عزيزتي .. عزيزي


ما أجمل أن نلتقيَ على كلمة طيبةٍ في كلَّ يوم ! ما أجملَ أن نلتقيَ لِنحقَّ حقا ، ونزهقَ باطلا ونحيي ثقافة ، وننصفَ مظلومًا ، وننقدَ واقعًا أليمًا ، ونوقدَ شمعة تمزق من حولنا الظلام .
أعزائي .. يا أنصارَ الحق ، وطلابَ الحقيقة ، ومحبي الخير والجمال أفرادًا ، وجماعاتٍ ، ومجموعاتٍ ، ومؤسساتٍ ، نساءً ، ورجالا ، فتية ، وفتيات .. يا كلَّ المؤمنين بحق شعبنا العربي الفِلسطيني في العيش باحترام ، وأمن ، وأمان فوق ثرى وطنه الغالي فلسطين .. ويا كلّ عشاق هذه اللغة العربية من أبنائها وبناتها ، ومعلميها ومُتعلميها .. يا كلّ شعبنا.. يا كلّ العرب .. يا كلّ المؤمنين بحق الشعوب في الخلاص من التبعية ، والاستعباد ، والاستبداد ، وبحقها في التحرر، والبناء ، والإعمار ، والسيادة على ترابها الوطني ... هذا موقعكم .. ستجدون فيه ما يسركم من فكر ، ورأي ، ومقال سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي ، ونقدي ، وأدبي .. ستجدون فيه نثرًا وشعرًا ، وقصة ، وحكاية ، وستجدون فيه كتبًا ، ومتابعاتٍ ، ومقابلاتٍ ، ومواجهاتٍ ، ومراسلاتٍ ، ومساجلاتٍ ..ستجدون فيه كثيرًا مما كتبتُ على امتداد العقود الماضية ، وبخاصة في " القدس " المقدسية ، والبيادر السياسي ، وغيرهما من مطبوعات هذه الديار وصحفها .. وسأوافيكم من خلاله بكل ما سأكتب ... مكتفيـًا في هذه المرحلة بالكتابة إليكم ، حتى إذا ما فرغتُ من إحياء ما لديّ من قديم( مخطوطٍ ومطبوعٍ) ووضعتـُه بين أيديكم في موقعكم هذا ، وتفرغتُ بشكل كامل للكتابة في قضايا الساعة فتحتُ المجالَ أمامكم للمشاركة ، والمساهمةِ ، والنقاش والحوار ، والأخذ والرد على غرار ما تفعله كثير من المواقع الرائدة التي نكنّ لها كل الاحترام ، وندين لها بالولاء والعرفان ، ونتقدم منها بالتحية والتقديروالامتنان .
أرحب بكم في موقعكم هذا .. موقع الأسرى ، والعمال ، والفلاحين ، والطلبة ، والمثقفين ، والكتـّاب ، والأدباء ، والشعراء .. موقع المؤسسات ، وكافة أحرار هذا الوطن وحرائره ..مثمنـًا وقوفكم إلى جانبي .. آملا أن يكون لي شرف الإسهام في خدمة الوطن والمواطن في بلادنا العزيزة فِلـَسطين .. وفي كل ديار العروبة والإسلام.
عدنان السمان
15/6/2008


الثلاثاء، ٢٣ كانون الأول ٢٠٠٨

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

4.                زواج!!     بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

 

    صديقُ طفولتي "جلال" يحتفظُ بكثيرٍ من الحيويةِ والنضارةِ والشبابِ رغمَ تَقدُّمِه في السنّ.. ماتتْ زَوْجُهُ منذُ مدة.. لا يرغبُ في العيشِ مَعَ أحدٍ من أبنائِه.. قادر على توفيرِ ما يلزمُ البيت.. صحتُهُ جَيّدة.. عرضَ عليهِ "أولادُ الحلالِ" أن يقترنَ بأرملةِ الحيِّ الجميلةِ التي لَزِمَتْ بيتَها، وَعَزَفَتْ عن التّفكيرِ بمتاعِ الحياةِ بعدَ وفاةِ المرحوم.

    أقنَعها أولادُ الحلالِ بأنَّ صديقي "جلال" هو الزوجُ المناسبُ الذي قد يُؤنسُ وحْدَتَها، ويبدّدُ وحشَتَها، ويخرجُها من عُزلتِها بما يتمتعُ بهِ من الحكمةِ والتجربةِ، وطيبةِ القلبِ، والمكانةِ الاجتماعيةِ، والقدرةِ على الإنفاق.

    كما قامَ هؤلاءِ أيضًا بالدَّورِ نفسِهِ في إقناعِ "جلال" بأنَّ أرملةَ الحيَّ الجميلةَ بحاجةٍ إلى رجلٍ يعيلُها، وزوجٍ يحميها، ويُعيدُ إليها الثقةَ بالنفسِ، ويبعثُ فيها حبَّ الحياةِ من جَديد.. وهذه هي طبيعةُ الحياةِ، وسُنَّةُ اللهِ في خَلْقِه.. ولنْ تجدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلا.

    قال جلال: ماذا يريدُ هؤلاءِ الرفاقُ مني بعد أن بلغَ الكبرُ مني مبلَغَهُ؟

    قلتُ: يريدونَ أن تعيشَ حياتَك أيُّها الصديق.

    قال: إنني أعيشُها كما أريد.. لا كما يريدون..

    قلت: الحياةُ بدون امرأةٍ ليستْ حياة.

    قال: عجيب أمرُك.. إن لَكَ في كل يومٍ رأيًا فيهِنّ!!

    قلت: أبدًا والله، إن رأيي فيهنَّ لم يتغيّرْ منذُ عرفتُهنّ.. وإنني أتّفق في ذلكَ معَ صديقنا الشاعرِ إذ يقولُ:

بِسوى المرأة عَيْشٌ لا يَسُوغْ                فَهْيَ أَصْل في ذَكاءٍ وَنُبوغْ

وأرى أَسْعَدَ شَيْءٍ في الدُّنا                  رَجُلاً واصَلَها مُنذُ الْبُلوغْ

    قال: لِلهِ دَرُّك! ولا فُضَّ فمُ شاعرنا عليّ·.. قل لي: وماذا بشأنِ أرملةِ الحيِّ الجميلةِ التي تتحدثونَ

عنها؟

    قلت: هي سيّدة جميلة حقًّا.. هاجرَ أهلُها إلى أقصى شمالِ القارةِ الأوروبيةِ منذ زمن.. وبقيتْ هنا معَ زوجها الذي رحل عنها، فأصبحت وحيدة ليس لها من معيل.. والآنَ يريدُ رفاقُكَ أن يَزُفّوها إليكَ أيها الرفيقُ المحترم.. ونصيحَتي إليكَ أن لا ترفضَ هذا العَرْضَ.. فأنتَ بحاجةٍ لزوجةٍ كهذه!

    قال: سأرى..

    وبقيتْ هذه النّخبةُ الطيبةُ من أهلِ الحيِّ تبذلُ مساعيها حتى تكَلّلتْ هذه المساعي بالنجاح.. واقترنَ العروسان..ولكن شهدَ الحيُّ في تلك الليلةِ اجتياحًا مُرعبًا.. وكانت المداهماتُ، والمصادماتُ، والاعتقالاتُ، والاغتيالاتُ، وإخلاءُ البيوتِ من سكانِها.. والقذفُ بهم في العَراءِ.. كانتْ ليلةً حالكةَ السّوادِ.. مخيفةً مرعبةً رهيبة... لم يمتْ "جلال" في تلك الليلةِ.. ولكنّه اعتزلَ الحياةَ والناسَ.. وانطوى على نفسه.. وساءتْ حالُهُ أكثر بعد أن عَرفتْ نوْبات من البكاءِ المرِّ طريقَها إليه.. لقد زرتُه كثيرًا.. وتحدثتُ إليه مُستفسِرًا عمّا جرى.. ولماذا يحدثُ كلُّ ما يحدث، وأين هي عروسُه التي زُفَّتْ إليه في ليلةِ الاجتياح تلك.. ولكنّه لم يكنْ لينطقَ بكلمةٍ واحدةٍ.. بل يبكي كالأطفالِ بكاءً يمزِّقُ القلوب..

    وفي ليلة من الليالي.. وأمام إلحاحي عليهِ، وتوسّلاتي إليه بأنْ يُجيبني عن أسئلتي واستفساراتي.. نظر إليَّ وعيناهُ مغرورقتانِ بالدمعِ وَقال:

    "أما أنا فقد انتهى أمري.. أتعرفُ ما الذي تَعنيه هذه الكلمات؟ لقد كانت الصدمةُ أقوى من مَقْدرتي على الاحتمال.. أرأيتَ كيفَ دخلوا بيتي؟ لا أحدَ يعرفُ كيفَ اختفتْ حقيبتي الصغيرةُ التي أحتفظُ بها منذ أيامِ الشباب والتي أُودِعُها فلوسي، وأَوراقي الثبوتيةَ، وكثيرًا من المستنداتِ والوثائقِ الرسميّةِ.. صحّتي الجسديّةُ في أسوأ أحوالِها.. ولم يعدْ لديَّ الحدُّ الأدنى من الرغبةِ في هذه الحياة.. والصحةُ النفسيةُ في الحضيض.. لقد خرج الأمرُ من يدي.. وفقدتُ السيطرةَ على "جلال" المهزومِ المحطّمِ الذي ينتظرُ نهايتَهُ في كل لحظة".

    قلت: هذا مرعب.. و"فلانة"؟

    قال: في اليومِ التالي لذلك الاجتياح المرعبِ، وبعد أن أصبحتِ الحركةُ ممكنةً نسبيًّا سلكتْ "فلانة" ذلك الطريقَ الجبليَّ وحيدةً (بعد أن فقدتُ القدرةَ على المشي كما ترى) متوجهةً إلى بيتِ قريبٍ لي هناك في قريةٍ خلفَ الجبلِ يعملُ مُسْعِفًا، وصيدلانيًّا، وطبيبًا، وممرضًا مَعَ عَدَدٍ من أصدقائِهِ العاملينَ في مجالِ المهنِ الطبيّةِ يُقدّمونَ العونَ للناس.. وقد حمَّلتُها رسالةً إليه.. وقد وصلتْ "فلانة"، كما وصلتِ الرسالةُ.. هل فهمتَ؟

    ثم اعتــدل "جلال" في جلستِهِ قليلاً.. وقالَ (كَالمخاطبِ نَفسَهُ) بصوتٍ خافتٍ: "مكانَكُمْ أيها المعتَدونَ الباغونَ الطامعون.. مَكانَكُمْ أيها العتاةُ السفّاحونَ.. يا مَن أرعبتُمْ الأطفالَ، وَرَوَّعْتُمْ رَبّاتِ الحِجال، ونَسَفْتُمْ كل جُسورِ الثقة، وقَتَلتُمْ كلَّ كلمةٍ طيبةٍ كان من الممكنِ أن تُقالَ لتحلَّ محلَّ كلِّ هذا الخرابِ والدَّمارِ الذي يَغشى البِلادَ والعباد... مَكانَكُمْ أيُّها المخدوعونَ اللاهثون خلفَ السَّراب.. رُوَيْدَكُمْ رويدكم.. فقد أتى يومُ الحساب.. لقد روى لنا الأجدادُ قصّةً مثيرة كانوا يسمعونها من آبائهم عن أناس كانوا يعيشون هناك خلف مغرِبِ الشمسِ بقليل، وكانوا دائمًا يرددون في ختام هذه العبارات الساخنة قولَهم:

    "لن تُفلتوا.. لن تُفلتوا من العقاب". أفهمتَ الآن؟ هل فهمت؟

    قلت: نعم.. يا جلال.. بقي أن تفهمَ أنتَ أن علاجَك ممكن.. وأنّك ستُغادرُ غدًا إلى المشفى الذي سَيتولّى أمْرَك.. وَثِقْ يا "جلالُ" أنَّنا في الحيِّ سَنَظَلُّ ننتظرُ عودتَكَ إلينا سالمًا.. على أحرّ من الجمر.

(2007)


 


الأحد، ٢١ كانون الأول ٢٠٠٨

اذهب


اذهبْ

                                                       شعر:عدنان السمان  

www.samman.co.nr               

 

اذهب فقد نطق التخلفُ والغباءُ بناظريكْ

والجهل يا مغرورُ شدَّ رحاله وهفا إليكْ

العنفُ والإرهابُ والعدوان طبعُك والغباءْ

اذهب فقد هُزمت رؤى التحشيش ، وانتصر الحذاءْ

والعارُ لفَّك أيها المعتوه، والحربُ سجالْ

قد قالها الكرْخيُّ : "والمحتل يُضرب بالنعالْ"

أنهى بها الزيديُّ يا بغدادُ عهدَ الغطرسهْ

واختطًّ للأحرار تاريخًا وأسَّسَ مدرسهْ

اذهب فقد كرهتْ شعوبُ الأرض فعلَك والخصامْ

يا لعنةَ التاريخِ .. والأوغادُ عيشُهمُ حرامْ

هذا هو الزيديُّ يا دنيا، وهذا المنتظَرْ

بالحرف جاء مقاتلاً بالنَّعل من بعد الحجرْ

لم يكترثْ هذا الأبيُّ بخصمنا يوم النزالْ

فرماه بالسبّاط زمجرَ وهو يخترق المجالْ

والعلجُ يَحني رأسه في ذلةٍ كي لا يُصابْ

والفارس الغضبان يرسلها بعزمٍ كالشهابْ

يا أمتي يا أمةَ الأحرارِ والنَّصر المبينْ

ثوري على الطغيان بئسَ العيشُ عيشُ الراكعينْ

وتمردي في عزة، ولتعزفي لحن الحياهْ

وتشبثي بالحق لا تستسلمي..إنا أُباهْ

ثوري على العدوان وامتشقي السلاح ورددي

" الله أكبر يا بلادي فوق كيد المعتدي"

ثوري على الجلاد، هذا العيشُ لا عيشُ العبيدْ

قد هلَّ عامُ النصر يا وطني..فهذا اليومُ عيدْ

بسواعد الأحرارِ والثوارِ نبني الموطنا

فالليلُ مهما طال مهما اسودَّ إنا ههنا

والكوكب السيار- يا أحرارُ- زيديُّ العراقْ

تاجٌ على هام الصحافةِ والرجولةِ يا رفاقْ

صوتٌ يجلجل في ضمائر أمتي وعقولِها

خيرٌ عميم حلَّ في عرض البلاد وطولِها

قد وحَّد العُرْبَ الأُباةَ حذاءُ هذا المنتظَرْ

ياليت شِعري أيُّ سرٍّ فيكَ؟ يا أحلى خبرْ!!

 

الأحد 14/12/2008

 



الأربعاء، ١٧ كانون الأول ٢٠٠٨

"اذهبْ"
                                                 شعر:عدنان السمان  
www.samman.co.nr  
اذهب فقد نطق التخلفُ والغباءُ بناظريكْ
والجهل يا مغرورُ شدَّ رحاله وهفا إليك
العنفُ والإرهابُ والعدوان طبعُك والغباءْ
اذهب فقد هُزمت رؤى التحشيش ، وانتصر الحذاء
والعارُ لفَّك أيها المعتوه، والحربُ سجالْ
قد قالها الكرْخيُّ : "والمحتل يُضرب بالنعال"
أنهى بها الزيديُّ يا بغدادُ عهدَ الغطرسهْ
واختطًّ للأحرار تاريخًا وأسَّسَ مدرسه
اذهب فقد كرهتْ شعوبُ الأرض فعلَك والخصامْ
يا لعنةَ التاريخِ .. والأوغادُ عيشُهمُ حرام
هذا هو الزيديُّ يا دنيا، وهذا المنتظَرْ
بالحرف جاء مقاتلاً بالنَّعل من بعد الحجر
لم يكترثْ هذا الأبيُّ بخصمنا يوم النزالْ
فرماه بالسبّاط زمجرَ وهو يخترق المجال
والعلجُ يَحني رأسه في ذلةٍ كي لا يُصابْ
والفارس الغضبان يرسلها بعزمٍ كالشهاب
يا أمتي يا أمةَ الأحرارِ والنَّصر المبينْ
ثوري على الطغيان بئسَ العيشُ عيشُ الراكعين
وتمردي في عزة، ولتعزفي لحن الحياهْ
وتشبثي بالحق لا تستسلمي..إنا أُباه
ثوري على العدوان وامتشقي السلاح ورددي
" الله أكبر يا بلادي فوق كيد المعتدي"
ثوري على الجلاد، هذا العيشُ لا عيشُ العبيدْ
قد هلَّ عامُ النصر يا وطني..فهذا اليومُ عيد
بسواعد الأحرارِ والثوارِ نبني الموطنا
فالليلُ مهما طال مهما اسودَّ إنا ههنا
والكوكب السيار- يا أحرارُ- زيديُّ العراقْ
تاجٌ على هام الصحافةِ والرجولةِ يا رفاق
صوتٌ يجلجل في ضمائر أمتي وعقولها
خيرٌ عميم حلَّ في عرض البلاد وطولها
قد وحَّد العُرْبَ الأُباةَ حذاءُ هذا المنتظَرْ
ياليت شِعري أيُّ سرٍّ فيكَ؟ يا أحلى خبر!!
الأحد 14/12/2008

الثلاثاء، ١٦ كانون الأول ٢٠٠٨

 ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

3.           حُلُم      بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

    غلبه النعاس، فنام ساعة بعد أن انتصف الليل.. شعر بعدها أنه على عتبات الفجر، أو ربما بعد طلوع الشمس بقليل أو كثير.. استيقظ في أعماقه ذلك الولد ابن الثالثة عشرة عندما كان يرى فتاته ابنة الحادية عشرة، فتغلي في عروقه الدماء تلفح وجهه، حتى تضيع من قدمه الطريق أو تكاد، فيعود أدراجه إلى البيت الذي غادره لتوه تاركًا خلفه أصوات النسوة يغنين أغنيات الفرح والسرور والحبور، ورنات الزغاريد التي تملأ المكان، والزمان، والسمع، والبصر، والفؤاد، والوجدان في ذلك المساء العذب الراقص النشوان... يعود إلى البيت ليكتب كلمات لم يكتب مثلها من قبل .. عن حياة لم يسبق له أن عاشها.. ومشاعر وأحاسيس تتفجر في عروقه الغضة.. ويضيق بوقعها قلبه الصغير... ثم يخرج ليعود، ويعود ليخرج مسجِّلاً مشاعره، وخلجات قلبه في ذلك المساء الساحر الفتان.

    دار الزمان دورته، ودار، ثم دار.. كل شيء قد تغير.. يا للَهول يا لسخرية الأقدار!! .. لقد ذهبوا.. نعم ذهبوا.. ذهب الكبار.. كبر الصغار، عركتهم الحياة.. أنشبت فيهم مخالبها.. عضتهم بأنيابها.. لوحت وجوههم الشموس، وحفر الزمن فيها أخاديده، وترك عليها بصماته التي لا تمحى.. وبقي هكذا محلِّقًا في سماء الذكريات، وفضاءاتها الرحبة البعيدة حتى توقفت السيارة..

    توقفت في المكان الذي تتوقف فيه كل يوم.. أحس أنها هناك تملأ المكان رصاصًا ودخانًا وقذائف.. وصراخًا.. لم يرغب في المواجهة.. بل فضل أن تأخذ فرصتها الكاملة في شرح موقفها والدفاع عنه... تابع السير في ذلك الجو العاصف حتى نهاية الشارع الذي كان يؤدي فيما مضى من أيام إلى اسمين كبيرين لحاضرتين عرفهما أهل هذه الديار منذ الصغر ثم تغيرت الحال، وتبدلت الأحوال .. وأصبح الأمر كله – مثل كثير غيره – من الماضي الذي كان .. وأصبح الناس هنا جزءًا من المشكلة.. رافضين أن يكونوا جزءًا من حل تُنسج خيوطه هناك بعيدًا في دوائر الخصوم.. وقد يكونون في يوم ما جزءًا من حل، وربما كانوا الحل في الآتي من الأيام.. من يدري؟.. فكل شيء ممكن في هذا الكون الأحدب حسب أقوال التاريخ، وإفادات الجغرافية... وهناك - في نهاية الشارع حيث يُطل الناس على مَعلَم بارز من معالم النكبة، وأثر من آثارها الكثيرة المنتشرة هنا وهناك وهنالك- توقف قليلاً لبعض شأنه.. ثم عاد أدراجه ليواجه العاصفة الماطرة القادمة من الغرب حتى فقد إحساسه بوجوده، وفقد الصلة بالمكان حتى خيل إليه أنه يرى كل شيء للمرة الأولى.. وبعد مدة لم يستطع تحديدها قادته قدماه بوعي أو بدون وعي إلى المكان الذي اعتاد التوجه إليه منذ مدّة ليسمع ما يسمع هناك من الكلمات الأمينة الصادقة.. وليشعر بغير قليل من الدفء والارتياح والسعادة.. وليغمض عينيه المسهدتين حتى يصبح عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والخيال.. وحتى يفقد الإدراك أفي يقظة هو أم في منام.. مستسلمًا لسلطان الخيال الآسر بعض الوقت..

    قلّبتْ طرْفها في الصور.. حدّقتْ فيها مليًّا.. الصور السوداء أرهقت اللوز الأخضر قبل تفتّح أزهاره.. ففتر، ولم تسترخ الأهداب المتمردة.. ورفرف الطائر الحزين، فتوهجت في الهزيع الأخير من الليل الشمس، وفي ذروة العاصفة الهوجاء... لست من خريجي مدرسة فرويد، ولا من تلاميذ ماركس النجباء.. أحسست بوهج الصيف يشتد ويشتد.. ورفرف الخافق المعذب بشدة لم أعهدها من قبل..فشعرت بالخوف.. وتراقصت أمام ناظريّ السيوف المشرفية .. ورأيت العواطف مشدودة من شعرها مصلوبة على جدار مبنى وزارة التموين.. وكررت في ذهول: هذه مصيبة.. وأدركت أن الموت حق، وإن اختلفت الأسباب وتعددت: من قذيفة مباشرة، أو مروحية هجومية، أو سيارة مفخخة، أو رصاصة متفجرة، أو خنجر مسموم من خناجر أبي لؤلؤة المجوسي!!

    سر قصيدتي المطوَّلة ما زال محفوظًا.. ما زالت القصيدة تعيش في ضوء القمر تسبح هناك مع الأسماك الجميلة الملونة الناعمة.. أحسست أن الأرض البكر تبقى مجدبة حتى تُستثمر.. ورأيت في الوجه الملتهب حمرة الورد.. حدائق الورد.. غابات الورد الأحمر، وأشجار الصنوبر.. هل حقًّا ما أرى؟

    رأيت كثيرًا من الممثلات البارعات .. والطيور اللاهيات اللاهيات.. ورأيت في ذلك الحلم جموع الصيادين يبحثون عن العصافير الجميلة، يتعقبونها بإصرار.. صيادو اليوم يرمون الحَبَّ للعصافير، فهل رمى ذلك الغبيّ حبّه؟ لا أظن ذلك فالعبد لا يحسن إلا الحلب والصرّ.. (وأبو الدلايل).. ذلك الغبي لا يتقن – إن أتقن شيئًا- إلا الوقوف في بيوت الأجر يتقبل العزاء - ممن  هم على شاكلته من الأغبياء - في بيت يحاول فيه بث سموم الكراهية، ونشر ثقافة التخلف والغباء.. وتمثلتُ قول الشاعر:

فلأغادر هذا "المكان" وأمضي          بسلام إني كرهت البقاءَ!

 وهوى حجر إيليا أبي ماضي الصغير من السد الذي انهار في الحال.. حزنتُ كثيرًا لما أصاب ذلك السد بعد مغادرة الحجر مكانه.. إنني معروف بمحبتي الشديدة للسدود، وبحرصي الشديد عليها من الانهيار.. ومعروف كذلك باحتقاري للأغبياء التافهين المغرورين الكاذبين.. رأيت (محمد الحاج) وهو يعدو في الطريق، ويلوح بيديه، وكان يصيح محذِّرًا منبِّهًا: حية التبن.. إنها خطرة.. احذرها يا صديقي.. أشعر بقرف غير مسبوق ليس عليه من مزيد.. لقد ضاع الحلم.. وانتهى كل شيء كما بدأ..

 

 (5/2/2007م)

 


متابعات

تحية إلى المعلم الفلسطيني في عيده ..

أ‌.       عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

    في الرابع عشر من شهر كانون الأول من كل عام، يحتفل المعلمون في هذه الديار بواحدة من أبرز المحطات في تاريخهم النضالي الطويل الذي يخوضونه منذ عشرات السنين ضد الجهل والجوع والتحكم، وكل محاولات التدخل في العملية التربوية ، لحمايتها من عبث العابثين ، وعدوان المعتدين.. هذا اليوم الذي أسماه بعضهم "يوم المعلم" وأطلق عليه بعضهم الآخر "عيد المعلم"، هو اليوم الذي اقتيد في ليله الماطر البارد العاصف عشرات المعلمين من مختلف مناطق البلاد للاستجواب والتحقيق... مورست بحقهم مختلف أنواع الإهانات، والاستخفاف بمطالبهم العادلة.. كما وجهت إلى كثير منهم صنوف التهديدات إن هم عادوا للمطالبة بشيء مما يُسمى "حقوق المعلم" !! وعلى الرغم من صنوف الأذى والعدوان التي تعرّض لها كثير من المعلمين بعد ذلك.. وعلى الرغم من ألوان التدخل المضاعف الذي تعرضت له العملية التربوية ، واستهدف مدارسنا، وطلبتنا، وكثيرًا من معلماتنا ومعلمينا، إلا أن أحدًا لم يقف إلى جانب المعلمين كما ينبغي .. ولم يسمع المعلمون أكثر من بعض عبارات التأييد، أو التضامن، أو التعاطف الخجول الذي ما تجاوز الشفاه.. وإن تجاوزها أحيانًا مات في المسامع الصماء، أو قبل أن يصل تلك المسامع.. وليت الأمر قد توقف عند هذا .. فلقد راح بعضهم يوجّه للمعلمين ، وحركتهم، ومطالبهم أسوأ عبارات النقد، والتشهير، والتجريح، وعلى الرغم من الإنجازات التي تمكن المعلمون من تحقيقها في ذلك العام التاسع والسبعين من القرن الماضي إلا أن ما حققه بعضهم لنفسه من مكاسب شخصية كان كبيرًا أيضًا، بل لعله كان أكثر من مستهجن، وأكثر من محبِط في بعض الأحيان.. ومع ذلك فقد حاصر المعلمون آنذاك كثيرًا من التوجهات الضارة ، وتجاوزوا كثيرًا من السلبيات التي كانت تستهدف العملية التربوية.

    وباختصار، فقد تمكن المعلمون في أواخر ذلك العام، وفي الأسابيع القليلة الأولى من العام ثمانين وتسعمئة وألف من تحقيق بعض المكاسب المادية، وإدخال بعض التحسينات على رواتبهم الهزيلة.. أما المكسب الكبير الذي حققته تلك الحركة التي نحتفل اليوم بذكراها التاسعة والعشرين فقد كان التأكيد مجددًا على حماية العملية التربوية، والمناهج المدرسية، والمؤسسات التعليمية من عبث العابثين ، وتدخل المتدخلين، وتطفلهم، وفرض الوصايات على المعلم، والمتعلم، والعامل في حقل التعليم .

    وباختصارٍ أيضًا، فقد أثبت المعلمون وجودهم، واستعرضوا جانبًا من قوّتهم، فازدادوا قوة أدركت سرها سائر الأطراف التي كانت تراقب الموقف عن كثب، لفعل ما تراه مناسبًا بحق هذه الشريحة التي تحركت، فأثّرت ، وأحرجت أكثر من طرف ، وحققت أكثر من إنجاز على الصعيدين الخاص والعام، وعلى المستويين التعليمي والسياسي .

    لم يطالب المعلمون في ذلك الحين بعطلة أسبوعية من يومين، بل طالبوا بتدريس ساعتين إضافيتين دون أي مقابل في صباح يوم الجمعة من كل أسبوع، وقد نفّذ كثيرٌ منهم هذا الإجراء!! كما قام بعضهم بإعطاء الطلبة ساعةً قبل بدء اليوم الدراسي ، وساعة بعد انتهاء الدوام المدرسي.. ولسنا بحاجة لذكر ما قام به كثير من المعلمين في العام ثمانية وثمانين  عندما كانت الانتفاضة في أوجها.. لقد فتح كثير من الناس بيوتهم لممارسة التعليم الشعبي.. وخاض المعلمون غمار تلك الحرب بقوة، وتمكنوا من تحويل كثير من البيوت والمساجد والمنتديات والجمعيات إلى مدارس خلال ساعات معينة، وفي أوقات محددة من النهار تمامًا كالمدارس.. وكانت الأمور تسير سيرًا طبيعيًّا أو شبه طبيعي لأن أولئك الذين أزعجتهم هذه الخطوة كانوا يلاحقونها، ويتعقبون نشطاءها ،  وكانوا لها بالمرصاد... إنني مع المعلم في كل ما يطالب به  .. ولكنني لست معه في هذا المشهد المحزن.. مشهد طلبتنا وهم يعطلّون يومين، وقد يعطلون يومين آخرين احتجاجًا وإضرابًا لهذا السبب أو ذاك، وهم يعطلون أيامًا وليالي  في عيد الفطر بعد شهر كامل من التعليم الجزئي، وأيامًا وليالي في عيد الأضحى، وعيد المرأة، وعيد العمال، وعيد الاستقلال، وأعياد أخرى كثيرة نعدّ منها ولا نعدّدها!! يضاف إلى هذا كله عطلةٌ صيفية من ثلاثة أشهر بالكمال والتمام .

     وإذا سألت عن عدد الأيام الدراسية التي نفّذها المعلمون في العام الدراسي، أو الفصل الدراسي وجدت أنها لا تشكّل إلا نسبة ضئيلة من عدد أيام السنة... إنها لا تكفي لإنهاء منهاج، وفهم مقرر، والارتقاء بجدارة إلى صف جديد أو مرحلة جديدة ، وكيف يمكن أن يكون عامًا دراسيًّا هذا الذي لا يكاد عدد أيامه يبلغ مئة وخمسين يومًا في أحسن الأحوال؟؟

   الناس مع المعلم  شريطة أن يتعلم الطلبة.. وأن يسلك الطلبة سلوكًا حسنًا في المدرسة والبيت والشارع.. وشريطة أن تزور مدارسنا لجان متخصصة فتنشر تقارير مُطَمْئِنَةً عن سير العملية التربوية التعليمية في هذه المدارس، وشريطة أن نكون جميعًا : مربين ، ومسئولين ، وأولياء أمور القدوة الحسنة لطلبتنا الذين نريدهم أن يكونوا – حقًّا وصدقًا – درع هذه الأمة ، وحماة هذه الديار ، وتحية إلى المعلم الفلسطيني في عيده .

10/12/2008م


الأحد، ١٤ كانون الأول ٢٠٠٨

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنوانًا تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

2.               غرور      بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

    قالت: ألا ترى ما أرى؟

    قلت: وماذا ترين؟

    قالت: أن هذا الوطن قد ضاع، وأن هذا الشعب قد شبع موتًا..

    قلت: ما كل هذا التشاؤم؟

    قالت: إنها الحقيقة.. انظر.. إنه يكذب ويكذب، ولا يمارس إلا الكذب في كل ما يقول ويفعل.. وهو يزوّر ويجهد نفسه في التزوير مستخفًّا بعقول الناس حتى تصبح حياته كلها تزويرًا في تزوير.. لقد تعددت شخصياته، واضطربت مسلكياته، وأصبح أمره عجبًا.. لا يرى في هذه الدنيا إلا نفسه.. ولا يكف لحظة عن التغني بأمجاده، والحديث الذي لا ينتهي عن صولاته وجولاته... أي مهووس كاذب مخادع هذا المسخ يا رجل؟

    قلت: وما علاقة هذا بالوطن الذي ضاع، وبالشعب الذي شبع موتًا كما تقولين؟

    قالت: إن مثل هذا المغرور مستعد لفعل كل شيء من أجل إرضاء غروره، وإشباع نزواته التي من الصعب إشباعها، وإنه ومن هم على شاكلته من الحمقى والمخدوعين وعبيد الذات الجبناء من كافة الفئات والمستويات مستعدون لخدمة من يعزف لهم على أوتار ضعفهم ونقصهم وأطماعهم التي تفوق حدود الخرافة والوقاحة لتلامس جدران الخطورة التي تتهدد الوطن والمواطن.. إنهم مطايا لكل من ركب، ولكل من سيركب أيضًا! يسخرهم الأسياد لتدمير المجتمع بمهاجمته كالفيروسات على هذا الموقع، أو تلك الجبهة.. والتنقل به من كارثة إلى كارثة، ومن نكبة إلى نكبة، حتى يتم تدميره في النهاية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا.. وحتى يتم تخريبه من الداخل على أيدي هذا النفر من أبنائه.. والآن أفهمت؟ وهل توافقني على ما أقول؟

    قلت: إنك تسيئين الظن بالناس، وتبالغين في تقدير الأمور، وتحليل الأحداث والشخصيات وإصدار الأحكام عليها.. وتسرفين بذلك على نفسك، وعلى غيرك أيّما إسراف.

    قالت: ألا ترى معي أن التافهين المغرورين من سقط المتاع هم أكثر استعدادًا من غيرهم لمناصبة مجتمعهم العداء، ولضربه بالطريقة التي يحددها الخصوم والأعداء؟

    قلت: ليسوا سواء.. وليسوا وحدهم.. ويتوجب على المجتمع إصلاحهم وعلاجهم وانتشالهم من الضياع والسقوط قبل محاسبتهم ومعاقبتهم.. إنهم ضحايا أولاً وقبل كل شيء.. أتفهمين؟

    قالت: ماذا تتوقع أن يحدث عندما يصبح هؤلاء في موقع المسئولية والتأثير على صنع القرار وصانعيه؟ وعندما يصبحون القدوة للأطفال وللبسطاء من الناس...؟ أين هو المجتمع الذي تتحدث عنه، وكيف سيصلح مجتمع مقموع بائس هؤلاء الجامحين الذين أصبحوا نجومًا في ليالي الهزائم المظلمة؟

    قلت: لا تستخفي بهذا المجتمع.. ولا تستصغري شأنه.

    قالت: ولماذا إذن كل هذا التراجع الذي يصل حافة الانهيار في كافة أموره وأحواله؟

    قلت: إنها الضغوط التي تمارسها قوى الضلال والعدوان في هذا العالم عليه كي يستسلم ويرضخ.

    قالت: وهذا الذي يملأ الدنيا جعجعةً وهذيانًا، ولا يكفّ عن التغني بعظمته وأمجاده بسبب وبدون سبب؟

    قلت: إن كان كذلك فهو صادق.

    قالت: وإن لم يكن كذلك؟

    قلت: وما شأنك أنت؟ دعيه وشأنه، ولا تسّبحي أنت بحمده.. أو فسبّحي إن شئت.. هذه ليست قضية.

    قالت: والأكاذيب التي يقرع بها رؤوسنا، والأفلام المحروقة التي يزكم بها أنوفنا؟

    قلت: أوهن البيوت!

    قالت: أما من مرجعية؟

    قلت: بلى يا صبية.

    قالت: وأين هي؟

    قلت: الحقيقة دائمًا تفرض نفسها في  النهاية، وتسطع كالشمس لا تحجب بالغِربال.

    قالت: وأين الحقيقة؟

    قلت: وعين الرضى...

    قالت: أهكذا هم الناس في هذا الكون من حولنا؟

    قلت: كثير من الزعماء والمشاهير في هذا العالم الذي تتحدثين عنه هم من صنع الإعلاميين، وأجهزة الإعلام التي ألّهتهم، وسبّحت بحمدهم، حتى أوصلتهم حدود الأساطير بعد أن وقعت في أحابيلهم.. وربما عن قصد وسبق إصرار.. لست أدري.

    قالت: والكذابون التافهون المهزوزون..ماذا يريدون من الناس؟

    قلت: يبنون أمجادًا وقصورًا في الهواء بحجم الخوف الذي يسكنهم، وبحجم شعورهم الدفين بالمهانة والخواء.

    قالت: أما لهذا التيه من نهاية؟

    قلت: في انتظار المعجزة.

    قالت: وهل ستأتي؟

    قلت: ربما.

    قالت: وأمانينا وتمنياتنا؟

    قلت: وما نيل المطالب...

(2007)

 


الأحد، ٧ كانون الأول ٢٠٠٨

وعاد العيد يا غزة!!

متابعات

وعاد العيد يا غزة!!

أ. عدنان السمان

www.samman.co.nr

يا كل أطفال غزة، يا أحرارَها وحرائرها.. يا كلَّ عمالها، وفلاحيها، وطلبتها، ومثقفيها، وتجارها، وصنّاعها، ومعلميها.. يا شهداءَها، وجرحاها، وأسراها.. يا كلَّ جياعها ومرضاها.. أيها المروَّعون المستهدفون من أبنائها وبناتها.. يا أهل غزة.. يا كل أهل القطاع الشامخ.. أيها الساهرون القائمون الثابتون في زمن الردة.. أيها المنتصرون في ليل الهزيمة والمذلة والتراجع والهوان.. بوابة النصر على مدى الدهر.. يا أهل غزة أنتم .. سلام عليكم.. سلام عليكم.

سلامٌ عليكم أيها الجياع في العيد.. سلام عليكم أيها الأضاحي في عيد التضحية والفداء.. سلام عليكم في طوافكم وصلاتكم وبكائكم ودعائكم وصيامكم وقيامكم وهيامكم وتكبيراتكم وتلبياتكم واستغاثاتكم أمام هذا الباب الذي آن له أن يُفتح، وأمام هذا الجدار الذي آن له أن ينهار بعد نيّفٍ وتسعة عشر عامًا من انهيار سور برلين!! وأمام هذه القلوب التي آن لها أن ترق وأن تلين!!.

سلام عليكم أيها الرازحون تحت وطأة هذا الحصار الذي أُحكمت حلقاته، ولم يستثن قريةً، أو مخيمًا، أو حيًّا من مدينة في هذا القطاع الصابر المرابط، ولم يميّز بين شيخٍ فانٍ، وطفل رضيعٍ، وجنين في بطن أمٍّ عليلة فزعة مروَّعة، وطالب علمٍ يبحث عن شمعة تنير له صفحة من كتاب؛ فلا يكاد يعثر لها على أثر، ومريض باحثٍ عن حبة دواء، أو وجبة صغيرة من غذاء، فلا يكاد يجد شيئًا من هذا وذاك بعد أن نفد الغذاء، وعزَّ الدواء.

سلامٌ عليكم يا كلَّ الأهل في غزة ودير البلح و خانيونس ورفح.. سلام عليكم بعد التقليص في قطاعكم المصغَّر هذا الذي لا تبلغ مساحته اليوم ثلث ما كانت عليه في أيام الانتداب البريطاني على فلسطين، إذ كانت آنذاك ألفًا ومئة وتسعين كيلو مترًا مربعًا.. سلام عليكم في قطاعكم المصغر هذا الذي لا تكاد مساحته تبلغ ثلاثمئة وثمانية وسبعين كيلو مترًا مربعًا يعيش فيها أكثر من مليون ونصف المليون من أهلنا، أكثر من نصفهم هُجّروا من ديارهم وأماكن سكناهم في المناطق التي احتُلت من لواء غزة عام ثمانية وأربعين، وكذلك من مناطق بئر السبع والمجدل و أسدود... سلام عليكم يا كل الأهل في هذا القطاع، ويا كل الأهل في هذا الجزء الغالي من أرض فلسطين.. هذا الجزء الحر الذي لم يحنِ الجبين يومًا لغازٍ، ولم يخضع يومًا لمعتدٍ، ولم يساوم يومًا على حرية هذا الشعب وكرامته وحقوقه الوطنية الثابتة في بلاده، وبلاد آبائه وأجداده فلسطين.

ها هو العيد يا غزة يجتاز الحدود، ويخترق المعابر والسدود زائرًا ومصافحًا ومباركًا مواقفكم، وحسن بلائكم، وشرف انتمائكم، وجهادَكم في الله حقَّ جهاده.. ها هو العيد يزوركم، ويشد على أياديكم بعد أن خذلكم مَن خذل، وتنكَّر لكم من كنتم له الأهل والجار والحليف والرديف.. فغزة لم تكن يومًا لتنفصل عن مصر منذ فجر التاريخ، بل هي بوابتها إلى فلسطين وبلاد الشام، ومنها إلى آسيا وأوروبا.. وبحر غزة هو همزة الوصل بين الساحل المصري على المتوسط والساحل السوري الممتد إلى ما وراء أنطاكية في أقاصي بلاد الشام، هذا الساحل الذي شهد ميلاد أول أسطول عربي إسلامي، وشهد أول معركة بحرية تلك التي جعلت من المتوسط بحيرة عربية في ذلك الزمن الذي كان فيه رحم هذه الأرض العربية ينجب الرجال الرجال ... كما أن بحر غزة المحاصر هو نفسه بحر غزة الذي كان واحدًا من أعظم الموانئ على البحر المتوسط عندما كان ميناءً حرًّا في زمن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي أحب غزة، وأحب فلسطين، ودافع عن عروبتها حتى آخر لحظات حياته.. كما أن أحدًا لا يمكن أن ينسى أن مساحة مياه غزة الإقليمية كانت أكبر من ضعفي مساحة اليابسة، ومن تلك المياه الإقليمية إلى كل مياه الدنيا وموانئها دون أي استثناء!!

وعاد العيد يا غزة، لتعود معه الذكريات، وأحاديث الذكريات.. أحاديث الماضي والحاضر، وكل ما هو آت آت.. عاد العيد يا غزة، وعاد الحديث عن الأضاحي والدماء، عاد الحديث عن الأضاحي والمحبة والفداء.. عاد العيد يا أهل غزة لنقول: كل عام وأنتم بخير.. أعاده الله عليكم، وعلى الشعب العربي الفلسطيني، وعلى أمة العروبة والإسلام بألف خير.. عاد العيد يا شعب غزة لنقول: "ما ضاع حق خلفه عيناك يا شعب الأضاحي". وكل عام وأنتم بخير.

8/12/2008 


الأربعاء، ٣ كانون الأول ٢٠٠٨

ناشر كتابات الأديب العربي الفلسطيني عدنان السمان يقدم :

(حكايات من زمن التيه)

هذا هو القسم الثاني من كتاب " زمن التيه" ويشتمل على أربعين عنواناً تشكل القسم الثاني من هذا الكتاب:

1.               دروس      بقلم :عدنان السمان

www.samman.co.nr

 

    أفاق شيخنا من إغفاءته على صوت انفجار قريب، ففتح عينيه بصعوبة محاولاً أن يرى من يخبره بما جرى.. الانفجار الثاني كان أقرب من سابقه، وكان صوته مرعبًا، وتهاوت في الحال بناية عالية بعد أن أُنذر سكانها بضرورة مغادرتها وهم يضعون أيديهم على رؤوسهم.. وتوالت بعد ذلك الانفجارات، وتوالى سقوط البنايات التي لم يغادرها سكانها.. بينما واصلت مروحيتان هجوميتان، وأخرى قاذفة مقاتلة قصفها وعربدتها في سماء المدينة المحاصرة... وهبت جموع المواطنين من كل أنحاء المدينة تساعد طواقم الإسعاف والإنقاذ من المتطوعين في تقديم المساعدة للضحايا والمصابين بنقلهم إلى المستشفيات.. وإخراج من علقوا منهم بين الأنقاض... بينما ارتفعت الأصوات الغاضبة بالتهليل والتكبير والهتاف، واستنكار هذه الأفعال الآثمة المدانة، والتوعّد بالرد.

    غادر الشيخ بصعوبة ساحة بيته الصغير الملاصق للمدرسة وهو يجر وراءه أثقال أعوامه التسعين ليشارك الناس تحركهم ومشاعرهم في تلك الظهيرة الساخنة.. وأشفق عليه عدد من الفتية، وأجلسوه تحت شجرة بجوار باب المدرسة قريبًا من بيته، حيث بادره أحد الفتية بالسؤال عن سبب خروجه وهو في  هذه السن.. مضيفًا أنه ينبغي عليه البقاء في بيته... وقبل أن ينهي الفتى كلامه نظر إليه الشيخ باهتمام وهو يقول إنه منذ بداية عهده بالحياة لم يتغيب يومًا عن القيام بالواجب في سائر المناسبات العامة، والأحداث الجسام التي شهدتها هذه الديار، ولا تزال..

    قال الفتى (وعلامات العطف والإعجاب بادية على وجهه): أسمعُ – يا جدي – أنه بعد أيام معدودات يحيي الناس يوم الخامس من حزيران، أو ما يسميه بعضهم ذكرى النكسة، وقد أحيا الناس منذ أيام ذكرى الخامس عشر من أيار، أو ما يسمونه ذكرى النكبة.. وأسمع كذلك عن حق العودة، وعن التقسيم، كما أسمع عن وعد بلفور وأشياء أخرى كثيرة أفهم بعضها، ولا أفهم كثيرًا منها... فهل تساعدني يا جدي على فهم هذه الأمور؟

    قال الشيخ: أما بلفور.. فهو سياسيّ إنجليزيّ يهودي منح الحركة الصهيونية بقيادة ثيودور هرتزل وعدًا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.. وكان ذلك في الثاني من شهر تشرين الثاني من عام سبعة عشر وتسعمئة وألف. وهذا هو يوم مولدي أيضًا إذ سأحتفل بعد خمسة أشهر بمرور تسعين عامًا على هذه الذكرى!

    وأما التقسيم.. فهو ذلك القرار الذي يحمل الرقم (181) والصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني من العام سبعة وأربعين وتسعمئة وألف، أي بعد ثلاثين عامًا وسبعة وعشرين يومًا من صدور وعد بلفور.. وهذا القرار يقضي بإقامة دولتين في فلسطين: واحدة لليهود في (56% من مساحة فلسطين)  والثانية للعرب الفلسطينيين في (44%) وقد أقام اليهود دولتهم في الخامس عشر من أيار عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف (أي بعد ستة أشهر وستة عشر يومًا من صدور قرار التقسيم) على نحو ثمانين بالمئة من مساحة فلسطين (التي تبلغ أكثر من سبعة وعشرين ألف كيلو متر مربع) بعد أن تم تهجير ثمانمئة ألف عربي فلسطيني من ديارهم (كانوا يشكلون ثلاثة أرباع الشعب العربي الفلسطيني في تلك الأيام) وقد صدر بحقهم في الحادي عشر من شهر كانون الأول من العام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف القرار الذي يحمل الرقم (194) والقاضي بعودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم عودة كريمة، وتعويضهم عما أصابهم من قتل وتشريد ومعاناة... ولكنهم لم يعودوا حتى اليوم.. وقد أصبح عددهم في أيامنا هذه نحو خمسة ملايين لاجيء ينتظرون تنفيذ ذلك القرار الذي لم يُنفَّذ حتى يومنا هذا.. بل إن هنالك من يطالب بإلغائه علنًا في هذه الأيام دون سبب، ودون وجه حق...

    وأما الخامس عشر من أيار.. فهو – كما قلت لك- اليوم الذي أقام فيه بن غوريون وغيره من قادة العصابات اليهودية المقاتلة في فلسطين دولة لليهود في معظم مساحة فلسطين.. وقد قالوا يومها إنها دولة ديمقراطية لكل سكانها بما في ذلك العرب الذين لم يغادروها عام ثمانية وأربعين.. ويشكلون اليوم عشرين بالمئة من مجموع السكان هناك.

    وأما الخامس من حزيران.. فهو اليوم الذي قامت فيه تلك الدولة بهجومها الشامل في صبيحة الخامس من حزيران عام سبعة وستين وتسعمئة وألف على "جيرانها" العرب، وتمكنت في ذلك الإثنين من احتلال ما كان قد تبقى من أرض فلسطين (الضفة الغربية، وقطاع غزة) إضافة إلى شبه جزيرة سيناء، وأجزاء من هضبة الجولان. وأما المسافة الفاصلة بين الخامس عشر من أيار، والخامس من حزيران موضوع الحديث فهي تسعة عشر عامًا وإحدى وعشرون يومًا...

    ليس هذا – فحسب- هو ما ينبغي أن تفهموه.. بل يحسن بكم – أيها الفتيان – أن تدركوا جيِّدًا أنه ومنذ بدء النكبة، وتهجير معظم عرب الجليل والمثلث والنقب والسهل الساحلي بدأ ما يمكن أن يسمى بالدياسبورا الفلسطينية، أو الشتات الفلسطيني.. أو ما أسميه التّيه  الفلسطيني.. هذا التيه الذي كان من المفترض (تاريخيًّا، وبناء على تجربتهم) أن ينتهي بانقضاء أربعين عامًا على بدئه.. أي في العام ثمانية وثمانين وتسعمئة وألف.. ولكنه لم ينته.. بل استمر هذا التيه يعصف بالفلسطينيين في منافيهم، ويدمر حياتهم، ويصيبهم باليأس والقنوط والإحباط.... ويحسن بكم - أيها الفتيان- أن تذكروا أنه في العام ثمانية وثمانين كان إعلان وثيقة الاستقلال، وأن المسافة الفاصلة بين الخامس عشر من أيار عام ثمانية وأربعين، والخامس عشر من تشرين الثاني عام ثمانية وثمانين هي أربعون عامًا وستة أشهر.. كما يحسن بكم أن تذكروا أن المسافة بين الخامس من حزيران وذلك الإعلان هي إحدى وعشرون عامًا وخمسة أشهر وعشرة أيام.. ولا أريد أن أرهق أسماعكم بالأرقام التي سوف أكفّ عن الحديث عنها، ولكن ليس قبل الإشارة إلى أن المسافة الفاصلة بين ذلك الإعلان وخامسنا هذا من شهرنا هذا في بلدنا هذا هي أقل قليلاً من تسعة عشر عامًا.. وأما المسافة بين الخامس من حزيران عام سبعة وستين وهذا الخامس الذي ستهل علينا أنواره بعد أيام فهي أربعون عامًا بالكمال والتمام... أربعون هنا، وتسعة وخمسون هناك.. وإعلانٌ بعد (أربعين) أيار لم يوضع شيء منه موضع التنفيذ.. ومجازر واجتياحات ودمار واقتتال واحتراب، ونكبات تتجدد في ذكرى النكبة.. ودماء ودموع ودمار في ذكرى النكسة... وماذا بعد أن أنهينا هنا في هذا الجزء من الوطن أربعين عامًا بالعدد؟ ماذا ينتظرنا اليوم ونحن لا نرى إلا رمالاً تذروها الرياح في كل اتجاه؟ لئن خرجوا هم من تيههم بعد أربعين عامًا.. فمتى نخرج نحن منه؟ ولئن كان بينهم من أنقذهم منه آنذاك.. فكانت  المعجزة، وكان الخلاص... فهل أنبتت أرضنا من يفعل هذا؟ وهل خرج من رحم هذه الأرض من يكون على يديه الخلاص.. فتكون معجزة خروجنا من هذا التيه الذي يعصف بنا، ويتقاذفنا ذات اليمين وذات الشمال؟ أم أننا ماضون في سبيلنا من تيه إلى تيه.. ومن نكبة ونكسة وهزيمة وفتنة وخلاف وخصام واقتتال إلى طوفان جديد يملأ الآفاق دمًا وهوانًا ومذلةً وحقدًا أسود.. طوفان ليس فيه سفينة، أو حتى خشبة نجاة يتشبث بها من يعيد الحياة من جديد إلى هذه الأرض؟

    ولئن كان من تساقطوا في الماضي أفرادًا.. فهل أصبح هذا ما يُراد بنا جميعًا دون استثناء في هذه الأيام؟ وهل أصبحنا نتسابق للسير في طريق المهانة والمذلة والسقوط والانتحار الذاتي بعد كل هذه المآسي والنكبات والحلقات التي كان بعضها يؤدي إلى بعض بشكل محكم ونظام غريب عجيب.. أم أن معجزة لا ينتظر كثير من الناس حدوثها ستحدث، ويحدث معها خروجنا من هذا التيه؟

    قال الفتى: إلى اللقاء يا جدي.. شاكرين لك هذا الجهد.. بارك الله فيك، ورضي عنك، وأرضاك، وأدامك شاهدًا على هذا العصر، ومرشدًا لهذه الأجيال مع كل الغيورين الأوفياء الأكْفاء من أبناء هذه الديار.

    قال الشيخ: قل: إلى الملتقى أيها الحفيد الغالي – فتح الله عليك- فإني أرى علامات الذكاء والنبوغ بادية على وجهك في زمن الجهل والجهالة هذا... وقل أيضًا: مع كل الغيورين الأوفياء الأكفياء من أبناء هذه الديار. فالأكْفاء هم النظراء، ومفردها "كفء" وإذا قلت: الأكِفّاء فأنت تقصد المكفوفين فاقدي البصر، ومفردها "كفيف" وأما الأكفياء (وهو ما تريد قوله هنا) فهم القادرون الذين يؤدون العمل بجدارة واقتدار، ومفردها "كفيّ".. ومثالها: نبيّ: أنبياء. وليّ: أولياء... وإلى الملتقى أيها الأحبّة.

28) /2007/5)

 

 


الثلاثاء، ٢ كانون الأول ٢٠٠٨

متابعات

في مغارم التقسيم .. ومغانم الترسيم

أ. عدنان السمان  

www.samman.co.nr

الغُرم : هو المخسر، أو الخسارة، وجمعها: مغارم. أما المغْنم أو الغُنْم: فهو المربح، أو الربح، وجمعها مغانم.. وحسابات الخسائر والأرباح قد تكون مادية، وقد تكون معنوية؛ فالإنسان قد يخسر مالاً منقولاً أو غير منقول، وقد يخسر صداقةً أو علاقةًً، أو قرابة أو غير ذلك من الأمور المعنوية.. ومهما يكن، فإن المغارم أو الخسائر جميعها مؤلمة دون استثناء، وبعكس ذلك –بالطبع- تكون المرابح والمكاسب والمغانم.

على أنه لابد من الإشارة إلى أن الأمر هنا نسبي، "فمغارم" قوم عند قوم "مغانم"، وعكسها صحيح بلا خلاف، ولابد من الإشارة أيضًا إلى أن الأمر هنا قد يكون أخلاقيًّا.. شرعيًّا.. مشروعًا، وقد يكون غير أخلاقي.. وغير شرعي.. وغير مشروع.. وهنا ينتفي سبب رئيس من أسباب المِلكية والتملك، ويدخل الأمر –بذلك- في عداد الكسب غير المشروع، ويصبح من الضروري أن يعاد النظر في الأمر على قاعدة إحقاق الحقوق، وعلى قاعدة أنه "لا ضرر ولا ضرار"، وعلى قاعدة أن "الحق قديم" وأن "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" ... وبغير ذلك يصبح الأمر مدعاة لمزيد من الجور والتسلط والطغيان، وبالتالي لمزيد من الرفض والغضب والإصرار على التصدي للعدوان؛ فينتفي الأمن والأمان، وتضطرب الأحوال، وتسود الكَون شريعةُ الغاب، ويحكم البشريةَ قانونُ المخلب والناب.

إن ما يمكن أن يقال في حياة الأفراد، والأزواج، والأُسر، والمجموعات، والجماعات، والفئات، والشرائح، والمستويات من متشابه وغير متشابه يُقال أيضًا في حياة الشعوب والأمم والأعراق والدول، ويقال أيضًا في كل صغيرة وكبيرة من صغائر هذا المجتمع الدولي وكبائره.. لا أرى فرقًا بين إنسان طيب مهذب مسالم ودود هنا، وآخر في آخر الدنيا، تحسبهما –لفرط الشبه بينهما- أخوين توأمين، رغم بعد الشقةِ واختلاف الألوان والأديان والألسن... ولا أرى أدنى فرق بين محتال مخادع مزوّر، أو لص فاتك كاسر، أو مقامر مغامر في هذا الركن من الكون أو في تلك الزاوية منه... وإن ما يمكن أن يقال في كاذب وصولي خرب الذمة والضمير يمكن أن يقال في زعيم عصابة، ويمكن أن يقال في رئيس دولة باغية معتدية تبيح لنفسها كل المحظورات والممنوعات، وترتكب كافة الموبقات والمحرمات، وتمارس كل ألوان العدوان، وكل ألوان التنكيل بالإنسان في سبيل تنفيذ أهدافها وغاياتها، وتحقيق مآربها وأطماعها، ووضع يدها على أقوات الشعوب ومقدّراتها.

في مكان ما من هذا الكون مساحة من الأرض يعيش عليها قوم طيبون من الناس يزرعونها، ويأكلون من خيرها، يحبونها، وتحبهم، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.. علاقاتهم حسنة مع كل الناس من حولهم، ومع كل الناس في هذا العالم إلا أولئك الذين جاءوا من وراء البحار، ينشرون الموت والرعب والدمار لتنفيذ الوعود!! وقف أولئك الناس البسطاء في وجوه الغزاة المعتدين، ولم يستسلموا، بل حاربوا، وقاتلوا، وتشبثوا بالأرض... وكان حكم المحكمة، كان حكم القوي بتقسيم هذه الأرض بين أصحابها المدافعين عنها المتمسكين بها، وأولئك الذين يريدون انتزاعها منهم لتكون خالصة لهم من دون الناس بدعوى أن أجدادهم قد أقاموا فيها فترة من الزمن ذات يوم !! ويختلط الواقع بالحلم، وتمتزج الحقيقة بالخيال، وترتفع وتيرة الخلاف والقتال، ويكثر الطابخون والنافخون... ولله في خلقه شؤون!!.

كانت النتيجة أن "التقسيم" الذي حكمت به المحكمة قد أصبح بداية لا نهاية، ووسيلة لا غاية، وأصبحت خسارة أهل البلاد وأصحابها بهذا الحكم تفوق كل خسارة، أصبحت خسارتهم تكبر كل يوم.. تزداد كل يوم.. إنها مغارم "التقسيم" الذي أعطى أكثر من نصف مساحة الأرض للآخرين، وأصبح من جاء حكم المحكمة لصالحهم يتجاوزون ذلك الحكم لتحقيق مزيد من المكاسب، ووضع اليد على أجزاء أخرى من الأرض.. وكانت النتيجة أيضًا أنه بعد ستة أشهر وسبعة عشر يومًا فقط من صدور ذلك الحكم أو القرار وضع الطرف الآخر يده على  نحو ثمانين بالمئة من مساحة تلك الأرض، وشرد نحو ثمانين بالمئة من أهلها.. وتتابعت الأحداث بعد ذلك، وتتابعت معها مغانم " الترسيم" ومكاسبه، إلى أن وضع يده على تلك المساحة كاملة، ليس هذا فحسب، بل وعلى مساحات شاسعة من أراضي الجيران والمجاورين... إنه يريد "حدودًا" توفر له هدوءًا وأمنًا، وإنه "يرسّمها" كما يريد، ويوسّع دائرتها كما يشاء، لأنه يريد أن يضمن لنفسه "حدودًا" يمكن الدفاع عنها!! فإذا سألت أين وصلت هذه القضية اليوم؟ قيل لك: إنها لا زالت شغلهم الشاغل، وإن حدودهم تكاد أن تصل آخر الدنيا شرقًا وجنوبًا دون أن يتمكنوا من الدفاع عنها!! وإنني أقول -كما يقول غيري من الناس في هذا العالم- إن الدفاع عن حدود مفتوحة هو أمر أكثر من مستحيل..وإنهم هم الذين اختاروا.. وإن مغارم التقسيم التي حاقت بأصحاب  هذه الأرض حتى جرّدتهم في نهاية المطاف منها، وإن مغانم الترسيم التي ضاعفت حصة الطرف الآخر في هذه الأيام إلى نحو ألف ضعف.. هذه المغارم والمغانم لم تقل كلمتها، ولم تصدر حكمها الأخير بعد... إننا وإن كنا من الذين يتمنون الخير دائمًا لكل الناس إلا أننا لا نستطيع فعل ذلك نيابةً عنهم.

في مثل هذا يختلط العام بالخاص، ويتفاعل معه.. وفي مثل هذا يختلط النمطي بالإبداعي، والطارف بالتليد، والجديد بالموروث.. وفي مثل هذا تثور الأشجان، وتُحرق الأفنان، وتزهر الأحزان، وتُسقَم الأبدان.. وفي مثل هذا تُشقّ الجيوب، وتُلطم الخدود، وتمّحي الحدود.. وفي مثل هذا يطير الصواب، وتشرق المنون؛ فتلمع الحراب، وتُقتل الظنون، ويسطع اليقين، وتورق السنون، وتنتشي الآداب، وتضحك العيون.

27/11/2008