ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 13. شيكاغو بقلم :عدنان السمان شيكاغو قال: لك عندي مفاجأة. قلت: هات، فأنا في غاية الشوق لأحاديثك، وسماع أخبارك ومفاجآتك. قال: بإمكانك أن تستعد للسفر، وأن تهيء نفسك للعيش في العالم الجديد بعد أن قررنا استضافتك هناك في "شيكاغو" للعمل في مطبوعات الجالية، وللمشاركة في نشاطها الثقافي والإعلامي .. وستقوم الجالية بتغطية نفقات السفر والإقامة.. وستحصل على دخل جيد هناك، أما إجراءات السفر والإقامة فأمور تتكفل بها الجالية، استعد يا صديقي ، فبعد أيام معدودة أكون قد أنهيت بعض الأعمال الخاصة التي حضرت لإنهائها، وسنعود معًا إلى هناك، وإذا كنتَ راغبًا في السفر قبل أن أنهي أعمالي هنا فإن لك ما تريد، غدًا نزور القنصلية الأمريكية في القدس، وينتهي كل شيء، لا تنس أن تحضر جواز سفرك. قلت: متى حضرت من شيكاغو؟ قال: قبل يومين فقط.. وها نحن نلتقي ثانية بعد مرور أكثر من عشر سنوات على لقائنا الأخير هنا.. أتذكر؟ قلت: هل جئت لتبيع ما تبقى لك من ممتلكات هنا؟ قال: سأحاول.. ما دام قراري هو البقاء هناك فلا معنى لوجود ممتلكات لي هنا. قلت: وأولادك؟ قال: بإمكانهم أن يعيشوا معي هناك. قلت: لقد غادرتنا منذ أكثر من عشرين عامًا، فماذا جنيت؟ قال: أعيش باحترام، وصحتي جيدة، وأتمتع بكافة حقوق المواطن، ولا أشعر بأدنى فرق بين مواطن ومواطن هناك، جميع الناس أمام القانون سواء، بدءًا بأصغر مواطن وحتى حاكم الولاية، إن الحديث عن الحياة في تلك البلاد شيء لا يصدق، وهو حديث يطول ويطول، فلا أنا قادر على الإلمام بالواقع الحلم، ونقله إليك في ساعة، أو ساعات، ولا أنت بقادر على استيعابه من خلال الكلمات.. عندما تسافر إلى هناك سترى كل شيء، وسوف تكتب كثيرًا عن الحياة هناك. قلت: أتعني الحرية، والديمقراطية، والعدالة، والعمل، والتطور التكنولوجي، والحضاري، والمال، والنساء؟ قال: أعني هذا، وكثيرًا غيره. قلت: حتى في هذه الأيام؟ قال: التاريخ لا يتوقف عند نقطة بعينها، والزمن لا يتجمد عند حدث أو حادثة. قلت: وبلادنا هذه، ألا تستحق أن نكتب عنها، وأن نعالج قضاياها؟ قال: بلى، ولكن الكتّاب هناك كثيرون، ثم بإمكانك أن تكتب ما تريد في مطبوعات الجالية، وعبر وسائل الإعلام الكثيرة هناك، فالمجال مفتوح ، والحرية مطلقة، والإمكانات هائلة، وسترى أن كثيرًا من أصحاب الصحف، ومن المعنيين بالثقافة والإعلام سيرحبون بك، ويتنافسون على شراء ما تكتب من شعر وقصة، ومقالة. قلت: تريد أن تقول، يتنافسون على "شرائك". قال: البيع والشراء أمران موجودان في كل مكان، ومن "يشتريك" خير ممن "يبيعك" أليس كذلك؟ قلت: وجهة نظر... ما عندكم من المطبوعات؟ قال: عندنا "فلسطين" و"البستان" وساعة بث تلفزيوني. قلت: ساعة واحدة فقط؟ وماذا تقولون فيها؟ قال: بيني وبينك حتى هذه الساعة لا نستطيع أن نفيها حقها، نقرأ قصيدة لفلان في خمس دقائق، وكلمة ثقافية، أو سياسية أو توجيهية في عشر دقائق، أما الجزء الأكبر من هذه الساعة فنخصصه للدبكة الشعبية، وبعض الألوان والأنشطة الفلكلورية الأخرى! قلت: جميل، هل تعطيني فكرة سريعة عن الحركة الثقافية والإعلامية في هذه المدينة التي يربو تعداد سكانها على ثلاثة عشر مليونًا من النفوس؟ قال: خذ هذا الرقم على سبيل المثال: يملك اليهود فقط اثنتين وأربعين محطة تلفزة، وينقلون الناس عبر الكمبيوتر إلى مكتبة الجامعة العبرية، وإلى غيرها من المؤسسات الثقافية والعلمية وبنوك المعلومات. قلت: حسنًا، وهل وضع المطبوعتين أفضل من وضع الساعة التلفزيونية هذه؟ قال: للإنصاف لا، من أبرز ما يزعجنا "ثقافيًّا" هناك: الضحالة، والأمية.. فكثير من كتّابنا هناك يفتقرون إلى أبسط قواعد الصرف والنحو.. إنهم في الغالب.. يعملون في التجارة، وجمع المال، ويؤْثرون حياتهم الخاصة على الحياة العامة للجالية وقضاياها، ثم إن المواطن اليوم مشغول على الأغلب بأمنه الشخصي! قلت: أين يكمن الخلل في تقديرك؟ قال: هنا – عندكم – وينعكس علينا هناك. قلت: ولكنكم تعيشون في العالم الجديد، فلماذا لم تستفيدوا – كما يجب- من حياتكم هناك؟ ولماذا لم تعملوا بالتالي على رفع مستوى مجتمعكم هنا، وتخليصه من الخلل، والانتقال به إلى الحياة العصرية الحديثة المتطورة علميًّا، وثقافيًّا، واقتصاديًّا، وتكنولوجيًّا، إن الخلل لا يكمن فقط في مجتمعاتنا إنه موجود فيكم أيضًا، ومن المؤلم فعلاً أنكم لم تستفيدوا من إيجابيات الحياة الحديثة في أوطانكم الجديدة، بل يبدو أنكم قد أخذتم بالسلبيات والقشور، ونسيتم أنفسكم، وفقدتم خصائصكم في غمرة الحياة الجديدة، وصخبها، وأضوائها التي خطفت أبصاركم ، لقد أعمتكم أضواء العالم الجديد، وحالت بينكم وبين النفاذ إلى الجوهر، فوقفتم عاجزين تائهين مشدوهين لا تستطيعون الغوص في بحار الحضارة الحديثة لسبر أغوارها، وإحضار كنوزها كما يسبر أغوار المحيطات غواص عنيد متمرس، ولا تستطيعون عودة إلى المجتمع الأم الذي نفرتم من علله، وأمراضه... وهربتم من مشكلاته، وكوارثه، وتريدني أن أشد الرحال، وأن أهيء نفسي للسفر كي أحظى هناك بالعيش في جنة الله على الأرض! وفي هذه الفترة الزمنية بالذات. قال: إنك على حق في كثير مما قلت، ونحن هناك مقصرون، ولكننا – عمليًّا – في بداية الطريق وسنصل، " أما الفترة الزمنية هذه، فقد بولغ في إبراز سلبياتها. التي تشمل كل الناس هناك على الأغلب". قلت: أرجو ذلك، ونحن أيضًا كذلك، وسنصل بجدنا، وعملنا، وبعونكم، ومؤازرتكم، وهمتكم العالية. قال: وصولكم صعب! قلت: فكروا جيِّدًا، واعملوا بجد، ومدوا إلينا يد العون، فإن لمجتمعكم الأم عليكم حقوقًا يجب أن تؤدى. قال: بإمكانك أن تكون من هؤلاء الرواد الذين تعلقون عليهم الآمال هنا، رغم كل شيء. قلت: الرواد في كل مكان، والعمل هو العمل، والناس يكمل بعضهم بعضًا، ومهما ابتعدت يجب أن يظل انتماؤك إلى وطنك، ومجتمعك، وشعبك أولاً وقبل كل شيء. قال: لا فائدة إذن. قلت: كيف؟ قال: يبدو أنك لن تسافر.. ولن تغير نمط معيشتك. قلت: هو ذاك. قال: ستبقى فقيرًا معدمًا جائعًا. قلت: ليس في هذا ما يعيب. قال: ويبدو أنك لن تعيش الحياة العصرية التي يتمناها كثير من الناس. قلت: حياة المال والنساء؟ قال: وأشياء أخرى كثيرة. قلت: هذا مجتمعنا، ويجب أن نبنيه جيِّدًا، وهذا كل شيء. قال: يا عزيــزي، هــذا عنواني هناك، وهذه أرقام هواتفي، وعندما تقتنع بالفكرة، ما عليك سوى الاتصال. قلت: حسنًا، والحديث الذي دار بيننا أتوافق على نشره؟ قال: تنشره في إحدى الصحف هناك إن أحببت. قلت: وإن لم أنشره هناك؟ قال: تنشره هنا إن أردت، فهذا شأنك. رأيت ذلك الصديق بضع مرات بعد ذلك اللقاء، ثم لم أعد أراه، سألت عنه فقيل إنه قد سافر منذ شهر بعد أن مكث هنا بضعة أشهر، ترى هل سيعود بعد عشر سنوات؟ ربما، فكثير من الناس يتجاوزون سن السبعين، وهل اصطحب معه أولاده كما قال؟ لست أدري. وهل تبقى أنظار كثير من شيبنا وشبابنا مشدودة إلى العالم الجديد ، وهل تبقى فكرة السفر والرحيل مسيطرة على عقول كثير من الناس في هذه الديار رغم كل ما يجري هناك، أم أن مفاجأة سارة ستحدث فيتمسك الناس هنا بوطنهم، وبمجتمعهم، ويقبلون على بنائه وإعماره بقوة وحكمة وشرف وإخلاص؟ لست أدري. (2001) |
عزيزتي .. عزيزي
ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008
الأحد، ٨ شباط ٢٠٠٩
ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 12. بطاقة بقلم :عدنان السمان بطاقة قال: لماذا لا يُسمون الأمور بأسمائها؟ قلت: عمّن تتحدث في هذا الصباح الصيفي الملتهب؟ قال: ولماذا يتحدثون عن "العملية السلمية" في ليالي الحرائق والمجازر، واستباحة كل المحرمات؟ وفي الوقت الذي لا نرى فيه إلا تهويدًا للأرض، وتقطيعًا لأوصالها، وتنكيلاً بالإنسان، وتدميرًا لوجوده وحياته، ومستقبل أجياله؟ قلت: لقد تحدث عبد الناصر عن الحرب.. ويريد هؤلاء أن يتحدثوا عن السلام! قال: لولا معرفتي بك عن قرب لاتهمتك!! كيف تجرؤ يا رجل على أن تسمي هذا الذي يفعلونه ويتشدقون به دون أي اقتناع أو تفكير، سلامًا، وحديثًا عن السلام؟ كيف تسمي كل هذا الاستخفاف بالعرب، وكل هذه المهازل التي تستهدف أرضهم وإنسانهم، ومستقبل أجيالهم، وكل هذا التدخل العلني والسري في كل أمورهم، وكل هذا التجويع والتقتيل والامتهان والاحتلال بكل أشكاله وصوره.. كيف تسمي كل هذا، وكثيرًا غيره، سلامًا، أو حديثًا في (العملية السلمية)؟ هل من شروط هذه "العملية" التي يتحدثون عنها ومن إملاءاتها أن يتحكم كل الطامعين بأرض العرب منذ قرون بهذه الأرض، وإنسان هذه الأرض؟ وأن لا يزرع العرب أرضهم كي يستوردوا القمح من الأسياد الذين يريدون أن تكون أراضي العرب والمسلمين أسواقًا لمنتوجاتهم الزراعية والصناعية والغذائية؟ وهل هذه "العملية السلمية" تعني أن تتحول الغالبية الساحقة من أبناء هذه الأمة إلى (طوابير) من الشحاذين، والمتسولين، والمتسكعين العاطلين عن العمل.. وبالتالي إلى عصابات تمارس القتل والسرقة والجريمة والانحراف بكل صوره وأشكاله؟ وهل كل ما يجري من تسيّب وانفلات وحماقات ورذائل وعدوان على الناس في أنفسهم وممتلكاتهم هو من قبيل المصادفة، أم أن هذه هي أخلاقيات هذا الشعب، وهذه الأمة.. أم أن هذا الذي يجري هو الثمرة المُرة للممارسات والمخططات والمصائد التي وضعها الحاقدون من أعداء هذا الشعب ونفّذوها لتدميره، والسير به سريعًا على طريق التدمير الذاتي تارةً، والتدمير على أيديهم تارةً أخرى؟؟ وأغلب الظن أن ما يجري ليس من قبيل المصادفات.. إذن فالأمر مدروس، والأمور الجسام التي تعصف بهذا الشعب، وهذا الوطن هي من صنع المخططين الطامعين بهذه الأرض لتسهل عليهم السيطرة عليها في النهاية نظيفة خالية من السكان الذين لا يرغب هؤلاء في وجودهم عليها!! قال: الوساطات - التي تتحدث عنها - لا تختلف في جوهرها - كثيرًا أو قليلاً - عن حكاية جدار الفصل العنصري.. وتعديل مساره عند هذه القرية أو تلك.. وعند هذا المنعطف أو ذاك المنحنى.. وكأن هذا الجدار أمر مشروع أو عمل شرعي، ونحن في انتظار حكم المحكمة بخصوص مروره فوق بيت "أبو العبد" ليمّر عن يمينه أو شماله.. وبخصوص مروره فوق رأس "أبو سلام" ليمرّ على رجليه فقط تاركًا الرجل في معاناته حتى يموت موتًا بطيئًا أو سريعًا.. كما يريد... الجدار - إذن - أصبح أمرًا مشروعًا - من وجهة نظر الوسطاء - على أن تُدخَل عليه بعض التعديلات.. والأمر كذلك في قضية المستوطنات.. فهناك مستوطنات شرعية، وأخرى عشوائية ليست شرعية!! وحكم المحكمة سيصدر بإزالة بعض هذه المستوطنات العشوائية، ليصبح الأمر بعد ذلك (تمام التمام) وما في أي مشكلة!! هل نسي كل هؤلاء الوسطاء أن هذا - باختصار - يعني ضياع أكثر من ستين بالمئة من الأرض المحتلة عام 1967؟ وهل نسي هؤلاء أيضًا أن الدولة التي يتحدثون عنها ليست أكثر من وهم، وعملية خداع وتخدير إلى أن يستكمل هؤلاء تنفيذ مخططاتهم.. وأن الأمر - في أحسن الأحوال - لن يتمخض إلا عن بعض المعازل (المستباحة الخاضعة لإشرافهم الأمني الكامل واجتياحاتهم المستمرة)، وهذه المعازل التي يسمونها أيضًا تجمعات سكانية ليس بينها أي تواصل جغرافي، وهي محاصرة تضيق بمن فيها وما فيها من مخلوقات.. وسيجلبون إليها أعدادًا من لاجئي عام 1948 ضمن مخططاتهم لتصفية قضية اللاجئين، وإلغاء القرار رقم (194).. وضمان هجرة معظم سكان هذه المعازل - هجرة طوعية - الى أي خارج بعد أن تستحيل فيها الحياة!! أفهمت الآن شيئًا مما يخطط له هؤلاء؟؟ أيكفي هذا أم تريدني أن أتحدث أكثر في قضايا العربدة، والاعتداء، والفقر، والجهل، والمرض، وانهيار الأوضاع العامة، والخاصة، وكافة أشكال حرب الإبادة التي يتعرض لها هذا الشعب.. وما ينجم عن ذلك من فساد، وانحراف، ومعاناة، وخوف، ونفاق، وجوع، ومهانة؟؟ هل كل هذا يكفي، أم تريد أن أحدثك أكثر عن الكذب، والتضليل، والخداع، والإثراء الفاحش، والمال الحرام، والطبقية اللعينة التي عصفت بهذا الشعب لأول مرة في تاريخه؟ أين هو الإعلام الذي يسمي الأمور بأسمائها؟ أين هي الصراحة والجرأة في الطرح؟ وأين هي معالجة القضايا المصيرية المتعلقة بالأرض، وتلك المتعلقة بالإنسان؟؟ لماذا لا يُسمون الأشياء بأسمائها؟ ولماذا كل هذا الإمعان في التضليل والخداع والضحك على الذقون؟ ولماذا الإصرار على دفن الرؤوس في الرمال؟ لماذا لا نتكلم بصراحة، ونُسمي الأشياء بأسمائها؟ لماذا لا نغضب؟؟ لماذا لا نرفض الغلط وبكل إصرار، وليكن بعد ذلك ما يكون؟؟ لماذا نتخلى في كل يوم عن شيء من حقوقنا وثوابتنا، وبمثل هذه البساطة؟؟ ومن المستفيد؟ وإلى متى ستستمر هذه المهازل؟ وهل يعتقد هؤلاء وأولئك أنهم قادرون في النهاية على كسر إرادة هذا الشعب؟ وهل بإمكان أحد، أو فئة، أو قوة أن تكسر إرادة شعب مهما كانت باغية وماكرة؟؟ وإذا كان هذا النفر متلهفًا على أي حل مهما كان مجحفًا ومهينًا، فلماذا كان هذا النفر نفسه يرفض سائر الحلول التي كانت تُعرض منذ البدايات الأولى لنشأة القضية، ويتهم من كان يبدي الموافقة في حينه، أو يتظاهر بها من باب الاختبار أو المناورة، أو "التكتيك"؟؟ قلت: هل أفرغت كل ما عندك الآن، فأرحت واسترحت، وما هي إلا دقائق حتى تذهب في نوم عميق تجدد معه نشاطك كي تشنّف آذاننا بخطاب جديد غدًا أو بعد غد؟ أم أنك تريد أن تضيف شيئًا إلى ما قلت؟ فأنا لا زلت أقرأ في عينيك رغبة في الكلام.. قُل، فحق الإنسان في التفكير والتعبير وإبداء الرأي حق مقدس. قال: أدعو كل العقلاء والشرفاء والقوى، والشخصيات والهيئات، والتجمعات، والأحرار والحرائر، أدعو كل هؤلاء.. كل العرب الصرحاء، مسلمين ومسيحيين من أبناء هذه الديار، أدعوهم إلى القيام بواجبهم.. إلى قول كلمتهم.. إلى تخليص الوطن والمواطن من هذا العذاب الذي طال أمده.. إلى المشاركة الجادّة الفاعلة في صنع المستقبل الباسم المشرق العزيز لكل الأجيال على هذه الأرض المقدسة. |
الثلاثاء، ٣ شباط ٢٠٠٩
متابعات من براك أوباما.. إلى بينيامين نتانياهو!! أ. عدنان السمان www.samman.co.nr تمامًا كمراهناتهم على الخيل، وقضاء أسعد الأوقات في تتبّع جريها في ميادين السباق، وتمامًا كمتابعة أخبار دوري كرة القدم، والاستمتاع بمشاهدة اللاعبين على أرض الملعب، وهم يخوضون مباريات البطولة على ملاعب بلادهم في شرق الدنيا وغربها، وتمامًا كمتابعتهم أخبار العملات، وأسعار براميل النفط، وحمى الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت أول ما أصابت بسهامها أسواق المال العربية.. راح كثير من العرب يتابعون بحماسة منقطعة النظير أخبار المعارك الانتخابية الأمريكية التي جرت في أواخر العام الماضي بين الجمهوري ماكيين والديموقراطي برّاك حسين، وإن كانوا قبل ذلك قد سعدوا أيضًا بمتابعة أخبار المعركة التي جرت بين أوباما ومنافسته على تزعم الحزب الديمقراطي، والفوز بترشيحه هيلاري كلينتون قبل أن يخرج منها أوباما ظافرًا مرفوع الرأس ليواصل نجاحاته وانتصاراته المؤزرة نحو كرسي الرئاسة في البيت الأبيض... نعم لقد راح كثير من العرب في حينه يتابعون بشغف شديد أخبار تلك المعارك الانتخابية الأمريكية فاغري الأفواه، تثبُ قلوبهم في صدورهم.. لأن نتائج تلك الانتخابات ستنعكس على كل ديار العروبة والإسلام بشكل أو بآخر، ولأن نتائج تلك الانتخابات ستمسُّ بشكل مباشرَ وغيرِ مباشَر أحوال الناس ، وأوضاعهم المعيشية والسياسية في مختلف أقطارهم وأمصارهم، ولأنها سترسم لهم معالم الطريق التي ينبغي أن يسلكوها دون أدنى تلكّؤ أو تباطؤ ودون أدنى ميل أو انحراف نحو اليمين أو اليسار، ولأن تلك السياسة ستضع كلاًّ من أولئك وهؤلاء في المكان الذي يترتب عليه أن ينزرع فيه لا يبرحه، ولا يغمض عينيه فيه لحظة، بل يبقى مفتوح العينين آناء الليل وأطراف النهار في انتظار التعليمات والتوجيهات لإجراء الاستعدادات والتحركات التي تقتضيها تلك التعليمات والتوجيهات، وتقتضيها أيضًا مصالح كل الأطراف بدون أدنى توتّر أو اضطراب أو خلاف. لقد راح كثير من العرب يلقون باللوم على أوباما قبل أن يدخل البيت الأبيض، وراحوا يحمّلونه تبعات ما جرى في غزة، وغير غزة، وراح فريق منهم يهزّئ هذا الرجل بأسلوب فظٍّ، وعبارات نابية ، وراح فريق منهم يطالبه بإعادة الحقوق إلى أصحابها، والضرب على يد المعتدي!!! هؤلاء الناس الذين يريدون من الآخرين في البيت الأبيض أن يدافعوا عن قضاياهم العادلة وهم نائمون، يذكّروننا بأولئك الذين كانوا يطالبون الاتحاد السوفياتي في حينه بخوض الحرب إلى جانب العرب، أو – على الأصح- بخوض الحرب نيابةً عن العرب، ولما دخلوا مرحلة السلام مع عدوّ الأمس لم يتورّع بعضهم من مطالبة السوفيات بخوض معركة السلام مع هذا العدوّ أيضاً!! فإذا كان هؤلاء وأولئك لا يصلحون لخوض معركة عسكرية، ولا يصلحون لخوض معركة سياسيّة فلخوض أي نوع من المعارك يصلحون؟؟ " لك البترول فاعصره على قدمي عشيقاتِكْ كهوف الليل في باريسَ قد قتلتْ مروءاتكْ فبعتَ القدسَ بعت اللهَ بعتَ ترابَ أمواتكْ كأنّ حرابَ إسرائيل لم تُجهضْ شقيقاتكْ ولا راياتِها ارتفعتْ على أشلاء راياتكْ متى تفهم؟ متى يستيقظُ الإنسان في ذاتك؟؟" هل كان هؤلاء يتوقعون من أوباما أن يحضر على جناح السرعة إلى هذا الجزء أو ذاك من ديار العروبة والإسلام ليعمل متطوعًا في صفوف المقاتلين من أجل الحرية في هذه الديار؟ إن براك حسين أوباما إنسان أمريكي من أصل كيني ينتسب إلى الحزب الديمقراطي الذي اختاره رئيسًا لأمريكا.. وأوباما بسبب ثقافته وجذوره من الممكن أن يبذل كثيرًا من الجهد من أجل الإصلاح، ومن أجل التغيير الذي وعد به على كثير من المستويات، ولكنه يقينًا لن يقوى على فعل شيء مما لم يفعله أهل هذه الديار لقضيتهم وقدسهم وعودتهم... وإذا كانت أمة العروبة والإسلام، ومعها شعب فلسطين، وكل أحرار العالم، وأنصار الحق والحرية فيه تقف اليوم هذا الموقف من فلسطين والفلسطينيين وقضية فلسطين فكيف نطالب أوباما بشيء مما لم يفعله أصحاب القضية؟ أنطالبه بتحرير فلسطين، ونحن نيام؟ إن أوباما الذي يعرف يقينًا عدد هؤلاء الذين يعملون مع الولايات المتحدة، ومع حليفتها الاستراتيجية في هذه المنطقة، ويعرف يقينًا حقيقة ما يجري في الأوساط العربية الرسمية، وموقف هذه الأوساط من كل قضايا العروبة والإسلام ليشعر يقينًا بأكثر من الرثاء لحال هذه الأمة التي هانت على نفسها، فهانت على الناس!! مَن يهن يسهل الهوان عليهِ ما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ!! ومن متابعة أخبار الانتخابات الأمريكية إلى متابعة أخبار الانتخابات الإسرائيلية!! فهؤلاء يراهنون على حزب " كديما"، وعلى زعيمته "ليفني" !! وأولئك على حزب ايهود باراك!! أما غالبيتهم فتخشى فوز بنيامين نتانياهو الذي يشكّل كابوسًا لكثير من الفلسطينيين، ولكثير من العرب والمسلمين أيضًا!! نعم.. كثير من أهل هذه الديار يخافون من تحالف " الليكود" مع "ليبرمان" وغيره من غلاة المتشددين في الدولة العبرية.. ولئن كان خوفهم، أو مخاوفهم في محلها، إذ يتوقع كثير من المراقبين تشكيل حكومة يمينية متطرفة بزعامة الليكود تحظى بغالبية مريحة في الكنيست الثامنة عشرة.. ولئن كان نتانياهو ومعه ليبرمان وكل غلاة اليمين المتشدد هم قادة إسرائيل في الأيام القادمة؛ فإن ليفني وباراك ومعهما كل الجنرالات قد فعلوا بأهل غزة الأفاعيل، وقد فعلوا بأهل الضفة الغربية ما فعلوا، وهم يخططون بعد الجدار والمستوطنات والمصادرات لعزل عرب الضفة الغربية ومعهم العرب الفلسطينيون من أهل الجليل والمثلث والنقب والسهل الساحلي في هذه المعازل التي لن نقوى على العيش فيها؛ فنضطر لمغادرتها قبل أن ينفّذ ليبرمان تهديداته بإخراجنا منها، أو باستعمال السلاح النووي ضدنا كما هدد باستعماله في الحرب على غزة!! وبعد، فإن من لا يحسن الدفاع عن حقه، وإن من لا يحسن العمل من أجل استعادة حقه، وإن من لا يستطيع استنهاض الدنيا من أجل الوقوف معه لتحقيق كل أهدافه وتطلعاته، وإن من لا يقوى على القيام بدور فاعل في التاريخ يعيد إليه مكانته بين الناس، وإن من ارتضى لنفسه أن يخرج من التاريخ بمحض إرادته واختياره؛ فإن أحدًا لن يعيده إليه حتى أوباما.. وإن أحدًا لن يستطيع إخراجه من حاشية التاريخ التي يتسكع فيها حتى نتانياهو. 4/2/2009 |
الأحد، ١ شباط ٢٠٠٩
متابعات هل هما وجهان لعملة واحدة؟؟ أ. عدنان السمان في كل ديار العروبة والإسلام يتساءل الناس عما إذا كانت هنالك خلافات جوهرية بين الرئيسين الأمريكيين السابق واللاحق، أم أنهما وجهان لعملة واحدة، ويكاد المراقبون والمحللون السياسيون في كل هذه الديار يُجمعون على أنهما لكذلك فيما يتعلق (على الأقل) بالفلسطينيين وفلسطين والقضية الفلسطينية للأسباب التالية: 1. السياسة الأمريكية التي تقف إلى جانب إسرائيل منذ إقامتها في العام 1948، لتكون ملاذًا لليهود الهاربين من المحرقة النازية، وأولئك الباحثين عن وطن قومي لهم في فلسطين.. ولتكون أيضًا امتدادًا للغرب وثقافته وتطلعاته وأطماعه في كل بلاد المسلمين والعرب، ويده الضاربة في كل هذه البلاد للسيطرة عليها، وإخضاعها بالتالي للنفوذ الأمريكي، الأوروبي، الإسرائيلي الصهيوني متمثّلاً باليهود الإسرائيليين، وأولئك المنتشرين في أمريكا ودول أوروبا وغير أوروبا، ممن يشكّلون وسائل الضغط العاملة من أجل حماية إسرائيل، وقوتها وانتشارها في كل بلاد الشرق دون استثناء... هذه السياسة الأمريكية الثابتة التي ألزمت الرؤساء الأمريكيين على امتداد العقود الستة الماضية على التقيد بها، وتنفيذها بشكل ينسجم ومفاهيم تلك السياسة، ويتساوق مع منطلقاتها ومرتكزاتها، ويلبي أهدافها وغاياتها المرجوّة منها.. وإن شهدت هذه السنوات الستون الماضية تفاوتًا بين هذا الرئيس الأمريكي أو ذاك في ترجمة هذه السياسة والتعبير عنها.. فالفرق كبير بين رئيس مؤمن بهذه السياسة كل الإيمان، متحمس لها كل الحماسة، مولع بتطويرها وتنفيذها والمبالغة في الانحياز والتطرف إلى حد الخرافة.. ورئيس يؤدي دوره المرسوم في شيء من التوازن والاعتدال.. كلاهما ينفذان سياسة واحدة، ولكن بأسلوبين مختلفين. 2. السياسة العربية المؤيدة للغرب دون تحفظ، متمثلة في تلك الأنظمة التي عاصرت نشأة القضية الفلسطينية، وشهدت إقامة "إسرائيل" على الجزء الأكبر من أراضي فلسطين في العام 1948 .. تلك السياسة التي كانت تعتقد في قرارة نفسها بأنها ليست قادرة على إلغاء وعد بلفور، وليست قادرة على التصدي لرغبة دول الغرب في إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، وليست قادرة على مواجهة الانتداب البريطاني، وقواته العاملة في فلسطين، وليست قادرة على مواجهة الدولة العبرية التي أقامتها بريطانيا على الجزء الأكبر من أرض فلسطين قبل انسحابها منها بساعات.. تلك الدولة التي تحميها تصريحات الدول الكبرى، وميثاق هيئة الأمم التي أُقيمت هذه "الدولة" بموجب قرار من قراراتها... وعليه فقد لجأت تلك السياسة العربية إلى اتباع أسلوبين للخروج من هذا الموقف: دخول الحرب بالحد الأدنى من القوة العسكرية، وبالحد الأقصى من الخلافات والانقسامات، والدخول بعد ذلك في هدنة مفتوحة مع هذه الدولة الجديدة التي بدأت تأخذ بأسباب القوة كل يوم حتى امتلكت السلاح النووي في العام 1956 أي بعد ثماني سنوات من قيامها!! بينما ازدادت السياسة العربية تمزقًا وانقسامًا وصل إلى حد الاقتتال العسكري، إضافة إلى الحرب الباردة التي استبدت بالساحة العربية طيلة عقدين كاملين شهدت الساحة العربية خلالهما سقوط أنظمة، وقيام أخرى.. كما شهدت قيام دولة الوحدة العربية بين القطرين المصري والسوري، في الثاني والعشرين من شهرنا هذا شباط من العام 1958، ثم انهيار هذه الوحدة في الثامن والعشرين من أيلول من العام 1961.. كما شهد هذان العقدان حرب السويس (العدوان الثلاثي) على مصر في التاسع والعشرين من تشرين الأول من العام 1956،وحرب الخامس من حزيران من العام 1967، واغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر صاحب المشروع الوحدوي العربي على كل أرض العرب حيث قتل بالسم في الثامن والعشرين من أيلول من العام 1970، لتدخل السياسة العربية بعد حرب رمضان من العام 1973 مرحلة جديدة مع الدولة العبرية هي مرحلة العلاقات العلنية. مع بقاء التوتر على أشده بين غالبية الأنظمة العربية المؤيدة للتطبيع، وقوى الممانعة العربية في المنطقة. 3. السياسة الفلسطينية التي اتسمت بالتناقضات والانقسامات منذ نشأة القضية الفلسطينية، ولاسيما في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين (هذه الفترة التي امتدت من التاسع من كانون الأول من العام 1917 وحتى اليوم الرابع عشر من أيار من العام 1948). صحيح أن الفلسطينيين قد حاربوا الإنجليز طوال ثلاثة عقود من الزمن، وصحيح أنهم حاربوا المنظمات الصهيونية العاملة على أرض فلسطين، وصحيح أنهم تصدوا بكل قوة لإفشال قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين في الخامس عشر من أيار من العام ثمانيه وأربعين، ولكن صحيح أيضًا أنهم كانوا متخاصمين متنابذين متناحرين فيما بينهم، وصحيح أيضًا أن فئات منهم كانت على صلات وثيقة ببريطانيا العظمى، وصحيح أيضًا أن الفلسطينيين في مجملهم كانوا من الفقراء، ولاسيما المجاهدون منهم، وصحيح أيضًا أن المجاهدين الفلسطينيين كانوا يفتقرون إلى كل أنواع السلاح الفعال الذي من شأنه أن يحسم الحرب لصالحهم، وصحيح أيضًا أن كثيرًا من الأسلحة التقليدية التي وصلت أيديهم كانت فاسدة، كتلك التي زُودت بها بعض الجيوش العربية التي قيل يومها إنها دخلت فلسطين لإنقاذها من أيدي الغزاة الطامعين، وصحيح أيضًا أن بعض قادة تلك الجيوش قد فرضوا التعليمات الصادرة إليهم من قياداتهم (بوقف الحرب، وإنهاء القتال) على المجاهدين الفلسطينيين دون أن يكون لهم أدنى رأي في ذلك. وكان من الطبيعي أن تنعكس الخلافات العربية العربية بعد ذلك على الساحة الفلسطينية، وكان من الطبيعي أيضًا أن تتأثر الساحة الفلسطينية، والحركة الوطنية الفلسطينية كل التأثر بالسياسة العربية، وكان من الطبيعي أيضًا أن تكون اتفاقات أوسلو، وأن تدخل القضية الفلسطينية مرحلة ما بعد أوسلو... وكان من نتيجة ذلك كله، وكثير غيره مما يقال وما لا يقال أن ألفينا أنفسنا على هذه الحال، لتسير أمورنا على هذا النهج والمنوال فترات أخرى قد تطول وقد تقصر.. لسنا ندري يقينًا، وإن كنا ندري أن كل هذا الذي حدث، وأن كل الذي يحدث، وأن كل ما سيحدث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يلغي حق شعب في الحياة الحرة الكريمة، وأن يلغي دور أمة صنعت الحضارة ذات يوم لكل الناس في هذا العالم.. إن كل هذا الذي يحدث لا يمكن أن يوقف حركة التاريخ، ولا يمكن أن يطفئ جذوة الأمل في النفوس، ولا يمكن أن يثني أمة عريقة ماجدة قررت أن تستعيد أمجادها ومكانتها بين أمم الأرض عن تحقيق هذه الغايات والأهداف. وبعد فإن لفلسطين والفلسطينيين والقضية الفلسطينية حلاًّ واحدًا هو الكف عن التنكر للحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، والاعتراف بهذه الحقوق الثابتة بشكل لا يقبل الجدل والتأويل.. بعيدًا عن المماطلة والتسويف، وبعيدًا عن المراهنة على عامل الزمن، فهذا رهان خاسر، بل إن الزمن قد أصبح يعمل سريعًا لصالح هذه القضية، ولصالح شعب هذه القضية مهما توهم المتوهمون خلاف ذلك. قد يكون الرئيس الأمريكي الجديد نسخة عن سابقه فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وقد لا يكون، وقد يكون الوجه الآخر لعملة على وجهها الأول سلفه، وقد لا يكون.. وقد يكون مبعوثه إلى هذه الديار مثل مئات المبعوثين الذين شهدتهم هذه الديار منذ نشأة هذه القضية، وقد لا يكون، وقد يؤيد الرئيس الجديد كثيرًا من مطالب العرب الفلسطينيين، وقد يقف إلى جانبهم في كثير مما يطالبون به، ولكنه –يقينًا- لن يعمل متطوعًا في صفوف الفلسطينيين، ولن يكون فلسطينيًّا أكثر من الفلسطينيين. الفلسطينيون، ومعهم أحرار أمتهم، وأحرار العالم أيضًا هم القادرون على العمل من أجل إحقاق حقوقهم المشروعة في وطنهم فلسطين.. وعندما يعرف النظام السياسي العربي كيف يحترم نفسه، ويحترم مواطنيه، ويحترم دماء شهدائه، وأنين جرحاه وأسراه وأسيراته، وعندما يعرف النظام السياسي العربي الرسمي كيف ينتصر لفلسطين، وشعب فلسطين، وقضية فلسطين، فإن هذا النظام قادر –بقرار سياسي- أن يحسم المواقف، وأن يعيد الحقوق كل الحقوق إلى أصحابها، وهو –بقرار سياسي- قادر على تحويل كل أرض العرب إلى جنات خضراء ينعم فيها المواطن بالأمن والأمان والحرية والازدهار والتقدم والرِّفاء. 31/1/2009 |
متابعات من أعلام الإسلام.. الشيخ محمد عبده أ. عدنان السمان www.samman.co.nr هو محمد عبده خير الله، من مواليد قرية "محلة نصر" بمركز شبراخيت من مديرية البحيرة، وأمه "جنينة" من أسرة معروفة هي أسرة "عثمان" في مديرية الغربية، وقد ولد في أواخر سنة (1849) تسع وأربعين وثمانمئة وألف. لم يدرس شيخنا في الكتاتيب، بل إنه قد حفظ القرآن الكريم في منزل والديه على حافظ خاص، وفي سنة (1862) اثنتين وستين وثمانمئة وألف أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا، وبعد أن قضى الفتى في تجويد القرآن نحو سنتين جلس في دروس العلم بالمسجد الأحمدي؛ فبدأ بتلقي قواعد اللغة العربية، وبعد عام ونصف من محاولات فهم النحو العربي لم يفهم الفتى منه قليلاً ولا كثيرًا لعقم أساليب التدريس، وجفاف المادة وجمودها، وخشونة الشيخ الذي يتولى عملية التدريس، وفظاظته. يغادر محمد طنطا، وقد قرر أن لا يعود إلى طلب العلم مهما كلف الأمر، وعليه فقد تزوج سنة (1865) خمسة وستين وثمانمئة وألف، ولكن والده أجبره على العودة إلى المسجد الأحمدي ليواصل دراسته، فتظاهر بالإذعان، وقد قرر الهرب، وهكذا كان. ولقد كان من حسن حظه أن تولى أمره في القرية التي لجأ إليها أحد أخوال أبيه "الشيخ درويش" الذي استطاع أن يهدّئ من روعه، وأن يُحدث تحولاً في حياته بالعودة إلى طلب العلم بعزيمة وهمة ونشاط رغم كل المعوقات، وهكذا عاد محمد إلى المسجد الأحمدي بنفس راضية في أواخر العام (1865) خمسة وستين وثمانمئة وألف، ليشد الرحال في مطلع العام التالي إلى الأزهر الشريف في القاهرة كي يواصل دراسته هناك. لم يكن التدريس في الأزهر بأحسن حالاً منه في المسجد الأحمدي، بل ربما كان الوضع أسوأ في ذلك العهد القاتم الذي ينطق كل ما فيه بالتخلف والتسلط والفظاظة والجمود، ولقد قضي محمد عبده من شبابه سنوات طوالاً من نكد العيش ومرارته (قبل أن يحصل على شهادة "العالمية" سنة 1877) في هذه البيئة العلمية التي وصفها الدكتور طه حسين في "الأيام" فأجاد الوصف، إلى أن حل في مصر رائد النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر السيد جمال الدين الأفغاني سنة (1869) تسع وستين وثمانمئة وألف؛ فكان ذلك بداية عهد جديد في تاريخ مصر، وفي تاريخ الأزهر، وفي حياة الشاب الثائر على جمود التعليم، وجفاف أساليبه، وعقم مشايخه ومعلميه في الأزهر، وفي كافة المساجد والكتاتيب في مصر وفي كل ديار العروبة والإسلام. ويصبح الشيخ الشاب أستاذًا في الأزهر الشريف يلقي فيه دروسًا في التوحيد والمنطق والأخلاق.. وفي أواخر سنة (1878) ثمان وسبعين وثمانمئة وألف عين الشيخ الأستاذ مدرّسًا للتاريخ بمدرسة "دار العلوم"، ومدرّسًا للغة العربية في "مدرسة الألسن".. وفي الخامس والعشرين من حزيران سنة (1879) تسع وسبعين وثمانمئة وألف أُجبر الخديوي "إسماعيل" على التنازل عن العرش إلى ولده "توفيق" الذي يعتبر السيد الأفغاني، والشيخ محمد عبده من أقوى أنصاره، ولكنه، وبدلاً من تنفيذ وعده لهما بالإصلاح، وتحت تأثير خصومهما السياسيين أمر بإبعاد الأفغاني إلى الهند، وبفرض الإقامة الجبرية على الشيخ في قريته "محلة نصر". بعد عودة رئيس الوزراء "رياض باشا" من السفر عرف ما حلّ بصديقيه، فاستشار صديقيه: الشيخ حسين المرصفي، ومحمود سامي البارودي بشأن الشيخ محمد عبده، فأشارا بتعيينه محررًا في "الوقائع المصرية" وكانت الجريدة الرسمية في مصر، وهكذا كان.. وبعد أن أصبح الشيخ الإمام رئيسًا لتحرير "الوقائع المصرية" عمل على إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في البلاد، ونشر المقالات النقدية عن سياسة التعليم؛ فكان من نتيجة هذا كله أن أنشئ المجلس الأعلى للمعارف في الحادي والثلاثين من آذار من العام (1881) وانتُخب الشيخ الإمام عضوًا فيه، فاستأنف جهوده من خلال هذا المجلس للنهوض بالتعليم.. كما أن جهود الشيخ محمد عبده ومعاونيه في تحرير "الوقائع" كانت باعثًا لنهضة أدبية شاملة، وتجديد في أساليب الكتابة. كان الأستاذ الإمام من مؤيدي وزارة رياض باشا الإصلاحية، وكان يرى في هذا الرجل صورة حسنة للمستبد العادل الذي يستطيع "أن يصنع في خمس عشرة سنة مالا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنًا" هكذا تكلم الأستاذ الشيخ في مقال له مشهور عنوانه "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل" قال فيه إن هذا المستبد يُكره المتناكرين على التعارف، ويُلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة!! عندما ضُربت الإسكندرية بقنابل الأسطول البريطاني في الحادي عشر من حزيران سنة (1882) هبّ الشيخ محمد عبده يدعو إلى التطوع في صفوف الجيش للدفاع عن مصر، وإمداد هذا الجيش بالمقاتلين والإعانات والتبرعات.. ولكن الإنجليز يحتلون الإسكندرية، ويدخلون مصر، وفي الخامس والعشرين من أيلول سنة (1882) عاد الخديوي من الإسكندرية إلى القاهرة تسانده قوة الجيش الإنجليزي.. وقُبض على زعماء العرابيين، وغيرهم من الضباط والعلماء والأعيان والوطنيين، ويُحكم على الشيخ بالنفي إلى سوريا مدة ثلاث سنوات، ويلجأ شيخنا إلى بيروت، ومعه طائفة من المصريين منهم الشيخ أمين أبو يوسف، وإبراهيم اللقاني، وأحمد عبد الغفار، ومحمد الزمر.. فأكرم السوريون مثواهم.. وبعد عام واحد تلقى محمد عبده كتابًا من السيد جمال الدين الأفغاني يدعوه فيه إلى لقائه في فرنسا التي كان قد استقر فيها بعد مغادرة منفاه في الهند، وهكذا كان.. وهكذا خرج شيخنا من بيروت في أوائل عام (1884) متوجهًا إلى باريس. في مدينة الأنوار شكّل محمد عبده مع أستاذه الأفغاني "جمعية العروة الوثقى" وأصدرا بعد ذلك جريدتهما "العروة الوثقى" التي صدر عددها الأول في الثالث عشر من آذار سنة (1884) وعددها الأخير في الثامن عشر من تشرين الأول من العام نفسه، وبهذا أغلقت "العروة الوثقى" بعد ثمانية أشهر من صدورها بسبب الحرب التي شنتها عليها الحكومة البريطانية في الغرب والشرق على السواء. ويغادر شيخنا باريس إلى لندن ويحل ضيفًا على صديقه الإنجليزي مستر "بلنْت"، ويزور مجلس النواب الإنجليزي، ويخوض المعارك السياسية من أجل مصر، مطالبًا بانسحاب القوات البريطانية منها.. وتنشر جريدة "بول مول غازيت" لقاء مع الشيخ في السابع عشر من آب سنة (1884) أجراه أحد مندوبيها جاء فيه قول المحرر: "نعتقد أن الشيخ محمد عبده هو أول مصري أصيل يزور هذه البلاد.. لم نعرف مصريًّا عريقًا في مصريته كالشيخ محمد عبده الذي قدم لزيارة لندن اليوم: فهو يقينًا فلاح، يلبس جبة زرقاء، وعمامة بيضاء، ولا يتكلم الفرنسية، ولا الإنجليزية، بل ولا التركية، إنما يتكلم العربية لغة قومه، وليس عليه أدنى مسحة من التقاليد الأوروبية، وهو متوسط الطول، أسمر اللون، ذو لحية سوداء، حاد البصر، ذو وقار ومظهر مهيب، له ابتسامه جذابة، وإذا استثاره محدثه تكلم كلام الفصيح المتواضع، قوي الحجة، وثّاب الذكاء، مشرق الطلعة، وضّاح الجبين". وكذلك فقد نشرت بعض الجرائد الأخرى الإنجليزية كجريدة "تروث" التي يحررها النائب "لابوشير" وجريدة "التيمس" المشهورة شيئًا عما جرى بين محمد عبده ورجال السياسة الإنجليزية من محادثات في الأحوال المصرية. ونشرت "العروة الوثقى" مقتطفات مما جرى بين الشيخ المصري و "لورد هرتنجتون" وزير الحرب الإنجليزي آنذاك. ويعود شيخنا من لندن إلى باريس، ثم يسافر إلى تونس، وإلى بلاد أخرى، ويذهب إلى مصر متنكرًا (كما جاء في كتاب سرّي إلى بعض أعضاء جمعية "العروة الوثقى" كتبه في أوائل سنة 1885) ويعود شيخنا إلى بيروت بعد أيام، ثم يُستدعى في أواخر سنة (1885) للتدريس في المدرسة السلطانية التي أسسها أنصار "مدحت باشا" فقام بتدريس العربية وعلوم التوحيد والمنطق والمعاني والإنشاء والتاريخ الإسلامي والمعاملات من الفقه الحنفي على خير وجه، وفي نهاية ذلك العام الدراسي أقيم احتفال كبير طلب فيه أحد الأدباء من شيخنا أن يخطبهم في موضوع يختاره، فوقف الأستاذ، وارتجل خطبة مفصلة استغرقت أكثر من ساعة عن "علة تأخر الشرق" وقد أدهش أستاذنا الحاضرين ببلاغته، وتدفق أفكاره، وسلامة لغته، وقوة حجته.. ونزولاً عند رغبة السوريين أخذ أستاذنا يلقي دروسًا في تفسير القرآن في مسجدين من مساجد بيروت هما: المسجد الكبير، ومسجد الباشورة، فأقبل البيروتيون إقبالاً منقطع النظير على دروس ذلك العالم المتسامح الواسع الأفق الذي قال عنه أحمد عرابي: "إن رأسه أصلح للبس القبعة من لبس العمامة!!) ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من الإخوة المسيحيين كانوا يتجمعون عند باب المسجد ليسمعوا دروسه، ثم استأذنوه في دخول المسجد ليستمعوا إليه فأذن لهم. وعلى الرغم من اشتغال شيخنا الأستاذ بالتدريس إلا أنه وجد وقتًا للتأليف، وكتابة المقالات في الصحف والمجلات: فترجم من الفارسية إلى العربية رسالة "الرد على الدهريين" للسيد جمال الدين الأفغاني، وصدّرها بمجمل من سيرة أستاذه، وأعدّ للنشر الدروس التي ألقاها على تلاميذه السوريين في شرح "نهج البلاغة" لعلي بن أبي طالب، و"مقامات" بديع الزمان الهمذاني"؛ وفي بيروت اهتدى إلى نسخة من كتاب "البصائر النصيرية" للساوي في المنطق: فدرس الكتاب، وشرحه، ونشره بعد ذلك في مصر سنة (1898) وفي بيروت أيضًا أملى على تلاميذه دروسًا في علم التوحيد ظهرت خلاصتها بعد ذلك في مصر في "رسالة التوحيد" التي تعد بحق من أطرف ما كُتب في الفلسفة وعلم الكلام، وأخيرًا كتب أستاذنا رسالتين مسهبتين إصلاحيتين إحداهما إلى شيخ الإسلام بالآستانة عن إصلاح التعليم الديني، والثانية إلى والي بيروت عن "إصلاح القطر السوري" من طريق التربية والتعليم. ويعود شيخنا الأستاذ محمد عبده من بيروت إلى مصر في ظروف غاية في الغرابة (بحسب رواية للشيخ عبد الوهاب النجار) تدخلت فيها "الملكة فيكتوريا" والسلطان "عبد الحميد" ليعود إلى مصر أحد قادة الثورة العرابية!! وفي مصر يعيَّن شيخنا سنة (1888) قاضيًا في المحاكم الأهلية الابتدائية، ويعيَّن قاضيًا في محكمة بنها، ثم في محكمة الزقازيق، ثم في محكمة عابدين، وبعد عامين يعيَّن مستشارًا في محكمة الاستئناف.. ويطلب شيخنا أن يعود إلى التدريس في "دار العلوم" ولكن الخديوي يرفض طلبه خوفًا من تأثير آرائه السياسية في الطلاب!! وفي أثناء عمله في القضاء أتقن شيخنا اللغة الفرنسية، وقد أملى الأستاذ الإمام في مرض موته فصلاً بالفرنسية نشره المسيو "دي جرفيل" في كتاب له عن "مصر الحديثة" بعنوان: "وصية سياسية للمرحوم المفتي الشيخ محمد عبده" وقد ترجم شيخنا عن الفرنسية كتاب "التربية" للفيلسوف الإنجليزي "هربرت سبنسر" ترجمة تدل على تمكنه من تلك اللغة. من كل هذا ومن كثير غيره يتبين لنا أن شيخنا كان على صلة قوية بكثير من مثقفي الغرب وسياسييه. وفي مصر أيضًا يضع أستاذنا الإمام محمد عبده مشروعًا كاملاً لإصلاح الأزهر إصلاحًا معنويًّا مادّيًّا شاملاً، ولكنه –للأسف- لم يستطع أن ينفذه لقيام العراقيل في وجهه من كل صوب... وفي الثالث من حزيران سنة (1899) صدر الأمر العالي بتعيين الشيخ محمد عبده مفتيًا للديار المصرية، وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه يعيَّن الشيخ الإمام في مجلس الشورى، وفي سنة (1900) يُنتخب شيخنا رئيسًا للجمعية الخيرية الإسلامية التي كان من مؤسسيها سنة (1892) ومن أبرز الشخصيات العاملة فيها... وفي مصر كذلك يفكر شيخنا في إنشاء الجامعة المصرية إلى جانب الأزهر الشريف وقد أقنع غنيًّا من أغنياء مصر هو "أحمد المنشاوي" بأن يوقف لبناء الجامعة قطعة أرض في ضواحي القاهرة، وشرع المنشاوي في إعداد العدة لذلك، ولكنه قضى نحبه، فتوقف المشروع. ويقضي شيخنا رجل الإصلاح نحبه في الحادي عشر من تموز سنة (1905) ولم يمضِ إلا قليلٌ من الزمن حتى أنشئت جامعة الشعب ثم "الجامعة المصرية" صدًى لأمنية الأستاذ الإمام، وتحقيقًا لرغبته. رحم الله شيخنا الأستاذ الإمام رجل الإصلاح والمواقف المرحوم محمد عبده، ورحم الله من وافانا بأدق التفصيلات عن أستاذنا الشيخ في كتابه "أعلام الإسلام" الصادر في تموز (1944) عن لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية في مصر المرحوم" عثمان أمين"، ورحم الله العلامّة المرحوم "عادل زعيتر" الذي قامت أسرته الكريمة بإهداء مكتبته القيمة إلى مكتبة بلدية نابلس، ومنها هذا الكتاب.. جزاهم الله جميعًا عنا خير الجزاء. 28/1/2009 |
| ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 11. نضال بقلم :عدنان السمان نـضـال رأيته منذ أيام جالسًا على حجر تحت شجرة التين العالية وفي يده آلة حاسبة صغيرة، وأمامه على صندوق خشبي صغير أوراق، وقلم يستعمله كلما أجرى عمليّة حسابيّة سريعة... كان منهمكًا في عمله، ويبدو عليه الاهتمام الشديد، وأنا أراقبه من نافذة بيتي القريبة منه في ذلك الحي الهادىء من أحياء المدينة (التي ما زالت تخضع لنظام حظر التجوال) في ذلك اليوم الذي اشتدت فيه وطأة الحر، وأوشكت فيه حرارة الأجواء السياسيّة أن تبلغ درجة الغليان... فالأسرى أعلنوا منذ أكثر من أسبوع إضرابهم المفتوح عن الطعام... وطلبة المدارس والجامعات وأولياء أمورهم يقفون على أبواب عامٍ دراسي جديد في ظل أحوال اقتصادية وأمنيّة لم يشهد لها العباد في هذه الديار مثيلاً من قبل.. بينما تستعدّ البلاد لاستقبال العام الخامس من عمر انتفاضة الأقصى... في الوقت الذي تفتك فيه البطالة والفقر والجوع والرعب والحواجز والأسوار والمداهمات والتنكيل والتقتيل بهذا الشعب المنكوب المنكوب المنكوب. وبعد أن اقتربتُ منه، وبادرته بالتحية قلت: من يراك يا صديقي "نضال" يعتقد أنك تحسب بالدولارات ديات الشهداء من أبناء هذا الشعب منذ نشأة القضية. قال: عن أية قضية تتحدث؟ قلت: قضيتنا.. قال: قضايانا كثيرة.. ولكلٍّ قضاياه التي باتت تشغله حتى عن زيارة قبر أمه.. أما ديات ضحايا هذا الشعب فتبلغ حتى الآن عشرة ترليونات من الدولارات الأمريكية بحسب "تسعيرة" لوكاربي. قلت: ومتى سنحصل على هذا المبلغ الخرافي؟ قال: عندما نملك القدرة على الفعل! وليس هذا ما يشغلني الآن. قلت: فما الذي يشغلك؟ قال: لقد قررتُ أن أخوض المعركة الانتخابية المقبلة. قلت: البلديّة؟ قال: بل التشريعية. قلت: هذا رائع.. يبدو أننا دخلنا فصلاً جديدًا من فصول التسلية! قال: إنني جادٌّ فيما أقول. قلت: وما الذي دفعك لارتكاب مثل هذه الحماقة؟ قال: الوطن والمواطن.. قلت: هذا أكثر من رائع أيضًا.. هذا عظيم.. هذا أمرٌ لم أعهده فيك من قبل! فما الذي غيّرك بعد أن كُنْتَ ترفض كل شيء؟ قال: الرفض الذي تتحدث عنه هو السبب قلت: سبب القبول قال: بل سبب الرفض قلت: لم أفهم قال: لأنك لم تكن تفهم في يوم من الأيام.. إسمع: لأنني أرفض أن يضيع الوطن، وأن يدمَّر المواطن قررتُ أن أخوض الانتخابات.. أفهمت؟ قلت: هل هذا إعلان للكتائب أم أنك عضو مؤسس فيها دون أن يعلم بذلك حتى أقرب الناس إليك؟ قال: بل إعلان البرنامج الانتخابي الذي سأطلب بموجبه ثقة الناخبين. قلت: لم أفهم.. إنك تحيّرني بهذا التحوّل المفاجىء.. لكن لا بأس.. ما هي أبرز نقاط برنامجك الانتخابي الذي تتحدث عنه أيها الرفيق؟ قال: سأعمل جاهدًا وبسرعة على تحقيق ما يلي: * مجانية التعليم بكل مراحله ومستوياته – حتى الدكتوراة. * مجانية العلاج.. وتطوير الخدمات الصحية المقدَّمة للمواطنين دون استثناء. * بيت محترم لكل أسرة. * سلسلة من التشريعات الاقتصادية والاجتماعية توفّر راتبًا شهريًّا مناسبًا لكل المستحقين من أبناء الشعب، وعلى رأسهم الخريجون العاطلون عن العمل، وكبار السن، والعمال، والفلاحون المتضررون دون استثناء. * الإفراج الفوري عن كافة أسرى هذا الشعب ومعتقليه، وخروج الغزاة الفوري من كل أراضيه.. واعتبار ذلك شرطًا لبقاء أي اتفاق أو إلغائه رسميًّا... فإما سلام عادل شامل مقنع يعيد الحقوق كاملة إلى أصحابها دون مماطلة أو تسويف، أو محاولة مكشوفة لكسب الوقت، وقتل الآمال في النفوس.. وإما ما يختاره الشعب ويقرّه في استفتاء عام. * فرض سيادة القانون والنظام في إطار نظام قضائي حُر نزيه مستقل. قلت: هل من تعليق على الانتخابات التي أجريت عام 1996؟ قال: لا قلت: والانتخابات القادمة.. كيف تريد أن تكون؟ قال: أريد أن تكون نزيهة عادلة.. وأن توزَّع المقاعد على الدوائر الانتخابية بحسب عدد الناخبين المسجلين: فإذا افترضنا أن عدد الناخبين المسجَّلين بلغ مليونًا ونصف المليون، وأن المجلس المنتظر سيتشكّل من مئة عضو فإن معنى ذلك أن يكون لكل خمسة عشر ألف صوت مقعد واحد في المجلس التشريعي.. ومعنى ذلك أيضًا أن يكون لمدينة نابلس مثلاً عشرة مقاعد إذا بلغ عدد الناخبين المسجَّلين فيها مئةً وخمسين ألف ناخب.. وهذا بالطبع ينطبق على المناطق الجغرافية الثلاث وهي ما اصطُلح على تسميته بشمال الضفة، ووسطها وجنوبها، وقطاع غزة.. فلا يجوز أبدًا أن تحصل منطقة جغرافية على أكثر من حقّها من المقاعد بحسب المعادلة التي سبقت الإشارة إليها.. فإذا افترضنا أن عدد الناخبين المسجلين في قطاع غزة قد بلغ أربعمئة وخمسين ألف ناخب فهذا يعني أن يكون عدد ممثليهم في المجلس التشريعي ثلاثين نائبًا لا أكثر.. وهكذا في جنوب الضفة ووسطها، وكذلك في الشمال حيث توزَّع بعد ذلك على المدن في كل منطقة بحسب عدد الناخبين المسجّلين فيها أيضًا. قلت: والتمثيل النسبي؟ قال: على الرغم من حسنات هذا النظام الانتخابي الذي يحافظ على حقوق الحركات، والأحزاب، والتكتلات الصغيرة بشكل عام إلا أن هذا النظام لا يخلو من المساوىء: إفرض أن فئةً معينة تناصب هذا الوطن ومواطنيه العداء، وترتبط بأعدى أعدائه فهل يكون من حقها أن تحظى بمقعد أو أكثر في المجلس التشريعي؟ ثم إنّ بإمكان هذه الأحزاب والقوى والتكتلات الصغيرة أو الضعيفة أن تحسن اختيار مرشحيها في الدوائر الانتخابية، وهي بذلك تضمن فوز بعضهم.. وقد تحصل على نتائج أفضل من تلك التي يضمنها لها نظام التمثيل النسبي.. لستُ أدري إن كنتُ محقًّا فيما أقول أم لا.. ولكنّ الذي أقوله دون أدنى تردد، وأصرّ عليه كل الإصرار أن يكون توزيع المقاعد عادلاً – كما سبق – وأن تكون الانتخابات سرية ونزيهة وبعيدة عن أي خلل، بحيث تعكس رغبة الناخبين الحقيقية وإرادتهم دون أدنى زيف أو تزوير أو تلاعب. قلت: من يدري.. فالانتخابات آتية.. وكل ما يرجوه المواطن والمراقب في هذه الديار أن تكون نزيهة وحرة، وأن تأتي بالممثلين الحقيقيين لهذا الشعب الذي طال صبره، وطال ليل عذابه... وأصبح من حقه أن يحلم بالأمن والأمان والحرية في وطن حر عزيز سيّد مستقل.. ودّعت صديقي "نضال" وأنا مقتنعٌ تمامًا بأن شعبنا قادر على الخروج من هذه المآزق التي باتت تهدد الوطن والمواطن بكارثة حقيقية لا تُبقي ولا تذر. (2004) |
ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم : (حكايات من زمن التيه) هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب: 10. أديب بقلم :عدنان السمان أديب لم يعرف " أديب" كيف تمكنت تلك السيدة من إقناعه مع مرور الوقت بأنها مظلومة، وبأنها ذاقت المر قبل أن ينهي أولادها الثلاثة دراستهم الثانوية، ويلتحق أكبرهم بالجامعة بينما خرج أخواه إلى الحياة العملية كي يساعداه في دراسته، وينفقا على أمهما التي ضحت من أجلهم بشبابها بعد أن رحل عنها زوجها، وتركها وحيدة تصارع أمواج الحياة، وتغالبها دون معين . هو لا ينكر أنه تعاطف معها، ووقف إلى جانبها في أزماتها المتلاحقة، ومد إليها يد العون والمساعدة شعورًا منه بالواجب نحوها ونحو أطفالها ... ولكن يبدو أن تعاطفه هذا كان مبالغًا فيه، أو أنه كان من باب دفع الظلم بقوة عن هذه السيدة التي تجرعت هموم الحياة وآلامها، وكانت حياتها سلسلة متصلة الحلقات من المعاناة والقهر والحرمان . لم يدر بخلده يومًا أن تقتحم هذه السيدة خلوته، وأن تفاجئه وهو جالس إلى مكتبه في أكثر ساعات يومه هدوءًا، وأكثرها التصاقًا بالورق، والفكر، والقضايا العامة التي دأب على الخوض فيها بطريقته وأسلوبه منذ زمن بعيد ... لم يكد يصدق أن هذه السيدة قد شاهدت رفيقة دربه، وشريكة عمره وهي تخرج من البيت لبعض شأنها لتدخل هي وبدون استئذان . كانت مضطربة مرتبكة خائفة وهي تقتحم عليه خلوته، وتدخل غرفة مكتبه بعد أن أعدت للأمر عدته، وبعد تخطيط وتفكير، وإصرار على التنفيذ ...بادرته بالتحية بصوت خافت متهدج، وأنفاس متلاحقة، فرد على التحية بمثلها وقد سيطرت عليه الدهشة، ولكنه تكلف الهدوء، وبدون دعوة منه سمحت لنفسها بالجلوس أمامه. أصبح المشهد محرجًا ... صحيح أنه يعرفها منذ زمن بعيد ... وصحيح أنها تعرفه أيضًا... وصحيح أنهما فوق الشبهات منذ بداية العمر، فكيف وقد بلغا من العمر ما بلغا ؟ ولكن صحيح أيضًا أنه لا يحق لها أن تفعل ذلك مع افتراض الحد الأقصى من البله، أو الحاجة، أو حسن النية ... وبدون مقدمات، وبملء الثقه التي تسلح بها أديب طلب من السيدة أن تذكر باختصار ماتريد . أدارت السيدة طرْفها في المكان متفحصة متأملة، وقد سيطرت عليها ثقة عجيبة بالنفس، ثم ركزت عينيها في عيني أديب قائلة : هذا المكان لي ... ومن حقي أن يكون لي متسع فيه .. لقد قرأت كثيرًا مما تكتب في كل مراحل عمري فلم أجد نفسي في كل ماقرأت ... لم تكتب عني صبيّةً ضعيفةً تائهةً في هذه الحياة، ولم تكتب عن أحلامي وأوهامي وهواجسي ومخاوفي وطموحاتي ... ولم تكتب عن قصة زواجي وإنجابي، وموت زوجي ... لم تكتب عن مشاعري وهواني وفقري وبؤسي بعد أن أصبحت وحيدة أصارع في هذا الوجود من أجل لقمه عيش أطفالي ... فلماذا لا تكتب ؟ بل لماذا لا تكتبون ؟؟ صحيح أنك وقفت إلى جانبي، ولم تبخل علي رغم فقرك... ولكن هذا لا يكفي، ولا يلبّي شيئًا من طموحي.. لقد كنتُ أتوقع منك أكثر من هذا.. ولما طال انتظاري دون أدنى نتيجة قررتُ أن أقوم بخطوتي هذه.. إنني هنا إلى جانبك.. وإذا كنـتَ مترددًا أو رافضًا - كما أرى- فغدًا أو بعد غد عندما ننتهي من إجراءات الزواج السري !!! أحس أديب بالدوار، وقد تصبب العرق البارد من كل خلايا جلده ومساماته، وهبَّ محاولاً الوقوف على قدميه، ولكنه لم يفلح، وعاد سيرته الأولى إلى كرسيه وهو يحاول أن يستعيد أنفاسه الضائعة، بينما راح يحدق في وجه هذه السيدة المتوهجة وكأنه يراها الآن أول مرة : يا لَلهول !! أإلى هذا الحد كان تنكر مجتمعنا لمجتمعنا ؟ أإلى هذا الحد هانت علينا أنفسنا ونساؤنا وأطفالنا وأراملنا ونساء موتانا وأحيائنا من الفقراء , وجيوش العاطلين عن العمل في الوقت الذي لا يعرف كثير من هؤلاء وهؤلاء كيف ينفقون ما يغدقه عليهم أولئك وأولئك من مال ؟؟ أإلى هذا الحد كنا ولا نزال شركاء في تمزيق هذا المجتمع، وتدمير إنسانه، وتحطيم بنيانه .. والقضاء على الأسرة التي كانت وعلى امتداد تاريخ هذا المجتمع النواة الصلبة التي لم يستطع عدو كسرها؟؟ يا لَلهول!! يا لَفظاعة المأساة التي يعيشها فقراء هذا الوطن المضيع والمكبل .. وما أكثر هؤلاء الفقراء!! إنهم يزدادون في كل يوم .. يزدادون مع إحكام قبضة الحصار، وإحكام وطأة الجدار .. ومع القضاء المبرم على طبقتي العمال والفلاحين.. والإكثار من خريجي الجامعات وخريجاتها .. والتحاقهم بجيوش العاطلين عن العمل .. وتسجيل أفواج جديدة للالتحاق بهذه الجامعات ... وهكذا فإن لنا في نهاية كل عام دراسي مواجع، وفواجع، وكوارث، ونكبات تضاف إلى مواجعنا، وفواجعنا، وكوارثنا، ونكباتنا المتكررة المتواصلة المستمرة المتراكمة، دون أن يحاول أحد منهم أن يخفف من وطأتها وشدتها بوضع فلسفة للتعليم العالي، وغير العالي تأخذ بالحسبان احتياجات المجتمع .. وتفتح طرق الخلاص، وتضع الحلول العملية أمام الشباب للخروج مما هم فيه من دمار وضياع، ومهانة وامتهان ومذلة... وتيه. وبينما كان أديب سابحًـا في لجة أفكاره، وتخيلاته، وانفعالاته، وغضبه كانت تلك السيدة تخرج من باب البيت، في الوقت الذي دخلت فيه صاحبة البيت من الباب الآخر. أمسك أديب بالقلم ليشطب عنوانًا حول هيروشيما وناغازاكي ...وآخر (وهو مشروع قصيدة) كان : " لا تقل هذي كبيرة.. لا تقل هذا كبير" ليصبح العنوان: لا تقل هذا كبير... بل فقل هذي كبيره. بل لعمري إنها... في الهوى جدُّ صغيره!. ويبقى مشروع القصيدة قائمًا. (2005) |