون توقف أو انقطاع أو إبطاء.. ففي جلسة واحدة كنت مع طارق في كل محاولاته للفوز بفرصة السفر إلى الديار الحجازية لتأدية فريضة الحج.. وكنت معه وقد تحققت أمنيته هذه .. وكنت معه وهو يستعد للسفر، ويكثر من جمع المعلومات عن الحج.. وكنت  معه وهو يكتب وصيته، ووصية زوجه أم طريف، ويسلمهما لولدهما طريف.. وكنت معه وهو يوصي ولده خيرًا بجدته طيلة فترة غيابه.. وكنت مع طارق في رحلة الذهاب، وهو يغادر"عنبتا" في الساعة الأولى من فجر يوم الإثنين الثالث من كانون الأول من العام السابع بعد الألفين، كما كنت معه في رحلة الإياب وهو يصل"عنبتا" في تمام الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر نفسه.. اثنان وعشرون يومًا وثلث اليوم كان حصادها هذا الكتاب الذي يقع في مئة وإحدى وسبعين صفحة من القطع المتوسط ضمت ثمانية وثلاثين عنوانًا كان كل منها أشبه ما يكون بمقال جمع فيه طارق بين عبق التاريخ، وقداسة الجغرافية، وأركان فريضة الحج وشعائرها، إضافة إلى تلك الحالة الشعورية الإيمانية النفسية المتأججة التي صبغت تلك العناوين، وطبعت تلك المقالات بطابع إبداعي متألق على الرغم من أن موضوع الحج قديم يعود إلى ما قبل ظهور الإسلام بزمن طويل.. لقد كان طارق مبدعًا في تصوير مشاعره وأحاسيسه.. مبدعًا وهو يتحدث إلى رفاقه في الحافلة من حجاج بيت الله الحرام.. مبدعًا وهو يتحدث إلى سائقي هذه الحافلات.. مبدعًا وهو يتحدث إلى الناس الذين التقاهم هناك من مختلف الجنسيات.. مبدعًا وهو يحدثنا عن هذه الأماكن المقدسة التي اشتمل عليها كتابه، وعن تلك الأماكن التاريخية التي استعرضها أو أشار إليها في هذا الكتاب.. مبدعًا في الحديث عن جبل أُحد، وفي الوقوف على جبل عرفات.. مبدعًا في وصف الحرمين الشريفين في مكة والمدينة وربطهما بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.. مبدعًا وهو يتحدث عن مرضه هناك.. مبدعًا وهو يحدثنا عن مشاهداته وانطباعاته عن كل شأن من شؤون الحياة هناك.. كان أبو طريف مثقفًا وهو يشير إلى أشعار شوقي في الحج، ومثقفًا وهو يردد ما كتبه سعيد عقل، وغنته فيروز في مكة وأهلها  الصِّيد.. لقد كان طارق كل هذا، وكل ذاك.. كيف لا؟ وهو ناثر شاعر ملك ناصية البيان، واستقام له ميزان الشعر، وانقادت له القوافي، ولا عجب في ذلك، فحب العربية شعرها ونثرها يجري في عروقه مجرى الدماء، والتعلق بأهداب هذا الدين شغله الشاغل صبحًا ومساء... إن هذا الكتاب بعناوينه، ومقدمته،  وتصديره الذي جاد به قلم ابن عمه أديب جدير أن يُقرأ، وجدير أن يكون له شأنه بين كتب هذه الديار، ومؤلفاتها.. يجدر بكل من عقد العزم على أداء فريضة الحج أن يقرأ كتاب طارق، ولسوف يجد فيه عونًا كبيرًا على تحقيق هذا الهدف بسهولة ويسر؛ فالمؤلف يضع بين يديه، ويدي القراء جميعًا خلاصة تجربة حية واعية كل الوعي، وذوب فكر مشرق متألق كل التألق والإشراق.

    من المستحسن قبل أن انهي الحديث عن هذا الكتاب أن اذكر العناوين التي تضمنها وهي بعد الإهداء، والتصدير والمقدمة: التفكير بأداء فريضة الحج، تحقّق الأمل، التحضير للسفر،  يوم السفر، من غور نمرين إلى حالة عمار، من حالة عمار إلى المدينة المنورة، من فندق الحرم إلى المسجد النبوي الشريف، زيارة قبر الرسول، زيارة إلى مقبرة البقيع، جلسة استرجاع للتاريخ، إلى جبل أُحد، إلى مسجد رسول الله، إلى مسجد قباء، عودة إلى الفندق والمسجد النبوي، إلى الروضة الشريفة، زيارة لسطح المسجد، الليلة الأخيرة والنهار الأخير، السفر إلى آبار علي، إلى مكة المكرمة، أداء العمرة، قصة الصفا والمروة، قصة سيدنا إبراهيم، التضحية بإسماعيل، بناء الكعبة، أبونا آدم والكعبة، تعلقنا بالبيت الحرام، مع رفاقنا هنا وأحبتنا هناك، جولة مع رازي، مشاهد، رحلة إلى جدّة، معاناة، جلسة مع التاريخ، مفاجأة مؤلمة ومفاجأة سارّة، إلى جبل عرفات، إلى مزدلفة،  إلى مِنى، عودة إلى مكة المكرمة، إلى أرض الوطن.

      ومن الضروري أن أشير إلى أن طارق عبد الكريم قد كان حريصًا على تدوين كثير من مشاهداته هناك على دفتر يحتفظ به معه ... ولما عاد إلى أرض الوطن عكف على وضع هذا الكتاب معتمدًا على هذه الملاحظات والمشاهدات التي دوّنها، ومعتمدًا بالطبع على الذاكرة القوية التي تشكّل جانبًا –وأي جانب- من جوانب شخصيته القريبة من قلوب عارفيه.. يقول طارق في الصفحة الثامنة والعشرين من الكتاب:" كنتُ في الرحلة يقظًا، أراقب وأشاهد الأماكن التي نمر بها منذ خروجنا من مدينة الحجاج الأردنية إلى مرورنا من الشونة الجنوبية، حتى وصلنا إلى المشارف الجنوبية لعمان الكبرى كمرج الحمام، وطريق مطار الملكة علياء الدولي، إلى بداية طريق الجنوب، حتى وصلنا القطرانة. غادرنا القطرانة الساعة الثالثة إلا ربعًا، وسرنا في طريق صحراوي، لا نرى يمينًا ولا يسارًا إلا الرمال المترامية بلونها الذهبي".

    ويقول في الصفحة التاسعة والسبعين وهو يودع مثوى رسول الله في المدينة المنورة للتوجه إلى مكة المكرمة: " ولكن قلبي حزين حزين، لأنني سأودع هذا المكان الطاهر بعد نصف ساعة، وكان آخر ما يجب أن أقوم به وداع الروضة الشريفة، ووداع مثوى رسول الله. فأسرعت للدخول من باب السلام، وسرت في الممر. ألقيت نظراتي على الروضة الشريفة بدموع منهمرة. لقد هزتني تلك المشاعر، وحلّقت روحي في سماء ذلك المكان. تقدمت إلى الأمام، ووصلت مثوى رسول الله ، فسلمت عليه، وودعته ببكاء غريب. كان كل من حولي يجهش بالبكاء. وودعت صاحبيه أبا بكر وعمر. وأنا أهتف من الأعماق: "عَودًا يارب. اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك. لقد سخّرتَ لي من خَِلقك ما جعلني أصل إلى رحاب هذا المسجد، وسيّرني إلى بلادك حتى بلغتني نعمتك، وأعنتني على أداء نُسكي، فإن كنتَ رضيتَ عني فازدد عني رضًى، واكتب لي مزيدًا من عُمرٍ حتى أعود لزيارة هذا المقام. هذا أوان انصرافي، أغادر هذا المسجد لا راغبًا عنك، ولا عن هذا المسجد الطاهر..اللهمّ امنحني الصحة في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وأرزقني طاعتك، واجمع لي بين خير الدنيا وخير الآخرة إنك على كل شيء قدير...خرجتُ من المسجد وأنا أردد باكيًا:

سلامٌ عليك أيتها الربوع الطاهرة        /سلام عليك يا مسجد رسول الله/سلامٌ عليك يا مثوى رسول الله/ســـلام عليك يا رسول الله/سلام عليك أيتها الروضة الشريفة/سلام عليك أيتها الرحاب العطرة.

    سلام عليكِ يوم فُرض الصيام في رمضان فيكِ، ويوم فُرضت الزكاة فيكِ، ويوم فرض الحج فيكِ، وأسأل الله أن يكون لي عَوْدٌ إليكِ.

    وقفتُ في الساحة الخارجية، وأدرت وجهي نحو المسجد لألقي النظرة الأخيرة، وبكيتُ بصمت، سرت نحو الفندق حاملاً طعام الغداء، تناولناه بسرعة، ثم بدأنا بحزم أمتعتنا استعدادًا لساعة الانطلاق إلى مكة المكرمة.

    هكذا كان طارق في كل كلمة من كلمات كتابه.. هكذا كان صادقًا في كل كلماته، وفي كل حركاته وسكناته، صادقًا في زهده وتعبّده وتقشّفه والإقبال على أداء كل شعيرة من شعائر الحج، صادقًا في أحاديثه، ومناجاته، وحواراته المستمرة مع نفسه المرهفة، وروحه الوقّادة، وعزيمته المتوثّبة، وطموحاته التي لا تكاد تقف عند حد... بارك الله فيك يا طارق، وأعانك على مزيد من الإصدارات الرائعة.. وبارك للقراء، وعشاق الكلمة الأمينة الصادقة، وهواة الإبداع هذا الكتاب.

26/2/2009


 

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

22.  تشـــــاؤم       

 

                                              بقلم :عدنان السمان

 

www.samman.co.nr

تشـــــاؤم

 

    قال: أسوأ ما فيه إفراطه في التشاؤم...

    قلت: عين " الكاميرا" تصور الواقع، ولا تصنعه.

    قال : تحسّ وأنت تقرأ "مراثيه" أن ساعة الزلزال الرهيب الذي يتحدثون عنه قد دقّت.

    قلت: إنه يتحدث عن آثار الزلازل التي ضربت المنطقة لا عن الزلزال القادم.

    قال: باختصار هو طويل اللسان، وقد بدأت أضيق به ذرعًا.

    قلت: إنه هكذا دائمًا، وقبل أن تولد أنت.

    قال: ولكن الدنيا تغيرتْ.

    قلت: لعلّ هذا التغيير يقلقه، ويقضّ مضجعه أيضًا.

    قال: بإمكانه أن يغمض عينيه، وينام

    قلت: وجهة نظر!

    قال : ليته يفعل، بل إن من الضروري أن يفعل

    قلت : لم؟

    قال : بتُّ أخاف عليه!

    قلت : ممّ؟

    قال : إنك تثيرني باصطناعك الغباء

    قلت : قمة المأساة في اصطناع الذكاء!

    قال : أليس بإمكانه أن يخرج من عزلته، ويبحث عن ذاته؟

    قلت: أين؟

    قال: في مدينة للملاهي، أو صالة للطرب، أو قاعة للقصف والغناء

    قلت: صعب

    قال: لم؟

    قلت: لقد بحث عن ذاته صبيًّا حتى وجدها.

    قال : أين؟

    قلت : تحت شجرة

    قال : جميل، لقد التقينا.. فَتَحْتَ الشجر يحلو العيش مع الحسان، ويطيب السهر.

    قلت : تحت شجرته كتب وجرائد وأطفال يتعلمون، وعمال يكدحون، ومرضى يستردون عافيتهم، وفلاّحون يصنعون الشاي على نار من حطب، ونساء يحصدن القمح ويغنين للقمر والحرية.. وشعراء وأدباء استعاذوا بالطبيعة وطهرها من شرور أنفسهم، وزيف المدنيّة، وتفاهة التغيير الذي تتحدث عنه.

    قال: وأين هي الطبيعة التي تتحدث عنها؟

    قلت: إنها موجودة، ولن يلغي وجودها فحيح الأفاعي، وحشرجات الميتين.

    قال: صاحبك هذا يتعب نفسه، ويتعبنا.

    قلت: بل يفتح عينيك على الحقيقة التي تعرفها جيِّدًا، ولكنك تحاول اليوم تجاهلها.. أرأيت كم كنتَ موغلاً في الظلم والتجنّي عندما ألصقت به تهمة التشاؤم؟

    قال: أخبره أن يرفق بنفسه، ويكون أكثر مقدرة على التكيّف!

    قلت: كل شيء يبدو غريبًا هذه الأيام! إنك اليوم داعيةٌ للتكيّف!

    قال: انصحه – على لساني – بضرورة التكيف السريع مع الواقع الجديد.

    قلت: لا أعد بذلك.. فهذا شأنك.

    قال: لم؟

    قلت: لأنه معلّم آمن بقضيته إيمانه بنفسه، وقرر منذ البداية أن يعمل بوحي من ضميره وقناعاته لا من "ضمائر" الآخرين وقناعاتهم.

 

1994