عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الأربعاء، ٧ كانون الثاني ٢٠٠٩

أما آن لهذه المجازر أن تتوقف ؟؟

متابعات

أما آن لهذه المجازر أن تتوقف ؟؟

أ‌.      عدنان السمان

www.samman.co.nr

   إن هذا الذي يجري في غزة أمر لا يصدقه العقل، ولا تحيط به الكلمات، ولا يقره عرف، أو يرضى به دين.. هذه المذابح، وهذه الدماء، وهؤلاء الأطفال، وهؤلاء الشيوخ، وهذه الحرائق، وهذا الدمار ليس شيئًا من صنع الخيال ونسجه، وليس شيئًا من هذه الحكايات الخيالية، والخرافات التي تناقلتها الأمم والشعوب منذ تلك الأزمنة الموغلة في القِدم والبدائية.. والمغرقة في الهمجية والتخلف والجنون... ليس هذا كله شيئًا مما قرأه الناس عن اجتياح المغول لبلاد المشرق الإسلامي وصولاً إلى بغداد ودمشق وانتهاءً بعين جالوت.. وليس شيئًا مما قرأه الناس أو سمعوه عن تلك الحملات التي شنتها أوروبا على هذا الوطن العربي ممثَّلاً في بلاد الشام ومصر وصولاً إلى دمشق والمنصورة وغزة والقدس ولا أقول انتهاءً بحطين... هذا الذي يجري في غزة ليس شيئًا مما سمعناه أو قرأناه عن أهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما حصل خلالهما من مجازر ومآس وويلات ونكبات.. ، وليس شيئًا مما حدث في أثناء حروب الوحدة في ألمانيا وإيطاليا,وليس شيئًا مما حدث في كثير  من بلدان أوروبا وآسيا منذ أقدم العصور, وليس شيئًا مما حدث في جنوب إفريقيا ذات يوم !!  

      إن هذا الذي يجري في غزة شيء مختلف، شيء خالٍ تمامًا من المبالغة، لم يساهم في صنعه الخيال، بل لا يستطيع الخيال له فهمًا أو تصديقًا أو وصفًا مهما كان هذا الخيال بدائيًّا أو همجيًّا أو شرّيرًا، وهو خالٍ تمامًا من تأثير الكلمات ومن سحر البيان الذي يتحدثون عنه.. هذه الصور وحدها فيها ألف دليل ودليل، وألف شاهد وشاهد على أن هذا الذي جرى ويجري في غزة أمر فظيع فظيع.. لا يصدقه العقل، ولا تحيط به الكلمات.. أمر تتبرأ منه الأسباب والمسببات، ولا تخضع فيه النتائج للمقدمات ، وتحار في فهمه المبادئ والقواعد والقوانين والنظريات ، وتقف أمامه واجمةً مشدوهة كل ما في القاموس الإنساني من تكتيكات واستراتيجيات، وكل ما في الكون من حجج ومسوغات, إنه الموت الموت..إنه تطاير الأشلاء في البيوت والطرقات والمدارس والمساجد والجامعات.. إنه الموت الموت, وتطاير أشلاء وتطاير أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ والشباب في الشوارع , في الزوايا, في الأزقة والساحات!!

     إن هذا الذي يجري في غزة ، وما سيجري فيها أيضًا من تقتيل وتنكيل واغتيال وتقطيع للأوصال وسفك للدماء وسحق وقتل وترويع للأطفال ... ما جرى في غزة، وما يجري, يتطلب من كل مراقب منصف محايد أن يكون أولاً وقبل كل شيء شاهدًا على هذه المرحلة من قضية هذا الشعب وتاريخه، شاهدًا على ما حاق به من ظلم وجوعٍ وخوفٍ وموت، وما لحق به من عسف وخسفٍ ورعبٍ وامتهان، شاهدًا على الصمت المريب الذي يغشى مؤسسات المجتمع الدولي، شاهدًا على عجز هذه المنظمة الدولية، وفشلها في تنفيذ قرار تقف فيه إلى جانب شعب يصارع منذ مئة عام دفاعًا عن حريته وعزته وكرامته وحرية وطنه.. كما يتطلب منه أن يقف إلى جانب هذا الشعب في مطالبه العادلة المشروعة في الحرية والتحرر والاستقلال والخلاص من العدوان، وأن يفعل ما يمليه عليه ضميره تجاه هذا الشعب المنكوب المنكوب المحاصر الذي لم يعد يملك من حطام الدنيا شيئًا.

       وإن هذا الذي يجري في غزة جدير أن يبعث الحياة والحركة في الجامعة العربية كي تقوم بواجبها تجاه الأهل ، وكي توقف هذا الجحيم الذي تحترق بأهواله ونيرانه عيون الأطفال في غزة، و تحترق بأهواله ونيرانه قلوبهم وقلوب أمهاتهم.. الجامعة العربية مدعوة الآن لوقف هذه المحرقة التي يتعرض لها الأهل في غزة، وبسط الحماية عليهم، وإنقاذهم مما هم فيه من موت ونزف ورعب ودمار... الجامعة العربية تستطيع أن توقف هذه المحرقة وأن تضع حدًّا لهذه المجزرة، وأن ترفع الضيم عن غزة , وأن تنقذ أطفالها ونساءها وشبابها وشيوخها مما هم فيه لو أرادت!! فإلى متى الصمت؟ وإلى متى التردد؟ وإلى متى العجز يا جامعة العرب؟ إن الشارع العربي يستطيع أن يفعل كثيرًا من أجل غزة، وإن أمة الإسلام هي الأخرى تستطيع أن تضغط ، وأن تؤثر، وأن تغير المعادلات، وقواعد الصراع في هذه المنطقة، وإن الأحرار، وحركات التحرر، وأنصار الحق والعدل والحرية في هذا العالم يستطيعون أن يساهموا في رفع الظلم والعدوان عن غزة.. فإلى متى هذا الصمت, وإلى متى كل هذا التخاذل والهوان, أما آن لهذه المجازر الرهيبة الرهيبة أن تتوقف ؟؟

      وإن هذا الذي يجري في هذه الديار جدير أن يفتح أعين الإسرائيليين أنفسهم على النتائج المرعبة التي تؤدي إليها المجازر والمذابح، وأن يحفزهم بالتالي للتحرك السريع من أجل وقف هذا العدوان الصارخ غير المسبوق، وأن يدفعهم للسير في طريق العقل والتعقل وسيلةً لحلّ المشكلات، وصنع السلام العادل الدائم المقنع الشريف المتكافئ الذي من شأنه أن يضع حدًّا للموت والخوف والجوع والحصار والدمار... إن هذا الذي يجري في غزة أمر فظيع يضع المنطقة برمتها ولعقودٍ كثيرة قادمة فوق خزانات من البارود، وعليه فقد بات لزامًا على كل أنصار السلام ومحبيه ومؤيديه أن يعملوا في الحال من أجل وقف نزيف الدم، ورفع الظلم والعدوان عن الشعب العربي الفلسطيني، والعمل الجادّ من أجل إنصاف هذا الشعب، وإعادة حقوقه إليه, ورفع الحصار عنه, والكف عن إيذائه , والتحكم به, والعدوان عليه.. لأنه بغير ذلك لا يعتقد أحد أن يكون هنالك سلام.. وبغير ذلك ستظل المنطقة مسرحًا للخصومات، والصراعات، وكل أشكال التوتر، والحروب, وكل مظاهر الكراهية والعداوة والخصام.

   

6/1/2008

الاثنين، ٥ كانون الثاني ٢٠٠٩

 

 

من أعلام الإسلام                                 

جمال الدين الأفغاني

                                                                 بقلم: عدنان السمان

   www.samman.co.nr

       ولد الشيخ جمال الدين الأفغاني في قرية "أسعد آباد" من أعمال "كابل" في بلاد الأفغان، سنة 1839م (1254هـ)، وكانت وفاته بالآستانة في التاسع من آذار 1897م .

ويعود نسب الأفغاني الى أصول عربية حيث سكن أجداده بلاد الحجاز، ويرتفع نسبه إلى الترمذي أحد أشهر رواة الحديث، ثم يرتقي هذا النسب الى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب. وعندما كان جمال الدين في الثامنة من عمره انتقلت أسرته للعيش في "كابل" العاصمة، ومنذ تلك الأيام أخذ أبوه في تربيته وتعليمة حيث درس مبادئ العربية، وعلوم الشريعة من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول، وكلام، وتصوف.. كما درس العلوم العقلية، والعلوم الرياضية، والفلك، كما درس نظريات الطب والتشريح، فأتم ذلك كله وهو في الثامنة عشرة من عمره كما يقول تلميذه الإمام الشيخ محمد عبده في مقدمة رده على الدهريين.

     تنقل الأفغاني في كثير من الأقطار إضافة الى أفغانستان منها : الهند، ومصر، وإيران، وتركيا، وروسيا القيصرية، وفرنسا، ولندن التي دعاه الإنجليز لزيارتها. ولقد كان له في كل بلد زارها حكاية، بل حكايات تؤكد في مجملها وتفصيلاتها على ثورية هذا الرجل، وتمرده على الاستعمار والاستبداد والاستكبار، وتؤكد بما لا يقبل أدنى شك على تمسك هذا الثائر، وتشبثه بوحدة بلاد العرب والمسلمين في إطار الجامعة الإسلامية التي دعا إليها طيلة أيام حياته، وتجرع في سبيلها آلام السجن والنفي والتشريد... لقد كان الأفغاني مثقفًا أجاد العربية، والتركية، والأفغانية، والفارسية، والفرنسية، وألمّ بالإنجليزية والروسية.. وكان الأفغاني كاتبًا يتذوق الشعر ويقرضه، وكان صحافيًّا أصدر (العروة الوثقى) في باريس، ولم يصدر منها إلا ثمانية عشر عددًا نظرًا للحرب الشعواء التي شنها عليها المستعمرون أعداء الشعوب، وعلى الرغم من ذلك فقد كانت تلك المجلة الأسبوعية مدرسة فكرية، ونهجًا نضاليًّا، وملهمًا للأحرار والمنفيين من أجيال العرب والمسلمين التي تربّت على يدي هذا المفكر الإسلامي، ونهجت نهجه وهي تقارع الاستعمار والمستعمرين.

        مما قاله عنه تلميذه وصديقه الشيخ الإمام محمد عبده: "لقد توافرت فيه قوى الفلاسفة، ومواهب رجال الأعمال، وقد نشأ قطبًا من أقطاب الفلسفة، وعاش ركنًا من أركان السياسة، فكأنه حقيقة كليّة تجلّت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحيّة قامت لكل نظر بشكل يشاكله". ومما قاله عنه المستشرق الفرنسي آرنست رينان: "وقد خيل إلي من حرية فكره، ونبالة شيمه وصراحته وأنا أتحدث إليه، أنني أرى وجهًا لوجهِ أحدِ مَن عرفتُهم من القدماء، وأنني أشهد ابن سينا، أو ابن رشد، أو أحد أولئك العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار". وعندما قال بعض خطباء ثورة سنة 1919 لسعد زغلول: إنك خالق هذه النهضة، رد عليهم قائلاً: "لست خالق هذه النهضة، كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا أدّعيه، بل لا أتصوره، وإنما نهضتكم قديمة، من عهد محمد علي وعرابي، وللسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير فيها"، ومن أقوال الأفغاني: "إن هذا الشرق، وهذا الشرقي لا يلبث طويلاً حتى يهبّ يومًا من رقاده، ويمزق ما تقنّع وتسربل به هو وأبناؤه من لباس الخوف والذل، فيأخذ في إعداد عدة الأمم الطالبة لاستقلالها المستنكرة لاستعبادها". ومن أقوال الأفغاني أيضًا: " لا سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها، فالأمة العربية هي عرب قبل كل دين ومذهب، وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان ما لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان". ومن أقواله : "إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يستجلي بعقله ما غمض وخفي من أسرار الطبيعة، وسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته، فيرى ما كان من التصورات مستحيلاً قد صار ممكنًا" . ومن كتابه "خاطرات" هذه الترجمة الذاتية: "وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة 1254هـ، وعُمّرتُ أكثر من نصف عصر، واضطررت لترك بلادي "الأفغان" مضطربة تتلاعب بها الأهواء والأغراض، وأُكرهتُ على مبارحة الهند، وأُجبرتُ على الابتعاد عن مصر، أو إن شئتَ قل نفيتُ منها، ومن الآستانة، ومن أكثر عواصم الأرض، كل هذه الأحوال "خاطرات" لا تسرني، وليس فيها أدنى فائدة للقوم.

        أما القول بأنها لا تسرني، لا بمعنى أني نفيتُ من البلاد، أو سجنتُ، كلا.. لأني أعتقد أن السجن بطلب الحق من الظالمين العتاة "رياضة"، والنفي في ذلك السبيل "سياحة"، والقتل "شهادة"، وهي أسمى المراتب.

        فأنا عن نفسي غير راضٍ، ذلك لأن الخمول قد قعد بي، فلم يوصلني إلى أسمى مرتبة، وهي "مرتبة الشهادة"، وحطني في مصاف المنفيين من أرض إلى أرض، والمسجونين فيها، فما أبعدني في كل هذا عن أولي الهمم، ومن قام بالأعمال الخطيرة، أو المطلب الجلل!".

        رحمك الله يا شيخنا، وأمطرك وابلاً من شآبيب رحمته، وجزاكَ عن أمة العروبة والإسلام خير الجزاء؛ فقد كنت لهذه الأمة معلّمًا وأي معلم.. وكنت قائدًا أخذ بيدها نحو شاطئ العزة والمجد، وكنت ثائرًا وخطيبًا دعاها إلى الحرية والوحدة والتضامن والإخاء.

1/1/2009

 

الخميس، ١ كانون الثاني ٢٠٠٩

متابعات

وعلى الأرض السلام!!

                                                                                                            عدنان السمان

                                                                                                                            www.samman.co.nr

  تحتفل فلسطين, كما يحتفل العالم كله اليوم بإشراقة شمس عام ميلادي مجيد جديد, بعد أن ودعت الدنيا عامًا مضى وانقضى من عمرها ليضاف إلى هذه السنوات الطوال التي أعقبت ميلاد السيد المسيح _ عليه السلام _ رسول المحبة والتآخي والسلام في ضاحيةٍ من ضواحي القدس, وبقعةٍ عزيزةٍ غاليةٍ من أرض فلسطين هي بيت لحم الأمجاد:

يا بيت لحم ٍ أنت مهد مسيحنا      نور الهداية أنت للأجيال

  وفي هذا اليوم تستقبل فلسطين, كما تستقبل الدنيا كلها عامًا جديدًا تقيم فيه الصلوات , وتدعو فيه من الأعماق أن يكون عام خيرٍ وبركةٍ, وأمانٍ واطمئنان..ويدعو فيه الجياع والمضطهدون والمقموعون والمعذبون في الأرض أن لا يكون كغيره من أعوام البؤس والمذلة والهوان , آملين أن يشهد هذا العام الجديد نهاية معاناتهم وآلامهم, وأن يكون عام سلامٍٍ على الأرض, ومسرةٍ في الناس.

  ولئن احتفلت فلسطين، واحتفل معها سائر العرب والمسلمين منذ أيامٍ بهجرة رسول الهدى محمد – عليه السلام -من مكة مسقط رأسه إلى المدينة التي أحبه أهلها , وأيدوه ونصروه ليقيم فيها دولته, وينشر من خلالها رسالته, ويرفع رايته, فإن فلسطين أيضًا ومعها كل هذه الدنيا تحتفل اليوم بميلاد السيد المسيح عليه السلام, وتنقّله بين بيت لحم والناصرة, وطوافه في كل أرض فلسطين مبشرًا بالسلام, وداعيًا إلى السلام, ومناديًا بالعدل والعدالة والمحبة والتسامح والوئام.

  فلسطين في هذا كله هي المحور.. هي الحقيقة والجوهر.. هي الديار المقدسة..هي القدس..هي بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.. هي القيامة,  والأقصى, والحرم الإبراهيمي, والمهد, والبشارة.. هي التاريخ والثقافة والحضارة.. هي جوهر الأديان, وكرامة الإنسان.. فلسطين في هذا كله هي خليل الرحمن, هي الناصرة, هي حيفا, هي غزة.. هي ديار السلام:

ديار السلام وأرض الهنا           يشق على المرء أن تحزنا

فخطب فلسطين خطب العلا          وما كان رزء العلا هينا

      في هذا العام الجديد لا يسعنا إلا ان نطالب كل ذي ضمير حي في هذا العالم بمزيدٍ من التعاطف مع المظلومين المضطهدين من الناس في هذه الديار التي يتعرض أهلها منذ أمدٍ بعيد لألوانٍ شتى من العسف والإذلال والجور والتنكيل, ولا يسعنا إلا أن نطالب هذا المجتمع الدولي بمزيدٍ من العمل الجاد من أجل إنصاف هذا الشعب الأعزل الطيب المسالم مما يحيق به من خسفٍ وتسلطٍ وعدوان.

      وفي هذا العام الجديد نتوجه إلى كل المؤمنين برسالات الحق والهدى, وإلى كل محبي السيد المسيح ووالدته القديسة العذراء مريم , وإلى كل من تهفو نفوسهم وتذوب قلوبهم شوقًا وهيامًا بالقدس وبيت لحم والناصرة, وكل أرض فلسطين الطيبة المباركة أن يعملوا في الحال بتعاليم السيد المسيح, تعاليم المحبة والتسامح والرحمة والعدل والإنصاف.. وأن يلبوا في الحال نداء السيد المسيح بضرورة رفع الظلم عن المظلومين, وبضرورة وقف نزيف الدم في غزة, وفي كل أرض فلسطين.. وأن يضعوا نداء رسول المحبة والتسامح والوئام: (على الأرض السلام , وفي الناس المسرة) موضع التنفيذ.

29/12/2008م.


الأربعاء، ٣١ كانون الأول ٢٠٠٨

كان فجرا اسود في تاريخنا

متابعات

كان فجرًا أسودَ في تاريخنا...

أ. عدنان السمان 

www.samman.co.nr

    قبل أن ينفّذ الحلفاء الجدد عدوانهم على العراق العربي، وقبل  أن تهاجمه قواتهم من الجو والبحر والبر، وقبل أن يصبح العراق بلدًا محتلاًّ كغيره من أراضي العرب المحتلة، وما أكثرها!! قبل هذا كله راح هؤلاء الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يزعمون أن العراق قد تحول إلى ترسانة عسكرية تهدد الأمن والسلام الدوليين، وأنه يمتلك كثيرًا من أسلحة  الدمار الشامل التي باتت تهدد العالم الحر، وتشكّل خطرًا كبيرًا على دول الجوار، وأنه في طريقه لامتلاك الأسلحة الذرية إن لم يكن قد امتلكها رغم ضرب مفاعله النووي عام واحد وثمانين!!

    لقد شن كل هؤلاء بقيادة أمريكا حملات إعلامية مكثفة في حينه على العراق، كما فرضوا عليه عقوبات في غاية القسوة شلَّت كثيرًا من مرافق البلد، وأصابت كثيرًا من أوجه حياة العراقيين بأفدح الخسائر والأضرار على امتداد ثلاثة عشر عامًا قبل أن يتعرض العراق لأبشع غزو في تاريخه.. لقد كانت تلك الحملات الإعلامية مضلِّلة مفعَمة بالمبالغات والمغالطات لتسويغ العدوان الجائر على العراق العربي... وما أشبه الليلة بالبارحة! وما أشبه هذه الحملات التي تتعرض لها إيران في هذه الأيام بتلك التي تعرض لها العراق قبل فرض الحصار عليه، وقبل أن تحتله قوات الحلفاء الجدد هذه!!

     وعلى الرغم من أن الأمريكان أنفسهم يقولون اليوم صراحة إن ما روّج له إعلامهم لم يكن أكثر من مغالطات وافتراءات، بل على الرغم من اعتراف بوش وكبار أعوانه بذلك، وعلى الرغم من هذه الانهيارات الاقتصادية التي تعصف بأمريكا عصفاً منذ مدة، وستبقى كذلك مدة طويلة أيضًا، إلاّ أنهم ما زالوا هناك يقامرون بأرواح جنودهم.. لعل معجزة تنقذهم من هزيمة تحل بهم على أرض العراق.. ولعلهم يستطيعون الخروج من المستنقع الذي حشروا أنفسهم فيه بشيء من ماء الوجه.. إنهم يعيشون على الأوهام.. تمامًا كما قاموا بفعلتهم على الأوهام.. لقد زرعوا الأوهام ، ولم يحصدوا إلا الأوهام... فالعراق العربي عصيٌّ على الغزاة.. متمرس بالحروب.. بالبارود، بالنيران.. بالسيوف.. بالأهوال منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها!!

    ماذا جنى هؤلاء من عدوانهم وغزوهم لعراق العرب؟ ماذا جَنَوا وهم يقدمون على فعلتهم السوداء بحق الرئيس العراقي، وبحق المشاعر الإسلامية، والمشاعر العربية في الساعات الأولى من يوم السبت أول أيام عيد الأضحى في الثلاثين من كانون الأول من العام السادس من هذه الألفية الثالثة؟ ماذا جَنَوا غيرَ الكوارث والموت والدمار وتشريد شعب العراق؟ ماذا جنى هؤلاء غير الكراهية والعداء الذي من الصعب أن يهدأ أواره لسنوات طوال قادمة؟ هل كانوا يتوقعون أنهم بفعلتهم تلك سيُلقون الرعب في قلوب الناس .. وأنهم سيصولون، ويجولون في أرض العراق العربي كما يشتهون، وكما يحلو لهم؟ هل كانوا يتوقعون أن يستسلم لهم الناس في عراق العروبة والإسلام، وأن يتسابقوا لتقبيل أعتابهم أمام المنطقة الخضراء التي حبسوا أنفسهم فيها مع كل أعداء العرب والمسلمين؟؟

    لقد مضى عامان على فعلتكم تلك، فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت مزيدًا من الهزائم.. ومزيدًا من تخبط جنودكم وقادتكم في المستنقع الذي حشروا أنفسهم فيه.. لقد دمرتم حياة شعب عظيم صنع لكم الحضارة في يوم من الأيام.. لقد جوعتم شعب العراق العظيم.. وحرمتموه من الغذاء والدواء.. حرمتموه من النفظ ومشتقاته وهو صاحب أكبر احتياطيٍّ منه في هذا العالم!! لقد نهبتم ، وسلبتم، وقتلتم، ودمرتم، واغتصبتم، واعتديتم، وعربدتم، وشردتم، وفعلتم بأرض العراق الأفاعيل... ولكن ستُهزمون.. وسينتصر العراق العربي الواحد الموحد الماجد العظيم.. سينتصر العراق، وسيخرج الغزاة مهزومين غير مأسوف عليهم.. سينتصر العراق.. سينتصر العرب.. لن يكون للغزاة وجود في بلاد العرب وديار المسلمين.. أرض العرب للعرب.. والعرب يصادقون من يصادقهم.. ويعادون من يعاديهم.. وجمال الصحراء صبورة صبورة.. ولكنها إن غضبت أثارت النقع، وحجبت قرص الشمس، وأحالت نهار الصحراء المبصر ليلاً مظلمًا، ودمرت، وهاجمت، وافترست كالأسود الكاسرة، والنمور الهائجة...

    لا مُقام لكم؛ فارحلوا.. لا تراهنوا على اتفاق هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع.. دَعُوا الناس في هذه البلاد وشأنهم.. ثوبوا إلى رشدكم.. احترموا إنسانية الإنسان، وكرامته، وحقوقه، وحرياته، ومقدساته، وتاريخه، وثقافته.. احترموا أنفسكم.. حافظوا على أمن أجيالكم، وسلامتها... واعلموا أن كل هذا ممكن إذا عرفتم حدودكم؛ فوقفتم عندها.. وإذا توقفتم عن الجور والظلم والعدوان؛ فإن أبيتم، وأصررتم على نهجكم؛ فعلى الباغي تدور الدوائر..

 

30/12/2008

الاثنين، ٢٩ كانون الأول ٢٠٠٨

 

متابعات 

غزة تستغيث.. فهل من مغيث؟؟

 

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

    إلى المجتمع الدولي بأسره.. إلى الاتحاد الأوروبي شعوبًا وحكومات ومنظمات وجمعيات.. إلى كل الرافضين كافة أوجه العدوان على الشعوب من أحرار هذا العالم.. إلى السياسيين والمثقفين والمفكرين والأكاديميين والصحافيين المؤمنين بالعدل  والعدالة وحقوق الإنسان بعيدًا عن اللون والجنس والدين واللغة والمذهب السياسي في هذه الدنيا دون استثناء.. إلى هيئة الأمم المتحدة بجمعيتها العامة، ومجلس الأمن ممثلة بأمينها العام، ورؤساء الوفود، وإلى كافة الوكالات المتخصصة المتفرعة عن هذه الهيئة.. إلى الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي.. إلى كافة القوى والمنظمات والأقطار الصديقة التي تناصر القضية الفلسطينية.. إلى كل أحرار هذا العالم وشرفائه وقواه التقدمية المؤيدة لحق الشعوب في الحياة والحرية والتحرر والاستقلال والسيادة الوطنية والعيش الكريم... غزة تغرق في بحر من دماء أبنائها.. غزة تغرق في الظلام.. بيوت غزة تحترق، ومشافي غزة تحترق، ومساجد غزة تحترق..أطفال غزة يحرقون، وشباب غزة يموتون.. نفد الدواء، والمرضى يموتون تباعًا، ونفد الغذاء وحليب الأطفال أيضًا.. شيوخ غزة يموتون.. دماؤهم تروي أرض غزة.. شيوخ غزة يموتون، وأطفالها، ونساؤها... غزة تبكي.. غزة تشيّع شهداءها.. تدفن موتاها.. الناس في غزة يموتون قصفًا وجوعًا وعطشًا ورعبًا وبردًا وحصارًا خانقًا قاتلاً رهيبًا يا كل هذه الدنيا... غزة تموت يا هذا الكون دون أن يلتفت إليها أحد.. غزة تستغيث دون أن يلبي استغاثتها مغيث... غزة تناديكم يا عرب؛ فلبّوا نداءها!! غزة تستغيث بكم، فأغيثوها!! غزة تصرخ موتًا.. تصرخ رعبًا.. تصرخ ألمًا.. تصرخ جوعًا.. تصرخ قهرًا؛ فأين أنتم؟ أين أنتم يا عرب؟!

   ندعو المجتمع الدولي إلى القيام بواجبه تجاه الأهل في غزة.. ندعوه إلى التحرك العاجل لوقف القصف.. وإرسال الدواء وحليب الأطفال والغذاء والمحروقات إلى غزة.. ندعوه إلى التحرك السريع لرفع الحصار عن غزة.. لإبعاد شبح الموت الرهيب عن غزة.. ندعو الأشقاء – واأسفاه- إلى فتح حدودهم مع غزة!!! ندعوهم إلى إرسال الشاحنات المحملة بالخبز بعد أن نفد الخبز من بيوت غزة! ندعوهم إلى إرسال حليب الأطفال والأدوية لشعب يموت ظلمًا وعدوانًا وحصارًا خانقًا جائرًا.. فهل في هذه الدعوة ما يريب؟ وهل هذا كثير يا عرب؟ أرسلوا شاحناتكم يا أشقاءنا في الحال، أرسلوا شاحناتكم يا أشقاءنا ، وادخلوا غزة، وارفعوا عنها الحصار.. ادخلوا غزة يا عرب، واعقدوا فيها مؤتمراتكم، واتخذوا فيها قراراتكم.. أليست غزة أرضًا عربية؟ أليست غزة أرضًا فلسطينية؟ فلماذا لا تدفعون عنها هذا العدوان يا عرب؟؟ نعم لماذا لا تدفعون عنها هذا العدوان يا عرب؟؟.

    ندعو مجلس الأمن إلى وضع حد لكل هذا الذي يحدث في غزة.. ندعو مجلس الأمن إلى العمل.. ندعوه إلى حماية شعبنا من الموت.. ندعوه إلى التدخل الفوري لحماية غزة من الموت.. وإنقاذ شعب فلسطين كله من التشرد والتمزق والمذلة والهوان .. نطالب مجلس الأمن بإرسال القوات الكافية لحماية قطاع غزة، وإنقاذه من الموت والدمار.. أهل غزة لا يريدون أكثر من وقف هذه العمليات العسكرية، ورفع الحصار، وفتح المعابر!! أهل غزة لا يطالبون بأكثر من ذلك، فلماذا لا يلبي مجلس الأمن مطالبهم هذه؟ لماذا لا يلبي مجلس الأمن مطالب الفلسطينيين في الضفة الغربية أيضًا برفع الحصار، وإزالة الجدار، والكف عن الأذى والعدوان؟ هذه هي مطالب الفلسطينيين يا هذا العالم.. فهل هي مطالب تعجيزية؟ وهل هي مطالب صعبة لا سبيل إلى تحقيقها؟ وإذا كانت المطالبة بوقف قصف المساجد والمشافي والبيوت ومستودعات الأدوية ومقار الشرطة المدنية والجامعات في غزة مطالبة صعبة لا سبيل إلى تحقيقها، وإذا كانت المطالبة بتهدئة شاملة متكافئة بين طرفي الصراع مطالبة صعبة بعيدة المنال عصيّة على التنفيذ غير ممكنة، فما هو الممكن إذن؟ هل الممكن هو كل هذا الذي يجري في غزة يا دول مجلس الأمن؟؟ وإذا كانت مطالبتنا هذه صعبة غير ممكنة؛ فكيف سنطالب بحقوقنا في الحرية والتحرر والدولة والعودة والقدس والسيادة والاستقلال وتقرير المصير؟؟

أهل غزة، وأهل الضفة الغربية لا يريدون الآن أكثر من تهدئةٍ شاملة متكافئة ملزمة.. ورفعٍ دائمٍ للحصار، وفتحٍ دائمٍ للمعابر، وكفٍّ عن الأذى والعدوان والاعتقال.. فهل هذا كثير يا عرب؟ وهل هذا كثير أيها المسلمون؟ وهل هذا كثير يا هذه الدنيا؟؟

28/12/2008


السبت، ٢٧ كانون الأول ٢٠٠٨

متابعات

في العام الهجري الجديد!!

أ/عدنان السمان

www.samman.co.nr.

    في عيد الهجرة لا بد للناس أن يتذكّروا الدعوة، وما واجهه الرسول الكريم في سبيلها من الصعاب، وإصراره (عليه السلام) على تبليغ هذه الرسالة، وأداء هذه الأمانة حتى كان له ما أراد... وفي عيد الهجرة لا بد للناس أن يعرفوا أسبابها، وأن يقفوا على مضامينها ومعانيها، ولا بد لهم أن يربطوا بين هذه الهجرة التي يحتفل بذكراها المسلمون اليوم، وقيام دولة الإسلام في المدينة المنوّرة لأول مرة في تاريخ العرب، ولأول مرة أيضًا في تاريخ هذا الكون... وفي عيد الهجرة لا بد للناس أن يوازنوا بين تلك الدولة التي أقامت العدل، وحكمت بالعدل، وأرست دعائم العدل، والعدالة، والإخاء، والمساواة بين الناس على اختلاف ألوانهم، وأديانهم، وألسنتهم.. وهذه الدول التي تستبيح دماء الناس، وأموالهم، وأوطانهم في هذا الزمن الذي يسمونه زورًا وبهتانًا زمنَ الحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة أيضًا!! لا بد للناس أن يوازنوا بين دول النظام الرأسمالي هذه التي تمتصّ – أول ما تمتص – دماء شعوبها، وتقذف بهذه الشعوب إلى جحيم أهوائها وأطماعها، وتضحّي بهم على مذابح التحالفات والاعتداءات الغاشمة على الشعوب الضعيفة المسالمة في هذا العالم!!

    لا بد لنا – ونحن نستقبل هذه الذكرى – أن نحسن الموازنة بين عدالة الإسلام، وتسامح المسلمين من جهة، وهؤلاء الذين يستبيحون اليوم كل ديار الإسلام، فينهبون، ويحرقون، ويعتدون... وأمرّ من ذلك وأدهى أنهم بعد كل ممارساتهم المدانة في ديار العروبة والإسلام يتهمون المسلمين والعرب بالتطرف والتعصب والإرهاب!!

    إن هذه الأمة الإسلامية التي تحتفل في الأول من شهر محرم من كل عام بعامٍ هجري جديد تخليدًا لهذه الذكرى العطرة، وتمجيدًا لهذه المناسبة التي يهل هلالها اليوم على أمة الإسلام إنما تفعل ذلك وهي في حال من التشرذم والتمزق والضَّياع ليس من السهل وصفها، وليس من السهل تصديقها..فهذه الأمة رغم الوفرة والكثرة، ورغم أنها لم تغادر ديارها وأوطانها، إلا أنها لا تملك هذه الأوطان والديار، بل لا تملك شيئًَا من قرارها، وأمر نفسها.. وتلك الأمة، بل ذاك النفر الذي ارتحل "سرًّا " من بلدٍ ترك فيه كل ما يملك، إلى بلد ليس له فيه إلا إخوة المعتقَد.. ذاك النفر، أو تلك الأمة كانت تملك كل شيء!! كانت تملك سلاح الحق والإيمان.. كانت تملك مكة التي غادرتْها، والمدينة التي ذهبت تستقري أهلَها، وتحلُّ بين ظهرانيهم، وكانت تملك شبه الجزيرة العربية كلها، بل كانت تملك كل بلاد العرب، وما وراء تلك البلاد منذ اللحظة التي تركتْ فيها كل شيء هنا، وهاجرتْ لتقيم دولتها هناك.. أصبحت تملك كل شيء منذ اللحظة التي اعتنقتْ فيها هذا الدين، واتبعت فيها تعليمات هذا النبي الأميّ العربيّ القائد المعلم صلوات الله وسلامه عليه.. هذا النبي الذي إنما جاء ليصنع مجد هذه الأمة، ويعلي من شأنها بين الأمم، وليضمن لها – صلاة الله وسلامه عليه- سعادة الدارين، وليخرجها من الظلمات إلى النور.

    إننا – ونحن نستقبل هذه الذكرى – نقول : إن أحدًا في شبه الجزيرة لم يكن يتوقع أن يكون للعرب في يوم من الأيام كل هذا الشأن، وكل  هذه الأمجاد.. بل لم يكن ليخطر على بال أحد في هذا الكون أن يخرج العرب من شبه جزيرتهم بهذه القوة، وأن تنطلق أمة الصحراء بكل هذا العنفوان، وأن تتوحد تلك القبائل العربية المتخاصمة المتحاربة لتبني للناس هذه الحضارة العربية الإسلامية في شرق الدنيا وغربها، لتصبح الحواضر العربية الإسلامية، والمدن العربية الإسلامية مشاعل نور وهداية للبشرية.. ولتصبح دمشق عاصمة الدنيا كلها، وكذلك – واحرَّ قلباه – بغداد العروبة والإسلام.. ولتصبح كل المدن العربية، والمدن الإسلامية في بلاد الشام، والعراق ، ومصر، وشبه الجزيرة، والمغرب العربي، والأندلس، وفي بلاد المشرق الإسلامي التي لا تكاد تُحصى عددًا مراكز علم وحضارة يقصدها طلاب العلم والمعرفة من سائر أقطار الدنيا... إن أحدًا لم يكن يتوقع أن يحدث كل هذا لولا هذا الإسلام الذي وحّد العرب.. ولولا هذه الهجرة التي أقامت دولة الإسلام في مدينة الرسول الأعظم.. ولولا أولئك الرجال الأباة الذين ما انحنت هاماتهم إلا لله، فكانت لهم الغلبة، وكانت لهم العزة، وكانت لهم الدنيا التي عمروها ونشروا في ربوعها رسالة الحق والعدل والسلام.

    في هذا العام الهجري الجديد لا بد من وضع وحدة الهدف والموقف والمصير على رأس سلّم الأولويّات في سائر أقطار العروبة والإسلام.. ولا بد من العمل الفوريّ الجاد لتحقيق التكافل والتضامن والتعاون بين شعوب العرب والمسلمين في محاولة جَسورة لوضع شعار التضامن الإسلامي موضع التنفيذ العملي.. وضرورة التزام سائر أقطار العروبة والإسلام بالمواقف والقرارات النابعة من مصالح هذه الأقطار في الحرية، والتحرر ، والسيادة، والتقدم، والرِّفاء، والبناء، والإعمار...لابد أن يعود المسلمون كما كانوا أمة كريمة عزيزة مرهوبة الجانب حرة أبية.

    وفي هذا العام الهجري الجديد لا نريد أن تكون هذه الذكرى العطرة – كغيرها من مناسباتنا العظيمة – مجرد يوم عطلة رسمية تغلق فيه مدارسنا ودوائرنا أبوابها؛ فقد كره الناس هذه العطل التي لم تعد عليهم إلا بالضرر والخسران... في عيد الهجرة – وفي غيره من أعيادنا – نريد عملاً، وجهدًا مضاعفًا.. نريد علمًا ومعرفة..  نريد رجولة وصلابة في المواقف.. نريد تشبُّثًا بالحقوق .. نريد عزّةً وكرامة.. نريد وحدة في المواقف والمشاعر وفي الغايات والأهداف.

وفي هذا العام الهجري الجديد لا ننسى أن نشد على أيدي كافة الأُباة الأحرار الكرام في سائر ديار العروبة والإسلام، ولا ننسى أن نشيد بمواقف أنصار الحق والعدل والحرية في كافة أنحاء هذا العالم.وكل عام وانتم بخير

 

26/12/2008

   

  


الأربعاء، ٢٤ كانون الأول ٢٠٠٨

متابعات

كلمات.. في الانتخابات والتعيينات

أ. عدنان السمان   

www.samman.co.nr

في الأول من هذا الشهر، وفي هذا المكان كتبتُ مقالة تحت عنوان (كلام.. في عملية السلام) واليوم أكتب شيئًا قريبًا من ذاك في هذه الأيام التي يحمل فيها هذا العام عصاه ليرحل.. إنه كلام.. في العملية الانتخابية التي أصبحت حديث الناس، وشغلهم الشاغل في هذه الديار. صحيح أن آلامنا في هذا الجزء في العالم تفوق الخيال، وتجلّ عن الوصف، وصحيح أن كل ما في الدنيا من انتخابات لا يمكن أن تضع حدًّا لهذه الآلام، ولكنْ صحيح أيضًا أن الانتخابات حق من حقوق هذا الشعب، بل حق من أبسط حقوق هذا الشعب، وهذا يعني أن تُجرى الانتخابات بكل أشكالها، وأسمائها، ومسمياتها، ومستوياتها في مواعيدها المحددة دون إبطاء، أو تأخير، أو تأجيل.

قد يقول قائل: إن التعيين يأتي في كثير من الأحيان بأناس على جانب عظيم من الكفاءة، والمقدرة، والتحلي بروح المسئولية، والإخلاص للوطن، والوفاء للمواطن.. وقد يقول قائل: إن الانتخاب تأتي في بعض الأحيان، أو في كثير من الأحيان بأناس على نقيض ذلك تمامًا.. وفي تاريخ هذا البلد نماذج كثيرة تشهد على ذلك، ولا حاجة بنا لضرب الأمثلة، وذكر الأسماء، فهذا ليس من حقنا.

وما من شك في أن ما يقوله هذا القائل أو ذاك صحيح.. ولكن هل نستطيع أن نحتجّ بذلك؛ فنعمد إلى وقف العمل بمبدأ الانتخاب، لنعمل بمبدأ التعيين؟ وهل نستطيع أن نصرّح بهذا أمام شعوب أوروبا وحكوماتها، وأمام الأمريكيين الذين انتخبوا بالأمس القريب برّاك حسين رئيسًا لهم؟ وهل نستطيع أن نصارح بذلك شعبنا بكل فئاته، وتياراته، ومستوياته، وأحزابه، ومثقفيه؟ هل صحيح أن بإمكاننا أن نجري الانتخابات متى نشاء، وأن نجمدها، ونوقف العمل بها متى نريد، لنعيّن من نشاء، ونعزل من نشاء؟ ومن نحن حتى نفعل هذا كله؟ ومن نحن حتى نلغي حقًَّا ونهجًا بدئ العمل به منذ عهد بني عثمان في كثير من مدن هذه البلاد دون أن يفكر أحد في إلغائه؟

وإذا كان هنالك من يفكر في التعيين، ويجنح إليه بدلاً من الانتخاب لهذا السبب أو ذاك، ولهذه الغاية أو تلك، فليقل للناس كيف من الممكن أن يتم ذلك، وليدلهم (مشكورًا) على الفرد أو الأفراد، وعلى الجهة أو الجهات التي تملك هذا الحق، وتملك حق العمل به!!

أغلب الظن أن أحدًا لا يملك حقًّا كهذا وأغلب الظن أن إجراء الانتخابات هو الإجراء السليم لوضع النقاط على الحروف في كثير من قضايا هذا الوطن، ولحل كثير من مشكلاته، وكثير من أزماته، ولوضع حل لكثير من القضايا الخلافية التي فجَّرتْ كثيرًا من المشكلات والصراعات والانقسامات التي عصفت بالوطن والمواطن، وأتت على كثير من القيم، والمثل العليا، والثوابت والأخلاقيات، والجماليات التي آمن بها هذا الشعب، وتغنى بها وأحبها، وأضحت جزءًا لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي، وتكوينه الفكريّ، والثقافيّ، والنفسيّ، غير القابل للتغيّر والتبدّل بتغيّر الأزمنة، وبتغيّر الوجوه، وتغيّر الظروف والأحوال.

وإذا كان الأمر كذلك فلابد من البدء في الحال للتحضير بأقصى سرعة لإجراء الانتخابات البلدية في تلك المدن والقرى السبعين التي أجريت فيها الانتخابات البلدية في مثل هذا اليوم (الخامس والعشرين) من العام (2004) على أن تجرى الانتخابات لاحقًا في تلك المدن والقرى التي أجريت فيها الانتخابات في 5/5/2005، ثم في تلك التي أُجريت الانتخابات فيها بتاريخ 15/12/2005، وهكذا إلى أن تجرى هذه الانتخابات البلدية في سائر مدن الوطن وبلداته وقراه دون أدنى استثناء، وفي المواعيد والتواريخ المحددة.

ولعل من الضروري، ونحن نتكلم في موضوع الانتخابات أن نشير إلى أن انتخابات المجلس التشريعي كانت قد أجريت بتاريخ (25/1/2006) وأن الانتخابات الرئاسية قد أجريت بتاريخ (9/1/2005).

بقي أن أقول إن المنتخَبين يستمدون الشرعية من الناس الذين ينتخبونهم، أما المعينون فيستمدونها ممن عيّنهم.. والفرق بين الأمرين كبير؛ فالشعوب هي التي تمنح الشرعية، وتمنح القوة، والشعوب أيضًا هي التي تصنع التاريخ وتكتبه...

22/12/2008


متابعات

مبارك وليفني ..ولقاءات الخميس!!

أ. عدنان السمان   

www.samman.co.nr

 

تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية زعيمة حزب كديما المرشح للفوز في الانتخابات الإسرائيلية القادمة تُجري في القاهرة (يوم الخميس 25/12/2008 ) لقاءات مكثفة مع الرئيس المصري حسني مبارك، ووزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، وعدد من المسئولين المصريين... ليفني التي كانت قد طلبت لقاء الرئيس المصري تريد حلاًّ لهذا الوضع المتفجّر في قطاع غزة، والضفة الغربية بعد كل هذه التعقيدات والأزمات التي سبّبها ويسبّبها هذا الوضع المتفجر لإسرائيل، وبعد كل هذا التوتر المشوب بالقلق الشديد محليًّا وعربيًّا ودَوليًّا جرّاء احتمالات التصعيد التي تتهدد هذه المنطقة من العالم بنتائج كارثية لا تحمد عقباها على الإسرائيليين والفلسطينيين، وعلى كثير من الأنظمة العربية، وعلى العلاقات العربية العربية التي تتأثر كثيرًا أو قليلاً بما يجري على أرض فلسطين بعامة، وعلى أرض القطاع بخاصة من حوادث وأحداث.

 

ليفني تريد حلاًّ لوضع معقّد متفجر خطير كانت السياسة الإسرائيلية من أبرز أسباب نشوئه، وكانت نظريات التوسع والأمن الإسرائيلية التي أخضعت لحساباتها الصارمة، واعتباراتها ومخططاتها فلسطين كلها، ثم أقطار الجوار العربية ثم سائر أقطار العروبة والإسلام بنسب متفاوتة، وأشكال مختلفة..هذه الحسابات والمخططات التي تؤكد على حق إسرائيل المطلق في قيادة هذه المنطقة من العالم بهذا الشكل أو ذاك، وبهذه الطريقة أو تلك، وإن وجد من يعترض على ذلك فإن لها كل الحق في أن تحاربه كما تريد إلى أن يستسلم أو يبيد.

 

ولما جاءت حسابات الحقل مخالفة لحسابات البيدر، ولما أخذت الرياح تجري بما لا تشتهي سفن الإسرائيليين؛ فإنهم يحاولون اليوم –كعادتهم- أن يستعينوا (بأصدقائهم) في حل هذه المشكلات التي تواجههم هنا وهناك وهنالك على كل أرض فلسطين، وعلى كل أرض العرب، وعلى كل أرض المسلمين، وفي كل مكان من هذا العالم الذي نرى فيه اليوم من يرفع صوته مطالبًا بالحرية والخلاص والعدالة للفلسطينيين في غزة، وبالحرية والخلاص والعدالة للفلسطينيين في كل مكان من فلسطين وغير فلسطين، وفي كل مكان من ديار العروبة، وبلاد المسلمين.

 

الرئيس المصري حسني مبارك يدرك جيدًا حقيقة الأوضاع في قطاع غزة، ويدرك جيدًا مطالب أهل القطاع المتمثلة في فتح المعابر، ورفع الحصار، والالتزام بالتهدئة في قطاع غزة والضفة الغربية، والكفّ عن ملاحقة الناس والاعتداء عليهم، ويدرك جيّدًا ضرورة نجاح الحوار الفلسطيني في إنهاء حالة الانقسام، وعودة الوحدة الوطنية الفلسطينية إلى سابق عهدها.. الرئيس المصري الذي يدرك جيدًا كل هذه الحقائق، وحقائق أخرى قد لا يدركها غيره حول أوضاع الفلسطينيين في بلادهم فلسطين، وفي غير فلسطين سيبيّن لوزيرة الخارجية الإسرائيلية ما على حكومتها أن تفعله من أجل سلام حقيقي في فلسطين.. سيبيّن لها أن إحلال السلام شيء، ومجرد الحديث عنه شيء آخر، وأن السلام لا يتحقق بالكلام، ولا يتحقق بالأماني والأحلام والأوهام، ولا يتحقق بإلغاء حقوق الأطراف الأخرى، أو القفز عنها، ولا يتحقق بتجاهل الشركاء، واضطهادهم، وتجويعهم، والتنكيل بهم، وحصارهم، والاستخفاف بحرياتهم وبأرواحهم كل هذا الاستخفاف غير المسوّغ، وغير المستساغ... سيطلب الرئيس المصري حسني مبارك من وزيرة الخارجية الإسرائيلية أن يُخرج الإسرائيليون الفلسطينيين في فلسطين وخارجها من دائرة صراعاتهم السياسية، وخلافاتهم الفكرية، ودعاياتهم الانتخابية، لأن الفلسطينيين أكبر من تلك الصراعات، وأكبر من تلك الخلافات، وأكبر من كل تلك الدعايات... الفلسطينيون طلاب حق، ورقم صعب، بل الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاهله، ولا يمكن تجاوزه، ولا يمكن القفز عنه إذا أراد المجتمع الدولي أن يتوصل إلى سلام حقيقي دائم في هذه المنطقة من العالم، وإذا أرادت إسرائيل أن تخرج من كل أزماتها، ومن كل إشكالاتها، ومن كل مظاهر الكراهية والعداء التي تحيطها بها الشعوب في بلاد العرب، وفي بلاد المسلمين، وفي كثير من بلدان هذا العالم.

 

الفلسطينيون في غزة كالفلسطينيين في الضفة الغربية، كالفلسطينيين في كل مكان من هذا العالم غالبيتهم الساحقة تؤكد على ضرورة رفع الحصار، وفتح المعابر، والكف عن كل مظاهر التسلط والعدوان، وإزالة الجدار، والانسحاب الكامل حتى حدود الرابع من حزيران وتنفيذ سائر قرارات المجتمع الدولي، والشرعية الدولية الصادرة بحق القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

وبعد

فهل تنتصر استراتيجية السلام العادل الشامل المتكافئ الدائم الذي لا غالب فيه ولا مغلوب، والذي تعود معه الحقوق إلى أصحابها؟ وهل يتغلب الاستراتيجي على التكتيكي؟ والواقعي على الخيالي الانتخابي؟ والعملي على التوسعي ووهم الإمبراطوريات الحديثة في الشرق الأوسط الجديد؟ وهل تنجح المحاولات المصرية في رأب الصدع على الساحة الفلسطينية؟ وهل يؤتي الحوار الفلسطيني الفلسطيني ثماره في تكريس الوحدة الوطنية الفلسطينية؟ وهل تنجح هذه الوحدة معززة بالإسناد العربي، والمؤازرة الدولية في إحقاق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني؟ وهل تنجح لقاءات الخميس بين الرئيس مبارك وزعيمة كديما ليفني في محاصرة الوضع المتفجر في قطاع غزة؟ وهل تتحول هذه الهدنة المؤقتة المضطربة إلى هدنة طويلة الأمد يتمكن الفلسطينيون خلالها من ترميم أوضاعهم الداخلية، والنهوض بشأنهم السياسي، وتحقيق أهدافهم في الوحدة والحرية والتحرر والاستقلال؟؟

24/12/2008


الثلاثاء، ٢٣ كانون الأول ٢٠٠٨

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

4.                زواج!!     بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

 

    صديقُ طفولتي "جلال" يحتفظُ بكثيرٍ من الحيويةِ والنضارةِ والشبابِ رغمَ تَقدُّمِه في السنّ.. ماتتْ زَوْجُهُ منذُ مدة.. لا يرغبُ في العيشِ مَعَ أحدٍ من أبنائِه.. قادر على توفيرِ ما يلزمُ البيت.. صحتُهُ جَيّدة.. عرضَ عليهِ "أولادُ الحلالِ" أن يقترنَ بأرملةِ الحيِّ الجميلةِ التي لَزِمَتْ بيتَها، وَعَزَفَتْ عن التّفكيرِ بمتاعِ الحياةِ بعدَ وفاةِ المرحوم.

    أقنَعها أولادُ الحلالِ بأنَّ صديقي "جلال" هو الزوجُ المناسبُ الذي قد يُؤنسُ وحْدَتَها، ويبدّدُ وحشَتَها، ويخرجُها من عُزلتِها بما يتمتعُ بهِ من الحكمةِ والتجربةِ، وطيبةِ القلبِ، والمكانةِ الاجتماعيةِ، والقدرةِ على الإنفاق.

    كما قامَ هؤلاءِ أيضًا بالدَّورِ نفسِهِ في إقناعِ "جلال" بأنَّ أرملةَ الحيَّ الجميلةَ بحاجةٍ إلى رجلٍ يعيلُها، وزوجٍ يحميها، ويُعيدُ إليها الثقةَ بالنفسِ، ويبعثُ فيها حبَّ الحياةِ من جَديد.. وهذه هي طبيعةُ الحياةِ، وسُنَّةُ اللهِ في خَلْقِه.. ولنْ تجدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلا.

    قال جلال: ماذا يريدُ هؤلاءِ الرفاقُ مني بعد أن بلغَ الكبرُ مني مبلَغَهُ؟

    قلتُ: يريدونَ أن تعيشَ حياتَك أيُّها الصديق.

    قال: إنني أعيشُها كما أريد.. لا كما يريدون..

    قلت: الحياةُ بدون امرأةٍ ليستْ حياة.

    قال: عجيب أمرُك.. إن لَكَ في كل يومٍ رأيًا فيهِنّ!!

    قلت: أبدًا والله، إن رأيي فيهنَّ لم يتغيّرْ منذُ عرفتُهنّ.. وإنني أتّفق في ذلكَ معَ صديقنا الشاعرِ إذ يقولُ:

بِسوى المرأة عَيْشٌ لا يَسُوغْ                فَهْيَ أَصْل في ذَكاءٍ وَنُبوغْ

وأرى أَسْعَدَ شَيْءٍ في الدُّنا                  رَجُلاً واصَلَها مُنذُ الْبُلوغْ

    قال: لِلهِ دَرُّك! ولا فُضَّ فمُ شاعرنا عليّ·.. قل لي: وماذا بشأنِ أرملةِ الحيِّ الجميلةِ التي تتحدثونَ

عنها؟

    قلت: هي سيّدة جميلة حقًّا.. هاجرَ أهلُها إلى أقصى شمالِ القارةِ الأوروبيةِ منذ زمن.. وبقيتْ هنا معَ زوجها الذي رحل عنها، فأصبحت وحيدة ليس لها من معيل.. والآنَ يريدُ رفاقُكَ أن يَزُفّوها إليكَ أيها الرفيقُ المحترم.. ونصيحَتي إليكَ أن لا ترفضَ هذا العَرْضَ.. فأنتَ بحاجةٍ لزوجةٍ كهذه!

    قال: سأرى..

    وبقيتْ هذه النّخبةُ الطيبةُ من أهلِ الحيِّ تبذلُ مساعيها حتى تكَلّلتْ هذه المساعي بالنجاح.. واقترنَ العروسان..ولكن شهدَ الحيُّ في تلك الليلةِ اجتياحًا مُرعبًا.. وكانت المداهماتُ، والمصادماتُ، والاعتقالاتُ، والاغتيالاتُ، وإخلاءُ البيوتِ من سكانِها.. والقذفُ بهم في العَراءِ.. كانتْ ليلةً حالكةَ السّوادِ.. مخيفةً مرعبةً رهيبة... لم يمتْ "جلال" في تلك الليلةِ.. ولكنّه اعتزلَ الحياةَ والناسَ.. وانطوى على نفسه.. وساءتْ حالُهُ أكثر بعد أن عَرفتْ نوْبات من البكاءِ المرِّ طريقَها إليه.. لقد زرتُه كثيرًا.. وتحدثتُ إليه مُستفسِرًا عمّا جرى.. ولماذا يحدثُ كلُّ ما يحدث، وأين هي عروسُه التي زُفَّتْ إليه في ليلةِ الاجتياح تلك.. ولكنّه لم يكنْ لينطقَ بكلمةٍ واحدةٍ.. بل يبكي كالأطفالِ بكاءً يمزِّقُ القلوب..

    وفي ليلة من الليالي.. وأمام إلحاحي عليهِ، وتوسّلاتي إليه بأنْ يُجيبني عن أسئلتي واستفساراتي.. نظر إليَّ وعيناهُ مغرورقتانِ بالدمعِ وَقال:

    "أما أنا فقد انتهى أمري.. أتعرفُ ما الذي تَعنيه هذه الكلمات؟ لقد كانت الصدمةُ أقوى من مَقْدرتي على الاحتمال.. أرأيتَ كيفَ دخلوا بيتي؟ لا أحدَ يعرفُ كيفَ اختفتْ حقيبتي الصغيرةُ التي أحتفظُ بها منذ أيامِ الشباب والتي أُودِعُها فلوسي، وأَوراقي الثبوتيةَ، وكثيرًا من المستنداتِ والوثائقِ الرسميّةِ.. صحّتي الجسديّةُ في أسوأ أحوالِها.. ولم يعدْ لديَّ الحدُّ الأدنى من الرغبةِ في هذه الحياة.. والصحةُ النفسيةُ في الحضيض.. لقد خرج الأمرُ من يدي.. وفقدتُ السيطرةَ على "جلال" المهزومِ المحطّمِ الذي ينتظرُ نهايتَهُ في كل لحظة".

    قلت: هذا مرعب.. و"فلانة"؟

    قال: في اليومِ التالي لذلك الاجتياح المرعبِ، وبعد أن أصبحتِ الحركةُ ممكنةً نسبيًّا سلكتْ "فلانة" ذلك الطريقَ الجبليَّ وحيدةً (بعد أن فقدتُ القدرةَ على المشي كما ترى) متوجهةً إلى بيتِ قريبٍ لي هناك في قريةٍ خلفَ الجبلِ يعملُ مُسْعِفًا، وصيدلانيًّا، وطبيبًا، وممرضًا مَعَ عَدَدٍ من أصدقائِهِ العاملينَ في مجالِ المهنِ الطبيّةِ يُقدّمونَ العونَ للناس.. وقد حمَّلتُها رسالةً إليه.. وقد وصلتْ "فلانة"، كما وصلتِ الرسالةُ.. هل فهمتَ؟

    ثم اعتــدل "جلال" في جلستِهِ قليلاً.. وقالَ (كَالمخاطبِ نَفسَهُ) بصوتٍ خافتٍ: "مكانَكُمْ أيها المعتَدونَ الباغونَ الطامعون.. مَكانَكُمْ أيها العتاةُ السفّاحونَ.. يا مَن أرعبتُمْ الأطفالَ، وَرَوَّعْتُمْ رَبّاتِ الحِجال، ونَسَفْتُمْ كل جُسورِ الثقة، وقَتَلتُمْ كلَّ كلمةٍ طيبةٍ كان من الممكنِ أن تُقالَ لتحلَّ محلَّ كلِّ هذا الخرابِ والدَّمارِ الذي يَغشى البِلادَ والعباد... مَكانَكُمْ أيُّها المخدوعونَ اللاهثون خلفَ السَّراب.. رُوَيْدَكُمْ رويدكم.. فقد أتى يومُ الحساب.. لقد روى لنا الأجدادُ قصّةً مثيرة كانوا يسمعونها من آبائهم عن أناس كانوا يعيشون هناك خلف مغرِبِ الشمسِ بقليل، وكانوا دائمًا يرددون في ختام هذه العبارات الساخنة قولَهم:

    "لن تُفلتوا.. لن تُفلتوا من العقاب". أفهمتَ الآن؟ هل فهمت؟

    قلت: نعم.. يا جلال.. بقي أن تفهمَ أنتَ أن علاجَك ممكن.. وأنّك ستُغادرُ غدًا إلى المشفى الذي سَيتولّى أمْرَك.. وَثِقْ يا "جلالُ" أنَّنا في الحيِّ سَنَظَلُّ ننتظرُ عودتَكَ إلينا سالمًا.. على أحرّ من الجمر.

(2007)


 


الأحد، ٢١ كانون الأول ٢٠٠٨

اذهب


اذهبْ

                                                       شعر:عدنان السمان  

www.samman.co.nr               

 

اذهب فقد نطق التخلفُ والغباءُ بناظريكْ

والجهل يا مغرورُ شدَّ رحاله وهفا إليكْ

العنفُ والإرهابُ والعدوان طبعُك والغباءْ

اذهب فقد هُزمت رؤى التحشيش ، وانتصر الحذاءْ

والعارُ لفَّك أيها المعتوه، والحربُ سجالْ

قد قالها الكرْخيُّ : "والمحتل يُضرب بالنعالْ"

أنهى بها الزيديُّ يا بغدادُ عهدَ الغطرسهْ

واختطًّ للأحرار تاريخًا وأسَّسَ مدرسهْ

اذهب فقد كرهتْ شعوبُ الأرض فعلَك والخصامْ

يا لعنةَ التاريخِ .. والأوغادُ عيشُهمُ حرامْ

هذا هو الزيديُّ يا دنيا، وهذا المنتظَرْ

بالحرف جاء مقاتلاً بالنَّعل من بعد الحجرْ

لم يكترثْ هذا الأبيُّ بخصمنا يوم النزالْ

فرماه بالسبّاط زمجرَ وهو يخترق المجالْ

والعلجُ يَحني رأسه في ذلةٍ كي لا يُصابْ

والفارس الغضبان يرسلها بعزمٍ كالشهابْ

يا أمتي يا أمةَ الأحرارِ والنَّصر المبينْ

ثوري على الطغيان بئسَ العيشُ عيشُ الراكعينْ

وتمردي في عزة، ولتعزفي لحن الحياهْ

وتشبثي بالحق لا تستسلمي..إنا أُباهْ

ثوري على العدوان وامتشقي السلاح ورددي

" الله أكبر يا بلادي فوق كيد المعتدي"

ثوري على الجلاد، هذا العيشُ لا عيشُ العبيدْ

قد هلَّ عامُ النصر يا وطني..فهذا اليومُ عيدْ

بسواعد الأحرارِ والثوارِ نبني الموطنا

فالليلُ مهما طال مهما اسودَّ إنا ههنا

والكوكب السيار- يا أحرارُ- زيديُّ العراقْ

تاجٌ على هام الصحافةِ والرجولةِ يا رفاقْ

صوتٌ يجلجل في ضمائر أمتي وعقولِها

خيرٌ عميم حلَّ في عرض البلاد وطولِها

قد وحَّد العُرْبَ الأُباةَ حذاءُ هذا المنتظَرْ

ياليت شِعري أيُّ سرٍّ فيكَ؟ يا أحلى خبرْ!!

 

الأحد 14/12/2008