عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


السبت، ٢٤ كانون الثاني ٢٠٠٩

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

6.               ربيع     بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

ربيــــــع

 

    ما إن فتحت الباب حتى وقع بصري على صديق قديم لم أره منذ سنين .. كان كل شيء فيه يثير أكثر من الدهشة والاستغراب: شعره الأبيض الذي استقر على حدود رأسه الخلفية، وغطى جزءًا من أذنيه الكبيرتين الملتصقتين بجانبي رأسه العاري الذي تفصله عن وجهه المستطيل جبهة عريضة بارزة في أسفلها حاجبان كثيفان بلون الثلج يعلوان عينين زرقاوين صغيرتين غائرتين فوق وجنتين بارزتين .. وأنف صغير فوق شاربين متهدلين يغطيان فمًا صغيرًا مطمئنًّا فوق ذقن مكسوة بالشعر الأبيض الذي يحيط بها من كل جانب ... نظرت الى جبينه الذي تنتشر فيه التجاعيد والتشققات ... وألقيت نظرة سريعة على ملابسه الرثة وحذائه العتيق.. ثم سرحت الطَّرْف (عبر قامته المديدة التي باتت تشكل زاوية منفرجة) .. إلى عينيه، فرأيت فيهما أسرارًا كثيرة، وكلامًا ليس كأي كلام.

    قلت: ما الذي فعل بك هذا يا ربيع؟

    قال (هامسًا): الزمن.

    قلت ما عندك؟

    قال: كثير.

    قلت: هات

    قال: سلني أجبك.

    قلت: لم أرك منذ مدة طويلة .. فماذا عن أمورك الشخصية أولا؟

    قال: لقد اختلط الخاص بالعام منذ زمن طويل، ولا سبيل للفصل بين الأمرين .. أنت تعلم أنني مقدسي وجد نفسه بين عشية وضحاها خارج حدود مدينته مكرهًا لا طائعًا مختارًا، ثم أخذ الأمر شكلاً قانونيًّا لا غبار عليه، فصُنعُ القوانين من اختصاصهم .. يصنعونها كما يريدون، وبالطريقة التي تناسب أهواءهم، وتخدم مصالحهم... وفقدت بذلك كل شيء.

    بدأتُ حياتي بعد ذلك في إحدى قرى المنطقة ... لقد تعبت كثيرًا قبل أن أنجح في بناء مصنع صغير للطوب، وبعض مستلزمات البناء الأخرى يساعدني في ذلك أبنائي الثلاثة الذين جمعوا بين حب العلم والعمل... ولم تكد الحياة تبتسم لنا قليلاً حتى اعتقل أبنائي، وحورب المصنع... فخسرت كل شيء مرة ثانية، وعملت في شركة بأجر زهيد،وبعد إفلاسها أصبحت عالة على الناس... لم تتحمل رفيقة الدرب كل هذه الصدمات فرحلتْ، وتركتني فريسةً للأمراض والقهر والجوع... أعمل الآن في الترجمة بشكل جزئي لدى إحدى المؤسسات في رام الله .. عندي ابنتان إحداهما في الجامعة، والثانية في المرحلة الثانوية، وتعيش معنا منذ مدة شقيقتي التي رحل عنها زوجها في البرازيل... حضرتُ إلى نابلس باحثًا عن أي عمل يعينني على تحمل تبعات الحياة .. فهل إلى ذلك من سبيل؟

    قلت: هوّن عليك يا ربيع .. فالغالبية العظمى من الناس في هذه الديار تئن تحت وطأة القهر والفقر وسوء الأحوال.. هون عليك..فإن مع العسر يُسرا... ولكن قل لي: هل تزور القدس في هذه الأيام؟

    قال: كنت سابقًا أزورها باستمرار رغم كل الصعوبات.. ولكن خلال السنوات القليلة الماضية وبعد كل هذه العراقيل والحواجز والإجراءات والأسوار لم يعد بإمكاني أن أفعل .. لقد زرتها بضع مرات خلال السنوات الثلاث الماضية للعلاج وبصعوبة بالغة.

    قلت: ولكنك - يقينًا- على علم تام بحياة المقدسيين، وتعرف- دون شك- أدق التفصيلات عن أحوال المدينة المقدسة، وعن أحوال سكانها... فماذا عن أمور القدس والمقدسيين يا ربيع؟

    قال: كغيرها من مدن هذا الوطن،وإن كانت على رأس سلم اهتماماتهم في أعقاب حرب عام سبعة وستين، تتلوها الخليل وبيت لحم ثم نابلس.. وما تبقى يعتبرونه من الأمور المنتهية دون كبير جهد أو متاعب.. إنهم يريدون كل شيء، وهذا ليس سرًّا أو أمرًا جديدًا بل حقيقة ثابتة واضحة يعرفها الناس في هذه الديار وغير هذه الديار...وهم –كعادتهم- يتبعون أسلوب المراحل وصولاً إلى الهدف بأقل خسارة ممكنة، وبالحد الأدنى من الضجيج، وسط حملات إعلامية مكثفة على مستوى الدنيا كلها بهدف قلب الحقائق، وتضليل الرأي العام... فصاحب الحق هو المعتدي .. والمعتدي هو الضحية ... والمؤلم أن كثيرًا من الناس في هذا العالم يعرفون هذا وكثيرًا غيره إلا أنهم- مع الأسف- لا يفعلون شيئًا...

    قلت: لماذا؟

    قال: لأن أصحاب القضية أنفسهم قد نفضوا أيديهم منها منذ زمن طويل...

    قلت: وماذا بإمكانهم أن يفعلوا؟

    قال: بإمكانهم – لو أرادوا- أن يشتروا القدس قديمها وجديدها.. وسائر ضواحيها، وأكنافها ... بإمكانهم أن يشتروها بالمال الذي ينفقونه على الجواري والغلمان في غرب الدنيا و شرقها ... بإمكانهم أن يريحوا أهل القدس قليلاً من رحلة العذاب التي فُرضت عليهم ...

مشيناها خطًى كُتبت علينا              ومن كُتبتْ عليه خطًى مشاها

    بإمكانهم – يا صديقي – أن يقفوا إلى جانب أهل هذه المدينة المنكوبة عن طريق مد يد العـون الفعلي لمؤسساتها وجمعياتها ونواديها ومدارسها ومشافيها وكنائسها ومساجدها ... بإمكانهم أن يمدوا يد العون الفعلي لكل أهل القدس لإنقاذهم مما هم فيه من بؤس ومهانة وعذاب... لكن- ويا لَلعار- تركوا عروس عروبتهم وحدها تقاوم آلة الغزو والعدوان معصوبة العينين.. مقيدة اليدين.. حافية القدمين..ترسف في القيود والأغلال خلف هذه البوابات "الدَّولية" التي أقامها اليوم هؤلاء دون أدنى اكتراث أو اعتبار لأحد في هذا الكون!!!

    بإمكانهم – يا صديقي – أن يفعلوا أكثر من هذا لحماية أرضنا وشعبنا ومقدساتنا في كافة أنحاء هذا الوطن الممزق الذبيح المستباح لو كانوا معنيين حقًّا بنا، وبهذا الوطن الذي يصارع منذ مئة عام من أجل الحرية والتقدم والازدهار... ولو كانوا معنيين حقًّا ببقاء هذا الوطن عربي الوجه واليد واللسان لوقفوا إلى جانبنا، ولأنقذونا مما نحن فيه بقرار سياسي دون قتال... نعم بإمكانهم أن يخلّصوا هذا الوطن، وإنسان هذا الوطن من كل أشكال القهر، والفقر، والخوف، والمرض، والاستبداد، والعدوان، والاحتلال، والأطماع، والبوابات بقرار سياسي شجاع... ولكن..!!

                    لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا             ولكن لا حياةَ لمن تنادي!

    قلت: كفى- يرحمك الله – فإنني أرى آثار الإعياء باديةً على وجهك...

    قال: سأسكت الآن.. وسأمضي لشأني.. على أن تصغي إليَّ جيِّدًا في الزيارة القادمة..هل تعدني بذلك؟

    قلت: نعم أعدك أيها الصديق.

(5/4/2006)


الأربعاء، ٢١ كانون الثاني ٢٠٠٩

متابعات

وماذا بعد المصالحة في الكويت؟؟

أ‌.       عدنان السمان

www.samman.co.nr

    المصالحة التي أُعلنت في قمة الكويت، وشهدنا جانبًا منها على شاشات التلفزة العربية عكست جانبًا من رغبة الشارع العربي الملحّة في صنع تقارب عربي رسمي، وتضامن عربي رسمي دائم وشامل يُفضي إلى وحدة عربية حقيقية شاملة دائمة، لا موسمية طارئة تقتضيها المجاملات، ويفرضها الخروج من الإحراجات امتصاصًا لنقمة الشارع العربي، وامتصاصًا لغضبة الشارع العربي، وارضاء لمزاج الشارع العربي في الوحدة والحرية والتحرر والحياة الحرة الكريمة العزيزة.

    ولئن كانت هذه المصالحة التي شهدتها قمة الكويت بين عدد من الأنظمة العربية مطلبًا شعبيًّا عربيًّا يطمح إلى ما وراء هذه المصالحة من وحدة الصف والكلمة والهدف، مرورًا بالحد الأدنى من وحدة العرب الكبرى، وصولاً إلى تثبيت هذه الوحدة العربية الشاملة على كل أرض العرب؛ فإن هذه المصالحة بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين والقضية الفلسطينية أمر أكثر من حيوي، وأكثر من مصيري، وأكثر من حاسم لعلاقته المباشرة بفلسطين والفلسطينيين: وجودًا أو عدمًا.. نصرًا أو هزيمة لأجيال كثيرة قادمة.

    ستنعكس هذه المصالحة العربية بشكل مباشر على العلاقة الفلسطينية الفلسطينية، فإن كانت صادقة جادّة مخلصة كان الانعكاس إيجابيًّا، وإلا فإنه سيكون سلبيًّا، وسيفضي إلى مزيد من الفرقة والقطيعة في الصف الفلسطيني، وإلى مزيد من التناحر والتنابذ والتخاصم بين الأشقاء في الوطن الواحد.. وهذا ما لا يريده أحد من أهل هذه الديار ، وما لا يريده أحد في كل ديار العروبة والإسلام، وما لا يريده أحد من أصدقاء قضايانا في كل أقطار هذا الكون.

    إن الواقع الأليم في قطاع غزة يقتضي أن يهبّ الفلسطينيون جميعًا ومعهم كل العرب، وكل المسلمين، وكل أصحاب الضمائر الحية في هذا العالم لنجدة غزة، وإنقاذها مما هي فيه من فواجع ونوازل لا تقوى على حملها الجبال .. هذا الواقع الأليم في غزة يتطلب عملية إنقاذ فوري شامل ومكثّف على مستوى الطعام والشراب، وكافة مقومات الحياة اليومية ومستلزماتها.. وعلى مستوى البحث السريع، ( وبكل الوسائل العصرية المتطورة) عن أحياء أو شهداء تحت الأنقاض.. وعلى مستوى تقديم العلاج السريع والفعال لكل الجرحى والمرضى والمصدومين من أهالي قطاع غزة، وما أكثرهم!! وعلى كافة المستويات النفسية والصحية، والتعليمية.. وبذل كل جهد ممكن من أجل العودة بالحياة إلى القطاع، ومن أجل تأهيل الناس هناك ولو لممارسة القدْر الأدنى من الحياة اليومية العادية أو شبه العادية.. والمطلوب أيضًا البدء فورًا بعملية إعمار شامل للقطاع، من أجل تأهيل الناس هناك ولو لممارسة القدْر الأدنى من الحياة اليومية العادية أو شبه العادية.. والمطلوب أيضاً البدء فورًا بعملية إعمار شامل للقطاع تعيد كافة البنايات والبيوت والمؤسسات والوزارات والمساجد والمدارس والجامعات إلى الوضع الذي كانت عليه قبل العدوان.

    إن هذا كله، وكثيراً غيره مما يستدعيه إنقاذ الأحوال الزراعية، والتجارية، والصناعية، والعمالية، والخدماتية بكل أشكالها وصورها يقتضي التحرك السريع لوضع حد فوري لهذا الواقع المأساوي المروع الذي يعيشه الناس في قطاع غزة.. إن الأولوية الآن للعمل.. للإنقاذ.. للتضامن مع كل أهل القطاع.. للتخفيف من آلام الناس الجسدية والنفسية بكل الوسائل الممكنة، وبأقصى سرعة ممكنة.. الأولوية الآن لفتح المجال واسعًا أمام الطواقم، وفرق العمل من ذوي العلم والمعرفة والاختصاص في كافة المجالات العلمية والطبية والهندسية والعملية من سائر الأقطار العربية والأجنبية لإقامة المشافي الميدانية، وإعادة افتتاح المدارس، والتخطيط الشامل لإعادة بناء القطاع من جديد!!

    هذا هو المطلوب فعله في الحال بعيدًا عن المهاترات، وبعيدًا عن المناكفات، وبعيدًا عن المساجلات ، وبعيدًا عن الأهداف والغايات والمماحكات السياسية التي أوصلت شعبنا إلى ما هو فيه، ووصلت بقضيتنا – مع شديد الأسف- إلى ما هي عليه منذ عام ثمانية وأربعين وحتى وقتنا هذا.. كفانا خصامًا، وكفانا اقتتالاً، وكفانا اتّجارًا بآلام هذا الشعب الذي يكابد صنوف العذاب منذ مئة عام..

    كفانا يا قوم.. ولنبحث في الحال عن الوسائل التي تمكّننا من إنقاذ أهلنا في غزة، ومحاولة إعادة البسمة إلى وجوه أطفالها.. كفانا يا قوم، ولنبحث في الحال عن الطرف أو الأطراف التي من الممكن أن تضع كافة النقاط على كل الحروف لوقف هذه الآلام الجسدية والنفسية التي تفتك بأهلنا كل أهلنا في قطاع غزة .. إن المنظمات والجمعيات والهيئات الإنسانية التي من الممكن أن تقوم بهذه المهام العاجلة التي لا تحتمل التأجيل موجودة، وعلى رأسها وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (الأونروا) الموجودة في القطاع منذ ستين عامًا، وإلى جانبها عدد من المنظمات الدولية.. وإلى جانب كل هذه العناوين والجهات فإن أهل غزة قادرون على العمل السريع لإنقاذ الموقف، والقيام بالواجب ... المطلوب الآن تأجيل كافة تناقضاتنا وخلافاتنا ، أو تناسي كل هذه التناقضات والخلافات التي من الممكن نسيانها أيضًا إكرامًا لهذا الوطن الدامي الذبيح، وإكرامًا لقوافل الشهداء الذين ضحَّوا بأرواحهم من أجل فلسطين منذ ستين عامًا وإكرامًا لدماء شهدائنا، ودموع أطفالنا في غزة.. فهل هذا كثير؟؟

20/1/2009

   


متابعات

المتخاذلون

أ. عدنان السمان   

www.samman.co.nr

لقد فجرّت القضية الفلسطينية منذ نشوئها قبل أكثر من ستين عامًا كثيرًا من أوجه الصراع بين النظام العربي الرسمي الذي لا يخفي تبعيته بهذا الشكل أو ذاك لهذه الدولة الغربية أو تلك، والشارع العربي الغاضب الرافض لهذه التبعية وذاك التخاذل، هذا الرفض الذي عبّر عن نفسه بتلك المظاهرات الصاخبة، والمسيرات الحاشدة، والاحتجاجات الدامية التي شهدتها العواصم والمدن والقرى العربية على امتداد الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه احتجاجًا على ما حل بفلسطين، واستنكارًا لضياع الجزء الأكبر من هذه الديار الفلسطينية عام ثمانية وأربعين نتيجة للسياسة العربية الرسمية، وتخاذل الجيوش العربية التي دخلت فلسطين آنذاك بحجة حمايتها، والحفاظ على عروبتها، وإسقاط وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود فيها!!!  لقد عبرّت الأمة العربية بكل عمالها وفلاحيها ومثقفيها في أعقاب تلك النكبة الرهيبة التي حلت بفلسطين والفلسطينيين عن غضبها، ورفضها لكل أشكال التخاذل والتواطؤ والتبعية للأجنبي.. كما شهد الوطن العربي في أعقاب تلك النكبة سقوط أنظمة، وقيام أنظمة أخرى ترفض السير في ركاب الغرب، وترفض التبعية لبريطانيا التي كانت وراء نكبة فلسطين، كما كانت وراء كثير من الويلات والمآسي التي شهدها العرب في تاريخهم الحديث.

ولئن تمكن الغرب بعد ذلك من العودة بكثير من الأقطار العربية إلى عهود التبعية المطلقة.. ولئن تمكنت أمريكا من السيطرة على الموقف، وإخضاع كثير من بلدان العرب والمسلمين لإرادتها.. ولئن نجحت أمريكا أيضًا في العودة بكثير من الأقطار في ديار العروبة والإسلام إلى الاستعمار القديم البشع بكل ما فيه من دموية وعنف وإرهاب، وبكل ما ينطوي عليه من إذلال للشعوب، وسلب ونهب لثرواتها وخيراتها، وعدوان على مقدّراتها، ومقدّساتها، وتراثها، وثقافتها، وملامح شخصيتها، وهويتها.. ولئن تمكنت أمريكا من شراء الضمائر والذمم، ومن استزلام كثير من الناس في كثير من أقطار المسلمين والعرب؛ فإن ما يمكن قوله والتأكيد عليه أيضاً هو أن أمريكا قد فشلت في إخضاع العرب والمسلمين لهيمنتها وغطرستها، وأن أمريكا قد فشلت في شراء كثير من الناس في سائر ديار العروبة والإسلام، وإن أمريكا قد فشلت كذلك في كسب ودّ أحد من أهل هذه الديار، بل إن الشعوب في هذا العالم تناصب أمريكا العداء لعدوانيتها، واستبدادها، واستكبارها، ووقوفها إلى جانب قوى البغي والظلم والعدوان في هذا العالم، ومعاداتها للحق وأصحاب الحق في كل مكان من هذا الكون.

إن السياسة الأمريكية التي أثبتت وتثبت في كل يوم فشلها وانحيازها ووقوفها إلى جانب أعداء الشعوب وجلاديها وسارقي لقمة عيشها قد باتت العدو الأول لهذه الشعوب في أقطار آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل إن كثيرًا من شعوب أوروبا قد باتت تناصب هذه السياسة العداء لانحيازها وعدوانيتها وإصرارها على تدمير حياة الشعوب، ونهب خيراتها وثرواتها، ولست مبالغًا إن قلت إن نسبة كبيرة من الناس في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ساخطة على هذه السياسة الأمريكية العمياء، غاضبة منها لتخبطها وجرّ الأمريكان إلى المهالك، وتوريطهم في الحروب الظالمة ضد كثير من الشعوب، يضاف إلى ذلك هذه الانهيارات الاقتصادية التي تسببت فيها تلك السياسة الفاشلة العنصرية المغامرة المنحازة.

وإن هذه السياسة الأمريكية التي اصطنعت الحكام في كثير من أقطار هذا الكون، وسخرتهم للعمل من أجل مصالحها الاستعمارية، وسلّطتهم على شعوبهم، وجنّدتهم لمناصرة البغي والظلم والعدوان والفساد والإفساد بكل أشكاله وصوره ومسمياته وأسمائه القبيحة قد باتت سياسة مكشوفة عارية حتى من ورقة التوت تلعنها الشعوب، وتلعن أولئك الأعوان من كافة الفئات والمستويات الذين يقفون إلى جانبها لقاء البقاء في المناصب، ولقاء حفنة من الدولارات، ولقاء شيء من الامتيازات، وشيء من النساء، ولقد أصبح هؤلاء التابعون من حكام وأعوان ومؤيدين للسياسة الأمريكية وتطلعاتها في ديار العروبة والإسلام عبئًا على هذه السياسة، وأحد أسباب فشلها وتراجعها، وكراهية الشعوب لها في هذه المنطقة من العالم، كما أصبحت هذه السياسة الأمريكية العنصرية المنحازة العمياء عبئًا على هؤلاء الأعوان والمؤيدين والمتنفذين، ومصدر حرج شديد لهم أمام شعوبهم، وأمام الناس العاديين في كثير من بلاد العرب وديار المسلمين... الأمر الذي بات يهدد هؤلاء الأتباع بشرٍّ مستطير على أيدي هؤلاء الغاضبين من الناس، وينذر باقتراب نهايتهم تمامًا كما حدث في أعقاب نكبة عام ثمانية وأربعين.. يضاف إلى هذا رغبة السياسة الأمريكية نفسها في التخلص من هذه الوجوه التي استُهلكت، وأصبحت مصدر سخط الناس وكراهيتهم وغضبهم، واستبدالها بغيرها إنقاذًا لسمعة أمريكا، في محاولة مكشوفة لتحسين صورتها القبيحة في كل بلاد العروبة والإسلام.

على أن ما جرى ويجري في غزة من مجازر، وتدمير لكل أوجه الحياة، وعدوان سافر مبيَّت على القيم والأخلاق والأعراف، وما صحب هذه الهجمات المسعورة، وما رافق هذه الاعتداءات الصارخة غير المسبوقة على الناس جميعًا في قطاع غزة الشامخ المقاوم من مسيرات، وتظاهرات، واحتجاجات، وغضب، وغليان شعبي في كل المدن العربية، وفي كل مدن العالم.. كل ذلك بما سبقه على امتداد السنوات القليلة الماضية، من كوارث ونوازل واعتداءات متواصلة، وعلى امتداد العقود التي أعقبت عام النكبة من آلام، وما شهدته أرض غزة من محاولات مجنونة للحسم العسكري المدمر الذي سعى الغزاة لتحقيقه على الأرض قبل وضع قرار وقف إطلاق النار موضع التنفيذ.. كل ذلك كان الحد الفاصل بين عهد التبعية والتخاذل والخنوع والاستسلام، وعهدٍ جديدٍ هو عهد الثورة والغضب وإحقاق الحقوق، والخلاص من التحكم والهيمنة والمذلة وسياسة المراحل التي تؤدي سابقتها إلى لاحقتها وفق مخطط مدروس لوضع اليد على الأرض كل الأرض، وتشريد الشعب كل الشعب حتى لا يبقى في هذه الديار أحد من أصحابها الشرعيين!!!

إن ما جرى ويجري في غزة، وإن ما ستسفر عنه الحرب على غزة، وإن المقاومة الفلسطينية التي استطاعت بالصبر والإيمان والتحدي أن تحدث تغييرًا جذريًّا هنا على أرض فلسطين، وهناك على كل أرض العرب والمسلمين، وهنالك في كل بقاع الأرض، ولاسيما في دول أمريكا اللاتينية التي فجرّت بركان الغضب فيها فنزويلا هوغو تشافيز، تلتها بوليفيا.. هذه المقاومة الفلسطينية التي لم ترفع الراية البيضاء رغم كل أشكال الموت والدمار والجوع والخوف والبرد والنزف والحصار، ورغم كل أشكال التخاذل والتبعية التي غلفت مواقف كثير من الرسميين العرب وكثير من الرسميين المسلمين، والتي وصمت مواقف هؤلاء وأولئك من اللاهثين الراكعين المتخاذلين المتساقطين المستسلمين بالعار، ودمغتهم بالوقوف في معسكر أعداء أمتهم وشعوبها المكافحة من أجل الحرية والسيادة والاستقلال... كل هذا الذي حصل، وكل هذا الثبات رغم حرب الإبادة التي استعمل فيها هؤلاء كل ما في ترسانتهم من الأسلحة المحرمة، ورغم ما طالب به أحد أقطاب يمينهم المتشدد من ضرورة ضرب غزة بقنبلة نووية لا تبقي منها شيئًا ولا تذر.. كل هذا سيضع الفلسطينيين، وسيضع القضية الفلسطينية على عتبة مرحلة جديدة تضع حدًّا للتبعيّة العربية للأجنبي، وتضع حدًّا للتخاذل الرسمي العربي، بعد أن قال الثبات كلمته، وبعد أن قال المقاومون كلمتهم، وبعد أن قال الإعلام كلمته، وبعد أن قال الأحرار كلمتهم، وبعد أن قالت التظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات كلمتها، وبعد أن قال هوغو تشافيز كلمته، وبعد أن قال الغضب الشعبي العربي كلمته أيضًا.

18/1/2009


السبت، ١٧ كانون الثاني ٢٠٠٩

متابعات

من مواطن عربي فلسطيني

 إلى الرئيس الأمريكي أوباما

أ. عدنان السمان   

www.samman.co.nr

أحب في بداية هذه الرسالة أن أشير إلى ما جرى ويجري في غزة من مجازر، وترويع، وتجويع، واستخفاف بالقيم، والمثل، والأعراف، والمبادئ التي نادت بها سائر الشرائع، وأقرتها كافة المواثيق والقوانين، وأكدت عليها كل منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وكل جمعيات أصدقاء البيئة، والرفق بالحيوان في هذا العالم الذي تحكمه شريعة الغاب؛ فلا مكان فيه إلا للأقوياء، ولا سلطان فيه إلا للخارجين على القانون من مغامرين ومقامرين وكاذبين وسارقين وأغبياء!!

أحب أن أشير إلى كل هذا الذي جرى في غزة .. هذه المنطقة الصغيرة الفقيرة المحاصرة المعزولة من هذا الكون.. ذات الكثافة السكانيّة العليا بين مدن العالم وتجمعاته السكانية... كما أحب أن أشير إلى كل هذا الذي جرى ويجري في القدس والخليل ونابلس وجنين، وفي الأغوار وقلقيلية وطولكرم، وفي أريحا وطوباس وسلفيت ومنطقة اللطرون وسائر قرى رام الله والبيرة، وفي كل مناطق الضفة الغربية المحتلة منذ حرب الخامس من حزيران من عام سبعة وستين وتسعمائة وألف.. هذه الضفة التي تمزقها المستوطنات والجدران والمصادرات، ويقبع أكثر من أحد عشر ألفًا من شبابها وفتياتها ونسائها وأطفالها وشيوخها في السجون ومراكز التوقيف والمعتقلات!!

ولابد من الإشارة أيضًا إلى تلك النكبة التي حلت بفلسطين والفلسطينيين عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف.. تلك النكبة التي أتت على ثمانية وسبعين بالمئة من أرض فلسطين، وشردت معظم أهلها، وهكذا كانت قضية اللاجئين الذين يربو تعدادهم اليوم على خمسة ملايين يعيشون حياة اللجوء والتشرد على أرض وطنهم، وفي الأقطار المجاورة، وفي سائر أقطار هذا العالم يحملون معهم مفاتيح بيوتهم، وشهادات ملكيتهم لأراضيهم، في انتظار العودة إلى تلك البيوت والأراضي تنفيذًا لقرارات المجتمع الدولي ومقرراته!!

السيد الرئيس

إن مسلسل الحروب والمعارك الذي تشهده أجيال هذه المنطقة من العالم جيلاً بعد جيل منذ مطلع القرن الماضي مرورًا بنكبة عام ثمانية وأربعين وحتى يومنا هذا كان بسبب الظلم الصارخ الذي حاق بفلسطين والفلسطينيين، وإن كل ما تشهده المنطقة اليوم، وما ستشهده غدًا وبعد غد إن هو إلا نتيجة حتمية للسياسات الخاطئة التي مورست بحق هذا الشعب، وبحق قضيته التي كانت قضية العرب الأولى والمركزية ذات يوم.. هذه السياسات التي أخطأت عندما اعتبرت فلسطين أرضًا بغير شعب، وأخطأت عندما منحتها للآخرين من هذا المنظور، وأخطأت عندما آزرت هؤلاء الآخرين، وساندتهم في السيطرة على هذه الديار، بل وعلى كل هذه المنطقة التي يسمونها الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وأخطأ هؤلاء الآخرون عندما خُيّل إليهم أنهم قادرون على السيطرة على هذه الديار، وأنهم قادرون بعد ذلك على السيطرة على هذه المنطقة من العالم، وأخطأ كثير من حكام هذه المنطقة وقادتها عندما آثروا مصالحهم الشخصية الرخيصة على مصالح أوطانهم وشعوبهم، وأخطأت تلك السياسات الغربية التي راهنت على هؤلاء، وزينت لهم التبعيّة للغرب على حساب المصالح الحقيقية لشعوبهم، ومستقبل أجيالهم.

السيد الرئيس

إن كل مراقب متتبع لسير الأحداث في هذه المنطقة من العالم يدرك أن كل ما جرى، ويجري، وما سيجري كان بسبب هذه الحلول الخاطئة، والتصورات والرؤى المغلوطة التي حاولت تلك الإدارة فرضها على الناس في هذه الديار.. نعم، لقد توهمت تلك الإدارة، كما توهمت إدارات أخرى مشابهة في الماضي- أنها قادرة على فرض حلولها وتصوراتها ورؤاها على أرض الواقع.. فكان ما رأينا في الماضي، وما نرى الآن، وما سنرى إذا استمرت هذه المحاولات، وإذا استمر هذا التنكر لأبسط حقوق العرب الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، والعيش بحريّة واحترام في بلادهم، وفي أرض آبائهم وأجدادهم فلسطين بعيدًا عن الظلم، وبعيدًا عن الهيمنة والاستعلاء، وبعيدًا عن كل الرؤى والخيالات والأوهام التي تريد تصفية القضية الفلسطينية بالقفز عن حق شعبنا في القدس العربية وفق حدود الرابع من حزيران 67، وحق شعبنا في العودة وفق نص القرار 194.

السيد الرئيس

إنه، ومن منطلق الإيمان بالسلام العادل الشامل الدائم المقنع الذي لا غالب فيه ولا مغلوب، والذي يعيد الحقوق إلى أصحابها.. ومن منطلق حق الشعوب في تقرير مصيرها، والعيش بحرية واحترام في أوطانها بعيدًا عن الإقصاء والإحلال وبعيدًا عن الاقتلاع والتهجير، ومن منطلق الإيمان الراسخ بمبادئ الأمم المتحدة، وضرورة وضع قرارات المجتمع الدولي (التي تصنع السلام، ولا تؤسس لصراع جديد) موضع التنفيذ، فإنني أدعو الرئيس الأمريكي الرابع والأربعين براك أوباما إلى العمل السريع من أجل إحلال السلام في هذه المنطقة المتفجّرة من العالم.

17/1/2009   


الخميس، ١٥ كانون الثاني ٢٠٠٩

 

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

5.                أيوب     بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

أيوب

 

قلت: عرفتك صابرًا رابط الجأش ثابت الجنان، ولم أعهدك باكيًا شاكيًا هلوعًا جزوعًا...فما الذي يبكيك يا أيوب؟

قال: أمور كثيرة يا ولدي لا يمكن حصرها...كيف لا أبكي وهذا الظلم الصارخ غير المسبوق يفعل فعله في هذه الديار، وغير هذه الديار من بلاد الله التي كانت واسعة...إن ما يبكيني هو هذا السيل الجارف من الأكاذيب ، والغش ، والخداع، والتزوير، وقلب الحقائق، وإنزال أشد العقوبات بالأبرياء المسالمين من أصحاب البلاد الشرعيين بسبب وبدون سبب..ومكافأة المعتدين الغزاة العنصريين الذين نهبوا كل شيء، واستباحوا كل شيء...وصادروا كل شيء...إن ما يبكيني هو أن هؤلاء المعتدين قد وجدوا أعوانًا لهم ينفذون رغباتهم ومخططاتهم...بل وقد يرشدونهم إلى ما لا يخطر لهم على بال من الفظائع والموبقات التي تقشعر لهولها الأبدان...وأنكى من ذلك وأدهى أن هؤلاء المعتدين قد وجدوا في هؤلاء الأعوان من يقوم ببعض المخازي والجرائم نيابة عنهم...يبكيني هذا المريض الذي لا يستطيع الحصول على الدواء...وهذا الطالب الذي لا يستطيع متابعة دراسته لأنه من المقموعين المسحوقين الجياع في هذا الوطن...يبكيني هذا العامل الذي لا يقوى على توفير شيء من احتياجات أسرته...وهذا الفلاح الذي صادروا أرضه، وقطعوا أشجاره، وقتلوا دجاجه وأغنامه، وعزلوه عن محيطه بوسائل كثيرة باتت معروفة للقاصي والداني في هذا العالم الذي فقد ضميره منذ زمن بعيد...تبكيني هذه الأم التي لا تجد ما تقدمه لأطفالها... وهذا الطفل المتشرد الذي لا يجد معيلاً أو موجّهًا أو مرشدًا...وهذه المتسكعة التائهة التي " خدعوها بقولهم حسناء" فراحت تبحث عن ثمن هذا الحسن في سوق الجسد...يبكيني هذا الصمت المريب الذي يلف الدنيا من حولكم..وهذا الصمت المشبوه تجاه كافة قضاياكم العامة والخاصة، وتجاه سائر أوجه حياتكم اليومية التي توالي انزلاقها وتدحرجها نحو الانهيار الشامل تارةً على طريق الانتحار الذاتي ..وطورًا بفعل فاعل...كيف لا أبكي يا ولدي وأنا أرى الخراب والدمار والهوان، وسائر العلل والآفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والنفسية تعصف بهذا المجتمع، وتضرب بدون أدنى رحمة كل مدنه ومخيماته وقراه؟؟ كيف لا أبكي وأنا أرى أن أعداد الأسرى تزداد بشكل مذهل غير مسبوق؟ ففي كل يوم معتقلون وأسرى جدد يضافون إلى الأسرى الذين كنتم تقدرونهم بعشرة آلاف فيما مضى من أيام .. كيف لا أبكي وقد أصبح عددهم اليوم ثلاثة عشر ألفًا، ولا زال الجرح النازف مفتوحًا؟؟ كيف لا أبكي وكل مدن هذا الوطن، ومخيماته، وقـراه خاضعــة للاجتيــاح، والعزل، والإغلاق، وتقطيع الأوصال بشكل لم يشهد له هذا الوطن مثيلاً من قبل؟

قلت: كفى يا أيوب..فقد بلغت مني ما بلغتَ...ونلتَ مني في دقائق ما لم ينله هؤلاء، وكل أولئك في كل أيام العمر الخالية...

قال: لقد صوّرتُ أحوالكم يا صديقي، ولم آت بشيء من عندي..ولم أبالغ في وصف هـذه الأحوال،

بل لقد تعرضتُ لأقل القليل منها...فأنا أعرف ما لا تعرفون..ولكنني أربأ بنفسي عن تصوير كل معالم الصورة..

قلت: الآن، وقد سكنتْ حدّةُ غضبتك.. وأفرغتَ كلَّ شحنتك، وكل ما في جعبتك أرجو أن تحدثني بهدوء وإيجاز عن سبب وجود من تحدثتَ عنهم في مستهلّ حديثك ممن يقومون بما لم يقم به المعتدون أنفسهم من فظائع وموبقات...فهل تقدم لنا هذه الخدمة أيها الحكيم الصابر؟

قال: عندما ينمّي الأب في أبنائه خلق الوشاية والسعاية، ويربيهم على التقرب المستمر منه بأي ثمن، وعلى حساب باقي أفراد الأسرة، فإنه يرتكب خطأً كبيرًا بحقهم...وعندما يسلط بعضهم على بعض يراقب كل منهم الآخر، ويحصي عليه أنفاسه متدخلاً في أدق تفصيلات حياته ليرفع إلى أبيه كل ذلك فإن هذا الأب إنما يجني على أبنائه، ويصنع منهم شخصيات مهزوزة يمكن اختراقها وتسخيرها لخدمة أغراض المخترقين وأهدافهم.

وعندما يسلك المعلم في تربية طلابه سلوك هذا الأب في تنشئة أطفاله... ويستعين ببعضهم لمعرفة ما يحدث في الصف، أو ساحة المدرسة، أو في هذا البيت أو ذاك من بيوت الحي، فإنه إنما يهييء هؤلاء الطلاب لممارسة أخس الأدوار، وأبشعها بحق أنفسهم، وأسرهم، ومجتمعهم...

وكذلك فإن الدور الرهيب الذي يلعبه مدير المدرسة، وهو يختار المخبرين السريين من الطلاب في صفوف مدرسته لينقلوا إليه "بمختلف الوسائل" كل ما يجري في هذه الصفوف، بما في ذلك ما يقوله المعلمون ويفعلونه، وبما في ذلك ما يجري في بيوت زملائهم، وما يقال فيها، وما يجري في مدارس أخرى أو في أماكن لا علاقة لها بالدراسة والتدريس... هذا الدور الرهيب الذي يقوم به مثل هذا المدير لا يمكن أن يوصف إلا بأنه الطريقة المثلى لصناعة مثل هؤلاء الأعوان.

وتكتمل حلقات هذه الدائرة عندما ينتمي هؤلاء الفتية خارج أسوار مدارسهم أو داخلها، وضمن أسوار جامعاتهم أو خارجها، وفي إطار جيش العاطلين عن العمل.... أقول عندما ينتمي هؤلاء إلى هذه الفئة أو تلك، وإلى هذا الزعيم أو ذاك..تكتمل الحلقات... ويختلط الخاص بالعام.... وتشتد ضراوة الصراعات والتكتلات والتشيعات.. وتشتد الحاجة للاختراقات كي يعرف كل فريق ما في قدور الفريق الآخر أو الفرقاء الآخرين، وما في مطبخه على النار الهادئة أو النار المستعرة... وتروج سوق التجسس، والتنصت، والتلوّن، والكذب، والنفاق، والازدواجية، والتوتر، والخوف، واضطراب السلوك، والتِّيه، وانعدام الوزن، والضَّياع المغلف بمتطلبات المرحلة وحكم الرغيف.... ويبقى القول الفصل للسيجارة التي تحرق باحتراقها كل خيوط القيم والأخلاق وشرف الانتماء، وكل الأوراق الملونة الجميلة من جغرافية هذا الوطن وتاريخه، إضافة إلى صدر صاحبها، وصدور جلسائه من ذوي الحاجات العاجلة، وممن يبحثون وسط هذا الطوفان عن دور أيّ دور!! وما على أعداء هذه الأمة إلا أن يركبوا... فالأوضاع جد مواتية، وما زرعوه في الماضي البعيد يؤتي أكله اليوم... فأفيقي يا خرافي.. واتبعيني يا شياه!!

    إن أمة يصنع أعداؤها زعماءها، وتصاغ مبادئ حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في دوائر هؤلاء الأعداء، ومراكز بحوثهم ودراساتهم ومعاهدهم الاستراتيجية هي أمة - واحرّ قلباه - بحاجة ماسة لصحوة سريعة شاملة تعيد إليها وجودها واعتبارها ومكانتها التي كانت يوم كانت خير أمة!!

    وتسألني يا صديقي عن هذه المسوخ... ابدأ يا صديقي بالكلمة التي تصنع الإنسان.. ابدأ بالتربية السليمة في البيت، وفي الشارع، وفي المدرسة.. ابدأ بثورة ثقافية شاملة تأتي بجيل جديد لا يعرف الكذب، والتلون، والتزوير، وقلب الحقائق، والنفاق.. جيل حر عزيز متحرر لا يعرف الخضوع والاستسلام، ولا يساوم على الأوطان، والثوابت والمقدسات.

(10/1/2007)


الثلاثاء، ١٣ كانون الثاني ٢٠٠٩

 

متابعات

من أعلام الإسلام.. عز الدين القسام

أ. عدنان السمان   

www.samman.co.nr

هو عز الدين بن عبد القادر بن مصطفى القسّام، وأمه حليمة قصّاب، وكان أبوه قد تزوج من امرأتين: حليمة (وأنجب منها فخر الدين، وعز الدين، ونبيهة) والثانية آمنة جلّول (وأنجب منها أحمد، ومصطفى,وكامل,وشريف) وهو من مواليد بلدة جبلة في محافظة اللاذقية على الساحل الشمالي لسورية في اليوم العشرين من تشرين الثاني من العام اثنين وثمانين وثمانمئة وألف. أتم دراسته الابتدائية في كتاتيب بلدتة جبلة، وفي زاوية الإمام الغزالي.. ومن ثم ارتحل إلى مصر عام 1896 مع عدد من فتيان منطقته، حيث درس في الأزهر الشريف عشر سنوات نال بعدها شهادة الأهلية الأزهرية... لقد نشأ عز الدين نشأة إسلامية، وكان أستاذه في الكتّاب شديد الإعجاب بذكائه وأخلاقه واستقامته.. كما كان قوي الشخصية عصاميًّا شديد الثقة بنفسه.. ففي الأزهر الشريف، وبعد تأخر المصاريف من الأهل مدة طويلة، ونفاد ما في الجيب واليد صنع القسام الهريسة، وباعها للطلاب أمام الأزهر الشريف، وهو ينادي بأعلى صوته على بضاعته، بينما زميله عز الدين التنوخي يقف إلى جانبه في حال من الخجل الشديد.. وهكذا خرج الصديقان من أزمتهما.. ومما يُذكر في هذا السياق أن التنوخي والد عز الدين قد توجه في تلك الأثناء لزيارة ابنه فوجده مع القسام على هذه الحال أمام باب الأزهر، ولما حاول التنوخي أن يوضح لأبيه –وهو يشعر بالحرج- أن الأمر من تدبير صديقه القسام لمواجهة الوضع الصعب، قال له أبوه: لقد علَّمك القسام معنى الحياة يا ولدي... وزوجته بنت عمته أمينة نعنوع التي أنجب منها ثلاث بنات: خديجة، وعائشة، وميمنة، ثم ابنه الوحيد محمد عام 1929خاضت إلى جانبه ثورته ضد الفرنسيين... آما أبوه فكان يدرّس أبناء القرية أصول القراءة، وحفظ القرآن في الكتّاب، ثم اشتغل لفترة مستنطقًا في المحكمة الشرعية.

وفي الأزهر الشريف تتلمذ القسام على الشيخ محمد عبده، وأحب دروسه، كما تتلمذ على الشيخ محمد أحمد الطوخي.. وفي الأزهر الشريف تأثر القسام أيما تأثر بروح العداء للاحتلال البريطاني الذي جثم على صدر مصر منذ العام 1882، كما تأثر بموقف الأزهر من الحملة الفرنسية على مصر قبل الغزو البريطاني بزمن طويل (1798) كما تأثر تأثّرًا كبيرًا بفكر الشيخ جمال الدين الأفغاني، ودعوته المستمرة للثورة على الغزاة الذين يستهدفون ديار العروبة والإسلام.. ولعل القسام قد تأثر أيضًا برشيد رضا وبمقالاته التي كان ينشرها منذ مطلع القرن الماضي في مجلته الأسبوعية "المنار" حول الدولة اليهودية التي تعتزم الصهيونية إقامتها في فلسطين.. وفي الأزهر الشريف جمع القسام بين علوم العربية، وعلوم الشريعة، وتفاعل أيما تفاعل مع كل ما يجري على الساحة العربية الإسلامية من كبار الحوادث والأحداث على امتداد سنوات دراسته التي بلغت عشر سنوات تمكن القسام خلالها من بناء شخصيته الإسلامية الثائرة الملتزمة المتسلحة بالعلم والوعي والعزيمة والإيمان.

ويعود عز الدين إلى جبلة بعد التخرج، ويعرض عليه أبوه أن يذهبا معًا إلى قصر الآغا ليسلّما عليه، ولكن عز الدين يرفض ذلك مبتسمًا، وهو يقول: المقيم – يا أبي- هو الذي يسلّم على العائد من السفر.. وعليه فإنه يجدر بالآغا أن يأتي لزيارتنا. وما إن عاد حتى راح يمارس التدريس في زاوية والده، وفي جامع السلطان إبراهيم بن أدهم، كما تولى خطابة الجمعة في مسجد المنصوري وسط البلدة.. وارتفع بهذا شأن عز الدين، ولم يتمكن حاسدوه من النيل منه شعبيًّا أو رسميًّا، بل إنه وبعد عمله موظفًا في مسجد المنصوري رفع من شأن أسرته، ومنع أمه وأخواته من العمل في بيت الآغا.

وتدخل جيوش الحلفاء دمشق في مطلع تشرين الأول 1918، ويكون القسام أول ثائر في وجه هذه الجيوش، ومعه تلاميذه ومريدوه ومحبوه من شبان المنطقة، وقد استشهدت غالبيتهم في تلك المواجهات التي استمرت دون توقف مدة عام كامل (1919 – 1920)  ويخوض تلك الثورة المبكرة ضد الاحتلال الفرنسي أيضًا كل من إبراهيم هنانو، والشيخ الثائر صالح العلي، وعمر البيطار.. وتستمر هذه الثورة حتى آذار 1921... ويحاول الفرنسيون استمالة القسام بتوليته القضاء، ولكنه يرفض ذلك محرّمًا كل أشكال التعامل مع الاحتلال، ويحكم عليه الديوان العرفي الفرنسي في اللاذقية بالإعدام غيابيًّا.

وفي النصف الثاني من العام 1920 (وتحديدًا ما بين شهر آب حتى نهاية ذلك العام) يدخل القسام فلسطين (التي كانت تسمى آنذاك جنوب سوريا) ومعه أتباعه الستة: أحمد إدريس، الحاج علي عبيد، الشيخ محمد الحنفي، الحاج خالد، ظافر القسام، عبد المالك القسام.. وفي عكا قرر الشيخ أحمد إدريس العودة، وانتقلت المجموعة من عكا إلى حيفا المدينة الجميلة ذات الخليج البحري الهام، المتصلة بحرًا بالمدن اللبنانية والسورية الساحلية، وذات العلاقة التاريخية الوثيقة بهذه الموانئ، وبدمشق عاصمة بلاد الشام، وفوق ذلك فإن حيفا بعيدة عن نفوذ العائلات الفلسطينية المتصارعة آنذاك، ثم إن في حيفا القديمة – حيث استقر الشيخ القسام ورفاقه- أحد عشر ألف فقير فلسطيني (نزحوا إلى حيفا القديمة من القرى المجاورة بعد أن فقدوا بيوتهم) يعيشون في بيوت من الصفيح، ثم إن الانتداب البريطاني – وهذا هو الأهم- قد اتخذ من حيفا قاعدة لأسطوله.. لهذه الأسباب، وربما لأسباب أخرى، أتخذ القسام مدينة حيفا مقرًّا لإقامته، ومنطلقًا لثورته في فلسطين.

جاء في كتاب "الوعي والثورة" لسميح حمودة عن الصحافي العربي الفلسطيني عبد الغني الكرمي أن القسام رآه بعد أسبوع من إعدام الثوار الثلاثة على المشانق في 17/6/1930 يلعب النرد في جمعية الشبان المسلمين، وسمعه وهو يسخر من قروي جاء للعلاج في عيادة الجمعية الإسلامية إذ أشكل عليه التفريق بين الاسمين: "الجمعية الإسلامية" وجمعية الشبان المسلمين" لتقاربهما في التسمية، فانتهره القسّام، وأخذ بيد القروي إلى العيادة، ولم يتركه حتى اشترى له الدواء. وهذه واحدة من القصص الكثيرة التي تناقلها الناس عن حب القسام للفلاحين والعمال، ويكفي أن نذكر أن غالبية مؤيدي القسام كانوا من عمال سلطة القطارات في حيفا ومن موظفي هذه السلطة، ويكفي أن نذكر أيضًا أن عمال الحجارة في الكبابير وعددهم سبعمئة حجّار كانوا من القساميين.. ولا بد هنا من الإشارة السريعة إلى عدد من رجال القسام وعلى رأسهم الشيخ فرحان السعدي، وهو من قرية المزار قضاء جنين، وكان على علاقة وثيقة بالقسام. ومنهم حسن الباير من قرية برقين قضاء جنين، ومحمود سالم من الرملة وكان يعمل حارسًا في محطة القطار بحيفا، والشيخ نمر السعدي من غابة شفا عمرو، وهو ابن عم فرحان السعدي، والشيخ عبد الله يوسف زيباوي من قرية الزيب قضاء عكا، وعبد قاسم وهو فلاح كان يبيع الكاز في شوارع حيفا، ومحمد زعرورة وكان يبيع الكاز أيضًا، ومحمد الصالح حمد "أبو خالد" من سيلة الظهر، وكان عاملاً في حيفا، وخليل محمد عيسى "أبو إبراهيم الكبير" من قرية المزرعة الشرقية قضاء رام الله، وأحمد الغلاييني وكان يعمل سمكريًّا في حيفا، وعطيفة أحمد المصري، وهو عامل سفن من مصر، وأحمد الطيب أبو منصور، وكان من أوائل من عملوا في تهريب الأسلحة وتخزينها بعد أن تبناه القسام وقوّم اعوجاجه، وألحقه بالحركة الجهادية، ومحمد أبو قاسم خلف من حلحول قضاء الخليل.

استشهد الشيخ عز الدين القسام في أحراش يعبد في اليوم العشرين من تشرين الثاني من العام خمسة وثلاثين وتسعمئة وألف بعد أن حوصر هناك مع عدد من أصحابه المجاهدين.. ولقد أورد الدكتور عبد الستار قاسم في كتابه " الشهيد الشيخ عز الدين القسام" وصفًا مثيرًا لوقائع تلك المعركة، ولمقدماتها ونتائجها، كما أورد في هذا الكتاب تعليقًا وتحليلاً سياسيًّا يجدر بكل متابع للحركة الوطنية في فلسطين أن يقرأه.. كما وردت في كتاب "الوعي والثورة" لمؤلفه سميح حمودة تفصيلات وتحليلات ومعلومات جمعها المؤلف مما كُتب عن القسام وعن هذه المعركة تحديدًا، ومما تناقله رفاق القسام، وبعض المجاهدين الذين شاركوا في معركة الأحراش... ويجدر بكل دارس، وبكل مهتم بحركة التاريخ في هذه الديار أن يقرأه ليطّلع على سيرة مجاهد كبير، وعلم من أعلام الإسلام جاهد بعلمه ولسانه وماله، وضحى بدمه ملبّيًا داعي الجهاد في سبيل الله على أرض البطولات ومهد الرسالات أرض فلسطين.

وقبل أن أنهي هذا المقال ينبغي أن أشير إلى عدد ممن كتبوا في استشهاد هذا الشيخ المجاهد شعرًا ونثرًا.. أما المراثي الشعرية فمنها: 1- قصيدة قتلوك لليعقوبي. 2- قصيدة شهيد فلسطين للصارخ. 3- قصيدة إلى روح شهيد الوطن الخالد لواصف عبد الرحمن. 4- قصيدة سموك زورًا  بالشقي للشيخ نديم الملاح. 5- قصيدة يا رحمتنا للشاعر ابن خلدون. 6- مرثيّة الشاعر فؤاد الخطيب. 7- قصيدة الشهيد عز الدين القسام للشاعر صادق عرنوس. 8- قصيدة يا خسارة يا عز الدين للشاعر الشعبي نوح إبراهيم. 9- قصيدة الشهيد للشاعر إبراهيم طوقان ومنها هذه الأبيات:

عبس الخطبُ فابتَسَمْ            وطغى الهولُ فاقتَحَمْ

رابط الجأش والنهى            ثابت القلب والقَدَم

لم يبـالِ الأذى ولمْ             يثنه طارئُ الألـمْ

نفسُـه طَوعُ همـةٍ             وجمتْ دونها الهممْ

تلتقي في مزاجهـا              بالأعاصير والحممْ

تجمع الهائج الخضمَّ             إلى الراسخ الأشمّ

وهي من عنصر الفدا           ء ومن جوهر الكرمْ

سار في منهج العلا             يطرق الخلدَ منزلا

لا يبـالي مكبّـَلا               نالـه أم مجنـدَلا

فهو رَهْنٌ بما عزمْ    (جريدة فلسطين – يافا 24/11/1935 ص7.)

وأما المراثي النثرية فمنها: ليس من صانوا الحمى بالأشقياء. بقلم الأستاذ أكرم زعيتر.(الجامعة الإسلامية 22/11/1935) . ومنها بررة أتقياء ، لا فجرة أشقياء.. لا تظلموا الموتى بعد أن ظلمتم الأحياء للفاروقي (سليمان التاجي الفاروقي/ رئيس تحرير الجامعة الإسلامية- يافا 22/11/1935) هذه عصابة الحق فمجّدوها. بقلم الشيخ حسين حسونة – اللد. الشيخ عز الدين القسام وصحبه ماتوا شهداء في سبيل الله والوطن. بقلم الشيخ أسعد الشقيري- عكا (جريدة فلسطين- يافا 24/11/1935، ص3) الشهيد الجليل والعالم الكبير فضيلة الشيخ عز الدين القسام. بقلم بدر الدين الخطيب- دمشق (الجامعة العربية. 26/11/1935) أيها الشاهد الخالد.. حياك الله. لطفي ريال (جريدة الدفاع 28/11/1935) خذوا العبرة من استشهاد القسام. حلمي الإدريسي (الجامعة الإسلامية 28/11/1935) الشيخ عز الدين القسام المجاهد والشهيد الفلسطيني الخالد. محمد مجذوب – طرطوس (جريدة الجامعة العربية/ القدس 20/12/1935).

كلمة جميل مردم بك في حفل تأبين الشيخ القسام (الجمعة 3/1/1936) كلمة نائب حماة الدكتور توفيق الشيشكلي (نشرت في جريدة الجامعة العربية 7/1/1936). خطاب جمال الحسيني رئيس الحزب العربي الفلسطيني في حفل تأبين القسام (نشر في جريدة الجامعة العربية 7/1/1936). أحب من الناس المجانين بقلم عيسى السفري (كتاب رسالتي لعيسى السفري – يافا 1936).

كلمة الأستاذ إبراهيم الشنطي رئيس تحرير جريدة الدفاع – يافا، والتي نشرت في جريدة الدفاع بتاريخ 7/1/36، ومنها هذه السطور:

في يعبد لنا ثأر .. لنا حسين .. لنا كربلاء
في يعبد لنا جامعة .. لنا أساتذة .. لنا شهداء
أيها الناقدون .. كفى انتقادا
أيها القاعدون .. حسبكم اقتعادا
أشرف الممات.. ما اقتحم المذلَّ الظالم
وأرذل الحياة. أن تكون المذعن المسالم

لو لم يُستشهد القسام على ذلك الوجه، لما زحفت البلاد إلى سكنه.. رحم الله شهيد يعبد.. أيّنا يتحدث عن الشجاعة بعد الشيخ الشجاع؟ أيّنا يقول بالتضحية بعد الذي شرى وباع؟! سخفت الحياة ، وذلّت الرجولة، وتلك يعبد لمن قال: أنا فتى في الرجال.

طال حسابنا مع الإنجليز. منذ أول الاحتلال، ونحن ندفع الثمن، عدًّا ونقدًا، كوارث ومحنًا. آلام تسعة عشر عامًا ضاقت بها جسومنا، فمتى التصفية؟

رحمك الله يا شيخنا رحمة واسعة، وجزاك عن فلسطين، وعن كل ديار العروبة والإسلام خير الجزاء.

 

مصادر البحث:

 

1_ الوعي والثورة، لسميح حمودة.

2_ الشيخ المجاهد للدكتور عبد الستار قاسم.

3_ أرشيف الصحافة الفلسطينية في مكتبة بلدية نابلس العامة.  

 

 

9/1/2009

 


السبت، ١٠ كانون الثاني ٢٠٠٩

 

متابعات

هذا القرار...

أ/عدنان السمان

www.samman.co.nr.

 

وأخيرًا أصدر مجلس الأمن بأغلبية أربعة عشر صوتًا، وامتناع أمريكا عن التصويت قراره بوقف الحرب على غزة بعد أسبوعين كاملين من إعلان تلك الحرب المدمرة.. فلقد أصدر مجلس الأمن (فجر التاسع من كانون الثاني الجاري 2009) قراره الذي يحمل الرقم 1860 والقاضي بوقف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة دون أن يحدد موعدًا لانسحابها.

ومع ذلك، وعلى الرغم من مرونة هذا القرار، وصيغته المعتدلة التي لم تدن هذا العدوان بكل ما أسفر عنه من ضحايا ودماء بريئة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في هذه الحقبة إلا في العراق العربي.. وعلى الرغم من أن كل ما طالب به القرار عمليًّا هو وقف تقتيل الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى وسائر شرائح المواطنين وفئاتهم في غزة.. وعلى الرغم من أن أبرز ما انطوى عليه هذا القرار عمليًّا هو الكف عن قصف المنازل والمساجد والمدارس، ولاسيما مدارس وكالة الغوث الدولية، وكذلك مخازن هذه الوكالة، وعياداتها، وسياراتها، وموظفيها الأمر الذي دفعها إلى تجميد نشاطها في قطاع غزة (بعد أن جمّد الصليب الأحمر نشاطه) والتوقف عن تقديم أي عون لأكثر من نصف سكان القطاع البالغ تعدادهم أكثر من مليون ونصف المليون إنسان باتوا جميعًا وبدون أي استثناء أهدافًا للقصف ، وأهدافا للرعب والخوف، وأهدافًا للجوع والفقر والتشريد.. على الرغم من هذا كله، وعلى الرغم من أن هذا القرار لم يأت بجديد من حيث رفع الحصار، وفتح المعابر، وعودة الحياة إلى هذا القطاع المدمر الدامي الذبيح إلا أن ما صرح به عدد من المسئولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم تسيبي ليفني زعيمة حزب "كديما" وزيرة الخارجية الإسرائيلية، وكذلك ما صدر عن أولمرت ومجلس وزرائه المصغر كان أكثر من عجيب، وأكثر من غريب، وأكثر من محبط في نظر كثير من المحللين والمراقبين السياسيين  في كثير من بلدان هذا العالم.

إن المتطرفين الإسرائيليين الذين يرفضون الامتثال لقرار مجلس الأمن 1860 ويصرّون على مواصلة حربهم هذه (حتى تحقق أهدافها) إنما يصرّون على الاستمرار في نهج المجازر والتقتيل والتدمير الذي لا ينطوي على أدنى فائدة لأحد، ولا ينطوي على أدنى خدمة للسلام والأمن والشعور بالأمان، ولا ينطوي على الحد الأدنى من احترام الذات والشعور بأبسط المسئوليات والواجبات تجاه الحرمات والمحرمات، وما يجوز وما لا يجوز في هذا الزمان الذي اختلطت فيه الأوراق، واختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبح فيه كثير من الأغبياء والأدعياء والمغامرين المستهترين جنرالات وقادة ومفكرين ومخططين ومستشارين ومحللين سياسيين وعسكريين، ومؤتمنين على مصائر الشعوب ومصالحها ومستقبل أجيالها!!!.

إنه، ومنذ اللحظات الأولى التي بدأ فيها هؤلاء حربهم على غزة راح كثير من العارفين والمراقبين وأصحاب التجارب يحذّرون من أن هذه الحرب لن تسفر إلا عن مزيد من الموت والقتل والدمار، ولن تسفر إلا عن مزيد من الكراهية والأحقاد، ولن تتمخض إلا عن مزيد من الخلافات والانقسامات والتصدعات بين الناس في أقطار شتى من هذا الكون، ولن تؤسس إلا لمزيد من الكوارث والفواجع والحروب لأجيال كثيرة قادمة...

نعم.. راح كل هؤلاء يحذرون من نتائج حرب كهذه، ويؤكدون على فشلها وعدم تحقيق الأهداف التي حددها هؤلاء من حربهم تلك، اللهم إلا إذا كانت مكاسب انتخابية لا ترقى إلى مستوى الأهداف التي يطمح إليها المفكرون الشرفاء المنصفون العقلاء من أبناء البشرية الذين يحرصون على أمن الشعوب وسلامتها ومستقبل أجيالها وذراريها.. هؤلاء المنصفون العقلاء من دعاة السلام العادل المقنع الذي تعود معه الحقوق إلى أصحابها، ومعهم كل محبي الحق والعدل والحرية في هذا العالم يؤكدون اليوم بما لا يدع أدنى مجال للشك أن هذه الحرب التي يشنها هؤلاء على غزة ليست الوسيلة التي تنهي صراعًا، وتصنع سلامًا، وتضع حدًّا لحروب ومعارك عمرها مائة عام....

إن الانسحاب الفوري من غزة، ووضع القرار 1860 موضع التنفيذ، والكف عن الأذى والغطرسة والعدوان، وإعادة الحقوق إلى أصحابها بموجب قرارات المجتمع الدولي بعيدًا عن كل أشكال الوصاية والتسلط والتحكم والتجبر والاستغفال هو البداية الحقيقية لحياة الاستقرار والازدهار في هذه المنطقة من العالم.. وبدون ذلك ستبقى هذه المنطقة مسرحًا لكل أعمال العنف، والحروب المدمرة، ربما لأجيال كثيرة قادمة. 

 

10\1\2009.


الأربعاء، ٧ كانون الثاني ٢٠٠٩

أما آن لهذه المجازر أن تتوقف ؟؟

متابعات

أما آن لهذه المجازر أن تتوقف ؟؟

أ‌.      عدنان السمان

www.samman.co.nr

   إن هذا الذي يجري في غزة أمر لا يصدقه العقل، ولا تحيط به الكلمات، ولا يقره عرف، أو يرضى به دين.. هذه المذابح، وهذه الدماء، وهؤلاء الأطفال، وهؤلاء الشيوخ، وهذه الحرائق، وهذا الدمار ليس شيئًا من صنع الخيال ونسجه، وليس شيئًا من هذه الحكايات الخيالية، والخرافات التي تناقلتها الأمم والشعوب منذ تلك الأزمنة الموغلة في القِدم والبدائية.. والمغرقة في الهمجية والتخلف والجنون... ليس هذا كله شيئًا مما قرأه الناس عن اجتياح المغول لبلاد المشرق الإسلامي وصولاً إلى بغداد ودمشق وانتهاءً بعين جالوت.. وليس شيئًا مما قرأه الناس أو سمعوه عن تلك الحملات التي شنتها أوروبا على هذا الوطن العربي ممثَّلاً في بلاد الشام ومصر وصولاً إلى دمشق والمنصورة وغزة والقدس ولا أقول انتهاءً بحطين... هذا الذي يجري في غزة ليس شيئًا مما سمعناه أو قرأناه عن أهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما حصل خلالهما من مجازر ومآس وويلات ونكبات.. ، وليس شيئًا مما حدث في أثناء حروب الوحدة في ألمانيا وإيطاليا,وليس شيئًا مما حدث في كثير  من بلدان أوروبا وآسيا منذ أقدم العصور, وليس شيئًا مما حدث في جنوب إفريقيا ذات يوم !!  

      إن هذا الذي يجري في غزة شيء مختلف، شيء خالٍ تمامًا من المبالغة، لم يساهم في صنعه الخيال، بل لا يستطيع الخيال له فهمًا أو تصديقًا أو وصفًا مهما كان هذا الخيال بدائيًّا أو همجيًّا أو شرّيرًا، وهو خالٍ تمامًا من تأثير الكلمات ومن سحر البيان الذي يتحدثون عنه.. هذه الصور وحدها فيها ألف دليل ودليل، وألف شاهد وشاهد على أن هذا الذي جرى ويجري في غزة أمر فظيع فظيع.. لا يصدقه العقل، ولا تحيط به الكلمات.. أمر تتبرأ منه الأسباب والمسببات، ولا تخضع فيه النتائج للمقدمات ، وتحار في فهمه المبادئ والقواعد والقوانين والنظريات ، وتقف أمامه واجمةً مشدوهة كل ما في القاموس الإنساني من تكتيكات واستراتيجيات، وكل ما في الكون من حجج ومسوغات, إنه الموت الموت..إنه تطاير الأشلاء في البيوت والطرقات والمدارس والمساجد والجامعات.. إنه الموت الموت, وتطاير أشلاء وتطاير أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ والشباب في الشوارع , في الزوايا, في الأزقة والساحات!!

     إن هذا الذي يجري في غزة ، وما سيجري فيها أيضًا من تقتيل وتنكيل واغتيال وتقطيع للأوصال وسفك للدماء وسحق وقتل وترويع للأطفال ... ما جرى في غزة، وما يجري, يتطلب من كل مراقب منصف محايد أن يكون أولاً وقبل كل شيء شاهدًا على هذه المرحلة من قضية هذا الشعب وتاريخه، شاهدًا على ما حاق به من ظلم وجوعٍ وخوفٍ وموت، وما لحق به من عسف وخسفٍ ورعبٍ وامتهان، شاهدًا على الصمت المريب الذي يغشى مؤسسات المجتمع الدولي، شاهدًا على عجز هذه المنظمة الدولية، وفشلها في تنفيذ قرار تقف فيه إلى جانب شعب يصارع منذ مئة عام دفاعًا عن حريته وعزته وكرامته وحرية وطنه.. كما يتطلب منه أن يقف إلى جانب هذا الشعب في مطالبه العادلة المشروعة في الحرية والتحرر والاستقلال والخلاص من العدوان، وأن يفعل ما يمليه عليه ضميره تجاه هذا الشعب المنكوب المنكوب المحاصر الذي لم يعد يملك من حطام الدنيا شيئًا.

       وإن هذا الذي يجري في غزة جدير أن يبعث الحياة والحركة في الجامعة العربية كي تقوم بواجبها تجاه الأهل ، وكي توقف هذا الجحيم الذي تحترق بأهواله ونيرانه عيون الأطفال في غزة، و تحترق بأهواله ونيرانه قلوبهم وقلوب أمهاتهم.. الجامعة العربية مدعوة الآن لوقف هذه المحرقة التي يتعرض لها الأهل في غزة، وبسط الحماية عليهم، وإنقاذهم مما هم فيه من موت ونزف ورعب ودمار... الجامعة العربية تستطيع أن توقف هذه المحرقة وأن تضع حدًّا لهذه المجزرة، وأن ترفع الضيم عن غزة , وأن تنقذ أطفالها ونساءها وشبابها وشيوخها مما هم فيه لو أرادت!! فإلى متى الصمت؟ وإلى متى التردد؟ وإلى متى العجز يا جامعة العرب؟ إن الشارع العربي يستطيع أن يفعل كثيرًا من أجل غزة، وإن أمة الإسلام هي الأخرى تستطيع أن تضغط ، وأن تؤثر، وأن تغير المعادلات، وقواعد الصراع في هذه المنطقة، وإن الأحرار، وحركات التحرر، وأنصار الحق والعدل والحرية في هذا العالم يستطيعون أن يساهموا في رفع الظلم والعدوان عن غزة.. فإلى متى هذا الصمت, وإلى متى كل هذا التخاذل والهوان, أما آن لهذه المجازر الرهيبة الرهيبة أن تتوقف ؟؟

      وإن هذا الذي يجري في هذه الديار جدير أن يفتح أعين الإسرائيليين أنفسهم على النتائج المرعبة التي تؤدي إليها المجازر والمذابح، وأن يحفزهم بالتالي للتحرك السريع من أجل وقف هذا العدوان الصارخ غير المسبوق، وأن يدفعهم للسير في طريق العقل والتعقل وسيلةً لحلّ المشكلات، وصنع السلام العادل الدائم المقنع الشريف المتكافئ الذي من شأنه أن يضع حدًّا للموت والخوف والجوع والحصار والدمار... إن هذا الذي يجري في غزة أمر فظيع يضع المنطقة برمتها ولعقودٍ كثيرة قادمة فوق خزانات من البارود، وعليه فقد بات لزامًا على كل أنصار السلام ومحبيه ومؤيديه أن يعملوا في الحال من أجل وقف نزيف الدم، ورفع الظلم والعدوان عن الشعب العربي الفلسطيني، والعمل الجادّ من أجل إنصاف هذا الشعب، وإعادة حقوقه إليه, ورفع الحصار عنه, والكف عن إيذائه , والتحكم به, والعدوان عليه.. لأنه بغير ذلك لا يعتقد أحد أن يكون هنالك سلام.. وبغير ذلك ستظل المنطقة مسرحًا للخصومات، والصراعات، وكل أشكال التوتر، والحروب, وكل مظاهر الكراهية والعداوة والخصام.

   

6/1/2008

الاثنين، ٥ كانون الثاني ٢٠٠٩

 

 

من أعلام الإسلام                                 

جمال الدين الأفغاني

                                                                 بقلم: عدنان السمان

   www.samman.co.nr

       ولد الشيخ جمال الدين الأفغاني في قرية "أسعد آباد" من أعمال "كابل" في بلاد الأفغان، سنة 1839م (1254هـ)، وكانت وفاته بالآستانة في التاسع من آذار 1897م .

ويعود نسب الأفغاني الى أصول عربية حيث سكن أجداده بلاد الحجاز، ويرتفع نسبه إلى الترمذي أحد أشهر رواة الحديث، ثم يرتقي هذا النسب الى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب. وعندما كان جمال الدين في الثامنة من عمره انتقلت أسرته للعيش في "كابل" العاصمة، ومنذ تلك الأيام أخذ أبوه في تربيته وتعليمة حيث درس مبادئ العربية، وعلوم الشريعة من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول، وكلام، وتصوف.. كما درس العلوم العقلية، والعلوم الرياضية، والفلك، كما درس نظريات الطب والتشريح، فأتم ذلك كله وهو في الثامنة عشرة من عمره كما يقول تلميذه الإمام الشيخ محمد عبده في مقدمة رده على الدهريين.

     تنقل الأفغاني في كثير من الأقطار إضافة الى أفغانستان منها : الهند، ومصر، وإيران، وتركيا، وروسيا القيصرية، وفرنسا، ولندن التي دعاه الإنجليز لزيارتها. ولقد كان له في كل بلد زارها حكاية، بل حكايات تؤكد في مجملها وتفصيلاتها على ثورية هذا الرجل، وتمرده على الاستعمار والاستبداد والاستكبار، وتؤكد بما لا يقبل أدنى شك على تمسك هذا الثائر، وتشبثه بوحدة بلاد العرب والمسلمين في إطار الجامعة الإسلامية التي دعا إليها طيلة أيام حياته، وتجرع في سبيلها آلام السجن والنفي والتشريد... لقد كان الأفغاني مثقفًا أجاد العربية، والتركية، والأفغانية، والفارسية، والفرنسية، وألمّ بالإنجليزية والروسية.. وكان الأفغاني كاتبًا يتذوق الشعر ويقرضه، وكان صحافيًّا أصدر (العروة الوثقى) في باريس، ولم يصدر منها إلا ثمانية عشر عددًا نظرًا للحرب الشعواء التي شنها عليها المستعمرون أعداء الشعوب، وعلى الرغم من ذلك فقد كانت تلك المجلة الأسبوعية مدرسة فكرية، ونهجًا نضاليًّا، وملهمًا للأحرار والمنفيين من أجيال العرب والمسلمين التي تربّت على يدي هذا المفكر الإسلامي، ونهجت نهجه وهي تقارع الاستعمار والمستعمرين.

        مما قاله عنه تلميذه وصديقه الشيخ الإمام محمد عبده: "لقد توافرت فيه قوى الفلاسفة، ومواهب رجال الأعمال، وقد نشأ قطبًا من أقطاب الفلسفة، وعاش ركنًا من أركان السياسة، فكأنه حقيقة كليّة تجلّت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحيّة قامت لكل نظر بشكل يشاكله". ومما قاله عنه المستشرق الفرنسي آرنست رينان: "وقد خيل إلي من حرية فكره، ونبالة شيمه وصراحته وأنا أتحدث إليه، أنني أرى وجهًا لوجهِ أحدِ مَن عرفتُهم من القدماء، وأنني أشهد ابن سينا، أو ابن رشد، أو أحد أولئك العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار". وعندما قال بعض خطباء ثورة سنة 1919 لسعد زغلول: إنك خالق هذه النهضة، رد عليهم قائلاً: "لست خالق هذه النهضة، كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا أدّعيه، بل لا أتصوره، وإنما نهضتكم قديمة، من عهد محمد علي وعرابي، وللسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير فيها"، ومن أقوال الأفغاني: "إن هذا الشرق، وهذا الشرقي لا يلبث طويلاً حتى يهبّ يومًا من رقاده، ويمزق ما تقنّع وتسربل به هو وأبناؤه من لباس الخوف والذل، فيأخذ في إعداد عدة الأمم الطالبة لاستقلالها المستنكرة لاستعبادها". ومن أقوال الأفغاني أيضًا: " لا سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها، فالأمة العربية هي عرب قبل كل دين ومذهب، وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان ما لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان". ومن أقواله : "إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يستجلي بعقله ما غمض وخفي من أسرار الطبيعة، وسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته، فيرى ما كان من التصورات مستحيلاً قد صار ممكنًا" . ومن كتابه "خاطرات" هذه الترجمة الذاتية: "وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة 1254هـ، وعُمّرتُ أكثر من نصف عصر، واضطررت لترك بلادي "الأفغان" مضطربة تتلاعب بها الأهواء والأغراض، وأُكرهتُ على مبارحة الهند، وأُجبرتُ على الابتعاد عن مصر، أو إن شئتَ قل نفيتُ منها، ومن الآستانة، ومن أكثر عواصم الأرض، كل هذه الأحوال "خاطرات" لا تسرني، وليس فيها أدنى فائدة للقوم.

        أما القول بأنها لا تسرني، لا بمعنى أني نفيتُ من البلاد، أو سجنتُ، كلا.. لأني أعتقد أن السجن بطلب الحق من الظالمين العتاة "رياضة"، والنفي في ذلك السبيل "سياحة"، والقتل "شهادة"، وهي أسمى المراتب.

        فأنا عن نفسي غير راضٍ، ذلك لأن الخمول قد قعد بي، فلم يوصلني إلى أسمى مرتبة، وهي "مرتبة الشهادة"، وحطني في مصاف المنفيين من أرض إلى أرض، والمسجونين فيها، فما أبعدني في كل هذا عن أولي الهمم، ومن قام بالأعمال الخطيرة، أو المطلب الجلل!".

        رحمك الله يا شيخنا، وأمطرك وابلاً من شآبيب رحمته، وجزاكَ عن أمة العروبة والإسلام خير الجزاء؛ فقد كنت لهذه الأمة معلّمًا وأي معلم.. وكنت قائدًا أخذ بيدها نحو شاطئ العزة والمجد، وكنت ثائرًا وخطيبًا دعاها إلى الحرية والوحدة والتضامن والإخاء.

1/1/2009

 

الخميس، ١ كانون الثاني ٢٠٠٩

متابعات

وعلى الأرض السلام!!

                                                                                                            عدنان السمان

                                                                                                                            www.samman.co.nr

  تحتفل فلسطين, كما يحتفل العالم كله اليوم بإشراقة شمس عام ميلادي مجيد جديد, بعد أن ودعت الدنيا عامًا مضى وانقضى من عمرها ليضاف إلى هذه السنوات الطوال التي أعقبت ميلاد السيد المسيح _ عليه السلام _ رسول المحبة والتآخي والسلام في ضاحيةٍ من ضواحي القدس, وبقعةٍ عزيزةٍ غاليةٍ من أرض فلسطين هي بيت لحم الأمجاد:

يا بيت لحم ٍ أنت مهد مسيحنا      نور الهداية أنت للأجيال

  وفي هذا اليوم تستقبل فلسطين, كما تستقبل الدنيا كلها عامًا جديدًا تقيم فيه الصلوات , وتدعو فيه من الأعماق أن يكون عام خيرٍ وبركةٍ, وأمانٍ واطمئنان..ويدعو فيه الجياع والمضطهدون والمقموعون والمعذبون في الأرض أن لا يكون كغيره من أعوام البؤس والمذلة والهوان , آملين أن يشهد هذا العام الجديد نهاية معاناتهم وآلامهم, وأن يكون عام سلامٍٍ على الأرض, ومسرةٍ في الناس.

  ولئن احتفلت فلسطين، واحتفل معها سائر العرب والمسلمين منذ أيامٍ بهجرة رسول الهدى محمد – عليه السلام -من مكة مسقط رأسه إلى المدينة التي أحبه أهلها , وأيدوه ونصروه ليقيم فيها دولته, وينشر من خلالها رسالته, ويرفع رايته, فإن فلسطين أيضًا ومعها كل هذه الدنيا تحتفل اليوم بميلاد السيد المسيح عليه السلام, وتنقّله بين بيت لحم والناصرة, وطوافه في كل أرض فلسطين مبشرًا بالسلام, وداعيًا إلى السلام, ومناديًا بالعدل والعدالة والمحبة والتسامح والوئام.

  فلسطين في هذا كله هي المحور.. هي الحقيقة والجوهر.. هي الديار المقدسة..هي القدس..هي بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.. هي القيامة,  والأقصى, والحرم الإبراهيمي, والمهد, والبشارة.. هي التاريخ والثقافة والحضارة.. هي جوهر الأديان, وكرامة الإنسان.. فلسطين في هذا كله هي خليل الرحمن, هي الناصرة, هي حيفا, هي غزة.. هي ديار السلام:

ديار السلام وأرض الهنا           يشق على المرء أن تحزنا

فخطب فلسطين خطب العلا          وما كان رزء العلا هينا

      في هذا العام الجديد لا يسعنا إلا ان نطالب كل ذي ضمير حي في هذا العالم بمزيدٍ من التعاطف مع المظلومين المضطهدين من الناس في هذه الديار التي يتعرض أهلها منذ أمدٍ بعيد لألوانٍ شتى من العسف والإذلال والجور والتنكيل, ولا يسعنا إلا أن نطالب هذا المجتمع الدولي بمزيدٍ من العمل الجاد من أجل إنصاف هذا الشعب الأعزل الطيب المسالم مما يحيق به من خسفٍ وتسلطٍ وعدوان.

      وفي هذا العام الجديد نتوجه إلى كل المؤمنين برسالات الحق والهدى, وإلى كل محبي السيد المسيح ووالدته القديسة العذراء مريم , وإلى كل من تهفو نفوسهم وتذوب قلوبهم شوقًا وهيامًا بالقدس وبيت لحم والناصرة, وكل أرض فلسطين الطيبة المباركة أن يعملوا في الحال بتعاليم السيد المسيح, تعاليم المحبة والتسامح والرحمة والعدل والإنصاف.. وأن يلبوا في الحال نداء السيد المسيح بضرورة رفع الظلم عن المظلومين, وبضرورة وقف نزيف الدم في غزة, وفي كل أرض فلسطين.. وأن يضعوا نداء رسول المحبة والتسامح والوئام: (على الأرض السلام , وفي الناس المسرة) موضع التنفيذ.

29/12/2008م.